← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

له ما في السموات وما في الأرض. بين أنه يعطي منهما ما يشاء من يشاء فثواب الدنيا يرجع إلى ملك الآخرة، وهو الغنيمة وغيرها، من الأغراض الدنيوية وثواب الآخرة يرجع إلى ملك السموات وهو الثواب الأخروي، ونبه أن كليهما منه كقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ) الآية، وكقوله: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) الآية، وبين بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) أنه عارف بالأغراض، والمقاصد، فهو يجازي كلا بحسب مقصده فالأعمال بالنيات، ونبه أيضا أنه يؤتي كل واحد من أغراض الدنيا ما يراه أصلح له، كما قال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)

стр. 1682

وفي قوله: (فَضْلُ اللَّهِ) ثواب الدنيا والآخرة تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أدق السؤالين، مع كون المسؤول مالكا له ولا أشرف منه، وحث على أن يطلب منه ما هو أعلى، وأفضل من مطلوبه، وأن من طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنيء الهمة. \قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) أمر تعالى كل إنسان مراعاة العدالة، ونبه بلفظ (قوامين) على أن ذلك لا يكفي مرة ومرتين، بل يجب أن يكون على الدوام، فالأمور الدينية لا اعتبار لها ما لم تكن على الدوام، ومن عدل مرة ومرتين لا يكون في الحقيقة عادلاً وبين أن العدالة التامة أن يكون حكم الإنسان على نفسه، وذويه، كحكمه على الأجانب، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: (أن تريد لأخيك ما تريد لنفسك)، ونبه على أنه لا يجب أن ينتفع من إيجاب

стр. 1683

الحقوق محاباة لفقر من عليه الحق، أو ميلا لغئ غني فالله أرأف بعباده، وقوله: (وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم) حث على إقامة الشهادة على نفسه بالإقرار، وعلى دونه، ونحوه قوله: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ونص بعض الناس أن ذلك شهادة لهم، وقال: في صدر الإسلام كانت تقبل شهادة الإنسان لأبيه، ثم نسخ، وليست الآية تقضي إلا إقامة الشهادة عليهم لا لهم وذلك مقبول بكل حال، ونهي عن إلزام الحق والتزامه اتباعاً للهو ى، وتقدير: (أَنْ تَعْدِلُوا) كراهية أن تعدلو، وقيل:

стр. 1684

لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، أي: لتكونوا في اتباعكم عدولا، تنبيها أن اتباع الهوى وتحري العدالة متنافيان لا يجتمعان، قوله -: (وَإِنْ تَلْوُوا) إشارة إلى التكبر عن قول الحق، نحو قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) الآية، وإنما قال بهما وأنت تقول رأيت زيدا أو عمرا فأكرمته، ولا تقول فأكرمتهما، فإن الإكرام يتعلق بأحدهما، والآية تتعلق بالناس كلهم غنيهم وفقيرهم، وجعلهم شهداء لله تعظيما لمراعاة العدالة وأنه بالحفظ لها يصير من شهداء الله، وانتصابها على الحال لقوله:

стр. 1685

(قَوَّامِينَ) أو صفة لها أو يكون قوامين حالا، وشهداء خبر كان، ومن قرأ (تلوه) فمن ولي يلي، كأنه قال: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ومن قرأ (تلووا) فقد قيل: جعله من الَلي، أي: المطل، وفي ذلك مخاطبة لمن عليه الحق في ترك المطل، وللحاكم إذا تقدم إليه الخصمان أن لا يدفع الطالب عنه حقه، والشاهدان لا يمتنع بالشهادة لهم

стр. 1686

قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) قيل: معناه يا أيها الذين آمنوا بمحمد أديموا الإيمان، وقيل: معناه يا أيها الذين آمنوا بالأنبياء، قبل محمد آمنوا بمحمد، وقال الزجاج: خاطب بذلك المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وتقديره: على ما قال أن الإيمان ضربان: ضرب: هو يحكم به في الظاهر، وهو الإتيان بالشهادتين والتزام أحكام الشريعة، وهو الذي يُحصِّن دم الإنسان وماله إلا بحقه، وضرب: هو التخصص بحقائقه التي اقتضاها، قوله:

