Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
كما ذكر بعض الحكماء ما ذو والد وإن كان بهيمة إلا ويذنب لأجل أًولاده
وعلى هذا المعنى قيل: فلان يجرم لأهله، وقوله تعالى: (أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي لأجل أن صدوكم.
وقولهه: (أَن تَعتَدُوا) أي على أن تعتدوا، ونهى المسلمين عن الاعتداء على من ظلمهم فأبغضوهم لظلمهم إياهم، وقرأ إن صدوكم، ويكون في تقدير المستقبل.
إن قيل كيف قال هاهنا هذا، وقد قال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) قيل الأمور به في قوله: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) إباحة المُجازاة للظالم بمثل فعله فسماه باسم الأول.
وقوله تعالى: (أَن تَعتَدُوا) نهى عما هو أكثر من المجازاة، أو حث على العفو، وقوله:
(شَنَئَانُ) إذا قرأ بفتح النون فمصدرٌ، نحو نَزوَان وطَيَران، وإذا قرأ
стр. 1752
بسكونها فاسم، نحو عطشان أي لا يحملنكم بغيض قوم، أي من يبغضون
منهم.
وقيل: شَنْآن وشَنَآن. بمعنى وأكثر ما يقال في المصادر، والأوصاف
، والأفعال التعدية.
والتقوى في هذا الموضع اسم لغاية ما يبلغه الإنسان وهي
المذكورة في قوله: (لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ) فكأنه قال تعاونوا على أدنى المنازل من
الخير وأقصاها، وقيل: بل البِرُ أعلى المنزلتين فإنه ما اطمأن إليه القلب من غير أن ينكره بجهة أو سبب، والتقوى: اجتناب المآثم، فكأنه قيل تعاونوا على فعل الخير وترك الشر.
وقوله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) فالإثم يتناول جنايات العبد بينه وبين الله وما بينه وبين العباد.
стр. 1753
والعدوان ما بينه وبين غيره وهو أخص، وعقب ذلك بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). زجراً عما نهى عنه.
قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
(الْمَيْتَةُ) هاهنا ما فارقته الروح من غير تذكيه مما له نفس سائله، وقد يقال: ذلك لما ليس له نفس سائله، كقوله ﵊: (أحل لنا@ ميتتان ودمان)، (وَالدَّمُ) هاهنا هو
стр. 1754
الدم المسفوح بدلالة قوله (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) فعرَّف في الآية الدم ولحم الخنزير، وإشارة إلى ما ذكره هاهنا.
وتخصيص لحم الخنزير لا يقتضي تحليلَ شحمه وسائر ما فيه لأن ذلك نص على أفضل ما فيه ليدل على ما دونه.
وقال بعض الفقهاء: لا يجوز الانتفاع
стр. 1755
بثمنه، ولا باستعمال شيء منه في غير الأكل والإهلال: التكبير: من قولهم
أهل الصبي كأن الصبي يكبر الله فعلاً، وإن لم يكبِّره قولاً؛ لدلالته على
الآية، كتسبيح الشجر والمدر فعلاً وإن لم يكن تسبيحه قولاً، فحرم ما سُميَّ
عند ذبحه الأصنام، (وَالْمُنْخَنِقَةُ) ما وقع في حلقه ما خنقه حبلاً كان
أو غيره، (وَالْمَوْقُوذَةُ): المقتولة بضرب، يقال: وقذته
ضرباً، ويدخل فيه كل مقتول بغير ذكوه، فأما المرمي من الصيد بما يخرج بحدة فغير داخل في الموقوذة، بدلالة قوله ﵊:
(إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله فأصاب وخرق فكُل، فإن أصابه بعرض فلا يحل فإنه وقيذه).
стр. 1756
(وَالْمُتَرَدِّيَةُ) الساقطة من سطح أو جبل أو في بئر يُؤَديِّ
سقوطها إلى أذاها.
(وَالنَّطِيحَةُ) المقتولة بالنطاح، ناطحة كانت أو منطوحة.
(وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) مما افترسه سبع فمات.
وقوله: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) راجع إلى المنخنقة وما بعدها.
وإدراك ذكاته هو أن تؤخذ له عين تَطرف أو ذَنَبٌ يُحَّرك.
