والدرجات هي: المنازل الرفيعة بعد إدخال الجنة.
وقيل: إن الرحمة هي: أن يتوب عليه أمن، الذنب وإن كان بعد تبكيت
وعقاب، والمغفرة هي: أن يستر ذنوبه فلا تبكيت به.
والدرجات: هو أن يجعل لكل واحد درجة بقدر ما يليق به.
وهي المعبرة عنها بالغرفات، وقد قال ﵊:
"إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض.
أعدّ الله أعلاها للمجاهدين في سبيله "، فقال رجل: ما الدرجة؟
فقال ﵊: "أما إنها ليست بعتبة".
стр. 1612
إن قيل: كيف قال: (وكلًّا وعد الله الحسنى) والكفار من جملة الكل؟
قيل: إن كلًّا هاهنا لم تتناول إلا من تقدّم ذكره من المؤمنين والمجاهدين
والقاعدين.
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)
(تَوَفَّاهُمُ) قيل: هو ماض، وقيل: تقديره تتوفاهم الملائكة.
وذلك في وصف قوم أظهروا الإِسلام ولم يهاجروا.
بل كثروا سواد المشركين يوم بدر فقتلوا،
стр. 1613
فادعوا لما سألهم الملائكة الذين توفُوهم أنهم كانوا مستضعفين.
فكذبهم الله، وقيل: هم الذين نهى عن موالاتهم بقوله:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)
إن قيل: كيف لم يعذرهم لما اعتذروا بالاستضعاف وقد قال
من قبل: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ)؟
قيل: لأنهم كذبوا في دعواهم، والذين عذرهم هم الذين سلبهم الله القوى والقدرة، أو لم يعطهم ذلك كالصبي.
وقال بعض المحققين: ظلم النفس في الحقيقة هو التقصير في تهذيبها وسياستها المذكورة في قوله: (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) وذلك أن كل إنسان
سائسُ نفسِه، فمتى لم يوف حق السياسة
стр. 1614
فقد ظلمها ظلم الوالي رعيته، قال: وخاطب بذلك من أعطاه
القوة ومكّنه أن يبلغ الدرجات الرفيعة، فرضي لنفسه بأخس
منزلة، وكذبهم فيما ادعوه من استضعافهم تنبيهًا أن من أمكنه
استفادة ما به يقدر فهو في حكم القادر فلا يعذر، ثم استثنى
الأصناف الثلاثة فقال: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ)
فذكر لفظ عسى لئلا يركنوا كل الركون، وليكونوا ممن قال
فيهم: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ).
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)
أَخَّر ذكر الغفران إذ هو أبلغ، وقد تقدّم أن
стр. 1615
الوصفين إذا اجتمعا يقدمّ الأعم ويؤخر الأخص، تنبيه
على أن مثل هذه الصفة ليست على وجه المطابقة، واعتبارًا
لحصول المعفو عنه والمغفور له، بل ذلك له على وجه أشرف من
ذلك، والله أعلم.
قوله : (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)
المُرَاغَم: المتحَرَّكُ إما من الرغام أي التراب.
وقيل: هو من رغم أنفه إذا غضب.
والمراد به قريب من قول الشاعر:
стр. 1616
إذا كنت في دار يهينك أهلها. . . ولم تك ممنوعًا بها فتحول
وقيل: نزل ذلك في رجل من بني ضمرة كان مريضًا.
فقال: أخرجوني، فأشرف في الطريق، وقيل: إنه أخذ يمينه
بشماله وقال: قد بايعتك يارسول الله، فبين تعالى أن
المهاجر وإن لم يبلغ المقصد فله بذلك ثواب، وكذا من نوى
стр. 1617
خيرًا وعاقه عائق عن إتمامه.
قوله : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)
الضرب في الأرض من قولهم: ضرب العرق ضربًا.
إذا أسرع التحرك، والفتنة: المحنة وذلك يشتبه.
لذلك استعمل في القتل والإِحراق، ولأجل عمومها قال:
(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)، لأن الفتنة قد تكون قتلًا، وما هو أعظم من
القتل)، وأهل الحجاز يقولون: فتنته، وأهل نجد يقولون:
افتنته ففتن فتونًا.
