← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

بالآية على ثبوت الإجماع، وقيل: إن الله عظّم وعيد من يتبع غيرسبيل المؤمنين " ولا حجة في ذلك لأن المراد بقوله (الْمُؤْمِنِينَ) الإيمان لا ذويه، فكل موصوف بوصف علق به حكم نحو أن يقال: اسلك سبيل الصائمين والمصلين، يعني بذلك الحث على الاقتداء بهم في الصلاة والصيام، لا في فعل آخر، فكما إذا قيل سبيل المؤمنين يعني به سبيلهم في الإيمان لا غير. قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إن قيل: لِم لَمْ يشترط فيه التوبة؟ قيل: إن المشرك إنما يلزمه الاسم ما دام يلزمه الوصف، فإذا زال

стр. 1647

وصفه زال اسم الشرك عنه، فإذا كان كذلك، فالمشرك ما دام مشركا لا يغفر له، ومن تاب زال عنه اسم الشرك، فإذا التائب الذي يغفر له ليس هو المشرك، بل هو المؤمن في الحقيقة، ومن أطلق عليه اسم المشرك فعلى اعتبار الماضي، وقوله: (أَن يُشرَكَ بِهِ) موضعه النصب، كأنه قال: لا يغفر الشرك، وقيل: لا يغفر من أجل أن يشرك به، أي لا يغفر من أجل الشرك شيئا من الذنوب تنبيهًا، أن الذنوب قد تغتفر مع انتفاء الشرك، كما قال: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، وقوله: (ضَلَالًا بَعِيدًا) فقد تقدم أن الحق والصواب والعدالة وغيرها من وجوه البر تجري مجرى

стр. 1648

النقطة من الدائرة ومجرى المقرطس من المريء، وأن ما عداه كله باطل وضلالٌ، لكن منه ما هو قريب ومنه ما هو بعيد، كما أن العدول عن المقرطس قد يكون قريبا، وقد يكون بعيداً، كذلك العدول عن الحق يكون قريباً وبعيداً، ولهذا قيل: سمى الله ذنوب الأنبياء، وفجور الكفار حميعاًالضلال، وإن كان بينهما بونٌ بعيدٌ، ولما كان كذلك وكان أفظع الضلال الشرك بالله، نبه بقوله: (ضَلَالًا بَعِيدًا) أن الشرك إذا اعتبر بسائر الضلالات، فهو أكبرهن وأعظمهن، فإن متحريه قد يضل عن الطريق المستقيم ضلالا يصعب رجوعه إليه، فإن مرتكب الذنب الصغير يجري مجرى الضال عن الطريق القريب يرجى عوده إليه، ومن قال إن هذه الآية مجمله، فإنه يجب أن يبني على قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) وإن بناء هذه على تلك يقتضي أن يغفر ما دونها من الصغائر، فهذا تشبيه منه وترك للظاهر، فإنه تعالى بيَّن أنه

стр. 1649

لا يغفر الشرك، وأنه يغفر ما دون الشرك لكن منهم المغفور له، وعلق بمشيئته فظاهره يقتضي أن الشرك لا يغفر لا محاله، لكن الشبهة في أعيان المغفور لهم الا في الذنب المغفور وهذا ظاهر. قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠). من المفسرين، من اعتبر التأنيث ها هنا في اللفظ دون المعنى، وقال: لما كان اسم معبوداتهم مؤنثة نحو اللات، والعزى ونحو الملائكة، سماها مؤنثاً تسميتهم الأذنين والخصيتين والأنثيين، حتى قال الشاعر: ............... ضَرَبْناهُ تَحت الأنثيْين على الكَرْدِ