стр. 1687

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا)، وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)، وقد بينت في مكارم الشريعة أن الإيمان كما قال ﵊: (اثنان وسجون درجة)، وبينت القانون الذي اقتضى ذلك، وأن تلك المراتب بعضها على بعض، فالإنسان إلى أن يصل في آخر درجة منها مأمور بالترقي إلى ما فوق منزلته، فالآية خطاب يتوجه على كافة المؤمنين أن يترقوا في تلك الدرجات، وقد ذكر تعالى في هذه الآية ما هو الإيمان الاعتقادي، وذلك الخمسة، وذلك هو الإيمان بالله وبالملائكة والكتاب والرسول واليوم الآخر، وهي المذكورات في خبر جبريل ﵊ (حيث أتى النبي ﵊ في صورة أعرابي فقال له: ما الإيمان؟) وذكر أن الكفر بهذا هو الضلال البعيد، فنبه أن

стр. 1688

الانسلاخ من الهداية والضلال الذي قلما يرجي عود صاحبه، وقد ذكرت كيفية الضلال عن - الطريق في مكارم الشريعة. قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) قال قتادة: يعني أهل الكتابيين اليهود، آمنوا بموسى ثم كفروا بمن عداه، والنصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمن عداه، ثم ازدادوا كلهم كفرا بمحمد، وقيل: آمنوا. بموسى ثم كفروا به لأنهم لم يؤمنوا بعده بعده فهم في حكم من لم يؤمن، وقال مجاهد: هو في المنافقين المذكورين في قوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)

стр. 1689

وقيل: هي في الذين قال فيهم: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)، ولم يرد أنهم آمنوا مرتين وكفروا مرتين وإنما ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة، كقولك: فلان فعل ثم امتنع إلى هذا كان دأبه، وقيل: كما أن الإنسان يندرج إلى غاية الفضائل ثلاث درجات، وهو أن يحصل في أولها، ثم في أوسطها، ثم في منتهاها، كذلك يتضلع في الرذائل ثلاث درجات، ولذلك جعل الله له ثلاث عقوبات الرَّين والغشاوة والطبع، ومن

стр. 1690

ترك الإيمان مرة بعد مرة، ثم ازداد تماديا في الغي، فقد صار من الذين وصفهم بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)، ثم قال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، فبين تعالى أن من انتهى في الغي إلى هذا المنزل فقد صار بحيث لا يتوب، وإذا لم يتب لم يغفر له ولا ليهديه إذ هو لا يهتدي لكونه مطبوعا على قلبه لما ارتكبه، وقال بعض الفقهاء: إن المرتد تقبل توبته سار بالكفر أولم يُسر، لأنه جعلهم مؤمنين بعد دخولهم في الكفر. قوله تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) العِّزةُ: حالة مانعة للإنسان من أن يغلب، وهو من قولهم أرض عزاز أي صلبة، وتعزز اللحم اشتد

стр. 1691

وعزَّ كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه، كقولهم: تظلف كأنه حصل في ظلف من الأرض، وعزز المطر الأرض صلبها، وشاة عزوز قل درُّها، والبشارة: الخبر الذي ظهر أثره في بشر الوجه، وأكثر ما يستعمل في السرور، ويجوز أن يكون في مثل هذا الموضع رد إلى أصله، كالطرب الذي هو خفة من الفرح والترح في الأصل ثم كثر في الفرح، فرد الشاعر إلى أصله في قوله: وأراني طَرباً في إثرهم ... طَرَبَ الوَالِهِ أو المُخْتَبَل