قال أبو عبيدة يقال: قصرت الصلاة
стр. 1618
وقَصَّرتها وأقيصرتها.
والعدو يقال للوا حد وللجمع، كقوله: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي)
واشترط في القصر السفر والخوف.
وقيل: إنه لما سأل عمر ﵁ النبي ﷺ :
ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ قال:
"صدقة تصدق الله عليكم بها، فاقبلوا صدقته ".
стр. 1619
والقصر: قيل: عنى به الهيئات وأن صلاة المسافر ركعتان
تامتان، وذلك عن عمر وعائشة، وقيل: عنى قصر الركعات
عمَّا عليه في الحضر، قال ابن عباس وجابر: إن صلاة الحضر
أربع، والسفر ركعتان، والخوف ركعة، والضرب في الأرض
стр. 1620
بعضهم يجعله على التعارف، ويعتبره بما يسمى سفرًا.
ولا خلاف أن الخارج إلى قرية بظاهر البلد لا يجوز له القصر.
وبعضهم قيده بمسيرة ثلاثة أيام بناء على تحديد مسح المسافر
وتحريم سفر المرأة بغير ذي محرم، وبعضهم حده بثمانية وأربعين ميلًا، اعتبارًا بسفر النبي ﵊.
وظاهر الآية يقتضي أن لا فرق بين الحج والجهاد وغيره من
الأسفار، ولا بين المطيع والعاصي.
стр. 1621
قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)
قد علَّمنا تعالى كيف نصلِّي صلاة الخوف، فظاهر الآية يقتضي
ما قال ابن عباس: إن الإِمام يلي بكل فرقة صلاة تامة، وهم
يصلُون صلاتهم) في سائر الأوقات.
وقيل: كانت الرخصة في
стр. 1622
ذلك للنبي ﷺ فقط لفضل الجماعة معه.
ومذهب عامة الفقهاء على خلاف ذلك، وكيفية صلاة الخوف، والخلاف فيها مبينة في كتب الفقه.
وقال من يذهب إلى وجوب الجماعة: إن في شرع صلاة الخوف تنبيهًا على وجوب الجماعة،
стр. 1623
وقيل: في صلاة الخوف تنبيه على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة.
وأن تأخير أداء الصلاة عن وقتها لا يجوز، وأن إقامة الصلاة
كانت إلى النبي ﷺ مادام فيهم.
ونبَّه تعالى بقوله: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بما لأجله أمر بتناول الأسلحة للتحرُّز، وأن في حال المرض والمطر يجوز وضع الأسلحة.
قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)
стр. 1624
قيل: إن قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ)، وارد في صلاة المريض.
والآية تقتضي غير ذلك، لأنه قال: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ).
اللهم إلا أن يقول قائل ذلك: هو مثل قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) أي إذا أردت قراءة القرآن.
وقيل: هو حثٌّ على ذكر الله تسبيحًا وتعظيمًا، كقوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ.
وقوله: (مَوْقُوتًا) أي مؤدىً في أوقاته،
стр. 1625
وقيل: منجمًا في أوقاته، قال ابن عباس في هذه الآية وفي
قوله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)
إن الآيتين متضمّنتمان لأوقات الصلاة مجملة، وأن السنة شرحتها.
قوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)
لمّا كان بناء الكلام على فرض الجهاد، وكان ذكر الصلاة
كالاعتراض عاد إلى ما كان في ذكره، فقال: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) والوهن: ضعف مع فتور)، وعاتبهم، فكأنه قال:
стр. 1626
إذا تساويتم في الألم وزدتم عليهم في أن حصل لكم من الرجاء ما
لم يحصل لهم، وعرفتم كون الله عليمًا بما يفعلونه حكيمًا فيما
أمركم به فأمْرُكم إذًا أعلى، فيجب أن تكون قلوبكم أقوى.
والآية يقاربها قول الشاعر وإن كان هي أبلغ:
قاتلي القوم يا خُزاع ولا يَدْ. . . خُلْكُم من قتالهم فشلُ
القوم أمثالكم لهم شعر في الْـ. . . رأس لا ينشرون إن قتلوا
قوله تعالي: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)
стр. 1627
قيل: نزل ذلك في أنصاري سرق درعًا لعمه، فاتهُم بها فَرُئِي
في دار يهودي فأوهم القوم أن اليهودي سرقها، فأعان قوم من
المسلمين هذا الأنصاري، فاعتمد النبي ﷺ قولهم، فأطلعه الله على الأمر، وعاتبه، وأمر بالاستغفار مما همّ به.
