(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) فهو يشهد على نفسه
بالعبودية، وعليهم بسماع الرسالة.
فإن قيل: فأي تعلق بقوله: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) بما تقدمه؟
قيل: نبه بما تقدم أنهم اعترفوا بصدقه في الدنيا، قبل خروجهم منها يعقبه هذا، تنبيها أنه يلزمهم شهادته عليهم يوم القيامة.
قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)
ظلمهم عام في جميع ما ارتكبوه مما لا يجوز، وتخصيص الأشياء الثلاثة المذكورة بعده تعظيما لها.
واعلم أن تحريم الله على ثلاثة أضرب: الأول: تحريمه الخبائث وكل ما ليس له هذا بوجه والبدن تعافه كالذباب، والخنافس، والأشياء المخلوقة من فضول البدن
وهذا الجنس يحرم عقلا وشرعا.
الثاني: ما يعلم ضره أكثر من نفعه وقد يظن بعض الناس فيه نفعا كثيرا، فهو متردٍ من التحريم والتخيل في العقل، وضرب نافع في الأحوال الدنيوية جداً، إلا أن نفعه ليس بضروري، والعقل لا يقتضي
стр. 1717
بتحريمه، والشرع قد حرمه في حال دون حال، تهذيبا للنفوس عبادة، ودفعا لسلطان شهوتهم كتحريم الشحم على بني إسرائيل، وهو ما قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) الآية، فنبه تعالى أنهم لما أسرفوا
وصاروا يظلمون، ويصدون عن سبيل الله، حرم عليهم بعض الأطعمة، ليكون في ذلك عقوبة لهم من وجه وتهذيب يقمع شهوتهم من وجه، فقلة الطعم سبب لتوهين الشهوة، ولتوهينها أمر تعالى في كل شرع بصوم، ليكون ذلك سببا لمنعها عما تدعو إليه، فلا تكون كالبهائم التي تأكل ما تشتهي، وإلى نحو هذا أشار قوله ﵊: (صوموا تصحوا)، فإن في الصوم صحة
стр. 1718
للبدن، وصحة النفس،
وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) لما نبهً بما تقدم
أنهم كفروا، ذكر ما أعد للكافرين ليكون فيه إشارة إلى أنهم يستحقون
ذلك العذاب، أنهم من جملتهم.
قوله تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)
الراسخ في العلم: هو الذي لا يعترضه شبهة لتمكنه في معرفته
وتحققه بها، وكونه من الذين قال فيهم: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) فنبه أن الراسخين في العلم يعرفون معنى النبوة ويعتبرونه، فحيث ما وجدوه يتبعوه، فالحق لا ينافي بعضه بعضا.
стр. 1719
إن قيل: ما وجه لكن ها هنا؟ وهو لإبطال الشيء وإثبات آخر، فما الذي أبطل ها هنا؟
قيل: لكن وإن كان كما قلت، فتارة تجيء بعد نفي، ما جاءني زيد
ولكن عمرو، وتارة تجيء بعد إيجاب، والإبطال فيه مقدر، نحو جاءني زيد لكن أخوه أحسن إلي، والتقدير: أخوه لم يجئني لكن أحسن إلي، فأغنى عن الإبطال بذكر الإيجاب، ولما اقتص عن اليهود ما كان منهم، وألزمهم المذمة، بيّن أن الراسخين لم يذهبوا مذهبهم، لكن يؤمنون بكل ذلك ويستحقون به الثواب، بخلاف هو لا الذين يستحقون العقاب،
وقوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)
قيل: هو عطف على قوله: (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي: وبالمقيمين الذين
يقيمون الصلاة.
وقيل: الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين وهذا إذا جعله
عطفا لم يجوزه سيبويه لعطف الظاهر على المضمر المجرور، وإن جعلته على
تقدير من وحذفه لدلالة ما قبله عليه جوزه لتجويز قوله: ما كل بيضاء شحمة، وسوداء تمرة، على تقدير: ولا كل سوداء تمرة.
وحكى أن عائشة قالت:
стр. 1720
إني لأجد في كتاب الله لحنا من جهة الكاتب وسيقيمه العرب بألسنتها وقرأت (وَالمُقِيمِين) (١).