стр. 1692

ويجوز أنه استعمل للبشارة، في ضده على سبيل التهكم، نحو قول الشاعر: .................. تحية بينهم ضربٌ وجِيعُ ووصف المنافقين بأنهم موالون الكفار كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) الآية، ثم قال: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) تنبيها أن لا عزة لهم وإنما العزة لله ولرسوله والمؤمنين، فقد ذكر من منه العزة ومن جُعل له العزة في الأولى، ذكر من منه العزة فقط دون من جعلت له، ونفى ذلك عن الكفار تنبيها أنه وإن حصل لهم حوله

стр. 1693

تسميتها الجهلة عزا فليس ذلك في الحقيقة بعز إذا اعتبرت الحقايق. قوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) منع تعالى المؤمنين من مجالسة من قصده العناد والهزؤ، وليس له قصد إلى حماع الصدق ولا نية رجاء أن يسخر بلى حق، فأما من رجي أن يقلع عن رأيه فجائز مجالسته بل واجب، ولهذا قال الحسن: إنا كنا إذا رأينا باطلا تركناه حتى لا يسرع ذلك في ديننا، وقول ابن عباس: لمن يجوز أن يقعد معهم بوجه حتى نزل قوله تعالى: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) نسخ ذلك، فليس يقصد حقيقة النسخ، وإنما يعني أن الآية كانت تحمل على العموم، فعلم بهذه الآية تخصيصها وأنه يجوز مجالستهم إذا رجي منهم رشدا، ولا يجوز فيما يؤدي بهم إلى فساد ولهذا قال تعالى: (فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)

стр. 1694

ونبه بقوله: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) على أًن الاستماع إلى الباطل مكروه، كما أن التفوه به مكروه، وبهذا ألم الشاعر فقال: سَمعُكَ صُنْ عَنْ سَمَاع القُبْح ... كَصون اللسان عن اللَّفظِ بهِ والسامع للذم شريك له والمطعم للمأكول كالآكل. ونحو الآية قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وبين أن المنافق الذي يظهر بلسانه الإيمان دون قلبه، والكافر الذي يصرح بالكفر هما سيّان في استحقاق النار، فإن الاعتبار بإخلاص النية كما قال ﵊: (ولكل امرئ ما نوى).

стр. 1695

قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) الاستحواذ: الاستيلاء، وأصله من استحوذ البعير على الأتان، إذا استولى على حاذيها أي جانبي ظهرها، ويقال: استحاذ، وهو القياس، وقد جعل تعالى ما للمؤمنين فتحا، وما للكافرين نصيبا، تنبيها أن الذي حصل للكافرين هو من الدُّولة من أهل الدنيا، وذمهم لأنهم يراوون الفريقين، وقد قال ﵊: (شر الناس ذو الوجهين يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)،

стр. 1696

ومن هذا قيل: إن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجها، وقوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) فإن أمير المؤمنين جعله معتبرا بقوله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وقيل: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) في القيامة وقال غيره: لن يجعل الله له سبيلا في الفتح، الذي جعله للمؤمنين لا في النصيب الذي قد يجعله للكافرين من الأغراض الدنيوية، وقال السدي: السبيل الحجة لم يجعل ذلك للكافرين، وحمل الفقهاء: ذلك على الحكم، فقالت الشافعية: الإسلام يعلوا ولا يعلى، قالو: أمر يقتضى ذلك

стр. 1697

أن لا يملك الكافر عبدا مسلما ولا يصح شراءه، واقتضى أن لا يقتل مؤمن بكافر، واستدلت الحنفية على من ارتد انقطعت العصمة بينه وبين امرأته، قبل انقضاء العدة فلا يكون له إليها سبيل. قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) قد تقدم في مخادعة الله، وبين أنه متشبعون بنقل الخبر، وأن كسلهم يدل على تشبعهم، والذكر ههنا الأولى أن يراد به ما يكون باللسان، دون ما يكون بالقلب، ونفي ذلك عنهم يقتضي أن ذلك ليس عن نية وطوية صحيحة، والرياء كالنفاق لأنه أعم. قوله : (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) التذبذب: الاضطراب،