стр. 1650

أي وتحت الأذنين. وقال آخر: ومَا ذَكَرٌ فإنْ تَسْمَنُ فأُنثى ... شديدٌ الأذَم لَيْسَ له بذي ضُرُوسُ وعني بذلك القُراد لأنه ما دام صغيراً يقال له القراد، وذلك لفظ مذكر، وإذا كبر يقال له يقاريد، وذلك لفظ مؤنث، فجعله مؤنثاً مذكر، ومنهم من اعتبر التأنيث من حيث المعنى وقال: الموجودات بإضافة بعضها إلى بعض ثلاثة أضرب: فاعل غير منفعل وذلك هو الباري تعالى فقط، ومنفعل غير فاعل وذلك هو للجمادات، ومنفعل من وجه فاعل من وجه هو الإنسان، فإنه بالإضافة إلى الله منفعل وبالإضافة إلى مصنوعاته فاعل، وعلى هذا الوجه

стр. 1651

مذاهب العرب في التأنيث والتذكير فقالوا: الواحدي ذكر واحدة أنثى، قال: وقد علم أن أكثر ما عبده العرب من الأصنام كانت أشياء منفعلة غير فاعلة، فبكتهم الله تعالى أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون ما ليس هو إلا منفعلاً من كل وجه، وعلى هذا نبه إبراهيم بقوله: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) وقول السلف: يقتضي الأمرين فقد اتفق: أبو مالك والسدي

стр. 1652

وابن زيد (الإناث اللات والعزى) وقال: ابن عباس والحسن وقتادة: هي الأموات، وهذا القول يقتضي أنهم اعتبروا التأنيث في المعنى

стр. 1653

وقال الضحاك: هي الملائكة لزعمهم أنها بنات الله، وقرأ ابن عباس (إلا أُنُثَا) أي وثناً، وهى جمع الوثن، والمارد، والمريد الذي لا يعلق بشيء من الفضائل، و (صَرحٌ ممَرَّدٌ). أي مملس لا يعلق به شيء لملاسته، وشجرة مرداء اعتبارًا بتعريها عن الورق، وغلام أمرد لتعريه عن الشعر، تعرى

стр. 1654

الشجر عن الورق. إن قيل: كيف قال: - (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) ثم قال: (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) فاقتضى نفي ما أثبت؟ قيل: ليس في ذلك نفيٌ فإن دعاء هم للأوثان دعاؤهم للشيطان، وكل باطل قال له تارة الشيطان، وتارة الهوى، وتارة الصنم، لما كانت هذه الأشياء متلازمة ومتشاركة في أنها تدعو إلى باطل، ولما كان عبادة الشيطان في نفوسهم قطعية، تبين لهم أن ما تدعونه وتزعمونه أنكم تقصدون به عبادة الله، وتقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وتقصدون به الشيطان، ثم قال: (لَعَنَهُ اللَّهُ) التفاتاً، وصرف الكلام إلى وصف الشيطان، وقوله: (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ) وذلك إما حكاية عما أورده نطقاً، أو عما أتاه فعلا، ً فيكون نحو: امتلأ الحوض وقال قطني ................

стр. 1655

ومعنى قوله: (مَفْرُوضًا) معلوما مقسوما، وقيل: مقطوعا منهم، وهم الذين سباهم الشيطان، ووصفهم بقوله: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) والبتك: القطع على سبيل التفريق، وبتك الآذان؟ قيل: هو الذي كانوا يفعلونه بالبحيرة، روي ذلك عن السدي، وقتادة، وعكرمة: وقيل: فيه إشارة إلى كل ما جعله الله كاملا بفطرته، فجعله

стр. 1656

الإنسان ناقصا بسوء تدبره، وذاك أن الإنسان بالقوة مخلوق خلقة كاملة، قد رشحه الله أن يزكي نفسه ومن دساها فقد خسسها، وتغيير خلق الله هو أن كل ما أوجده الله لفضيلة فاستعان الإنسان به في رذيلة فقد غير خلقه، وقد دخل في عمومه جعل الله للإنسان من شهوة للجماع، ليكون سببا للتناسل على وجه غصوص فاستعان به في السفاح واللواط، وذلك تغيير خلق الله تعالى، وكذا المخنث إذا نتف لحيته وتقنع تشبهًا بالنساء، والفتاة إذا ترجلت متشبة بالفتيان، ودخل في عمومه أيضا كل ما حلله الله تعالى فحرموه، أو حرمه فحللوه، وعلى ذلك قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وإلى هذه الجملة أشار المفسرون، وقد روى عن الحمن أنه قال: هو تغيير أحكام الله، ومن قال مرة: هو الوشم إشارة إلى

