Полный текст (2 001 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قوله :
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ الآية: (٦١) - سورة البقرة.
الصبر الحبس على المكروه، وذلك ضربان: أحدهما: حبس الغير، فيتعدى نحو: صبرت الدابة، وصبرت يمينه أي: حلفته بالله حلفة لا خروج لها منها، والثاني: حبس النفس، ولا يتعدى في اللفظ، وهو حبس النفس عما يقتضيه الهوى أو على ما يقتضيه " الهوى " والعقل، ويختلف مواقع الصبر، وربما خولف بين أسمائها بحسب اختلاف مواقعها فإن كان في مصيبة يقال له: صبر لا غير وضده الجزع وإن كان في محاربة سمي شجاعة، وضدها الجبن وإن كان في نائبة مضجرة، سمي " رحب الصدر " وضده " ضيق الصدر " والضجر والتبرم وإن كان في إمساك [النفس فضولات العكس، سمي قناعة وعفة وضدها الحرص والشره وإن كان في امساك] كلام في الضمير سمي كتماناً وضده الذل والإفشاء ثم الصبر ضربان: نفسي وبدني فالبدني: أكثر لأخساء الناس والنفسي: للأشراف ولذلك قال الشاعر:
والصبر بالأرواح يعرف فضله ...
صبر الملوك، وليس بالأجساد
والطعام ما يغتذي به مأكولا كان أو مشروباً، وفي المشروب قالك ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ورجل طاعم لمن يطعم، ويتجوز به لمن حسن حالة في المطعم، ويقال: قوس مطعمة ويعير مطعم ومطعمنا الباري لبرئته كل ذلك تصور أنها تطعم صاحبها، والواحد يقال على أوجه من حيث الجنس
стр. 212
فيقال: الإنسان والفرس واحد، أي من حيث الحيوانية، وواحد من حيث النوع، يقال زيد وعمرو واحد، أي من حيث الإنسانية واحد من حيث الشخص، وإن كان ذا أجزاء كثيرة، يقال: رجل واحد، وواحد من حيث الشرف، نحو قولهم: واحد دهره، وواحد من حيث العدد، وهو مبدأ العدد بمعنى أنه لو ارتفع ارتفعت الأعداد، [ولو ارتفعت الأعداد] لم يرتفع الواحد بها، فالواحد كيف ما أدرته وأجريته لم يزد فيه شيء ولم ينقص، فإنه يحفظ ذاته، ولذلك قيل: إن الواحدة في العدد أقرب الأشياء إلى معرفة وحدانية الله تعالى
فإن قيل: كيف قال: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وكان لهم المن والسلوى؟ قيل: إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك فلان يفعل فعلاً واحداً في كل يوم وإن كثرت أفعاله إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها، والدعاء أعم من النداء، فإن النداء يقال فيمن يكون بعيداً أو في حكم البعيد والدعاء فيه وفي القريب، وقوله: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ ذكر جواب الدعاء، ولم يذكر المطلوب في الأول لكونه معلوما كقولك: قل لفلان يعطني كذا، وتقديره: قل له أعطني يعطني، والنبت والنبات يقال لما ينبت الله ولمصدر نبت، وقد يقال ذلك لذوي الساق من الشجرة، وأنبت الغلام إذا راهق على طريق الاستعارة ولنبات عانته، والبقل مالا ينبت أصله ولا فرعه في الشتاء، وأبقل المكان: صار ذا بقل وتبقلت تناولته وبقل وجهه استعارة، والفوم: الزرع، وقيل: الحنطة خاصة، وقيل: الثوم، والثاء والفاء يبدل أحدهما من الأخرى نحوه جدث، وجدف، ومغافير، ومغاثير، وأدنى أي أوضع، ويعبر عن الوضيع بالدني، والخير يقال على ضربين: أحدهما الخير المطلق وهو الشيء النافع الحسن الملذ وضده الشر المطلق وهو الضار القبيح المؤلم، والثاني: الخير المفيد، وهو ما يحصل فيه أحد الأوصاف الثلاثة، فيصح أن يوصف بالخير مرة والشر مرة على نظرين مختلفين، نحو أن يقال المال خير والمال شر، ولأجل أن الخير المطلق هو ما جمع الأوصاف الثلاثة،
стр. 213
وهي غاية ما يتحرى ويطلب، قيل الخير: هو الذي يطلبه الكل، والشر هو الذي يهرب منه الكل، فإن ما جمع الحسن واللذة والنفع يرغب فيه الكل، وما جمع منه أضداده الثلاثة يهرب منه الكل، والمصر: اسم لكل بلد عظيم مجموع الأقطار والحدود، وهو في الأصل اسم للمصور أي المضموم بالحدود نحو النقص والنكث للمنقوص والمنكوث، وعبر عن الحد بالمصر في قول الشاعر:
وجاعل الشمس مصرا لاخفاء به ....
بين النهار وبين الليل قد فصلا
من حيث إن الحد معتبر فيه، ومصرت الناقة جمعت ضرعها بإصبعين للحلب، ولما كان خروج اللبن على ذلك قيل غير مصور لقليلة اللبن، و " فلان مصور " أي بخيل يعسر إخراج الشيء منه تشبيها بذلك، فمصر ههنا قيل هو البلد المعروف، ولذلك قيل هو في قراءة أبي - رضي الله تعالى عنه - بغير تنوين، وقيل: عنى به مصرا من الأمصار، والذلة تقال على وجهين، على الهون وقريء: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ والمسكنة: الفقر الذي يسكن الإنسان عن التصرف، ومعنى ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ أي ألزمت وأوجبت - تشبيها بضرب الخيمة على من فيها والإحاطة به، و " باؤا " أي احتملوا، وأصل ذلك من البوأ أي المساوية، فباء فلان بكذا تنبيه أنه تحمل مقدار ما يساوي وقوته، والمباءة: المنزل في المستوى، وذلك إذا لم يكن ذا عد، وبين الله تعالى في هذه الآية أنه لما اختار الله لهم ما يتبلغون به، أبوا إلا الميل إلي القاذورات وما فيه مراعاة القوة
стр. 214
البهيمية، والعناية بتربيتها فقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ أي أخس بما هو خير مطلق، ثم قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وذلك على نحو: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ فكأنه قيل: إن لم ترغبوا فيما اخترته لكم، وفيه خلاصكم، فشأنكم في قصد المكان الذي لا يعدم فيه ما ترمونه، وذكر ثلاثة أحوال كل واحدة كالمعلول للأخرى، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي حصلت لهم هذه العقوبة التي هي الذلة والمسكنة والغضب من أجل كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين، وحصل لهم الكفر، وقتل النبيين بالعصيان والاعتداء، وذلك أنه كما أن الخيرات صغارها سبب لتحري كبارها، كذلك الشرور صغارها سبب لارتكاب كبارها، فبين أنهم لما عصوا وتعدوا، أدى ذلك بهم إلى الكفر وقتل الأنبياء، وأدى ذلك بهم إلى أن ألزموا الذلة والمسكنة، وغضب الله عليهم، وفيها تنبيه لنا أن من طلب لنفسه غيره ما أثره الله له، فقد خرج من التوكل بل قد تعدى فقد قيل: (ومن لم يهتد بما يختاره الله له، لم يهتد بما يختاره لنفسه)، ولهذا قيل في الدعاء: " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأكلني كلاية الوليد في المهد ".