стр. 1698

قال النابغة: تَرى كُل مُلْكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ وصفهم بأنه مندفعون من الجانبين لا موجة لهم، ثم بين الإرشاد ولا رشد لهم كما قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠). وقد تقدم الكلام في الإضلال. قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)

стр. 1699

نهى عن اتخاذ الكافرين أًولياء من دون المؤمنين، وذلك أن يستعان بهم استعانة المرؤوس بالرئيس، والمنتصر بالناصر لاستعانة المستخدم بالحاكم، وعلى ذلك قوله: (لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) وبين أنكم إن فعلتم ذلك جعلتم على أنفسكم سلطانا للعقاب، وجعل الحجة سلطانا نحو: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا)، (لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ)، قال بعضهم يصح أن يقال لا سلطان لله على المؤمنين المخلصين،. بمعنى أنه لا يعذبهم. قوله : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)

стр. 1700

الدركات والطبقات يقال في العقاب كالدرجات في الثواب، ونبه بهذه الآية على نهاية رداءة المنافقين، وأنه منتهى الكافر لأنه يساويه في اعتقاده، ويزيد عليه في كذبه، لأنه يدعي ما ليس له والمنافق مرائي، وبين أنه تعالى لا ينصرهم ولا يجدون من ينصرهم عليه كقوله: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) واستثى ممن يجعلون في النار للتائبين. جعل من تمام التوبة إصلاح العمل، والاعتصام بالله وإخلاص الدين، وهذه الشرائط الثلاث من تمام التوبة، كما أن الأعمال الصالحة من تمام الإيمان، ومن لم يأت بذلك فإنه يقال له تاب على المجاز، وحذف الياء في الخط في قوله (يُؤْتِ اللَّهُ) اتباع اللفظ لالتقاء الساكنين كقوله: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ) وكقوله: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ).

стр. 1701

وحذفها من قوله: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ) للتخفيف، وقوله: (يَسْرِ) لكونه رأس الآية. قوله : (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧) أي تعالى الله عن عذابكم فلا يعذبكم إذا عرفتم ووفيتم حقها، إن قيل: لم أخر الإيمان عن الشكر؟ قيل: لأنه عني به معرفة النعمة التي يتوصل به إلى معرفة النعم، ومعرفة المنعم هي الإيمان، فإذا الشكر على هذا الوجه مقدم على الإيمان، لأنه أرفع منه وهو لا ينفك عن الإيمان، والإيمان قد ينفك عنه، ووصفه نفسه بالشكر تنبيها أنه يقابلهم بما يكون منهم، فقد تقدم أن الشكر قد يكون من المولى للعبد بمعنى مقابلته بما يكون من خدمته، ونبه بقوله: (عَلِيمًا) أنه لا يخفى عليه ما يتحراه العبد.

стр. 1702

قوله تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) قوله: (مَنْ ظُلِمَ) رفع على تقدير: لا يرضى أن يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم، أو على تقدير: أن يسوء في المقال إلا المظلوم، وسمَّى المجاهرة بالسوء سوءا تنبيها أنه لو لم يكن ذلك على سبيل المقابلة لكان سوءاً لفظه خبر ومعناه للإباحة، كأنه قال: لا يجهر بذلك إلا المظلوم، وذلك كقوله: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) وقوله ﷺ (اذكروا الفاسق بما فيه) رخصه لمن أذي بغير أن يذكَر فعله لا رخصة في اغتياب الناس من غير حاجة إلى ذكرهم، ومثل قوله: (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) تقديره: لكن من ظلم فإنه له أن يذكر ظالمه بأن يدعو عليه، أو يغتابه. بما فعل على سبيل الشكاية، قال مجاهد: قد دخل في ذلك من ضاف