стр. 1657

ضرب التغيرات ليتبين به الغرض. وكذا من قال بالخصاء، قول: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) لفظه خبر ومعناه نهي، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ) فموالاة الإنسان غيره تكون على وجهين: أحدهما: أن يقصد موالاته، والثاني: أن لا يقصد موالاته، لكن يقع منه ما يرجع إلى صاحبه نفع فهو مواليه فعلا وإن لم يكن مواليه قصدا، وعلى هذا المعاداة فقد يعادي الإنسان غيره قصدا، وقد يقصد موالاته لكن يقع منه ما يرجع إليه ضرره فهو معاد له فعلا، وإن لم يكن معاد له قصدا، وعلى هذا

стр. 1658

(إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) فاتخاذ الإنسان الشيطان مولى هو على الوجه الثاني، فإن الإنسان لا يقصد بفعله موالاة الشيطان. فإن قيل: كيف قال: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) واتخاذ الشيطان وليا مع الله مذموم، كاتخاذه من دون الله؟ قيل: لم يقصد بالآية هذا المقصد، وإنما أريد من ترك تحري موالاة، وفعل ما أدى به إلى موالاة الشيطان، فخسرانه ظاهر لا يتكتم على ذي بصيرة، وقوله: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ) تحذير، وهذا الوعد من الشيطان تارة بالإرادات الودية، والخواطر الفاسدة، حسب ما ذُكر في كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة، وتارة بلسان أولياء الشيطان، وسبب إمكان وصول ذلك إليه كون القوة المفكرة عمياء من تدبر نور الله، وقد تقدم الكلام في حقيقة الأمنية، وأما سبب الحسد، والنميمة، والظلم، وسائر الرذائل، والغرور: إظهار ما تعذر، من ظاهره فيه نفع، وأصله: الأثر الظاهر من الشيء لشيء غره حسنه مخالفة باطنه، ومن هذه سمى الدنيا

стр. 1659

غرورا، فبين أن الشيطان لا يعدهم إلا الدنيا وزخارفها، وقد قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ) قوله تعالى: (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) المحيص: المَعْدِلُ عَلى سبيل الهرب، بيّن أن هؤلاء صاروا في أسر الشيطان، وكما لم يتفكروا من مولاته في الدنيا، لم يتفكروا من مصاحبته في مقره في الآخرة، كما قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ). قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) قد تقدم الكلام في نحوه، فبين أنه قد وعد بذلك في غير موضع من كتاب، بل في غير كتاب، وإذا كان هذا وعده، والوعد ضرب من القيل، وقد ثبت أنه أصدق قيلاً، فإذًا هو أصدق وعدا، ونحوه (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)

стр. 1660

وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ). وقوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) قد تقدم الكلام في حقَيقة الأمنية، ولما كان أكثر ذلك قولا صادرا عن تخمين، لا عن تحقيق، جعل عما تخمن، قال الضحاك: كما أخذ كل فرقة تقول قولاً لا على مقتضى العلم. كما قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ) الآية. (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) وقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) وخاطبهم مستجهلا لهم، كما روى: " ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل). وقوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)

стр. 1661

قال الحسن وابن زيد: هو في الكفار لأنهم مؤاخذون بصغائرهم وكبائرهم، وقيل: هي الكبائر، وقيل: هو عام في جميع الناس، فإن من حصل منه سيء جوزي به إما في الدنيا وإما في الآخرة، وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر ﵁: (فمن ينجوا مع هذا يا رسول الله؟

стр. 1662

فقال ﵊: أما تحزن أما تمرض، أما يصيبك اللأواء، قال: بلى يا رسول الله، قال: هو ذاك " وقد روي: " أن الأمراض تمحيص "