قوله- :
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية: (٦٢) - سورة البقرة
الهود: قبل التوبة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي تبنا، ومنه أخذ اليهود وقيل: أصل اليهود ويهدوا منقول عن السريانية، وهو أقرب وهاد فلان إذا تحرى طريقتهم في الدين، والاسم العلم قد يتصور منه [معنى] ما يتعاطاه المسمى به والمنسوب إليه ثم يشتق منه، نحو قولهم تفرعن فلان، إذا تحرى في فعله الجور الذي كان يتعاطاه فرعون، و " تطفل فلان " إذا فعل فعلا
стр. 215
طفيل في كونه وارثاً أو فاعلا في الدعوات، وقالوا: " لاط فلان وتلوط " إذا فعل فعل آل (قوم) لوط، وهذا أبعد من الأول، ولما كان دين اليهود قبل أن ينسخ دين حق قيل لمن تاب " هاد " حتى كثر ذلك، ولما تصور منه الحركة عند القراءة شبه بهم المتحرك طورا والماشي مشيا مخصوصا طورا، فقيل: تهود فلان في مشية " و " هود الرابض الدابة " إذا سيرها برفق وأما النصارى، فقد قيل: هو مما حكي عن المسيح ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ والأقرب ما قال بعضهم إن المسيح كان من قربة يقال لها نصران، فإما أن سموا باسمها، ثم جمعته العرب على نصارى نحو: " سكران " و " سكآرى " أو جعلوا منسوبين إليها ثم جمعت نحو: " مهرى " و " مهارى " و " الصائبون "، قيل: قوم كانوا على دين نوح، وذلك كان من أديان الحق قبل النسخ، وقولهم: " صبأ فلان " إذا اخرج من دينه إلى دين آخر يجوز أن يكون أصله فيمن كان يخرج إلى دينهم ثم صار يستعمل في كل دين كقولهم ألها لكي في أن أصله لحداد مخصوص، ثم صار يستعمل في كل حداد، ويكون أن يكون " صباعربيا " طابق ذلك، و " صباناب البعير " طلع، ومن قرأ: " صابئين " فقد قيل هو من: صبا يصبو، وقيل: أصله " صبا "، فترك همزه، والأجر والجزاء والثواب يتقارب، لكن الأكثر في الجزاء أن يستعمل في المعاملة بين الأكفاء أو فيما يجري مجراه بضرب من التلطف والأجر فيما يعطى الرفيع من دونه والثواب فيما يرجع إلى الإنسان من نفع عن فعله، وقد تقدم أن الإيمان يستعمل على وجهين: أحدهما: الإقرار بالشهادتين الذي يؤمن نفس " الإنسان " وماله عن الإباحة إلا بحق، وذلك بعد استقرار هذا الدين مختص به، كالإسلام، والثاني: تحري اليقين فيما يتعاطاه الإنسان من أمر دينه فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عنى به المتدين بدين محمد ﷺ وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ عنى به المتحري
стр. 216
للاعتقاد اليقيني، فهو غير الأول ولما كانت مشاهير الأديان هذه الأربع، بين الله تعالى أن كل من تعاطى دينا من هذه الأديان في وقت شرعه، وقبل أن ينسخ عنه، فتحرى في ذلك الاعتقاد اليقيني، واتبع اعتقاده بالأعمال الصالحة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وبين صحة ذلك ما روي أن سلمان الفارسي ﵁ لما ذكر له خبر النبي ﷺ قصده وآمن به، وذكر حسن أحوال رهبان صحبهم، قال النبي ﵇: " ما تواوهم في النار "، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثم قال ﵇: " من مات على دين عيسى قبل أن يسمع بي، فهو على خير ومن سمع بي ولم يؤمن بي فقد هلك " وقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسعيد ﵁ " إن هذا منسوخ بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ يعنون أن هذه الأديان كلها منسوخة بدين الإسلام، وأن الله جعل لهم الأجر قبل وقت النبي ﵇، فأما في وقته، فالأديان كلها منسوخة بدينه ....
стр. 217
قوله :
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
الآمة: (٦٣) - سورة البقرة ".
الميثاق: عقد مؤكد بمين أو عهد، يقال: أوثقت كذا ووثقته ووثق به ثقة، ثم قيل: رجل ثقة، وقوم ثقة، فاستعير لفظها للموثوق به، والميثاق الذي أخذ منهم ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وفي قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الآية، والطور: قيل هو اسم لجبل مخصوص وقيل: هو اسم لكل جبل ينبت شيئا، وطابق لفظه الطور أي الفناء و " طار يطور " لسرعة المشي، كما أن طار يطير للسباحة في الهواء، والقوة يستعمل تارة بمعنى القدرة، وتارة للتهيؤ الموجود في الشيء، نحو أن يقال: النوى بالقوة " نخلة "، أي متهيأ ومترشحآ أن يكون منه ذلك، ويستعمل القوة في البدن تارة، وهو الأظهر، وتارة في النفس، ولما كانت القوة للشدة الموجودة في الشيء سميت المفازة قوى - تصورا منها ذلك، ثم قيل: أقوى فلان، إذا صار في قوى، أي قفر، وتصور من حال الفقر الفقر، فاستعير الأقوى للافتقار استعارة قولهم أترب وأرمل، لذلك، فقوله: (خذوا ما آتيناكم بقوة) أي: تعاطوا ما فيه بعلم ودراية فالعلم هو الذي يقوي الإنسان ويبلغه المقصود في أمور الدين، وقال الضحاك: (بقوة): أي بطاعة الله، وذلك لما روى " أقوى الناس من أطاع الله واتقاه "، وقيل: " بقوة، أي بعمل ما فيه، وذلك صحيح بنظر فإن تعاطي كل جزء من العمل الصالح يقوي الإنسان على ما فوقه، وقد تقدم أن الذكر ذكران ذكر باللسان، وذكر بالقلب وأنه يتجوز به في الحفظ والمراعاة، فيقال: اذكر كذا، كما يقال في الترك: النسيان، وذاك أن الذكر سبب
стр. 218
لحفظ صورة الشيء في النفس، كما أن النسيان والترك سبب لانحداقها عنها، فمن قال: الذكر والنسيان ليسا من فعل الإنسان، فإنما نظر إلى الغاية التي هي السبب دون المبدأ الذي هو السبب ومن قال " قد يكون من فعل الإنسان، فإنما اعتبر السبب الذي عنده يحصل ويثبت صورة الشيء في النفس، وعنده ينحذف، ومعنى الآية: قلت إن موسى ﵇ لما أتى بني إسرائيل بالتوراة متضمنة لأحكام شريعتهم، أبوا أن يلزموها، فأمر الله الملائكة أن ترفع الطور، فقيل لهم: خذوها وإلا طرح عليكم، وذلك قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ الآية
إن قيل: إن هذا يكون إلجاء، ولا يستحق به الثواب، قيل: لم يستحقوا الثواب بالالتزام، وإنما استحقوا بالعمل بها من بعد، فأما في التزامها فمضطرون، وقال بعض الناس: " عني برفع الطور تشديد الأمر عليهم وجعل ذلك مثلا "، وذلك بعيد، وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، الواو فيه للحال لا للعطف، لأن أخذ الوثاق كان بعد رفع الطور، وذلك نحو قول الشاعر:
قالت ولم تقصد لقيل الخنا ....
مهلا فقد أبلغت إسماعي
قوله- :
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
الآية: (٦٤) سورة البقرة.
التولي: التفعل من الولاية في الأصل، ويقتضي تولى الأمر حصوله في أقرب المواضع منه، وإذا قيل: تولى عنه، فمعناه ترك التولي معرضا، فالتولي عن الشيء أخص من الإعراض، والافضال والإحسان والإنعام لا يكاد يفرق بينهما في التعارف سيما إذا وصف به الباري سبحانه وإن كان قد
стр. 219
يخلف في أصل الموضوع، ومن حيث الاشتقاق فالإفضال بذل مالا يجب عليه، أو ترك ما يجب له وذلك من الفضل وهو الزائد على العدل، والإحسان.