стр. 1703

رجلا فلم يؤد حق الضيافة. قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) جميع ما يفعله الإنسان مع غيره من الإحسان، إما إحسان يبديه أو إحسان يخفيه، أو يخاف عليه لسوء يجنيه قد ذكره تعالى وبيّن أنه يجازي به، ونبه بقوله: (عَفُوًّا قَدِيرًا) على مجازاة المتعافي بالعفو عنه وقدرته عليه. قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)

стр. 1704

الإيمان بالله لا يتم إلا بتصديقه، مقاله ومقال رسوله والرسل كلهم يجرون مجرى واحد، فمن كفر ببعضهم كالكافر بكلهم، من حيث أنه لم يتحرَّ الحق، فالحق من حيث ما هو حق لا منافاة بينه، إن قيل لم أعاد ذكر الرسل ولم يقل بين الله وبينهم فيكون أوجز؟ قيل: لما عنى أنهم يفرقون بين الله ورسله وبعض رسله، وعنى بقوله: (يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) كل رسله لأن كل من كفر ببعضهم كفر بكلهم، فلو لم يعد ذكرهم لاقتضي أن يكون معناه يفرقون بين الله وبين جماعة الرسل، فإن المضمر لا يفيد إلا ما يفيد مظهره، فأعاد ذكرهم لما كان الأول عاماً والثاني خاصًّا. وقوله : (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) أي يتحرون لطلب رئاستهم سبيلا ليس بحق، وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) إن آمنوا ببعض الأنبياء، وهذا الكلام مبنيّ عَلى قياس، كأنه قيل: كل من فرق بين الأنبياء فهو كافر حقا أعتدنا له عذابا مهينا، وهؤلاء قد كفروا ببعض الأنبياء فإذاً أعتدنا لهم عذابا مهينا. قوله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)

стр. 1705

كما بين في الآية الأولى حكم من فرق بين بعض الأنبياء وبعضهم، بّين حكم من خالفه: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦). وَذكر أجرهم، كما ذكر في الأولى عقاب من فرق بينهم، ونبه بذكر الغفران على غفران ذنوبهم وبالرحمة على مجازاتهم بالإحسان. قوله : (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)

стр. 1706

نبه تعالى على ما كان من تحكيمهم واقتراحهم على ما ينافي السياسة الإلهية، وبيّن أن ذلك ليس بأول جهالاتهم وجناياتهم، فقد اقترحوا على موسى ماهو أبعد وأشنع مما سألوك، ولأنهم سألوا إدراك الباري بالحاسة في الدنيا، فرجها الصاعقة لما ارتكبوه من الظلم في طلب ذلك، وثانيا: أنهم عبدوا العجل بعد إتيانهم الحق وعبادتهم للعجل بعد إتيان الحق أشنع وأفظع، مع أنه في كل حال أشنع، وقوله: (وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) يجوز أن يكون ذكر منه ثالثة ويجوز أن يكون اعتراضا وتوكيدا لما قبله، وأنهم مع ما أوتي نبيهم من المعجزات يرتكبون ما يرتكبون، ورفع الطور؟ قيل: كان على سبيل تخويفهم، وقيل إظهاره المعجزة، وثالثا من كان بمخالفتهم فيما أمروا من دخول باب من أبواب بيت المقدس، وأن يقولوا حُط عنا ذنوبنا،

стр. 1707

وقال بعض الناس: معنى ذلك خذوا الحق من حيث ما يجب أخذه، ولا يطلبوه من غير وجهه، قال: وهذا استعارة، نحو قول الشاعر: أتيت المروة من بابها. ومعنى (سُجَّدًا) أي متواضعين لقبول الحق، ورابعا ما كان من تعديهم في السبت، فأعاد ذكر الميثاق تنبيها أنه أخذ عليهم ذلك مرة بعد أخرى. قوله : (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) ما في قوله: (فَبِمَا) زائدة مؤكدة