ولسيبويه باب في كتابه يذكر فيه أن كل وصف يجيء على
المدح والذم، يصح فيه الاستئناف مرفوعا ومنصوبا، ويجوز منه إتباع الموصوف
стр. 1721
على هذا يحمل قول الشاعر:
النَّازلُون بكُلِّ مُعتَرك ... وَالطيِّبون مَعَاقِدَ الأُزُر
стр. 1722
وقد ذكر تعالى عامة الإيمان الاعتقادي، فإن جماعة ذلك هي المذكورة في
قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) الآية
ولم يذكر الملائكة ها هنا في ضمن الإيمانَ (وَمَا أُنْزِلَ) إيماناً بالملائكة الذين
نزلوا به وإنما قدم الإيمان بالنبي ﷺ على الإيمان بالله ها هنا لأن القصد من الآية إليه، والمذكور بعده على سبيل التبع، وذكر من الإيمان العملي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهما ركنا العبادة، وعلى هذا يخصهما في عامة الآيات من بين العبادات.
قوله : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)
ذكر تعالى في هذه الآية اثني عشر نبيا بأسمائهم وأجمل ذكر باقيهم، وذكر بعض أولي العزم وبعضا من غيرهم، وذكر بعضهم على الترتيب، وذلك أنه أراد أن
стр. 1723
يبين أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم، وخصه بما خص كل واحد منهم به
تفضيلا له وتشريفا، وأنه جرى معهم مجرى، فذلك من الحساب المبني بجملته
عن تفصيل ما تقدم، فذكر نوحا الذي هو أول أولي العزم من الرسل والنبيين
ومن بعده مجملا، ثم فضل النبيين فذكر إبراهيم الذي كان أول النبيين من أولي العزم بعد نوح، وذكر معه من جرى منه مجرى أبعاضه في كونهم تابعين له، وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، ثم ذكر الطرف الآخر من أولي العزم وهو عيسى ثم الأواسط أيوب ويونس وهارون، ثم ذكر من أوتي الكتاب مجملا وهو داوود، فإن الزبور وهو اسم الكتاب، إذ كتبه كتابة غير مفصلة، وأفرد ذكر موسى من حيث إنه خص بالتكلم، وكل هذه الفضائل كان للنبي ﷺ .
стр. 1724
قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)
نبه أن بعثة الأنبياء إلى الناس مما لا يستغنون عنه، لقصوركلهم عن إدراك جزئيات مصالحهم، وفضول أكثرهم عن كلياتهم وجزئياتها، وبعث الأنبياء مبشرين ومنذرين ليكون قد أزاح عللهم، لذا قال تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).
قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا).
قال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥).
стр. 1725
قال: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا).
قوله : (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)
اتصل ذلك بما قبله اتصال إثَبات الحق بعد إنكار من أنكره، ومعنى شهادة الله: إقامة البينة الدالة على ثبوته، وعلى هذا قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) الآية، أي: أقام البينة الواضحة على وحدانيته، وأعظم الشهادة ما يقتضي علم المشهود عنده، فالشهادة من الناس قد لا توقع العلم، وشهادة الله إقامة البراهين المثلجة للصدور موقعة للعلم مزيلة للشك، فمن أعظم شهادته إتيانه لمعجزاته كالقرآن الذي هو كما قال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨).
وقوله: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) قيل: بعلمه بك، وأنك
стр. 1726
مستحق للنبوة، كما قال: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
وقيل: أنزله بالعلم الذي يحتاجون إليه، أي هو. متضمن للعلم، وذكر شهادة الملائكة تنبيها أن العقول الصحيحة تعرف صحة نبوتك، وأنكم لو استعملتم العقول لاطلعتم على ذلك، لإطلاعهم ووقوفهم عليه، لمشاركتكم إياهم، ولأنهم أتوكم بما لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الملأ الأعلى، فهذا معنى شهادة الملائكة.
ثم قال: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي بما أقام من الأدلة على صحة نبوتك
عن الاستشهاد بغيره.
قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)
الضلال أعم من الكفر، فكل كفر ضلال، وليس كل ضلال كفرا، والناس في الضلال ضربان: ضال غير مضل، وضال مضل، وهو أعظمها جرماً وأكبرها عقابا، والمضل بالإضافة إلى غيره قد ضل ضلالا بعيدا، وهو الذي كفر وضل عن سبيل الله.
стр. 1727
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)
قيل: عنى الله بالجمع بين الكفر الذي هو أعظم الظالمين وبين ظلم العباد. وقيل: تقديره: إن الذين كفروا وظلموا الذين ظلموا،
نحو قول الشاعر:
ومنْ يَهْجوا رَسُولَ الله منكم ... ويَمْدَحَه ويَنْصُره سَواءُ
أي ومن يمدحه بحذف (من).
وقوله: (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ) أي
стр. 1728
لا يوافقهم لغير ذلك إذ لا يستحقون بل لا يقبلون.
وقوله: (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) أي لا يصعب عليه تعذيبهم، ولا يستعظمه، فالحكمة تقتضي ذلك.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)
(الباءَ) في قوله: (بِالحَقِّ) للتعدية، كقوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣).
(خَيْرًا) نحو (انتَهُواْ خَيْرًا لَّكم) وتقديره: آمنوا وائتوا خيرا لكم.
فدل بلفظ الإيمان على إتيان الخير.
قال الكسائي: تقديره يكن الإيمان
стр. 1729
خيرا لكم، وأجاز الكسائي مثله في الخير، وقال: سمعت اتقوا من خيرا لكم.
وأنشد: -
فَوَاعِديْهِ سَرْحَتيْ مالِكِ ... أَوالرُبَا بَينَهُما أَسْهَلاً
وقوله: (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي
نفع إيمانكم عائد عليكم وأما هو فغني عنكم، ونبه بقوله: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) على غناه، ولم يعن الموضوع منهما فقط، بل يعني مع
ذلك ما ركب منه السماء والأرض، كقوله لفلان: ما في هذا الثوب أي غزله ونسجه فمنه، تنبيه أن له السماوات والأرض كما أن له ما فيهما اهـ.
стр. 1730
قوله : (
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)
الغلو: الخروج عن القصد، ومفارقة العدل، من قولهم: غلا السعر،
وغلت القدر.
خاطب بذلك النصارى فيما يدعونه من الافتراء على الله وعيسى، وقد تقدم الكلام في منافاة الربوبية للولد، وسماه كلمة الله كقوله: (ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ).
قيل: بشارة الله، وقيل: لأنه مدى كلمة الله وسماه روحا لقوله: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)
وقيل: لأنه كان يحي الناس إحياء الروح،
وقيل: لأنه سبب للحياة الأخروية، كما أن الروح سبب
стр. 1731
للحياة الدنيوية.
وقيل: انتهوا خيرا لكم.
قيل: فيه الوجهان المقدمان، وقيل: انتهوا انتهاءاً خيرا لكم، بقوله:
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)
على غناه عن الأولاد، وبقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) أنه القائم
بحفظ الأشياء، والولد يحتاج إليه، ليكون وكيلا لأبيه، وهو تعالى مستغن
لأنه هو الحافظ لكل شيء.
قوله : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)
الاستنكاف: الأنفة من قوله نكفت الدم أي نحيته بالإصبع حتى قيل للدم
نكف، وقيل: بحر منكوف لا ينزح.
قيل: هو من النكف أي نحيته قطيف بالعنق، وقيل: من النكفين، وهما لحمتان متدليتان من العنق، واستعمالها
стр. 1732
في التكبر كالصعر ميل العنق والعزم بالأنف، وعلى ذلك قال الشاعر:
إن الكَريمَ مَنْ بَلَغَتْ قُواهُ ... وإن اللئيمَ دَائِمَ الطرْف أَقْوَدُ
والعبودية وإن كانت متضمنة بالمذلة إذا اعتبرت لغير الله، فإنها مقر الشرف
إذا اعتبرت به تعالى، فلهذا الاستنكاف منها.
والاستكبار: طلب التكبر لغير استحقاق، التكبر قد يكون باستحقاق، وذلك إذا كان طلبا لعزة النفس والتلطف عن الأغراض الدنيوية.
نبه تعالى أن لا استنكاف لأحد في عبادته وأن
المستنكف عنها لا ينجو منه، بل يفتقر إليه فيجازي به.