الفعل الحسن سواء كان واجبا وعدلاً أو نافلة وزائدا على العدل وأن كان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية ما يقتضي ما يزيد على العدل والإنعام يقتضي ما يتنعم به المنعم عليه، ولا يكاد يقال في التعارف يقال فيما يقتنيه الإنسان في نفسه هذه، وفيما يعطي غيره تارة، فيقال فيهما: فلان ذو فضل، والثاني هو المراد ههنا، وقول أبي العالية والربيع: " إن فضل الله الإسلام "، ورحمته " القرآن "، فذلك بعض ما يقتضيه عموم اللفظ، ولكن في قولهما تنميه، إن هذا خطاب لمن كان في زمان النبي ﷺ دون المتقدمين، والخاسر المطلق في القرآن هو الذي خسر أعظم ما يقتني، وذلك [نعيم] الأبد، وهو المذكور في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، إن قيد: إن ذلك يقتضي أن لا فضل له تعالى على الذين خسروا [أنفسهم]، قيل: تخصيص من انتفع بذلك من حيث إنه قبله لا يقتضي إن لم يعرض فضله لغيره فإن فضله تعالى الديني معرض لكل أحد، لكن حق الإنسان أن يترشح بقبوله والانتفاع به، فمثله كمثل نعمته بالشمس والصوب اللذين وإن كانا عامين لا ينتفع بهما من زرعه من لم يرشحها للانتفاع بهما، كذلك فضله الديني والعقلي لا ينتفع به من لم يرشح نفسه بقبوله ..
стр. 220
قوله :
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾
الآية: (٦٥) سورة البقرة
العلم ههنا بمعنى المعرفة ويتعدى ذلك إلي مفعول واحدة وحقيقة ذلك أن معارفنا ضربان.
أحدهما: حصول صور الموجودات في النفس وذلك كالمعرفة بذات الشيء، والثاني: الحكم بوجود شيء لشيء هو موجد له، أو الحكم بنفي شيء عن شيء هو منتف عنه، فالأول: يقال له معرفة وعلم، ويتعدى إلى مفعول واحد، وعلى ذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾، وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ والثاني: يقال له علم، ولا يقال له معرفة، ويتعدى إلى مفعولين لا يصح الاقتصار فيه على أحدهما من حيث إن ذلك يقتضي إثبات حكم أو نفي حكم لمعلوم، والاعتداء مجاوزة الحق على وجه محظور قال الحسن: كان اعتداؤهم في السبت أخذهم الحيتان على جهة الاستحلال وقيل: حبسهم إياها في الشباك يوم السبت ليأخذوها يوم الأحد، والسبت في الأصل راحة بعد تعب، واستعمل في الشعر إذا حلق لهذا المعنى، وفي الجلد إذا أزيل عنه الشعر تشبيها به، وقيل للنعل " سبت "، أي مسبوت نحو نقض، ونكث، والسبات للنوم من ذلك، والسبت قيل جعل اسما للنوم من ذلك، وخسأت الكلب فخسأ، زجرته فانزجر وخسأ البصر من ذلك أي انقبض، وقوله ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي جعلناهم، فذكر القول ههنا تنبيها على سرعة جعله كذلك نحو قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾، أي جعلنا له وبيان جعله الإنسان قردة وخنازير يحتاج فيه إلى مقدمة وهي أن الإنسان أتم ما أوجده الله تعالى في هذا العالم وأشرف، فإن الأعيان المبصرات بالقول المجمل أربعة، الجماد [وهو الجسم غير النامي]، ثم النبات وهو الجسم النامي، ثم الحيوان، وهو النامي
стр. 221
الحساس، ثم الإنسان وهو الحساس المروي، فللإنسان صورتان، مهما باين ما سواه إحداهما مدركة بالحاسة، وهو الشكل المخصوص، والثانية مدركة بالعقل، وهو ما خص به من قوة الفكر والتمييز والعقل، فالإنسان بهذه القوة يشابه الملائكة وبقوته الشهوية والعضبية يشابه البهائم، فصار واسطة بين القبيلين، وفيه تكمن من التشبيه بالقلبيلين، أما تشبيهه بالملائكة، فبإماتامة قوته الشهوية بقدر الطاقة وتربية قوته الفكرية وتعاطيه ما وصف الله به الملائكة في قوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وأما تبيهه بالبهائم، فبإماماتق قوته الفكرية وتربية قوته الغضبية والشهوية وتعاطيه ما وصف الله به الكفار، فقال: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ وقال: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾، فإذا ثبت ذلك، فمن اعتبر الصورة المعقولة قال: هذا مثل ضربه الله لهم كقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، وقوى ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وإليه ذهب مجاهد ومن اعتبر الصورة الشكلية قال: جعلهم على شكل القردة والخنازير كذا روى عن ابن عباس - - رضي الله تعالى عنهما - والحكمة تقتضي الأمرين إدا تحرى بذلك ردع الكافة، فإن تغيير الصور المعقوبلة لا يعرفه إلا الخاصة هن أولي البصائر والعقول الراجحة وتغيير الصور الحساسة يشاركهم فيها العامة وأصحاب الحواس والدين لايرتدعون إلاً بما تدركه حواسهم فتبهرهم وغيرهم.
стр. 222
قوله :
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الآية: (٦١) سورة البقرة.
النكال: العقوبة الرادعة على سبيل القهر والفضيحة المشهورة، وهو منقول عن نكل فلان عن كذا أي ارتدع، ومنه النكل للقيد ولحديدة اللجام ولكل ما ينكل به، والوعظ ردع بالعبارة والإحالة على الاعتبار، وقوله: (لما بين يديها) أي لما في زمانها، (وما خلفها) أي لن بعدها، ولما كانت عامة السياسات ضربين، قهرية وهي للعامة وذلك بالنكال ووعظية، وهي للخاصة وذلك بالقال ذكر الله تعالى أنه جمع في دلك الأمرين نكالاً لعامتهم وموعظة لخاصتهم وهم المتقون، فإن قيلت لم قال (لما بين يديها) ولم يقل لمن بين يديها؟ قيل في ذلك تنبيه على لطيفة وهي أن لفظة (ما) يعبر بها عن الأجناس من الحيوان وغيره ومن لا يعبر به مفرداً إلاً عن العقلاء، ولما قال في الجهلة ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ استعير لهم لفظ ما تنبيها على ما ذكرنا، وعلى دلك كثير مما وضع ما وضع من في كلامهم، وبكشف ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، فجعلهم شر الدواب كما
جعلهم في الأولى أضل من الأنعام، وبهذا المعنى ألمَّ بعض المحدثين في قوله:
حولي بكل مكان منهم خلق ....
تخطي إذا جئت في استفهامهم بمن
وقال بعض الأدباء قوله: (وما خلفها) نصب وملفوف على الهاء في قوله: فجعلناها أي جعلنا هذه العقوبة وهو المسح وما خلفها من عذاب النار عقوبة (لما بين يديها) أي لذنوبهم المتقدمة [والله أعلم].
стр. 223
قوله :
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الآية: (٦٧) سورة البقرة.