قال ابن بحر: يجوز أن تكون هذه الآية راجعة إلى قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا)
فبيّن أنهم مع إظهارهم الإِيمان بما أنزل على الأنبياء يصدّون عمّا
يُدعون إليه من حكم الكتاب.
قال: ومعنى (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) راجع إلى قوله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا)، فنهى عن حسن الظن بأمثالهم، ونهى في هذه الآية عن الدفع عنهم.
стр. 1628
قوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)
أعاد النهي عن الذب عنهم بقوله: (وَلَا تُجَادِلْ)
والمجادلة: المقاتلة، من قولهم: جدلت الخيل، وقيل: المنازعة من الإِلقاء
على الجدالة والجدال المطلق مذموم، ولهذا لم يطلقه للنبي ﷺ حتى قيّده، قال: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
والاختيان: افتعال من الخيانة، واختيانهم أنفسهم
стр. 1629
جعلهم إياها خائنة بما يفعلونه، كقولك: ظلم نفسه.
إن قيل: لم خصَّ لفظ الخوَّان بنفي المحبة عنه، وهو لا يحب الخائن أيضا؟
وقيل: تخصيصه هاهنا تعريض بهم، وتعظيم لفعلهم.
وتنبيه أن من يتحرى خيانة ولا يستمر عليها فهو مُعرّض أن يقلع
فيحبه، ومتى استمر عليها صار مطبوعًا على قلبه، لا يقلع
فتُرجى له المحبة، فإذًا الخائن قد يكون محبوبًا على وجه.
والخوان لا يكون محبوباً بوجه.
وقوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ)
أي الخونة أبدًا يسترون على أنفسهم خيانتهم، لكون قبحها مركوزًا في
نفوسهم، ونبّه أنهم إن ستروها على الناس فليست تستتر على الله.
стр. 1630
وأنهم لنقصهم وجهلهم بالله يراعون الناس أكثر
من مراعاتهم لعظمة الله، وإلى نحو هذا أشار النبي
﵊ بقوله:
"استحيوا من الله كما تستحيون من أحدكم ".
وهذا قريب من قوله: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) الآية.
وقوله: (وَهُوَ مَعَهُمْ) نحو (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ).
قال ابن مسعود: من صلى صلاة عند الناس لا يُصلّي مثلها إذا خلى فقد استهان بالله. ثم تلا هذه الآية.
стр. 1631
قوله : (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)
خاطب الذَّابِّين عن هذا الخائن، ونبه أنكم وإن اعتقدتم
الذَّبَّ عنه في الدنيا وستر خيانته، فالشأن في يوم القيامة عند من
لا تخفى عليه خافية، وحيث لا ينفع إلا من أتى الله بقلب سليم.
ومن فسّر الوكيل بالكفيل فتفسير عام بخاص، فإن الكفيل
وكيل ما، وليس كل وكيل كفيلًا.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)
عامل السوء وظالم النفس وإن كانا يعودان إلى معنى واحد،
стр. 1632
فذكرهما اعتبارًا بحالتين، وقيل: عمل السوء إشارة إلى فعل
الصغائر، وظلم النفس إلى الكبائر.
وقوله: (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) راجع إليه دون الأول.
فكأنه قيل: من فعل صغيرة أو استغفر من كبيرة يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا. وقيل: عمل الإِساءة ما يُفعل بالغير، وظلم النفس ما يختصُ به الإِنسان من ذنب لا يتعداه.
стр. 1633
وقد تقدم الكلام في السوء والسيئات، ومقابلتهما بالحسنات.
قوله : (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)
الأصل في الاكتساب ما يجرّ به نفع، فاستعاره لما يجلب ضرًّا.
تنبيهاً أن صاحبه يقدر فيما تحراه أنه يكسب خيرًا وهو يكسب
شرًّا، ونحوه معنى قوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا).
стр. 1634
وقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا.
ونبَّه بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) على نحو
قوله: (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ).
قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)
عنى بالخطيئة ما لا يكون عن عمد، وبالإثم ما كان عن
عمد، ونبّه أن من رمى بأحدهما بريئًا فهو في استحقاق العقاب
سواء، وإن كان في ارتكاب أحدهما بخلاف الآخر.
وبيَّن أنه يحصل له بذلك معاقبة مرتكب البهتان، ومعاقبة مرتكب الإِثم.
وذلك تعظيم لنسبة الإِنسان ما ارتكبه إلى غيره عمدًا كان أو خطأ.
قال ابن بحر: إن ذلك يرجع إلى المنافقين الذين حكى
стр. 1635
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ)، فقال تعالى في رده (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا).
وقال تعالى في آل عمر ان: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ)، فبين بالآيتين أن الذي أصابهم عقوبة لما كان منهم، وأنه عفا عنهم، وبين هاهنا أن من
أضاف ما أصابه من سوء في متوجهاته إلى النبي فقد أتى ببهتان وإثم.
قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)
كان همّهم أن يضلوه بشهادتهم للأنصاري أنه برئ مما قرن
стр. 1636
به، ومسألتهم إياه أن يقوم بعذره، وقد تقدَّم الكلام في
الفرق بين الكلام والحكمة.
وذكر ابن بحر وجهين:
أحدهما: لولا فضل الله بما أنزله من الكتاب والحكمة لهّم
الكافرون بإضلاله وإدخاله معهم في عبادة الأصنام، لكن لما هداه
صاروا لا يضلونه، بل يضلون أنفسهم.
والثاني: أن الإِضلال عبارة عن الإِهلاك، كقول الشاعر:
فآب مضلوه بخمر جلبه. . . وغودر بالحولان حزم وقائل
стр. 1637
أي لولا أن الله حرسك لهمَّ طائفة بإهلاكك، وما يهلكون بما
يفعلون إلا أنفسهم بما يكسبون لها من العذاب الدائم.
إن قيل: قد كانوا همُّوا بذلك فكيف قال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ)؟
قيل: في ذلك جوابان:
أحدها: أن القوم كانوا مسلمين، ولم يهموا بإضلال النبي ﷺ ، فقد كان عندهم على الصواب.
والثاني: أن القصد إلى نفي تأثير ما همُّوا به كقولك: فلان شتمك، وأهانك، لولا أني تداركت، تنبيهًا أن أثر فعله لم يظهر.
стр. 1638
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الجزء الرابع
الكتاب: تفسير الراغب الأصفهاني
(من الآية ١١٤ من سورة النساء - وحتى آخر سورة المائدة)
تحقيق ودراسة: د. هند بنت محمد بن زاهد سردار
الناشر: كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 1639
قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)
يقال: لكل ما يستحسنه العقل ويعترف به معروف، ولكل ما يستقبحه وينكره منكر، ووجه ذلك أنَّ الله ركز في العقول معرفة الخير والشر وإليها أشار بقوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ) و (فِطرَتَ اللَّهِ) وعلى ذلك البر: ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، واطمئنانها إليه لمعرفتها به.
стр. 1640
والنجوى: تقال للحديث الذي تفرد به اثنان فصاعداً أو للقوم المتنلجين،
قوله تعالى: (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) وأصل ذلك من النَّجْوه، والنَّجَاةُ:
أي الخلاص منها لكون الملتجي إليها ناجياً عن السبيل ويقال: هو في مضية
وتلفة من النوب، ولما كان المتناجيان كثيراً ما ينتبذان في نجوة، قيل انتجيا
стр. 1641
والنجا السرعة كقولهم: ارتفع في المسير ونجوت الجلد، لقولهم: رفعت عنه
الجلد، وإذا جعل النجوى للقوم فمَنْ مجرور على البدل أومنصوب على
الاستثناء، وإن جعلتها للحديث فتقديره: لا نجوى من أمر بصدقة، ولما كان
التناجى مكروهاً في الأصل حتى قال: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ) صار ذلك من الأفعال التي تقبح ما لم يقصد به وجه محمود
стр. 1642
كالمكر والخديعة، فبيّن تعالى أن النجوى لا تحسنُ ما لم تخص بها هذه الوجوه
المستثناه.