стр. 1663

وكما أنه نبه أن شيئا من السيئات لا يبقى غير مجازى به أيضا، وذكر الذكر والأنثى على التوكيد، وقيل: نبه بذكرهما، على سبيل المثل للسايس، والمسوس فيسمى المسوس أنثى، كما سماها الله تعالى زوجا، في قوله: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)، ونبه بقوله: (وَلَا يُظلَمُونَ نَقِيرًا)، أنهم كانوا جوزوا بالشر فإنهم يجازون بالخير، فإنهم إن لم يجازوا بذلك فقد ظلموا ظلما عظيما، والله تعالى متره عن صغير الظلم فكيف عن كبيره. إن قيل: لم أطلق في الأول فقال: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، وقيد في الثاني فقال: (مُؤمِنٌ)؟ قيل: تنبيها أن عمل السوء يضر على كل حال، وأن يجزى للصالحات لا اعتداد به إلا مضامة الإيمان.

стр. 1664

قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) الدين، والملة، والإسلام واحد من وجه، لكن يقال باعتبارات مختلفة، فإن الدين: هو الانقياد للحق وذلك معتبر بالعبد، والملة: القود إلى الحق من أمللت عليه الكتاب، وذلك معتبر بالله تعالى، وعلى نحوه قالوا: (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، وقال ابن بحر: هو أن يعدوَ الذئب على شيء ضربا من العدو، فجعله اسما معتبرا أيضا بالعبد كالدين، وكأنه من نحو قوله: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)، وقوله قال:

стр. 1665

(وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، والأول هو الوجه، والإسلام: يقال للإسلام الحق والدخول في السلم والسلامة من جهة الله تعالى، والحنيفى؟ قيل: هو المستقيم الطريقه، ومنه الأحنف: للمايل الرجل على سبيل التفاؤل، وقيل حنف أي: مال، وسمى إبراهيم حنيفا من حيث مال عما عليه جمهور قومه من المذاهب الباطلة، ولهذا قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا)، ونبه بقوله (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أن عدوله عنهم لم يكن على وجه مذموم، وإسلام الوجه لله الإخلاص للعبادة، كما قال تعالى: (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) والذي مدح به إبراهيم عليه الصلاة والسلام هاهنا هو الذي حكى عنه، في قوله عنه: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهذا هو الإخلاص الذي هو أعظم مرتبة الإيمان

стр. 1666

، كالمذكور في قوله ﵊ (الإيمان بضع وسبعون درجة)، ومتحروا هذه المترلة هم المستثنون في قوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦). بين تعالى في هذه الآية أن تمام حسن الانقياد لله الإخلاص له مع الإحسان، أي تعاطي مكارم الشريعة فضلا عن الأحكام التي هي العدالة، وقيل: معنى (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: حسن أن يسلم وجهه لله ، منبها على فضيلة العلم، ونبه بلفظ الاستحسان في قوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا) أن ذلك غاية ما يبلغه قوة البشر، ثم قال: - (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي إذا فعل هذا فقد اتبعه، وتخصيصه أن كلا من الأمم ادعى على ملة إبراهيم، فبين أنه بهذا يصير على ملته، وقيل معنى: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) أي: إذا فعل ذلك فقد قام مقام إبراهيم واستحق ما استحقه، (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) أي: إنما

стр. 1667

اصطفاه لما كان فيه لا لحاجة إليه فلله ما في السموات وما في الأرض، تنبيها على أنه غني عن عباده ومالك محيط بكل شيء، والواو في قوله: (وَلِلَّهِ) واو الحال، وإن كان كثيرًا تصوره أنه كلام مستأنف. إن قيل: كيف أعاد ذكر إبراهيم ولم يقل واتخذه؟ قيل: لما كان ذلك كلاما مستأنفا، كان إعادة ذكره أفحم، وأَدَلُ على موضع المدح، قال أبو القاسم البلخي: الخليل من الخُلَّة أي الفقر لا من الخلة، قال ومن قاسه بالحبيب فقد أخطأ، لأن الله