قد فرق العرب بين كثير من ذكور مشاهير الحيوان وإناثها في الأسماء فقالوا: رجل وامرأة وجمل وناقة وثور وبقره وعير وأتان، وجعلوا في عامة ذلك اسما يجمعها كالإنسان والبعير والحمار وربما جمعوها تحت أحد اسمي الذكر والأنثى كقولهم البقر والضبع وقيل: سمي البقر لأنه يبقر الأرض، أي يشقها، والأقرب أن يكون البقر أصلاً في الباب، ثم اشتق منه هذه الأفعال بحسب تصورها منه، فلما عرف من البقر هذا الفعل اشتق من لفظه بقر، وشبه به بقر فلان بطن فلان، وتصور انفعال من البقر ما فيه من البلادة، فاشتق منه بقر فلان إذا تبلد في الأمر تبلد البقر وتصور منه أسرار مضطرب، فقيل بقر إذا أسرع إسراعه، وقيل لجماعة البقر بقرنحو الحمير والكلاب، وقيل الباقر للبقر وأصحابها وعلى ذلك الخامل، وذلك كقولهم لابن وتامر في أنه اسم للبن وصاحبه لكن الباقر يستعمل لجماعة البقر منفردا، نحو قول الشاعر:
وما ذنبه أن عافت الماء باقره
والعوذ: الالتجاء إلى الغير والتعلق به، وعوذه إذا أرقاه منه، والعوذة اسم لما يعاذبه من الشر، وقيل: أطيب اللحم عوذه أي ما عاذ بالعظم وتمسك به، والجهل عدم العلم، وربما جعله أهل اللغة وبعض المتكلمين معنى مقتضيا للأفعال الخارجة على النظام، وعلى ذلك قالت العرب المجهلة للأمر
стр. 224
أو للأرض أو الخصلة التي تحمل الإنسان على الاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو به، أو على إيقاع الفعل على غير ما يجب، وقالوا: استجهلت الريح الغصن إذا حركته حركة شديدة، ويجب أن يعلم أن الجهل ضربان: أحدهما افتقاد العلم، والثاني تصور الشيء بخلاف ما هو عليه، وهو أعظم الجهلين، ولما لم يسم كثير من المتكلمين الضرب الأول جهلاً حدوا الجهل بأنه اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به، لكن لا كان افتقاد العقل يقال له جهل حتى يقال عاقل وجاهل، كما يقال عالم وجاهل صار عدم العلم مسمى بالجهل، والهزؤ مرح مع عيب وأما السخرية، فمعه تسخير بالفعل، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ وهو أن يجعله منقادا لك بضرب من الهزو، ولما قال موسى لهم: اذبحوا بقرة، واستطرقوا هذا الحديث، فقالوا لغباوتهم وقلة تثبتهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، فأجابهم بجواب مختصر متضمن لمقدمتين ونتيجة، فقال، ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ فكأنه قال: الهازئ جاهل، والجهل منتف عنى فإذا لست بهازئ، وأخرج ذلك بقوله: أعوذ بالله مخرج منكر منقطع لما رمى به، فإن قيل كيف جعل الهازئ جاهلاً وقد يهزأ الإنسان وليس بجاهل؟ قيل: لما كان يقال لمن اعتقد قي الشيء خلاف ما هو به جاهل، ولمن فعل مالا يقتضيه العلم وإن لم يعتقد فيه خلاف ما هو به جاهل، والهازئ إما أن يهزأ، لاعتقاده أن ذلك يجوز أو لا يعتقد ذلك، ولكن يفعل مالا يقتضيه العلم، فيصح من هذا الوجه أن يقال هو جاهل، فإذا كل هازئ جاهل على أحد هذيان الوجهين.
стр. 225
قوله :
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ الآية (٦٨) من سورة البقرة.
التبيين كالتعريف، إلا أن التبيين يقتضي إظهار الفضل بين الشيء وغيره، والتعريف قد يكون إظهار الشيء في نفسه من دون اعتبار بغيره واشتقاق ذلك من البين وهو المسافة بين الشيئين، وأصل الفرض قطع الحديد وهو أبلغ من الفرض، والمفراض والمقراض ما يقطع به الحديد، ونحوه وفرض الزند والقوس مستعار من ذلك وكذا فرضه الماء [للمقسم المحكوم به] وقيل لما أوجب وقطاع به الحكم فرض كفرض العبادة وما ألزم إعطاؤه من المال، وسمي ما يؤخذ في الصدقة من [الإبل والبقر والغنم] فريضته، والفارض من البقر يجوز أن يكون من هذا، لأن السائغ في الصدقة من سن البقر اثنان، التبيع والمسنة فالتبيع يجوز في حال دون حال والمسنة يصح بدلها في كل حال، فيجوز أن يكون سمى فارضا لهذا، وقيل فرضت البقر، وفرضت والبكر المتقدم على أمثاله في السن وبه سمي البكر، وأول نكاح وأول مولود وأول والد ووالدة، وقيل في البعير بكر، وفي الفواكه باكورة وبكل فلان في الحاجة إذا تعجل، وعلى ذلك قوله:
بكرت تلومك بعد وهن في الندى
والعوان: الوسط بين السنين وهو المحمود لأنه بين الحالين وقد تجعل كناية عن المسنة بين
стр. 226
النساء، فتذم به المرأة كما قال:
وإن آتوك فقالوا إنها نصف .....
فإن أمثل نصفيها الذي ذهبا
وقيل: حرب عوان تشبيهاً بالمرأة، واستعارة منها كاستعارة القناة والشمطاء وغير ذلك من الأسماء، وقوله: ﴿لَا فَارِضٌ﴾ أي غير فارض، وهو وصف أو خبر ابتداء مضمر، كذلك عوان، لكن الأجود في عوان أن يجعل خبر ابتداء مضمر، فقد كثر عن الفراء الابتداء به وذلك قصد منهم أن يكون خارجاً عن النفي في اللفظ كما هو خارج عنه في المعنى، وجاز أن يقال " بين ذلك "، وإن كان بين ذلك تضاف إلى شيئين لما كان ذلك عبارة عن الفارض والبكر في قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ زجر لهم عن المراجعة وتطلب العناد وتنبيه أن مراجعتهم تشدد الأمر عليهم وذلك كما روي عن النبي ﷺ لما قيل له في الحج: العامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد ثم قال: (إئما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم على أنبيائهم) ..
قوله- :
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾
الآية (٦٩) سورة البقرة.
الصفرة لون مخصوص وعبر عن ذلك السواد بالصفرة، كما عبر عن الخضرة بالسواد، وذلك لكون الصفرة والخضرة سالكين إلي السواد، وقال الحسن.
الصفراء هنا سوداء، لكن استبعد ذلك لقوله: فاقع، والسواد يقال فيه حالك لا فاقع، ولفظة الصفر يتصرف على وجهين، ومنه قيل للنحاس صفر وليبيس البهمى صفار، والثاني: حكاية صوت وهو الصفر، وعنه قيل: صفر الإناء إذا خلا حتى
стр. 227
يسمع منه صفير لخلوه، ثم صار متعارفاً في الخالي، وقيل لخلو الجوف صفر وسعت العرب الصفر الذي هو الخلو حية الجوف من حيث انه يتألم به الجوف، وذلك أن العرق الممتد من الكبد إلى المعدة إذا لم يجد غذاء امتص أجزاء المعدة، فاعتقدت جهلة العرب أن ذلك حية في البطن تعض الشراسف، حتى نفى النبي- ﵇ ذلك بقوله: (لا صَفر)، والسرور مستبطن في الصدر، وأصله من السرو، والسرور والحبور والفرح والجذل والمرح يتقارب، لكن السرور هو الخالص المتكتم، وسمي بذلك اعتبارا بالأسرار، والحبور ما يرى خبره أي أثره في ظاهر البشرة، وهما يستعملان في المحمود، وأما الفرح، فما يورث أشرا وبطراً، ولذلك كثيراً ما يذم فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، وقال: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، والجذل بطر معه تزعزع، ولذللت قيل: " فرس جذل وجذلان "، أي نشيط، والمرح هو النشاط المفرط، فكأن السرور والحبور أكثر ما يكونان عن القوة الفكرية والفرح والجذل والمرح عن القوة الشهرية، ومن قال: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي تعجب، فعلى التوسع من حيث إن الإعجاب بالشر والسرور به كثيرا ما يجتمعان.