والضمير في قوله تعالى: (فَسَيَحشرُهُم) راجع إلى كل من تقدم فلهذا فصل من بعد.
واستدل بعض المتكلمين بالآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء، وقال: مثل
هذا الكلام إذا ذكر على طريق التحمد مؤخرا الأشرف فالأشرف، فيقال:
لا يستنكف الحاجب من خدمة فلان ولا الوزير ولا الأمير، ولا يقال على
عكس ذلك، فاعترض على ذلك بأشياء أحدهما: أنه قد يذكر في مثل هذا
الموضع في مرتبة واحدة، فيقال: الرشيد لا يستنكف من ذلك ولا المأمون
стр. 1733
أيضا، فقد خص الله تعالى عيسى من دون غيره من الأنبياء، فلا دلالة أنه
أفضل من كلهم، وأيضا فقد قال: (وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)
ولا دلالة أن غير القربين أفضل من الأنبياء، فأجاب هذا المجيب أن المسلمين
اختلفوا على وجهين: فمن قائل قال: الأنبياء أفضل، وقائل قال: الملائكة
أفضل ولم يقل أنهما سواء وكذا قالوا: لا فرق بين عيسى وغيره، في كونهم
فوق الملائكة، أو دونهم، وكذا لم يفرقوا بين المقربين، وغير المقربين في هذا المعنى.
وهذا الجواب كما ترى، وقد اعترض على ذلك أيضا فقيل: إنما ذكرت من
قولك لن يستنكف الحاجب من خدمتي، ولا الوزير، إنما يكون في اسمين مفردين كما مثلت به، فأما إذا ذكرت مفردا أو جملة فليس يقتضي ما ذكرت، كقولك: لن يسنكف الحاجب أن يخدمني، ولا الصغير، والكبير من أصحاب
стр. 1734
الأمير، قال: فهنا لا يقتضي أن يكون الصغير، والكبير أفضل من الحاجب،
فأجاب عن ذلك بجوابين:
أحدهما: أن هذا الموضع قصد به التكثير، لا التكبير
والآية قصد بها التكبير، والثاني: أن ما ذكرت إنما يكون في جملة يدخل
المعطوف عليه في عمومه كقوله: والصغير، وليس عيسى مما يدخل في جملة
الملائكة، واعترض على ذلك تنبيها بقوله: (وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) واستدل على تفضيل الملائكة هنا
بقوله: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) فاثبتوا فلولا أنهم فوقهما لما اغتر بذلك،
وكذا أيضا استدل بقوله: (وَلَاَ أَقُولُ لَكم إِنِّى مَلَكُ) فتبين
أنه لا يدعي لنفسه مرتبة ولا يليق به فهذا هو دلالته من حيث الظاهر.
قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)
الفرق بين الاستنكاف والاستكبار، الاستنكاف نكف في قوله
стр. 1735
أنفة وليس في الاستكبار نحو ذلك، والولاية تقتضي إخلاص المودة والنصرة
معونة كان معها الولاية أو لم تكن، وقوله: (وَيَزِيدُهُم مِّن فَضلِهِ)
إشارة إلى ما قال ﷺ : (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت).
إنما ذكر من دون الله تنبيها أن كل ولاية ونصرة فمنه مبدؤها حتى ولو تصورناه مرتفعا لما صح ذلك بوجهه تعالى الله علوا كبيرا.
قوله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)
عنى بالبرهان الآيات القاهرة المبنية عن المعجزات، وبالنور القرآن لأنه به يعرف الطريق إلى الله.
خاطب بذلك الكافة، وبين أنه أزاح عللهم بالعقل والشرع
كما قال: (نُورٌ عَلَى نُورٍ) من أن من عرف ذلك واعتصم به دخل في
стр. 1736
رحمته التي يستحقها التائبون (فَضْلِهِ) أي إحسانه الزائد على ما استحقه وأنه
يهديه إلى الصراط المستقيم الذي هو الطاعة في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة.
قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
الاستفتاء: طلب الفتيا للحكم.