стр. 1668

تعالى يجوز أن يحب عبده فالمحبة منه هي الثناء، ولا يجوز أن يخاله ما ليس بجنسه ، وهذا منه تشبيه لحقيقة موضوع المحبة لا يصح عليه كما لا يصح عليه الخلة ، فإن الخلة من تملك الود نفسه وخالطه، كقولهم: تمازح روحنا، ولهذا قال:

стр. 1669

قَدْ تَخَلَلْتُ مَسْلَكَ الروح منّي ... وبذا سُمِّيَ الخَليلُ خليلا والمحبة: البلوغ بالود إلى حبة القلب، من قولهم: حبيته أي أصبت حبة قلبه، نحو فأدته ورأسته، ومنكر أن يقال: حبيتُ الله، أو حبني الله، فإذا جاز في أبلغ اللفظ الاستعارة ففيما دونه أولى على معنى الثناء، كما ذكر أبو على أو علي معنى الاصطفاء، كما ذكر غيره. قوله : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)

стр. 1670

قوله: (وَمَا يُتْلَى)؟ قيل: هو استئناف، على تقدير: ما يتلى عليكم بين لكم، وقيل: هو معطوف على الله أي: يفتيكم الله، ويفتيكم ما يتلى عليكم، وقد تقدم في صدر الكتاب، أن فعلا واحدا يصح أن ينسب إلى فاعلين باعتبارات مختلفة. فالإشارة بذلك إلى قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى)، وإلى - قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)

стр. 1671

وذلك أنه بين بالآيتين حكم المستفئ فيه، بسبب نزول الآية أن عيينة بن حصن أتى النبي ﷺ فقال: (أخبرنا أنك تعطي الصبي المال وتعطي الابنة النصف والأخت النصف وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة، فقال ﵊: كذلك)، فأنزل الله تعالى الآية. قوله: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ)؟ قيل: تقدير: في أن تنكحوهن، وقيل: عن أن تنكحوهن، قال أبو عبيدة: كلا التقديرين يصح

стр. 1672

لأنك تقول: رغبت أن أصحبك، في معنيين، وكانوا يرغبون في الحسان من اليتامى فيتزوجوهن، وعن القباح فيعضلوهن ماكتب الله لهن؟ قيل: المهر، وقيل: الإرث، الذي لها ومن أجله يرغبون فيها أو يعضلونها، استدل من الآية

стр. 1673

على أنه يجوز التزوج اليتيمة الصغيرة، وأنه يجوز أن يزوجها غير الأب والجد. ولا دلالة في الآية، لأنه قال: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) وذلك بلا استقبال، ولم يذكر في الآية من نزوجها، ومن يزوجها، ولا قصد الآية إلى ذلك فبين حكمه فيها. قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) النشوز: أصله من النًّشْزِ، وهو كالطموح، وأكثر ما يستعمل في بغض المرأة الرجل، والأظهر هاهنا أنه بغض الرجل للمرأة، ويحتمل أنها إن خافت أن ينشز عليها البعل، لإعادة غيرها عليها، فأباح تعالى أن يتصالحا على ترك بعض حقها، قال ابن عباس: هي أنها تكون قد طعنت في السن يرى الزوج استبدال غيرها بها، فتقول أرضي منك بغير نفقة، أو بغير قسمة، وقيل: نزلت في سودة، وكانت قد وهبت

стр. 1674

يومها لعائشة. فإن قيل: لم قال: (أَوْ إِعْرَاضًا) والنشوز منطًوً عًلًى ذلك؟ قيل: الإعراض أعم، فبين أن لا فرق من أن يكون النشوز، أو ما دون النشوز، ثم قال (وَالصّلحُ خَير)؟ قيل: خير من النشوز، وقيل: خير من الفرقة، والأجود أن يكون ذلك عاما فيهما، وفي غيرهما، فإن الناس مدعوون إلى التآلف، والتحاب، ولهذا قال ﵊: " لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا "، وكل موضع يمكن فيه الصلح أحرى بالصلاح على ما يقتضيه العقل والشرع، فالصلح خير، فصار ذلك اعتراضا عاماً، تنبيهاً أن هذا الموضع منه فهو اذُن خير، وكذا قوله