стр. 1708

ومعنى توكيدها أنها تقتضي تكثير معنى الفعل الذي يدخل عليه، كما أن التشديد وزيادة الحروف في مفعيل ومفعال وفعال يقتضي ذلك، وقيل: بل (ما) ها هنا اسم نكرة اقتضى حالا مجملة، وقوله (نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ) وما بعدهما بدل منه، كأنه قيل: فبشيء ما لعنوا، ثم فصَّل ذلك الشيء وخص ما كان منهم في هاتين الآيتين سبعة أشياء تقضي الميثاق المذكور في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير الحق، وقولهم قلوبنا غلف، وكفرهم المطلق، وقولهم على مريم البهتان، وادعائهم قتل عيسى وقولهم قلوبنا غلف،

стр. 1709

أي ادعوا أن قلوبهم أوعية العلوم، فكذبهم الله، بقوله تعالى: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) وقيل: معناه قلوبهم محجوبة عن العلم، كقوله: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) وأثبت لهم ها هنا إيمانا قليلا، اعتبارا بظاهر أقوالهم حيث قالوا نؤمن ببعض ونفى عنهم في الأول الإيمان اعتبارا بالحقائق، وأن ذلك المقدار غير معتد به، ووجه ذلك أن من فعل بعض ما أمر به فإنه يصح أن يقال: لم يفعل ما أمر به اعتبارا بالفعل كله، ويصح أن يقال: قد فعل بعض ما أمره اعتبارًا بما ظهر منه، اعتد به أو لم يعتد، وقوله: (وَكُفْرِهِمْ) فإنه أعاد ذلك تنبيها أنهم كفروا بالمسيح وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، وقيل: لارتدادهم مرة بعد أخرى، والبهتان: الكذب الذي يبهت منه سامعه فظاعة وشناعة، والباء في قوله: (فَبِمَا) قيل: هو متعلق بقوله: (حَرَّمنَا) وقوله: (فَبِظُلمٍ) بدل

стр. 1710

منه وأدخل الباء فيه لما تباعدا بينهما، وقيل: هو متعلق بمضمر، كأنه قيل: سبب هذه الأشياء: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ) والمعنى ارتكابهم - لهذه القبائح أفضى بهم إلى هذا الاقتراح. قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)

стр. 1711

إن قيل: كيف حكى عنهم أنهم قالوا قتلنا رسول الله ولم يقروا بكونه رسولا؟ قيل: هو أن يكون ذلك من جملة الحكاية وذكروه على سبيل التهكم زعما منهم أنه لو كان رسولا لما قدرنا على قتله، ويجوز أن يكون ذلك من قول الله تشريفا له لا حكاية عنهم، كأنه قال أعني رسول الله ونفى قتله وذكر أن ذلك شُبِّه لهم، واختلفوا في حال عيسى، فقيل: ألقي شبه على رجل فقدر أنه هو فصلب، قالوا: فهذا معنى قوله تعالى: (شُبِّهَ لَهُم) فاعترض على ذلك، وقيل: ثبت أنهم يدعون صحة ذلك ويقولون أن هذا جائز في الأمور الإلهية، وأن منه النبوة، كيف يصح أن يفعل ذلك فيرى الناس بعيونهم صورة رجل وهو يصلب، ثم يذمهم، حيث قالوا إنه صلب، وهل يلعن الإنسان مع ذلك أن يرى امرأة يقدرها أنها امرأته، فيدنوا منها ثم يعاقبه الله بذلك؟ قيل: إن ذلك شيء يفعله الله فتنة بعد فتنة الحكمة تتعلق به فليس يجب للإنسان أن يظن ذلك في كل وقت، وإنما ذمهم تعالى بتبجحهم بقتل الأنبياء إلا أن الأمر شبه لهم، وقال بعضهم: إذا رأى واحداً أو اثنان أو إنسانا من بعيد، وفيه مماثل من عيسى فلما فقدوه من ظنوه إياه، فصار هذا الخبر ماض فيما بينهم فإنه يستند إلى من يصح عليه الخطأ والكذب، وبين