وقد تقدم معنى الكلالة، وقوله: (وَلَهُ أُخْتٌ) أي أخت من أبيه
وأمه أو من أبيه وقد ذكر الحكم في أول السورة،
وقوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) أي لترجعوا إلى كتابه إذا جهلتم فتعلموا منه، وتقديره: يبين لكم ضلالكم الذي من جانبكم أن تتحروه إذا تركتم، ومن تبين له الضلال تبين له الحق، فإن معرفة أحدهما متضمن بمعرفة الآخر ولا دونه، وقد قال تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)
هو الزجر عن القبائح والإنسان إذا ترك عن المزاجر والنواهي، ولم يأخذ بمقتضى العقل، صار بالطبع
стр. 1737
بهيمة، ولذلك قال للكفار: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢).
قال: هذا أبلغ من قولكم يبين الله لكم أن لا تضلوا
لأن في معرفة الشر معرفة الخير، وليس في معرفة الخير المعرفتان جميعا.
وقال الكسائي: تقديره لئلا يضلوا فحذف (لا)،
وقال البصريون: تقديره: حذر أن تضلوا.
стр. 1738
سورة المائدة
السورة التي يذكر فيها المائدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)
أصل العقد في الحبل ونحوه كالربط فاستُعير للعهد المؤكد ولا استعارة.
من ذلك قال الشاعر:
стр. 1739
قَومٌ إِذَا عَقدُوا عَقْداً لِجَارِهِمُ ... شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقهُ الَكَرَبَا
وعلى ذلك قوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ)
والعقود باعتبار العقود ثلاثة أضرب: عقد بين الله وبين العبد، وعقد بين
العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر.
وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان: ضرب أوجبه العقل وهو ما ركزه الله تعالى بمعرفته في الإنسان فيتوصل إليه، إما ببديهة العقل، وإما بأدق نظر، وعليه دل قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) الآية،
وضرب أوجبه الشرع: وهو ما دلنا عليه كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . فذلك ستة أضرب،
وكل واحد من ذلك إما أن يلزم ابتداء، أو يلزم بالتزام الإنسان إياه،
فأما اللازم بالالتزام، فأربعة أضرب:
فالأول: واجب الوفاء به كالنذور المتعلقة بالقُربِ، نحو أن يقول: عليَّ أن أصوم إن عافاني الله،
والثاني: مستحب الوفاء به ويجوز تركه: كمن حلف على ترك فعل مباح فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك.
والثالث: مستحب ترك الوفاء به وهو ما قال ﵊: (إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه).
стр. 1740
والرابع: واجب ترك
الوفاء به، نحو: أن يقول علىَّ أن أقتل فلاناً المسلم، وذلك ستة في أربعة
وعشرين ضرباً من العقود.
فظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه
واجباً أو قربة، ومن المفسرين من حمل ذلك على حِلْفَ الجاهلية دون
стр. 1741
حِلْفَ الإسلام. وقد قال ﵊: (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ).
والصحيح أن ذلك عام، وأن معنى قوله: (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ) أن
الإسلام قد بين ما يجب التزامه، وما لا يجب وإن ما كان يحتاج إليه في الجاهلية من المحالفة للحماية قد كفوا في الاسلام، فقد قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فبيَّن أن حماية بعضهم على بعض لازمة تحالفوا، أو لم يتحالفوا
стр. 1742
ونحو هذه الآية قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ)
وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) وذم المُخّل بذلك حيث قال:
(وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ).
وقوله: (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ فالبهيمة: ما لا نطق له من الحيوان كالعجماء، لكن اختص في المتعارف بما عدا السباع، والطير والأنعام، وأصلها في الإبل ثم استعملت في الأزواج الثمانية، إذا كانت معها الإبل، ولا يدخل في ذلك الخيل والبغال والحمير،
стр. 1743
فإن قيل: ما وجه إضافة البهيمة إلى الأنعام؟
قيل: كقوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ).
وقيل: لما كانت الأنعام في أصل اللغة تقع على كل نعمة جرت مجرى
الصفات، أضيفت البهيمة إليها إضافة اليوم إلى الجمعة، كأنه قال البهيمة التي هي من جملة ما أنعم الله عليكم به.