على ما روي عن أمير المؤمنين، والذكاة:
стр. 1757
بقطع الحلقوم، والمريء ومستحب أن تقطع معهما الوَدَجين،
و (النُّصُبِ) حجر كانوا ينصبونه ويتقربون بالذبائح له، والاستقسام بالأزلام هو ما كانوا يفعلونه في الميسر، كقوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ).
فإن قيل ذكر (ما) في قوله (ما أهل) (وما ذبح)، وذكر هاهنا (أن تستقسموا) دون (ما)؟
قيل: لأن المحرَّم في الأول نفس المذبوح، والمحرم هاهنا الاستقسام فأما المذبوح على الشريطة المشترطة في الشرع فإنه وإن قسم بالأزلام لا يحرم عينه.
وقيل: الأزلام قداح تكتب على بعضها أمرني ربي وعلى بعضها نهاني ربي فإذا أرادوا أمراً
стр. 1758
ضربوا ذلك فاعتبروا ما يخرج منه.
والفسق والفجور: هما الخروج عن أمر الله
فالفسق من قولهم فسقت الرُطَبة من قشرها.
والفجور من فجر الماء،
وقوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) أي أن لا يحققوا أن لا يمكنهم
أن ينسخوا ما أمرهم من دين الحق.
وقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) قيل: لما كان الإسلام شرع شيئاً منشئاً بيَّن تعالى بهذه الآية كماله، وقيل: إن الأديان الحق كلها جارية مجرى دين واحد وكان قبل الإسلام في الشيء بين إفراط وتفريط بالإضافة إلى شرعيتها، وذلك على حسب ما كان يقتضي حكمة الله في كل زمان فكمَّله الله تعالى بالنبي ﷺ ، وجعله وسطاً مصوناً
عن الإفراط والتفريط، كما قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)
وكمله وتممه به كما قال ﵊: (بُعثت لأُتمم مكارم
الأخلاق).
وقال: (إن مثل الأنبياء كمثل بيت ترك بينه موضعُ لبنة فكنت اللبنة).
стр. 1759
فهذا معنى قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)
وهذا هو الذي اقتضى أن تكون شريعته مؤبدة لا نسخ ولا تغيير، فالأشياء في التغيير والتنقل ما لم تكمل فإذا كملت فتغيرها فساد لها، ولهذا قال: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) ونبه بقوله: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
على أمرين: أحدهما: أن الإسلام هو الدين المرتضى على الإطلاق
لا تبديل له ولا تغيير، وسائر الأديان مثله كان مرتضى في وقت دون
وقت، وعلى وجه دون وجه، والقوم دون قوم، وهذا الدين بعد أن شُرعِ
مرتضًا في كل وقت، ولهذا قال ﵊ في موسى: (لو كان حيا ما وسعه إلا اتباعي) ولأجل ذلك قال تعالى:
стр. 1760
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وقال: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) الآية. فقوله تعالى: (اليومَ) إشارة إلى زمان النبي ﷺ
أو إشارة إلى اليوم الذي أنزلت هذه السورة. فقد كان في النسىء في زمن
النبي ﷺ أيضاً إلى آخر أيامه، فحينئذ كمل وصار بحيث لا تغيير فيه ولا تبديل بنسخ ونسخ.
إن قيل: كمَّل الدين النبي ﷺ ، وقد حكم تعالى أن دينه هو دين إبراهيم حيث قال: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا). قيل: ونبه تعالى أن هذا الدين الذي هو دين إبراهيم من
حيث أنهما داعيان إلى الحق ومشتركان في أصول الشريعة، لكن ما شُرِع على
стр. 1761
لسان إبراهيم كان مبدأ الإسلام، وما شُرِع على لسان محمد ﷺ خاتمة الإسلام.
فمن حيث إن هذا مؤيد ناسخ لفروع ما تقدم قال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ومن حيث إنه شارك دين إبراهيم في الأصول صار هو إياه، وهذا ظاهر
لمن عرف قوانين الكلام.
إن قيل: إن ذلك يقتضي أن يكون الأديان كلها
ناقصة، وأن يكون دينه ﵊ قبل ذلك اليوم ناقصاً.
قيل: الكامل والناقص من الأسماء المتضايفة التي تقال باعتبار بعضها بعض، فالصبي إذا اعتبر بالرجلِ فهو غير كامل، وإذا اعتبر بمن هو على سنه فهو كامل، إذا لم يكن مذموما فكذلك دين الأنبياء قبل النبي ﷺ إذا اعتبر بأهل زمانهم كان كاملاً، وإذا اعتبر بدين النبي ﷺ وزمانه لم يكن كاملاً وليس النقصان المستعمل هو النقص
المذموم فلفظة ناقص تستعمل على وجهين.