стр. 228
قوله :
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾
الآية (٧٠) سورة البقرة.
إن قيل: لم قال: ما هي؟ ولم يقل أي بقرة هي؟ أو كيف هي؟ وما يسأل به عن الأجناس، والأنواع، وإنما يسأل عن الأعراض بكيف وبأي؟ قيلت إنما قد يسأل به عن كل ذلك، فيقال: ما هذا الإنسان؟، أي ما حاله وما صفته، كما يقال كيف هذا الإنسان وأي إنسان هو؟ وكيف وأي لا يسأل بهما عن الأجناس والأنواع، والفصل بين ذلك أن لفظ ما من لفظة أي وكيف يجري مجرى الجنس من الأنواع، فكما يصح أن نعبر عن النوع بالجنس، فيقال للإنسان هو حيوان، ولا يصح أبو يعبر عن الجنس
بالنوع، فيقال لكل حيوان إنسان، كذلك يصح أن يعبر عن أي وكيف بما، ولا يصح أن يعبر لكن كل ما فيه ما بأي وكيف، وقرئ " تشابة " على لفظ الماضي، فجعل لفظ البقر مذكراً، وتشابه بالتخفيف على تقدير تتشابه، فحذف إحدى ألتاءين وقرى " تشَّابة " بتشديد الشين على إدغام التاء في الشين، وقرئ " يشابه " بالتشديد على الإدغام والتذكير والاشتباه أن يشبه البعض البعض، فيصعب التمييز بينهما، وروى أنهم لما قرنوا بالمراجعة الأخيرة قولهما: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ وفقهم الله لمعرفة
ما سالوا عنه ولترك التعنت، وقال النبي- ﵇ " والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا ما بينتْ لهم أخر الأبد "، وفي ذلك حث، حيث قال الله تعالى لعباده على استجلأب توفيقه وضم لفظ المثنوية أي: مشيئة الله إلى كل ما يذكر من مستقبل الأمر كما قال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
стр. 229
قوله :
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ الآية (٧١) سورة البقرة.
الإثارة.
البحث والكشف الشديدة ومنه ثار الدخان والغبار والقطاعن محثمها، والدم في وجه الإنسان والحصبة في البدن، وتورث الأمر، وقوله: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ صفة لقوله: ذلول، لأنه يراد نفي الإثارة عنها لا إثباتها لها، والحرث تذليل الأرض وتسهيلها للزراعة، ثم يتجوز به في الزراعة، ويكنى به عن النكاح وعن جميع المال، ويقال: دابة محروثة أي مذللة، والمحراث لما يحرث الزرع والنار، والمسلمة المتروكة سليمة من العاهات، وأصل ذلك من السلامة، والتسليم أصله بذل السلامة، وجعل
في التعارف لبذل المقاله المخصوصة لما كان ذلك في الأصل موضوعاً لبذل السلامة، ولما كان قوله السلام مقتضية لذلك، قال ﵇: " أفشوا السلام بينكم تدخلوا جنة ربكم " ولم يرد بذلك المقال دون الفعال وإن كان ظاهره المقال، ولهذا ضمن به الجنة، وقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي، لا أثر بها يخالف معظم لونها، وهي فعلة من الوشى، واستعمل الوشى في الكلام بالمنسوج وحض التقول على سبيل النميمة بالوشاية والمجئ والإتيان يتقاربان، لكن المجئ كأنه يقال باعتبار الحصول والإتيان باعتبار القصد، ولذلك قيل للماء المجتمع حية، وللسيل القاصد أتى، وقوله: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ لا يتضمن أن ما جئت به من قبل كان باطلاً، وإنما أرادوا الآن جئت بما تحققنا المال مناً، وليس كما قال بعض الناس إن القوم كفروا بذلك، لأن كلامهم تضمن أن موسى لم يكن يأتي بالحق قبله، والنفي في قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإن دخل في لفظ " كاد "، فهو متناول لقوله يفعلون نحو: ما كان زيد
стр. 230
يخرج، وتقدير ذلك كادوا يفعلون لتعذر ذلك عليهم وكثرة مراجعتهم، وقيل: (كادوا لا يفعلون) خشية الفضيحة.
وأما أنهم بكم اشتروا البقرة، وممن اشتروها فليس مما يفتقر إليه تفسير الآية وقال بعض الناس: في هذه الآية دلالة على فسخ الشيء قبل فعله، فإن في الأول أمروا بذبح بقرة غير معينة، وكان لهم أن يذبحوا أي بقرة شاؤوا، وفي الثاني والثالث أمروا بذبح بقرة مخصوصة، فكأنهم نهوا عما كانوا أمروا به من قبل وليس الأمر كذلك، فإن الأول أمر مطلق، والثاني والثالث كالبيان له لما
راجعوه ولم يسقط عنهم ذبح البقرة، بل ريد في أوصافها، وكشف عن المراد بالأمر الأول، وفي الآية دلالة على جواز تأخير بيان المجمل إلى وقت الحاجة ..
قوله- :
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.الآية (٧٢، ٧٣) سورة البقرة.
ادارأتم أي تدافعتم، وأصل الدرء الاعوجاج، فالتدارؤ أن يعوج كل على الآخر بمخالفته له، وقال الخليل: كوكب دري، فقيل من الدرء أي تدافع الضوء، ودرأت عنه الحد منه، ووزن " ادارأتم " من الفعل تفاعلتم، أصله تدارأتم، فأريد الإدغام تخفيفاً، فأبدل من التاء دالا فسكن للإدغام، واجتلب لها ألف الوصل، فحصل على اتفاعلتم، وقال بعض الأدباء: ادارأتم افتعلتم، وكلما فيه من أوجه ...
أولاً: أن ادارأتم.
على ثمانية أحرفا وافتعلتم على سبعة أحرف، وثانياً: أن الذي يلي ألف الوصل تا، فجعلها دالاً، وثالثاً: أن ألذي يلي الثاني دال، فجعلها تاء، ورابعاً: أن الفعل الصحيح العين لا يكون ما بعد تاء الافتعال منه إلا متحركاً، وقد جعله ههنا ساكناً وخامسأ: أن ههنا قل دخل بين التاء والدال زائد، وفي افتعلتم لا يدخل دلك، وسادساً: أنه أنزل الألف منزل العين وليست بعين،
وسابعا: أن تاء افتعل قبله حرفان وبعده حرفان، وادارأ بعد التاء ثلاثة أحرفا وثامناً أن عين أفتعل في المستقبل مكسور، وبين " ادرأتم " في المستقبل مفتوح، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
стр. 231
اعتراض متضمن لتمرد، وتنبيه أنه تعالى لا يخفى عليه خافية، وأن كل من عمل خيراً أو شراً، فإن الله تعالى لا يظهره على بعض الوجوه، وعلى ذلك روى " ما عمل عبد حسنة في تسع آبيات إلا أظهره الله تعالى، لقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ونظم هذه الآيات مشكل، فقد كان في الظاهر يقتضي أن يكون قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ متقدماً على قوله: (! از قال موسى لقومه ... )، لأن أمر موسى- ﵇ بذبح البقرة بعد التدارؤ، وفي قتل النفس والظاهر أن ذبح البقرة قد كان من
قبل، وبيان ذلك أنه قد قيل قولان: أحدهما: أن موسي- ﵇ قد أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة قبل الحادثة، فلذلك تعجبوا وقالوا: أتتخذنا هزواً، فلما ذبحوا البقرة اتفق حصول القتال، فقال موسى لا راجعوه: " اضربوه ببعضها "، وقيل: بل كان الأمر بذبح البقرة بعد وقوع التشاجر، وعلى هذا قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ليس بمعطوف على قوله: (وإذ قال موسى لقومه)، بل هو في موضع الحال له، كأنه قيل: (واذكروا إذ قال موسى لقومه .. ) الآية ..