فإن قيل: فهاهنا أفعال أخر تَحْسن فلم خص هذه الثلاثة؟
قيل هذه الثلاثة متضمنة للأفعال الحسنة كلها وذلك أنه نبه بالصدقة على الأفعال الواجبة وخص الصدقة لكونها أكثر نفعا في إيصال الخير إلى الغير، ونبه بالمعروف على النوافل التي هى الإحسان والتفضل وبالإصلاح بين الناس على سياستهم
وما يؤدي إلى نظم كلهم وإيقاع الألفة بينهم، ذلك أفضل الأفعال لقول النبي ﷺ : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة، قيل بلى يا رسول الله، قال: صلاح ذات البين ".
فإن قيل: فلم خص مَن أمر بهذه الأشياء دون من تولاها بنفسه وتوليها أبلغ من الأمر بها؟
قيل: في ضمن ذلك توليها، وذاك أنه إذا كان الآمر بالمعروف يستحق الحمد فمتوليه معلوم أنه مستحق لذلك، فكأنه قيل إن من تولي ذلك وآمن به، ونبه بقوله:
стр. 1643
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أن أفعال الخير يستحق بها
الأجر العظيم إذا قصد بها وجه الله، لا أن يفعل رياء وسمعة واستجلاب منفعة أو محمدة من الناس، ووصف الأجر بالعظيم تنببهًا على حقارة ما يفوت في جنبه من أعراض الدنيا.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)
الشق: القطع طولا ومنه استعير
الاشتقاق، وشق العصا وشق عليه الأمر كقولهم مشقة الأمر، وشق كرددت
عصاه، ومشاقة الرسول أن يصير في شق غير شقة كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي يصيرون في حد غير حده، وذلك
أشبه بالاعتقاد والديانة، وأصل الصلا الملازمة، ومنه الصلاة للدعاء ومن أجله قول النبي ﷺ : (ايصلوا يا ذا الجلال والإكرام) أي الزموا مراعاة ذلك،
стр. 1644
والصلا: ملازمة قرب النار للاصطلاء بها فجعل عبارة عن ملازمتها للعذاب
، والصلوان العرقان المكتنفان لجانبي الوركين، يجوز أنه اعتبر فيهما الاصطلاء
كتسمية اليد والرجل المصطلى، والآية قيل: نزلت في سارق الدرع حيث
أظهر النبي ﷺ حاله فأنكر وكذب، وقيل: في طعمة بن الأبيرق لما عبد الأوثان، ولما ذكر قيل: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ)
стр. 1645
ذكر هنا من عمل ذلك ولم يستغفر، وعظم تعالى من يشاقق
الرسول بعد ما تبين الحق له، وعلى هذا قال بعض الحكماء: صغائر الأولياء
أعظم من كبائر العامة، وذاك أنه لا يعذر العالم فيما يرتكبه كما يعذر الجاهل.
فإن قيل ولم كان العالم أكبر جرماً؟
قيل: لأن من لا يعرف الحق يستحق العقوبة بترك المعرفة، لأن العمل لا يلزمه حتى يعرفه أو يعرف من يصدقه، والعالم يستحق بترك معرفته وترك استعماله، فإذن هو أعظم جرما.
وقصد تعالى بقوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) أن من لم يتبين له
الهدى فقد جعل الله له نورًا يهديه، ومن صار معاندًا قطع عنه التوفيق وتركه
هو وهواه، وانقطاع التوفيق هو المعنيُ باللعن والطرد وإليه أشار الشاعر
بقوله: -
إذاَ لمْ يَكُنْ عَونٌ مِنَ الله للفتَى ... فَأكْثَرُ ماَ يَجني عَلَيْه اجْتهَادَهُ
وبين بقوله: (وَسَاءَتْ مَصِيرًا) عظم حالها في العقاب، واستدل
стр. 1646
بالآية على ثبوت الإجماع، وقيل: إن الله عظّم وعيد من يتبع غيرسبيل
المؤمنين " ولا حجة في ذلك لأن المراد بقوله (الْمُؤْمِنِينَ) الإيمان لا ذويه،
فكل موصوف بوصف علق به حكم نحو أن يقال: اسلك سبيل الصائمين والمصلين، يعني بذلك الحث على الاقتداء بهم في الصلاة والصيام، لا في فعل
آخر، فكما إذا قيل سبيل المؤمنين يعني به سبيلهم في الإيمان لا غير.
قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)
إن قيل: لِم لَمْ يشترط فيه التوبة؟
قيل: إن المشرك إنما يلزمه الاسم ما دام يلزمه الوصف، فإذا زال
стр. 1647
وصفه زال اسم الشرك عنه، فإذا كان كذلك، فالمشرك ما دام مشركا لا يغفر له، ومن تاب زال عنه اسم الشرك، فإذا التائب الذي يغفر له ليس هو المشرك، بل هو المؤمن في الحقيقة، ومن أطلق عليه اسم المشرك فعلى اعتبار الماضي، وقوله: (أَن يُشرَكَ بِهِ) موضعه النصب، كأنه قال: لا يغفر الشرك، وقيل: لا يغفر من أجل أن يشرك به، أي لا يغفر من أجل الشرك شيئا من
الذنوب تنبيهًا، أن الذنوب قد تغتفر مع انتفاء الشرك، كما قال: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، وقوله: (ضَلَالًا بَعِيدًا)
فقد تقدم أن الحق والصواب والعدالة وغيرها من وجوه البر تجري مجرى
стр. 1648
النقطة من الدائرة ومجرى المقرطس من المريء، وأن ما عداه كله باطل
وضلالٌ، لكن منه ما هو قريب ومنه ما هو بعيد، كما أن العدول عن المقرطس قد يكون قريبا، وقد يكون بعيداً، كذلك العدول عن الحق يكون قريباً وبعيداً، ولهذا قيل: سمى الله ذنوب الأنبياء، وفجور الكفار حميعاًالضلال، وإن كان بينهما بونٌ بعيدٌ، ولما كان كذلك وكان أفظع الضلال الشرك بالله، نبه بقوله: (ضَلَالًا بَعِيدًا) أن الشرك إذا اعتبر بسائر الضلالات، فهو أكبرهن وأعظمهن، فإن متحريه قد يضل عن الطريق المستقيم ضلالا يصعب رجوعه إليه، فإن مرتكب الذنب الصغير يجري مجرى الضال عن الطريق القريب يرجى عوده إليه، ومن قال إن هذه الآية مجمله، فإنه يجب أن يبني على قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) وإن بناء هذه على تلك يقتضي أن
يغفر ما دونها من الصغائر، فهذا تشبيه منه وترك للظاهر، فإنه تعالى بيَّن أنه
стр. 1649
لا يغفر الشرك، وأنه يغفر ما دون الشرك لكن منهم المغفور له، وعلق بمشيئته فظاهره يقتضي أن الشرك لا يغفر لا محاله، لكن الشبهة في أعيان المغفور لهم الا في الذنب المغفور وهذا ظاهر.
قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠).
من المفسرين، من اعتبر التأنيث ها هنا في اللفظ دون المعنى، وقال: لما كان اسم معبوداتهم مؤنثة نحو اللات، والعزى ونحو الملائكة، سماها مؤنثاً تسميتهم الأذنين والخصيتين والأنثيين، حتى قال الشاعر:
............... ضَرَبْناهُ تَحت الأنثيْين على الكَرْدِ
стр. 1650
أي وتحت الأذنين.
وقال آخر:
ومَا ذَكَرٌ فإنْ تَسْمَنُ فأُنثى ... شديدٌ الأذَم لَيْسَ له بذي ضُرُوسُ
وعني بذلك القُراد لأنه ما دام صغيراً يقال له القراد، وذلك لفظ مذكر،
وإذا كبر يقال له يقاريد، وذلك لفظ مؤنث، فجعله مؤنثاً مذكر، ومنهم من اعتبر التأنيث من حيث المعنى وقال: الموجودات بإضافة بعضها إلى بعض ثلاثة أضرب: فاعل غير منفعل وذلك هو الباري تعالى فقط، ومنفعل غير فاعل وذلك هو للجمادات، ومنفعل من وجه فاعل من وجه هو الإنسان، فإنه بالإضافة إلى الله منفعل وبالإضافة إلى مصنوعاته فاعل، وعلى هذا الوجه