стр. 1675

(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) اعتراضا، تنبيها على ما في ذات الإنسان، والشح أبلغ من البخل إذ هو غريزة. فإن قيل: فلم ذم إذا الإنسان عليه؟ قيل: ذم الإنسان إنما هو باتباعه بأكثر مما يجب، كما يذم باتباع الشهوة ووجوده في الإنسان محمود لوجود الشهوة، واتباعه هو المكروه، ولهذا قال ﵊ (ثلاث مهلكات شح مطاع) فذم طاعة الشح لا ذاته ثم حرض على الإحسان والتقوى وضمن أنه يجازي بها، بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا). قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)

стр. 1676

نبه تعالى على قصور الإنسان عن تحري العدالة بين نسائه، وأن يحرص على تحريها سيما في الحب، ونهى عن كل الميل عن واحدة فتكون معلقة لا زوجا مطلقة ولا ذات بعل، لا بعضه، نبه الله تعالى على صعوبة تحري الحق، وأن الإنسان إذا لم يستطع العدل بينه وبين امرأته مع أن حقها معلوم، فكيف يستطيع أن يعدل بينه وبين رب العزة ونعمه لا تحصى، وحقوقه لا تستقصى، كما قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)، ولهذا قال ﵊: (استقيموا ولن تحصوا)، ثم قال: (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) أي: إن تحريتم الصلاح، واستجملتم التقوى بقدر وسعكم، فهو ما كان منكم. فإن قيل: إذا كان الله لا يكلف إلا الوسع، وقد حكم أنكم لا تستطيعون

стр. 1677

أن تعدلوا، فلا ذنب فيما لا يستطاع، فكيف يغفر ذلك والغفران لا يكون إلا لذنب؟ قيل: الإنسان وإن كان لا يستطيع أن يعدل بين نسائه، فإنه يمكنه أن يحترز من ذلك بأن لا يتزوج بعدة منهن، وكل ما دخل فيما لا يستطيعه فهو مأخوذ بدخوله فيه، كمن شرب فسكر، ثم جنى جناية، فإنه مأخوذ بجنايته، لما كان هو سبب سكره، وروى أن النبي ﷺ كان يقول (اللهم إني أعدل فيما أعدل واستغفرك فيما لا أملك)، وكان يطوف بين نسائه ليقسم بينهن، ثم استأذهن أن تمرضه عائشة.

стр. 1678

قوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) هوكقوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) وقولهم: إن لم يكن وفاق فطلاق، كما أن لهما أن يصالحا بالوفاق، وبين أنه وإن خلقهم، خلقهم يضطر كل واحد منهما إلى صاحبه، فقد أغنى كل واحد منهما عن الآخر يبدل له آخر، فهذا معنى الغنى، وفيه أيضا إشارة إلى الغنى المالي، وقد روي عن الحسن بن علي أنه كان طلق زوجته، فقيل: له في ذلك، فقال: إني رأيت الله تعالى علق على الأمرين غنى، فقال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) الآية، وقال: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) والواسع: عام في الغنى، والقدرة، والعلم، وعقبه بالحكم، منبها أن السعة ما لم يكن معها الحكمة، والعلم، كان إلى الفساد أقرب منها إلى الصلاح.

стр. 1679

قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) لما قال (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ)، نبه على قدرته على ذلك بقوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وسلاه عما يفوته من أغراض الدنيا، بالاعتماد عليه تعالى، وأكد ما قدمه من الأمر بالإصلاح بقوله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) تنبهًا أنه لم يزل يوصي بفعل الخير، وبين أن ذلك لرحمته لا لحاجته فهو غني وقوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)، راجع إلى قوله: (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا) أي: توكلت بكفايتكم، وكفى به وكيلا، وأعاد قوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ثلاث مرات لثلاثة معانٍ: الأول: تسلية للإنسان عما فاته، والثاني: أن وصيته لرحمته لا لحاجته وأنهم إن كفروا به لا يضروه شيئاً، والثالث: دلالة على كونه غنيًا. قوله : (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) أي: هو غني عن خلقه، ومع غناه قادر على إفناء قوم والإتيان بآخرين، كما قال: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ)