إن قيل: ما وجه فائدة قوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
بعد قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)؟
قيل لما بين تعالى أنه أكمل دينهم بيَّن بعده أن ذلك الدين هو الإسلام
وقد رضيته كما قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ).
وقوله: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) أضاف النعمة إلى نفسه تشريفاً لها.
وقوله: (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) منه أن الخشية في الحقيقة يجب أن تكون ممن
منه مبدأ النفع والضُر دون الوسائط فقد قيل: أعجز الناس من خشي من
стр. 1762
لا ينفعه ولا يضره، دون الذي بيده الخير.
وقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) أي من ناله ضرورة ولم يجنف، أي: لم يمل لما تبين إثماً بل راعى الحقَّ وقصد دفع أذى الجوع. فالله تعالى لا يؤاخذه به فإنه كان غفوراً لذنوب عباده رحيماً بهم.
فهو أهل أن لا يؤاخذهم بما فسح لهم
فيه وعلى نحو هذه الآية دل قوله تعالى: (فَمَنِ اضطُرَّ غَير بَاغٍ وَلَا عَادٍ
فَلا إِثمَ عَلَيه).
قوله : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)
الطيب التام الذي يستلذ عاجلاً وآجلا، وذلك هو الحلال
الذي لا يُعْقِبُ إثما، وقوله:
стр. 1763
(وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ) مبتدأ. وقوله: (فَكُلُواْ) في موضع الخبر.
قال بعضهم: هو معطوف على الطيبات وتقديره: صيدوا ما علمتم، والأول أجود، والجوارح: الصائدات الكاسبات من الكلاب والفهود ونحوها بالجرح بناب أو مخلب، ومنها قيل جَرَحَ فلان واجترح إذا اكتسب، والمكلَّب: المضرُّي على الصيد سواء أضرى كلباً أو غيره.
وبعض المفسرين خص ذلك بالكلب وكره صيد جوارح الطير إذا قتلت، وقال إن ذلك لا يستعمل فيه التكليب.
ومن شرط المعلَّم أنه إذا دُعِيَ أجاب وأن لا يأكل من الصيد ومتى
стр. 1764
كان ذلك فإنه يؤكل وإن قتله، وقال الكوفيون: صيد جوارح الطير
يؤكل منه، وإن أكل.
وقول النبي ﷺ : (إذا سميت فَكُلْ وإن أكل منه فلا
تأكل) يقتضي خلاف ما قالوه، ومعنى:
стр. 1765
(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)
стр. 1766
إشارة بقوله: (أَمْسَكْنَ) أن لا يأكلن.
وظاهر الآية أن لا فرق
стр. 1767
بين كلب المجوسي والمسلم إذا أرسله المسلم، بخلاف ما قال الثوري: أنه
يكره الاصطياد بكلب المجوسي، وأجمعوا أنه إذا قدر على ذبح ما أمسكه
المُكلب فلم يذبح فلا يؤكل، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
стр. 1768
قال ابن عباس: يعني لأوليائه، وجعل ذلك أمناً لهم، وقال: بل ذلك تخويف لمن خالف أمره.
قوله : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)
يعني اليوم ما تقدم ذكره في قوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
وفي قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وذلك إشارة إلى
عام الوداع.
(الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) عند الشافعى: - هم
стр. 1769
بنو إسرائيل من اليهود والنصارى دون من دخل في دينهم بعد الإسلام، لقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ).
وقال ابن عباس: فهم الصابئون.
وروي عن علي: أنه لا تحل ذبائح النصارى العرب.
وعند أبي حنيفة: أن ذلك يتناول أيضاً من يدخل بعد الإسلام في
стр. 1770
دينهم احتجاجاً بقوله تعالى: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) فحَكم
أنهم منهم. ويعني بطعامهم ما يذبحونه ويتولون الصنْعةَ، ومما يملكونه، ولم
يحتج أن يشترط فيه رضا مالكه إذا لم يكن القصد إلى ذلك وقوله:
(وَطَعَامُكُم حِلٌّ لهُم) أي يجوز أن تطعموهم،
وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) أي العفائف، وقال
стр. 1771
الشافعي: عنى الحرائر منهم، ومنع الحر من التزوج بإمائهن، ويقوَي قوله
: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ).