وذلك إذ قتلتم نفسا [فادارأتم فيها] أو إذ قتلتم نفسه كان ذلك، لكن اختصر، وفي قوله ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ اختصار، كأنه قيل " ليحى محي، وأنا بأي عضو ضرب، فقد قال مجاهد: بفخذها، وقال السدى: بمضغة من لحمها، وقال الفراء: بذنبها، وقال وهب: بأصغريها قلبها ولسانها، فظاهر الآية لا يقتضي تخصيص عضو، (من عضو) وقوله: ﴿يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾، قيل: هو حكاية عن قول موسى-[﵇]- لقومه، وقيل: بل هو خطاب من الله تلالي لهذه الأمة تنبيهاً على الاعتبار بإحيائه الموتى، وقد استبعد بعض الناس ذلك وماحكاه الله منه، وأنكر حصول ذلك الفعل على الحقيقة، وقال ذلك ممتنع من فعل الطبيعة، [وأيضا فإن ذلك لا يعرف فيه حكمة الشهية فأما
стр. 232
استبعاده ذلك من حيث الطبيعة]، فإنما هو استبعاد للإحياء والنشور، ولذلك موضع لا يختص بالتفسير، ومن كان ذلك طريقته، فلا خوض معه في تفسير القرآن، وأما الحكمة فيه فظاهرة، إذ هو من المعجزات المحسوسات الباهرة للعقول، وتخصيص البقرة، فإن كثيرا من حكمة الله تعالى لا يمكن للبشر الوقوف عليه، ولو لم يكن في تخصيص بقرة على وصف مخصوص إلا توفر المأمور
بذلك على طلبها واستيجاب الثواب في بذل ثمنها وجلب نفع إلى صاحبها لكان في ذلك حكمة عظيمة، وفي الآية تنبيه على أن الجماعة التي حكمهم واحد، يجوز أن ينسب الفعل إليهم وإن كان واقعاً من بعضهم، ولا يكون ذلك كذباً، كما أن الجملة المركبة من شخص واحد يصح أن ينسب إليها ما وقع من عضو منها، وذكر بعض الصوفية أن الله تعالى قصد بما ذكره لبني إسرائيل وإشارة إلى معنى لطيف، فإن في الأمر بذبح البقرة أمرا بتذليل.
القوة الشهرية، ولما لم ينتبهوا لمراد هـ، قالوا أتتخذنا هزواً.
وبين قوله ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ أن حق الإنسان أن يتحرى في إماتة شهوته وقت ما يزول عنه شره صباه، فلا يكون كبكر، ولم يلحقه حسوا لكبر، فيكون كفارض، ثم نبه بما ذكره من اللون أنه لا يحب أن يمنع النفس من إماتة شهوته كونها رائقة المنظر، بل يجب أن يميتها أعجب ما تكون إليه، ثم نبه بقوله: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أن النفس التي تحمل على تذليلها في العبادة هي النفس التي لم تستعبدها الدنيا ولم تتأثر بدنسها، ولم تتوسم بمقابحها، وطاهر الآية لا يقتضي ذلك، لكن مثله إذا حكى، فتصحيحه مفوض إلى فكرة قارئه ومتأملة، والله أعلم ..
стр. 233
قوله :
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
الآية: (٧٤) سورة البقرة.
قساً وحساً وعساًَ تتقارب معانيها- تقارب ألفاظها، فالقساوة تقال في الصلب الذي لا تخلخل فيه كالحجر ونحوه، وقيل: قلب قاس تشبيهاً به، وعسا إذا كان هدى معه عصيان فهو يقارب عصى، وحساً يقال فيما يتصلب، والصلابة تقال فيما في جوهره شدة، وأما الشدة فتقال فيما تعتبر فيه انضمام الأجزاء بعضها إلى بعض، ومنه قيل: شددته، وشد الشر الشيء واشتد، وقيل للعد والشد، كما يقال فيه القابض والتقريب والشدة تارة تقال في القوة الجسمية، وتارة في القوة النفسية، وقولهم: " بلغ فلأن
أشده "، أي حاله استمر مرير نفسه وجسمه، والنهر يقال لمسيل الماء الواسع، وللماء جميعا ولتصور السعة.
فيه يقال منه أنهرت فتقه، أي أوسعته، والنهار خص به السعة فيما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وألشق أن يجعل الشك شقين، وقيل للأخوين شقيقان، وللخلاف الشقاق، إذ هو ضد الائتلاف، والشقيقة في الداء تشبيهاً بذلك، ولهذا قيل له الصداع والخشية خوف عن تعظيم المخشى، وقد تقدم الفرق بينه وبين إخوانه والغفلة والسهو والنسيان يتقارب، لكن النسيان بانحذاف ذكر الشيء عن القلب والغفلة استتارة في بعض الأحوال اشتغالاً بغيره، والسهو يقاربه، إلا أن الغفلة أكثر ما يقال فيما تركته وحقه أن لا يترك، والسهو يقال فيه وفيما فعلته ولم يكن حقه أن يفعل، فإذا السهو أعم من الغفلة واستعمل لأحد الشيئين، وقول من قال هو للشك فنظر منه إلى بعض تفاصيله، فإن الشك لا يقيده او بالقصد الأول، فقد يقال: لقيت زيدا أو عمرو قصداً إلى الإجمال والإبهام، أو لعله عنابه التفصيل، وقود بين الله تعالى بالآية أنهم ارتكبوا ذنوباً قست بها قلوبهم بعد آيات مقتضية للين
قلوبهم من إحياء الفتى ومسخ الناس قردة وخنازير ورفع الطور فوقهم وأنها صارت في القساوة
стр. 234
بحيث إن قلت إنها كالحجارة قساوة صح بنظر، وإن قلت هي أشد من الحجارة صح بنظر، ثم ذكر حكماًَ كليا، فقال " وإن من الحجارة أي من القلوب القاسية التي هي كالحجارة، فذكر المشبه بلفظ المشبه به تحقيقا للتشبيه، كقولك: هم كالبقر ومن البقر ما يفعل كذا، أي من القوم الذين كالبقر، فكأنه قيل: وإن من القاسية قلوبهم من يراجع، فبعض يتفجر منه الأنهار، ومعناه حكمة بالغة كأنهار متفجرة، وبعض يتحصل منه نوع من العلوم يجري مجري الماء، وقد تقدم أن الماء يضرب به المثل في العلم، وبعض يحصل منه الخشية، ونبه بفحوى في الكلام أن هؤلاء المذمومين لم يحصل منهم شيء من ذلك فهم أحجار صلدة، وإنما قال: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ﴾، ولم يقل من اعتبار بلفظ الحجارة، وهذا الذي قلناه على قول من اعتبر هذه الأحكام في المشبه دون المشبه به، فأما من اعتبر ذلك في المشبه به دون الشبه، ففيهم من تعسف جدا في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي من الحجارة،
ومنهم من قارب، قال أبو علي الجبائي: عنى لهذه الحجارة البرد الهابط من السماء، وبقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي بخشيته، وعنى بالخشية التخويف، لأن الخوف والخشية واحد، قال: " ولما كان نزول البرد تخوفا ألفه لعباده قال ذلك، ثم قال، وإنما قلت هذا، لأن الحجارة جماد فلا يصح منه الخشية، كما ترى [قال الشيخ أبو القاسم- أيده الله]- فهذا كما ترى، وقال البلخي: هذا على جهة التمثيل لا في الحجارة من الانقياد لأمر الله الذي لو كان من حي قادر دل على أنه حاش لله ...