стр. 1712

أن المختلفين فيه يقولون عن تخمين واتباع ظن، إن قيل: كيف جعل اتباع الظن مستثى من العلم وليس بداخل فيه؟ قيل: حقيقة في كل اعتقاد ظنا كان أو وهما أو تخيلا أو حسا، ألا ترى أن النابغة في صفة الطير: جَوانِحَ قَدْ أيْقنَّ أنَّ قَبيلهُ ... ما الْتَقى الجَمْعَان أوَّلُ غَالِب فاستعمل في الظنون اليقين وهو أشرف العلم، وقد يقول لمن يدعي العلم وهو لا يعلمه، علمك ظن، فعلى هذين يصح أن يستعمل العلم في الاعتقاد وإن لم يكن معه سكون النفس، فلما ادعى القوم أنهم علموا قالوا مالهم به من علم فأدخل عليه من، تنبيها على استغراق جنس المعارف التي يحصل منها الاعتقادات، ثم قال: (إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) فذكر أضعف وجه يحصل به الاعتقاد، ولهذا قال تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) فجعل اتباع الظن سبب للخرص أي الكذب.

стр. 1713

قوله: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا) أي ما قتلوا ذلك لاعتقاد من قولهم قتلت كذا علما أي بحقيقته، كأنه قيل: ما تحققوا معرفة ذلك؟ قيل: أراد به القتل الحقيقي وإنما قال يقينا لأنه يقال فلان فعل كذا ظنا إذا توهم أنه فعله، وفعله يقينا إذا تحقق أنه قد فعله، وقوله تعالى: (بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِليهِ) قيل: معناه رقى بشخصه كما هو إلى السماء، وإليه ذهب - جماعة من أصحاب الحديث، وقيل معناه: مع ذلك أنه شرف مكانه من بين الأنام كقوله: (وَرَفَعنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) وكقول الشاعر: بلغنا السما حسابنا ... لولا السما لحر بالسملة وقول لآخر: لَنا بَيْتٌ على عُنُق الثريّا ..........

стр. 1714

وذكر قول (إليه) تنبيها على تعظيم المرفوع، لا إلى إشارة إلى حد محدود، تنبيها على أنه حصل له به أعلى الشرف، وإلى نحوه أشار (إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى) (وَإِلَيهِ المَصِيرُ) ومثل هذا يشار إليه ولا يمكن الكشف عن حقائقه باللفظ، وإنما يدركه الإنسان بحسب ما جعله له من نوره. قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) قيل: ما أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى ﵇ قبل موت عيسى إذا نزل من السماء، يكون أهل الكتاب خاصا لمن كان في زمان نزوله، وقيل: بل ذلك عام. والضمير في قوله: (قَبلَ مَوتِهِ) راجع إلى (أحد) المضمر في قوله:

стр. 1715

(قَبْلَ مَوْتِهِ) راجع إلى أحد المضمر في قوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ويعني به وقت المعاينة حيث تصير العلوم بالآخرة ضرورية ويرتفع التكليف. فإن قيل: فأي تشريف لعيسى إذا قلتم إن الحقائق كلها تظهر في تلك الحلل؟ قيل: تشريفه أنه جعله من جملة الحقايق التي من أُجِلَّ في الدنيا بمعرفتها لم يعتمد لعمله كمعرفة الله، ومعرفة الملائكة، والقيامة، وإلى نحو هذه المعرفة أشار تعالى بقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) وعلى هذا حكى عن فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ). وقوله: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) أي شاهدا أنه بلغهم رسالة ربهم كقوله: (فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) وهو الذي قال:

стр. 1716

(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) فهو يشهد على نفسه بالعبودية، وعليهم بسماع الرسالة. فإن قيل: فأي تعلق بقوله: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) بما تقدمه؟ قيل: نبه بما تقدم أنهم اعترفوا بصدقه في الدنيا، قبل خروجهم منها يعقبه هذا، تنبيها أنه يلزمهم شهادته عليهم يوم القيامة. قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) ظلمهم عام في جميع ما ارتكبوه مما لا يجوز، وتخصيص الأشياء الثلاثة المذكورة بعده تعظيما لها. واعلم أن تحريم الله على ثلاثة أضرب: الأول: تحريمه الخبائث وكل ما ليس له هذا بوجه والبدن تعافه كالذباب، والخنافس، والأشياء المخلوقة من فضول البدن وهذا الجنس يحرم عقلا وشرعا. الثاني: ما يعلم ضره أكثر من نفعه وقد يظن بعض الناس فيه نفعا كثيرا، فهو متردٍ من التحريم والتخيل في العقل، وضرب نافع في الأحوال الدنيوية جداً، إلا أن نفعه ليس بضروري، والعقل لا يقتضي

стр. 1717

بتحريمه، والشرع قد حرمه في حال دون حال، تهذيبا للنفوس عبادة، ودفعا لسلطان شهوتهم كتحريم الشحم على بني إسرائيل، وهو ما قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) الآية، فنبه تعالى أنهم لما أسرفوا وصاروا يظلمون، ويصدون عن سبيل الله، حرم عليهم بعض الأطعمة، ليكون في ذلك عقوبة لهم من وجه وتهذيب يقمع شهوتهم من وجه، فقلة الطعم سبب لتوهين الشهوة، ولتوهينها أمر تعالى في كل شرع بصوم، ليكون ذلك سببا لمنعها عما تدعو إليه، فلا تكون كالبهائم التي تأكل ما تشتهي، وإلى نحو هذا أشار قوله ﵊: (صوموا تصحوا)، فإن في الصوم صحة

стр. 1718

للبدن، وصحة النفس، وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) لما نبهً بما تقدم أنهم كفروا، ذكر ما أعد للكافرين ليكون فيه إشارة إلى أنهم يستحقون ذلك العذاب، أنهم من جملتهم. قوله تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) الراسخ في العلم: هو الذي لا يعترضه شبهة لتمكنه في معرفته وتحققه بها، وكونه من الذين قال فيهم: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) فنبه أن الراسخين في العلم يعرفون معنى النبوة ويعتبرونه، فحيث ما وجدوه يتبعوه، فالحق لا ينافي بعضه بعضا.

стр. 1719

إن قيل: ما وجه لكن ها هنا؟ وهو لإبطال الشيء وإثبات آخر، فما الذي أبطل ها هنا؟ قيل: لكن وإن كان كما قلت، فتارة تجيء بعد نفي، ما جاءني زيد ولكن عمرو، وتارة تجيء بعد إيجاب، والإبطال فيه مقدر، نحو جاءني زيد لكن أخوه أحسن إلي، والتقدير: أخوه لم يجئني لكن أحسن إلي، فأغنى عن الإبطال بذكر الإيجاب، ولما اقتص عن اليهود ما كان منهم، وألزمهم المذمة، بيّن أن الراسخين لم يذهبوا مذهبهم، لكن يؤمنون بكل ذلك ويستحقون به الثواب، بخلاف هو لا الذين يستحقون العقاب، وقوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) قيل: هو عطف على قوله: (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي: وبالمقيمين الذين يقيمون الصلاة. وقيل: الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين وهذا إذا جعله عطفا لم يجوزه سيبويه لعطف الظاهر على المضمر المجرور، وإن جعلته على تقدير من وحذفه لدلالة ما قبله عليه جوزه لتجويز قوله: ما كل بيضاء شحمة، وسوداء تمرة، على تقدير: ولا كل سوداء تمرة. وحكى أن عائشة قالت:

стр. 1720

إني لأجد في كتاب الله لحنا من جهة الكاتب وسيقيمه العرب بألسنتها وقرأت (وَالمُقِيمِين) (١). ولسيبويه باب في كتابه يذكر فيه أن كل وصف يجيء على المدح والذم، يصح فيه الاستئناف مرفوعا ومنصوبا، ويجوز منه إتباع الموصوف
следующие страницы →