وقيل: لما كان قد تقدم تحليل الله النعَّم في سورة الأنعام لأن سورة المائدة تأخر نزولها عن الأنعام فيما روي نبه بقوله:
стр. 1744
(بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) على تحليل البهيمة الجارية مجرى الأنعام في كونها محللة
فيكون لهذه الآية دالة على تحليل البهيمة وتحليل الأنعام، وما في سورة الأنعام دال على تحليل الأنعام فقط، ويدل على ذلك قول من قال من السلف: بهيمة الأنعام هي بقر الوحش والظبي، لأن المخاطبة للمسافرين إذا كانوا حللاً، وتخصيص المؤمنين بالخطاب قيل: هو تنبيه أن المباحات محظورة على من ليس بمؤمن.
وقيل: بل ذلك تشريف لهم اعتباراً بالسياسات الدنيوية، لأن الملك
يخص بالخطاب الشريف الأمثل فالأمثل.
ولا تفرع بلفظ الخطاب على
стр. 1745
الأنام وإن كانوا في الحكم تبعاً للأماثل، قال وعلى ذلك قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) وحكم الكتابيات
حكمهن، وقوله تعالى: (إِلَّا مَا يُتلَى عَلَيكُم) أي ذلك سوى ما حرمته
مما يتلى، واعتبر بعضهم لفظ الاستقبال، وقال أراد ما سيحرمه وذلك لمجهول بعد.
قال: فالآية مجمله، وليس كما ظن، فإن قوله: (مَا يُتلَى) تنبيه على
تلاوة القرآن على التأبيد، وقد يتناول ذلك ما تقدم.
ذكر الله إياه، وما ذكره في هذه الآية.
وقوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) معناه كلوا ذلك على أن لا يكون صيداً في حال الإحرام،
стр. 1746
وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) الحِكْمَةُ، والحَكْمَةُ من أصل الإبانة إذا كان في القول قيل: له حكم وقد حكم، وإذا كان في الفعل، قيل: له حِكْمَةٌ وحُكْمٌ وله حِكَمٌ فإذا قلت: حكمت بكذا، فمعناه قضيت فيه بما هو حكمه، وإن كان يقال حكم فلان بالباطل، بمعنى أجرى الباطل مجرى الحكمة، فحكم الله تعالى مقتضٍ للحكمة لا محالة فنبه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) أن ما يريده يجعله حكمه حثاً للعباد على الرضا به كما قال ﵊: حاكياً عن ربه تعالى: (من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليطلب رباً سواي).
فالله يحكم ما يريد، وحكمه ماضٍ ومن رضي بحكمه استراح في نفسه، وهُدِي لرشده، ومن سخط نقد حكمه واكتسب بسخطه سخط الله وإمقاته.
قوله تعالىْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)
стр. 1747
الشعائر: حمع شعيرة أي العلامة، وأصلها إصابة
الشعر، كقولك عانه وكبده، يقال للحواس المشاعر، قال الحسن: شعائر
الله دينه وفرائضه، وقول عطاء: هي مناسك الحج، فأشار إلى نحو ما قال
الحسن.
وقوله: (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) أي القتال فيه وقيل: هو تحريم
النسىء المذكور في قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ).
стр. 1748
والهدي أصله فيما يُهدى من النعَّم، وقد يستعمل في كل ما يتقرب به إلى الله
وعلى ذلك قال ﵊: (المبكر للجمعة كالمهدي بدنه، إلى أن قال ثم الذي يليه كالمهدي بيضة)، فجعل البيضة هدياً.
والقلائد ما يطوق به الهدي شعاراً له، وقيل: نبه بذلك على تحريم كل ما يحتص بالهدي فنص على أدناه الذي لا قدر له تنبيها على ما فوقه، كقوله تعالى: (مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)
وقيل: أراد به المقلدات فبين تحريم المقلَّد وغير المقلَّد
стр. 1749
وقال بعضهم معنى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ): أي لا تمنعوا الكفار من
التمسك بشعائره، فقد كانوا مجتمعين مع المؤمنين في إقامة
المناسك فمن قال هذا قال الآية منسوخة لقوله:
(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ).
وعلى الأول خطاب للمسلمين لمراعاة أحكام الدين عاماً، أو أحكام الحج، ولا يكون فيه نسح،
وقوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا)
قيل: عنى الفضل الدنيوي المطلوب بالمكاسب المباحة.