، وقال بعضهم: وإن منها أي من الحجارة لما يهبط من أجل أن يخش الله العباد، وقال أبو مسلم ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، الهاء فيه راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة، أي من القلوب ما يخضع،
стр. 235
فيكون ذلك مستثنى من القاسية قلوبهم، ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾.وقال مجاهد وابن جريح كل حجر تردى من رأس جبل فخشية الله نزلت به، وقال الزجاج: الهابط منها قد جعل له معرفة، قال: ويدل على ذلك قوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وقال: ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض إلى قوله: ﴿وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾، وقد روي مثل هذا عن السلف ولابد في معرفة ذلك من مقدمة تكشف عن وجه هذا القول، وحقيقته، فإن قوما استسلموا لا حكى لهم من هذا النحو، فانطووا على شبهة، وقومي استبعدوا ذلك واستخفوا عقل رواته وقائليه، فيقال وبالله التوفيق إن قوماً من المتقدمين ذكروا أن جميع المعارف على أضرب، الأول: المغرفة التامة التي هي العلم التام وذلك لعلام الغيوب الذي أحاط بكل شيءعلماً، والثاني: معرفة متزايدة، وهي للإنسان، وذاك أن الله تعالى جعل له معرفة غريزية، وجعل له بذلك سبيلاً إلى تعرف كثير مما لم يعرفه، وليس ذلك إلا للإنسان، والثالث: معرفة دون ذلك وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإيثار أشياء نافعة لها والسعي أوليها واسترسال أشياء هي ضارة لها وتجنبها ودفع مضار عن أنفسها، والرابع: معرفة الناميات من الأشجار والنبات، وهي دون ما للحيوانات وليس ذلك إلا في استجلال النافع وما ينميها، والخامس: معرفة العناصر، فإن كل واحد منها مسخر، لأن يشعر المكان المختص به كالحجر في طلب السفر، والنار في طلب العلو ودلك له بتسخير الله تعالى لا باختيار منه، قالوا: والدلالة على ذلك أن كل واحد من هذه العناصر إذا نقل عن مركزه قهرا أبى إلا العود إليه طوعأ، قالوا: ويوضح ذلك أن السراج تجتذب الأدهان التي تبقيه ويأبى الماء الذي يطفيه، وأن المغناطيس
стр. 236
يجر الحديد ولا يجر غيره، هذا ما حكوه، فعلى هذا إذا قيل إن لهذه الأشياء معرفة، فليس ببعيد متى سلم لهم أن هده القوى تسمى معرفة، فأما إذا قيل إن للجمادات معارف الإنسان في أنها تميز وتختار وتريد، فهذا مما تعافه العقول، ونبه الله تعالى تخويفه لنا أن ارتكاب الذنوب يقضى براكبها إلى قساوة قلب حتى إنه ربما يعدم فيه رجاء الخيرات كلها، ونبه أنه تعالى لا يغفل عن أفعال البشر، إذ هو علام الغيوب ..
قوله :
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الآية (٧٥) سورة البقرة.
الطمع يقارب الرجاء، والأمل، لكن الطمع أكثر ما يقال فيما يقتضيه الهوى والأمل والرجاء قد يكونان فيما يقتضيه الفكر والروية، ولهذا أكثر ذم الحكماء للطمع، حتى قيل الطمع طبع، والطمع يدنس الثياب، ويفرق الإهاب، والأصل في تحريف الشر الانتهاء به إلى ناحية يمكن جره إلى غيره، ثم يقال في كل كلام غير سكن وجهه محرف، والسماع يقال على ما يحس وعلى ما يتصور، ولذلك وصف الله تعالى الكفار بالصمم، فقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ حمل بعضهم على المسموع منه تعالى، فجعل الفريق بعض السبعين الذين كانوا مع موسى [﵇] في المناجاة، لاستماع كلامه، فلما عادوا حرفوا ما سمعوه وإليه ذهب ابن عباس والربيع، وبعضهم حمله على ما كان في الأصل منه تعالي، وإن سمع من غيره فجعله التوراة وتجعل الفريق العلماء الذين غيروا التأويل، وإليه ذهب السدي والحسن وابن زيد، وفي الآية تسلية للنبي ﷺ والمؤمنين، وتوهين للطمع في أئمتهم: وإن هؤلاء إذا كان علمائهم وأحبارهم الذين سمعوا لكلام الله وعقلوه وحرفوه ولم يؤمنوا، فكيف يرجى أن تؤمن جماعتهم مع جهل أكثرهم
إن قيل: كيف يقتضى امتناع بعض من الإيمان
стр. 237
قطع الطمع في إيمان سائرهم؟ قيل: لما كان الإيمان هو العلم الحقيقي مع العمل بحاسب مقتضاه فمتى لم يتحر دلك من حصل له بعض العلوم، فحقيق أن لا يحصل لمن غنى عن كل العلوم، فذكر تعالى ذلك تبعيدأ لإيمانهم لابثأ للحكم بذلك، إذ ليس كل مالا يطمع فيه كان ميؤوسأ منه، وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي يعلمون أنهم محرفون ومعاندون، وفي الآية تنبيه أن ليس المانع للإنسان عن تحري الإيمان الجهل به فقط، بل قد يكون عناده وغلبة شهوة ..
قوله- :
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الآية (٧٦) سورة البقرة.
الحديث ما يوجد بعد ان لم يكن نطقاً كان أو عيناً، والفتح أصله فتح الغلق، ولما استعمل في الأمر المبهم والكلام الصعب الغلق استعمل في إزالته الفتح، ومنه قيل في الحرب وفي آيات الحجة، وفي الحكم الفتح حتى قيل للحكم المفصول فتاحة، وللحاكم فتاح، وقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي بما أطلعكم عليه من العلم، وهذا أولى من قول [من قال]: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ من النصر في مغازي رسول الله ﷺ ومن الآيات التي كانت في بدر من المواضع التي انتهى إليها فبدل وقوع
الحرب، فقال: [هذا مصرع فلان غداً، وهذا مصرع فلأن]، ثم كان على ما قال، فإن هذا لم
стр. 238
يخصهم النبي- ﵇ بالاطلاع عليه دون المؤمنين، حتى كانوا يكتمونه ويتواصوا به، والحجة هي ما يقتضي صحة أحد النقيضين، وأصله من الحج أي القصد للزيادة، وسمى سبر الجراحة حجاً، وخلا فلأن أي صار في خلاء، فالآية إخبار عن المنافقين منهم، وأنهم يظهرون الإيمان ويتواصون فيما بينهم أن لا يظهروا ما انكشف لهم من حقائق النبوة لئلا يصير ذلك حجة عليهم في حكم الله، وهدا معنى قوله: (عند ربكم)، كقوله ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي في حكمه، وهدا التأويل أولى من قول من قال: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي يوم القيامة، وقيل: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي: عند سيدكم يوم الخصام، وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يصح أن يكون من جملة الحكاية عنهم على سبيل إنكار بعضهم على بعض، ويصح أن يكون استئناف إنكار من الله - عز
وجل-[عليهم] على سبيل ما يسمى في البلاغة بـ " الالتفات "، ويصح أن يكون ذلك خطابا للمؤمنين تنبيها على ما يفعله الكفار والمنافقون.