وكان ابن عمر ﵁: يكره التزوج بالكتابيات
وإذا سئل عن ذلك يقرأ هذه الآية قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) ويقول في قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من الذين كانوا منهم فأسلموا كقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) وغيره
حمل قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) على أهل الأوثان والمجوس
стр. 1772
وقال ابن عباس: لا لمجل نكاح الحربيات منهن لقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى قوله: (وَهُمْ صَاغِرُونَ)
وأكد ذلك بقوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
والنكاح يقتضي المودة لقوله: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً).
وقال: من جوز التزوج منهن أن المودة المنهي عنها هى المودة الدينية، وأما المودة الزوجية فهي التبقية، وذلك غير محظور.
قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ) أي بالدين الحق.
والحَبْطُ أصلهْ الحَبَطُ وهو داء يأخذ الإبل في أجوافها من كلأٍ يستوبله.
وقيل معناه: من
стр. 1773
لم يشكر الله بالإيمان، أي هو ذو إيمان فقد حبط عمله تنبيهاً أن الاعتقاد لا يكفى ما لم يضامه شكر نعمه بإقامة عباداته.
وقيل معناه: من لم يراع حقيقة الإيمان بالاعتقاد لم تنفعه أعماله.
قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)
قال أصحاب أبي حنيفة: ظاهر الآية تقتضي أن لا يجب في
الوضوء النية، والقول بوجوبه يقتضي زيادة في النص والزيادة في النص تقتضي النسخ، ونسخ القرآن لا يجوز اتفاقاً بخبر الواحد والقياس فلا يصح إذاً إثبات النية، وقال بعض الشافعية: بل الآية تقتضي إيجاب النية لأن معنى
стр. 1774
قوله: (إِذَا قُمتُم) إذا أردتم ولو لم يكن معناه ذلك لم يكن لذكره فائدة.
وقال بعضهم: الآية تقتضى الترتيب، لأن الفاء في قوله: (فَاغسلُوا)
تقتضي ترتيب غسل الوجه على القيام، فإذا ثبت ترتيب الوجه على القيام ثبت في غيره لأن أحداً لم يفصل، وليس ذلك بشىء فإن الفاء وإن كانت تقتضي الترتيب فإنما اقتضى ذلك في الجملة لا في البعض، ولم يقتضي ترتيب الأعضاء والمأمور بغسلها بعضاً على بعض، والأظهر أن الترتيب اقتضتاه قول النبي
ﷺ : (ابدأوا بما بدأ الله به) وفعله الذي فعله تبياناً للآية، وقد رنب ثم قال:
(هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)،
والمرفقان داخلان في الغسل بدلالة
стр. 1775
ما روي من الأخبار، وظاهر الآية تقتضي مسح الرِجل لولا ما روي في ذلك
من الأخبار سواء قرئ بالنصب أو بالجر، وذاك أنه إذا نُصِبَ فهو كقوله
стр. 1776
مررت بزيد وعمرواً، وروي أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة مسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقيل له: في ذلك.
فقال: (عمداً فعلت) وظاهر أول الآية أن كل صلاة تقتضي الطهارة لكن لما
شرط في البدل وهو التيمم فقال: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) عُلم أن ذلك شرط في المبدل أيضاً، ولأن الإجماع
على أنه لا يجب الوضوء لكل صلاة ما لم يحصل حدث وقد استحب تجديد
الوضوء لكل صلاة من أجل ظاهر اللفظ، ولأن النبي ﷺ قال: (الوضوء على الوضوء نور على نور)،
وقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرت في كل صلاة بالوضوء).
стр. 1777
وقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) وهوكقوله:
(وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) والجنابة بإنزال الماء
أو بالتقاء الختانين، وقوله: (فَاطَّهَّرُوا) أي تطهروا فأدغم فسكن تاء
الفعل وأدخل عليه ألف الوصل.
وقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) أي مَرَضاً يمنع من استعمال الماء (أَو عَلَى سَفَرٍ) أي سفراً يُعدم فيه الماء وظاهر اللفظ يقتضى قليل السفر وكثيره ولكن الأَخبار خصته.