وقيل: بل الفضل الأخروي.
стр. 1750
(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) رخصة كقوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ليجزم أن التكسب مكروه، ولا يقال ذلك للكسب المحمود في عامة كلامهم.
وقول الشاعر:
جَرِيمَةُ نَاهضٍ في رَأسِ نَيْقٍ -
على طريق التشبيه. والتنبيه أن العقاب يرتكب بالجرائم، لا قبل أدائها
стр. 1751
كما ذكر بعض الحكماء ما ذو والد وإن كان بهيمة إلا ويذنب لأجل أًولاده
وعلى هذا المعنى قيل: فلان يجرم لأهله، وقوله تعالى: (أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي لأجل أن صدوكم.
وقولهه: (أَن تَعتَدُوا) أي على أن تعتدوا، ونهى المسلمين عن الاعتداء على من ظلمهم فأبغضوهم لظلمهم إياهم، وقرأ إن صدوكم، ويكون في تقدير المستقبل.
إن قيل كيف قال هاهنا هذا، وقد قال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) قيل الأمور به في قوله: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) إباحة المُجازاة للظالم بمثل فعله فسماه باسم الأول.
وقوله تعالى: (أَن تَعتَدُوا) نهى عما هو أكثر من المجازاة، أو حث على العفو، وقوله:
(شَنَئَانُ) إذا قرأ بفتح النون فمصدرٌ، نحو نَزوَان وطَيَران، وإذا قرأ
стр. 1752
بسكونها فاسم، نحو عطشان أي لا يحملنكم بغيض قوم، أي من يبغضون
منهم.
وقيل: شَنْآن وشَنَآن. بمعنى وأكثر ما يقال في المصادر، والأوصاف
، والأفعال التعدية.
والتقوى في هذا الموضع اسم لغاية ما يبلغه الإنسان وهي
المذكورة في قوله: (لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ) فكأنه قال تعاونوا على أدنى المنازل من
الخير وأقصاها، وقيل: بل البِرُ أعلى المنزلتين فإنه ما اطمأن إليه القلب من غير أن ينكره بجهة أو سبب، والتقوى: اجتناب المآثم، فكأنه قيل تعاونوا على فعل الخير وترك الشر.
وقوله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) فالإثم يتناول جنايات العبد بينه وبين الله وما بينه وبين العباد.
стр. 1753
والعدوان ما بينه وبين غيره وهو أخص، وعقب ذلك بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). زجراً عما نهى عنه.
قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
(الْمَيْتَةُ) هاهنا ما فارقته الروح من غير تذكيه مما له نفس سائله، وقد يقال: ذلك لما ليس له نفس سائله، كقوله ﵊: (أحل لنا@ ميتتان ودمان)، (وَالدَّمُ) هاهنا هو
стр. 1754
الدم المسفوح بدلالة قوله (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) فعرَّف في الآية الدم ولحم الخنزير، وإشارة إلى ما ذكره هاهنا.
وتخصيص لحم الخنزير لا يقتضي تحليلَ شحمه وسائر ما فيه لأن ذلك نص على أفضل ما فيه ليدل على ما دونه.
وقال بعض الفقهاء: لا يجوز الانتفاع
стр. 1755
بثمنه، ولا باستعمال شيء منه في غير الأكل والإهلال: التكبير: من قولهم
أهل الصبي كأن الصبي يكبر الله فعلاً، وإن لم يكبِّره قولاً؛ لدلالته على
الآية، كتسبيح الشجر والمدر فعلاً وإن لم يكن تسبيحه قولاً، فحرم ما سُميَّ
عند ذبحه الأصنام، (وَالْمُنْخَنِقَةُ) ما وقع في حلقه ما خنقه حبلاً كان
أو غيره، (وَالْمَوْقُوذَةُ): المقتولة بضرب، يقال: وقذته
ضرباً، ويدخل فيه كل مقتول بغير ذكوه، فأما المرمي من الصيد بما يخرج بحدة فغير داخل في الموقوذة، بدلالة قوله ﵊:
(إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله فأصاب وخرق فكُل، فإن أصابه بعرض فلا يحل فإنه وقيذه).