стр. 1680

وكما قال: (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ) قال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩)، ويقال لما نزلت الآية ضرب يده ﵊ على ظهر سلمان وقال: (فمن قوم هذا). وقوله: (يُذْهِبْكُمْ) على هذا ليس يشير إلى الأعيان فقط، بل إلى الأنواع الذين هم العرب والعجم. قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) لما بيَّن أن

стр. 1681

له ما في السموات وما في الأرض. بين أنه يعطي منهما ما يشاء من يشاء فثواب الدنيا يرجع إلى ملك الآخرة، وهو الغنيمة وغيرها، من الأغراض الدنيوية وثواب الآخرة يرجع إلى ملك السموات وهو الثواب الأخروي، ونبه أن كليهما منه كقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ) الآية، وكقوله: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) الآية، وبين بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) أنه عارف بالأغراض، والمقاصد، فهو يجازي كلا بحسب مقصده فالأعمال بالنيات، ونبه أيضا أنه يؤتي كل واحد من أغراض الدنيا ما يراه أصلح له، كما قال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)

стр. 1682

وفي قوله: (فَضْلُ اللَّهِ) ثواب الدنيا والآخرة تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أدق السؤالين، مع كون المسؤول مالكا له ولا أشرف منه، وحث على أن يطلب منه ما هو أعلى، وأفضل من مطلوبه، وأن من طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنيء الهمة. \قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) أمر تعالى كل إنسان مراعاة العدالة، ونبه بلفظ (قوامين) على أن ذلك لا يكفي مرة ومرتين، بل يجب أن يكون على الدوام، فالأمور الدينية لا اعتبار لها ما لم تكن على الدوام، ومن عدل مرة ومرتين لا يكون في الحقيقة عادلاً وبين أن العدالة التامة أن يكون حكم الإنسان على نفسه، وذويه، كحكمه على الأجانب، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: (أن تريد لأخيك ما تريد لنفسك)، ونبه على أنه لا يجب أن ينتفع من إيجاب

стр. 1683

الحقوق محاباة لفقر من عليه الحق، أو ميلا لغئ غني فالله أرأف بعباده، وقوله: (وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم) حث على إقامة الشهادة على نفسه بالإقرار، وعلى دونه، ونحوه قوله: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ونص بعض الناس أن ذلك شهادة لهم، وقال: في صدر الإسلام كانت تقبل شهادة الإنسان لأبيه، ثم نسخ، وليست الآية تقضي إلا إقامة الشهادة عليهم لا لهم وذلك مقبول بكل حال، ونهي عن إلزام الحق والتزامه اتباعاً للهو ى، وتقدير: (أَنْ تَعْدِلُوا) كراهية أن تعدلو، وقيل:

стр. 1684

لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، أي: لتكونوا في اتباعكم عدولا، تنبيها أن اتباع الهوى وتحري العدالة متنافيان لا يجتمعان، قوله -: (وَإِنْ تَلْوُوا) إشارة إلى التكبر عن قول الحق، نحو قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) الآية، وإنما قال بهما وأنت تقول رأيت زيدا أو عمرا فأكرمته، ولا تقول فأكرمتهما، فإن الإكرام يتعلق بأحدهما، والآية تتعلق بالناس كلهم غنيهم وفقيرهم، وجعلهم شهداء لله تعظيما لمراعاة العدالة وأنه بالحفظ لها يصير من شهداء الله، وانتصابها على الحال لقوله:

стр. 1685

(قَوَّامِينَ) أو صفة لها أو يكون قوامين حالا، وشهداء خبر كان، ومن قرأ (تلوه) فمن ولي يلي، كأنه قال: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ومن قرأ (تلووا) فقد قيل: جعله من الَلي، أي: المطل، وفي ذلك مخاطبة لمن عليه الحق في ترك المطل، وللحاكم إذا تقدم إليه الخصمان أن لا يدفع الطالب عنه حقه، والشاهدان لا يمتنع بالشهادة لهم
следующие страницы →