стр. 1778
وملامسة النساء كناية عن الجماع عند عامة الصحابة، وذكر عن ابن عمر: آية اللمس بأي موضع كان من البدن، وإليه ذهب الشافعي، وقال قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) يقتضي أن يطلب، لأن عدم الوجود يقتضي الطلب، وظاهر
الآية تقتضي أن لا يجوز التيمم إلا بعد عدم قليل الماء وكثيره، ومستعمله وغير
стр. 1779
مستعمله لكن استثنى المستعمَل، بدلالة قوله تعالى: (وَأَنزَلنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
طَهُورًا) ولا خلاف أن ذلك يقتضى الماء المطلق، إلا عند الأصم، فإنه
أجاز التوضؤ بماء الورد وما يجري مجراه في الرقة،
وقوله: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) أي تراباً.
وقيل: وجه الأرض، وإن لم يكن عليه التراب، وقوله: (منهُ) يقتضي ما قاله الشافعي أنه يجب أن يعلق باليد منه
стр. 1780
شيء، وقوله: (طَيّبًا) أي طاهر والطيب في وصف الأرض ما ليس
بسبخ، بدلالة قولَه: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)،
وقوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) منهم من اعتبر ذلك
في الدنيا، وقال: ظاهره يقتضي أنه لا يريد أن يتطهروا ويغتسل
مع الخوف على النفس من الشدة والضنى.
وقائل ذلك يقتضي بطلان قول من يوجب الغسل من الجنابة مع المرضى، ومنهم من
стр. 1781
قال: معنى ذلك لا يعتبروا الجهل والمشقة في هذه العبادات بالحال الظاهرة،
واعتبروا بالمال فإن ذلك ذريعة إلى تطهير نفوسكم، وما يفضى بكم إلى النعيم
المعد لكم، لتعلموا أنه لم يرد حرجاً بما أوجبه عليكم، فإنكم إذا اعتبرتم ذلك شكرتم الله على ما طلعكم وعلمتم أن ذلك ليس بحرج ومشقة حملكموها، ونحو ذلك قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).
وقوله: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) يعني الطهارة من الذنوب، وقد
قال ﵊: (إذا توضأ العبد فغسل وجهه خرجت ذنوبه من
وجهه وإذا غسل يده خرجت ذنوبه من يده) وذلك قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)
وقد حُمل على ذلك قوله: (وَثِيَابكَ فَطَهِّر).
стр. 1782
قوله : (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)
الميثاق: العهد المستوثق منه وميثاق الله تعالى: المأخوذ من عباده على أضرب: الأول: ما أخذه عليهم بالفطرة: وهو ما رَكَزَه فيهم من المعارف.
الثاني: ما أخذه عليهم بما أفادهم من العلوم المكتسبة.
الثالث: ما أخذه عليهم ببعثة الأنبياء وإلزامهم بالشرائع.
الرابع: ما يلزم بعضَهم عن بعض بما يجب عليهم
الوفاء به، وقد حمل الآية على كل ذلك.
وقوله: (إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا) تفسير الميثاق الذي أخذه، ووجهه ذكر النعمة. والميثاق بعد أصحاب الطهارة تذكير
стр. 1783
للنقمة، وتأكيد لوجوب طاعته. وإن قيل: لما قال: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) ولم يقل نعم الله؟
قيل: لفظ الواحد في هذا الوضع أبلغ ففيه تنبيه أن في ذكر
نعمة واحدة شغل عظيم مع أن لفظ الواحد في نحوه يقتضي الجنس.
وذكر نعمته هو شكرها.
وقوله: (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي يقوي الإنسان من
العقل والفكر والتخيل الغضب والشهوة.
وذكر الذات للمبالغة وعلى ذلك قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥).
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)
стр. 1784
(قَوَّامِينَ لِلَّهِ) أي خلفاءه شهداء بالعدالة، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ)
وذلك يقتضي الشهادة لحقوق الناس كما قال الحسن: وعلى قومهم فبما يخالفون أمر الله فيه، كما قال غيره: ولأمر الله أنه حق. كما قال الزجاج. وقيل: معنى الشهادة الحضور أي كونوا في جميع ما يتحرونه مشاهدين لله. كما قال ﷺ (إن لم تكن تراه فإنه يراك)،
وعدي قوله ﷺ (إن لم تكن تراه فإنه يراك)
стр. 1785
وعدي قوله (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ) بـ على - حملاً على معنى لا يحملنكم.
وقوله: (عَلَى أَلَّا تَعدِلُوا) أي على ترك العدالة وذلك قريب من قوله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)
فالاعتداء قريب من قوله: (أَلَّا تَعدِلُوا) لكن قوله: (أَلَّا تَعدِلُوا) أبلغ.
وقوله: (هُوَ) أي العدل فأضمر المصدر لدلالة الفعل عليه كقولهم: -
من كذب كان شراً له أي الكذب شراً له،
إن قيل كيف قال: (أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، وأفعل إنما يقال في شيئين أُشْرِكا في معنى واحد لأحدهما مزية.
وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا هو من جملة العدالة.
فما معنى قوله: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)؟
قيل: إن أفعل وإن كان كما ذكرت، فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء، لا على ما عليه
من حقيقة الشيء في نفسه، قطعاً لكلامه وإظهار التبكية، فيقال لمن اعتقد مثلاً في
стр. 1786
زيد فضلاً وإن لم يكن فيه فضل ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمروا
أفضل منه، فقال أَجزِم عمروا فهو أفضل من زيد، وعلى ذلك قوله
تعالى: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) وقد عُلِم أن لا خير فيما يشركون
بوجه والآية نزلت في يهود احتالوا النبي ﷺ .
وقيل: في قريش لما صدوا المسلمين. فأمر الله تعالى المسلمين ألا يتركوا معهم مع ذلك استعمال العدالة.
إن قيل: كيف تصور الظلم وقد أُبيح للمسلمين أن
يقتلوهم ويسبوهم ويسلبوهم وقيل: كل ذلك أُبيح لهم على وجه دون
وجه، متى أُخِل لمراعاة الحكم المسنون في شيء من ذلك، فهو ظلم
بل من فعل الإنسان بالكافر مع ما أمر أن يفعل به قصداً إلى
التشفي منه تحرياً لأمر الله، ففى ذلك تعدياً فأوجب الله تعالى تحري العدالة
مع كل محق، ومبطل وإقامة الشهادة بالحق في كل أمر، وبين الله أنه
تعالى عالم بما يتحرونه، ولا يخفى عليه خافية.
قوله : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)
في قوله: (مَغْفِرَةٌ) وجهان: أحدهما: أن يكون في موضع مفعول وعد الله
стр. 1787
كقول الشاعر:
وَجَدْنا الصَّالِحينَ لَهُمْ جَزاءا ... وَجَناتٍ وَعَيْناً سَلْسَبيَلا
فجعل قوله: (لهم) جزاء في موضع المفعول به وعطف على
موضعه قوله: (جَناتٍ) بالنصب والثاني أن مفعول وعد محذوف،
وقوله: (لَهُم مَّغفِرَةٌ) تفسير له وعلى كلا التقديرين لا يختلف المعنى.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)
ذلك استئناف كلامهم متضمن للوعيد بتضمن الآية الأولى للوعد.
قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
стр. 1788
قيل عنى قوماً من اليهود هموا بقتل النبي ﷺ
وروي: أن يهودياً انتهى إلى النبي ﷺ فسل سيفه
وقال من يصونك مني، فقال النبى ﷺ : الله، فشام سيفه وأذعن لى).
وذكر نعمة الله لشكره وقد تقدم ذلك ونبه بقوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أنه
стр. 1789
لا يجوز للمؤمن أن يفزع إلى غير الله في شيء من أموره.
قوله : (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)
النَّقْبُ كالثقْبِ لكن الثقب يقال لما قضى من الجانب الآخر والنَّقْب، قد يقال له ولغيره وباعتباره قيل: النقبة لأول ما يبدأ من الحرب وقيل لضرب من السراويل نقبةٌ، وكلب نقيبٌ مثقوب الحنجرة لئلا يرفع صوته.
والمناقب ما ينقب عنه من المفاخر والنقيب
كالعريف يقال نقب وعرف وهو الذي عنى أحوال الجيش.
قال أبو عبيدة: هو الضامن على القوم.
قال قتادة: هو الشاهد،
وقيل: هو فعيل في معنى مفعول وهو المختار، وذلك إشارة إلى
стр. 1790
ما قال: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).
والمذكور في قوله: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا)
وأصل التعزير النصرة إما بأن لا يَظلم أولا يُظلم.
كما قال ﵊: (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال بعضهم: - أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟
فقال: تمنعه من الظلم).
وتعزير السلطان عى بذلك كما سمي التأديب، وإقراض الله عبارة
عن كل إنفاق محمود أوجبه أو ندب إليه، وسمي ذلك قرضاً تلطفاً بعباده وأن
следующие страницы →