стр. 239
قوله :
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ الآية: (٧٧) سورة البقرة.
هذا تبكيت لهم وإنكار لما يتعاطونه مع تكلمهم أن الله لا يخفى عليه خافية.
قوله :
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ الآية: (٧٨) سورة البقرة.
الأمي: قيل هو الذي لا يكتب، وأصل هذا اللفظ في المنسوب إلى الأم، ولما كانت الأم هي المنشئة المربية للولد، تصور ذلك في أشياء، فقيل له أم نحو أم الأضياف، وأم الجيش للرئيس، وأم القرى لمكة وذلك لنحو ما روى أنه لا خلق الأرض دحاها من تحت الكعبة، وأم الكتاب للوح المحفوظ ولفاتحة الكتاب تصوراً أن منهما منشأ الكتاب، وقيل أمه إذا قصده قصد الإنسان للأم المشفقة عليه، ومنه اشتق الإمام والأمة، فالأمي في التعارف هو المنسوب إلى ما يجري منه مجرى أمه في العناية وتربيته في الفضيلة وحفظها عليه أما ما كان ذلك أو غيره، واستعمل فيمن لا يقرأ فيحتاج إلى من يحفظ عليه معارف، وهذه الحالة فضيلة للنبي- ﵇ ونقيصة لغيره، من أجل أنه- ﵇ حفظ عليه علومه فيض إلا هي ونور سماوي، فصار افتقاره غني، كما روى [عنه ﷺ ] أنه كان يقول في دعائه:
" اللهم اغنني بالافتقار إليك "، وغيره لما احتاج إلى أن يحفظ معلومه عليه آدمي مثله صار في الحقيقة ناقصة، وفقيراً وقوله: (إلا أماني)، الأصل في هده اللفظة الدائر في جميع متصرفاته التقدير، ومنه المنا الذي يوزن به، والذي الذي منه الحيوان، ومنى الله كذا، أي قدر، وعن ذلك
стр. 240
وضع الأمنية، فإنه تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن، ويكون عمن روية وبناء على أصل، لكن لما كان أكثره عن تخمين صار الكذب به أملك، فأكثر التمني تصور ما لا حقيقة له، ولا كان الكذب تصور ذلك ويراد باللفظ صار التمني كالمبدأ للكذب، فيصح أن يعبر عن الكذب بالتمني في نحو ما روي عن عثمان- " رضي الله تعالى عنها " - أنه قال: " ما تغنيت ولا تمنيت "، ولما قلناه قال مجاهد: " إلا أماني " معناه " إلا كذباً "، وقال غيره: ألا تلاوة مجردة عن المعرفة من حيث أن التلاوة بلا معرفة العنف تجري عند صاحبها مجري أمنية مبنية على التخمين،
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى على هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ قيل: قد قلنا إن التمني كما يكون عن تخمين وظن، فقد يكون عن روية وبناء على أصل، ولما كان النبي- ﵇ كثيرا ما كان يبادر إلى ما نزل به الروح الأمين على قلبه حتى قيل له: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ سمي تلاوته على ذلك تمنيت ..
، وقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ كناية عن الكذب لما كان الظن واقعاً بين الصدق والكذب، كما كنى عنه بالحرص الذي هو تقدير الأثمار لما كان ذلك متردداً بين الوفاق والخلاف، وقد أنبأ الله تعالى بالآية عن جهل الأميين وذمهم والمبالغة في ذم علمائهم وأحبارهم، فإن الأميين لم يعرفوا إلا مجرد التلاوة، واعتمدوا على زعمائهم وأحبارهم، وهم قد ضلوا وأضلوا، ونبهنا الله تعالى
بذم الأميين على اكتساب العارف لئلا يحتاج إلى التقليد والاعتماد على من لا يؤمن كذبه وبذم زعمائهم على تحري الصدق وتجنب الإضلال، إذ هو أعظم من الضلال ..
стр. 241
قوله :
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الآية (٧٩) سورة البقرة.
ويل: تقبيح، وقد يستعمل على سبيل التحسر، وما روى أبو سعيد الخدري- " ﵁ " - أنه واد في جهنم، فليس يعني أن الويل هو اسم لذلك الوادي، وإنما يعني أن الذين يجعل لهم الويل هم المتبوئون في ذلك الوادي، والكسب استجلاب نفع، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾، فعلى نحو قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إن قيل ما وجه توكيد الكتابة باليد، وهي لا تكون إلا بها،
قيل: لما كانت اليد العاملة يختص بها الإنسان من بين الحيوان وهي أعظم جارحة، بل عامة المنافع راجعة إليها حتى لو توهمناها مرتفعة ارتفع بها الصناعات التي بها قوام العالم كالبناء، والحوك، والصوغ صارت مستعارة في القوى جميعا، والمنافع كلها حتى قيل: فلان يد فلان إذا قواه، وقيل للنعمة يد لما صارت معينة للمعطى إعانة يده وحتى صار مستعاراً في اللفظ لله تعالى بدلاً عن القدرة أو عن النعمة أو صفة أخرى غيرهما، فذكرت مثناة مرة ومجموعة مرة تصويراً للمبالغة في ذلك، فقال
تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، وقال تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ووجه آخر، وهو أن الفعل ضربان: ابتداء، واقتداء، فيقال فيما كان ابتداء: " هذا مما عملته يدي فلان "، فقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي مما اخترعوه من تلقائهم، وعلى هذا قد يحمل قوله تعالى:
стр. 242
﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، إن قيل " لم ذكر يكسبون بلفظ المستقبل، وكتبت أيديهم بلفظ الماضي؟ قيل: تنبيها على أن ما قال النبي- ﵇ " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سن سنا سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فنبه بالآية أن ما أضلوه وأثبتوه من التأويلات الفاسدة التي يعتمدها الجهلة هو اكتساب وزر يكتسبونه حالاً فحالاً إن
قيل: لم ذكر الكتابة دون القول؟ قيل: لما كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه إذ هو كذب باللسان
واليد صار أبلغ، لأن كلام اليد يبقى رسمه، والقول يضمحل أثره ...
إن قيل ما الذي كانوا يكتبون؟
قيل: قد روي عن بعض السلف أن رؤساء اليهود كانوا يغيرون من التوراة نعت النبي ﷺ ، ثم يقولون
هذا من عند الله، وهذا فصل يحتاج إلى فضل شرح، وهو أنة يجب أن يتصور أن كل نبي أتى بوصف لنبي بعده فإنه أتى بلفظة معوضة به وإشارة مدرجة لا يعرفها إلاً الراسخون في العلم وذلك لحكمة ألاهية، فإن من شأن المسوسين سيما الذين لم يتمهروا في الحقائق أنهم متى أحسوا بحال سايس يتعقبه " سايسهم " وإمامهم تواكلوا عن الأئتمار لأوامره، والأرتسام لزواجره، وهذا معروف من عادات الناس، وقد قال العلماء ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي ﵇، ولكن بإشارات ولو كان دلك متجلياً لعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد ذلك غموضأ بنقله من لسان إلى لسان من العبراني إلى السرياني " ومن السرياني " إلى العربي، وقد ذكر المحصلة ألفاظاً من التوراة والإنجيل إدا اعتبرتها وجدتها دالة على صحة لنبوة محمد ﷺ بتعريض هو عند الراسخين في العلم جلي، وعند العامة خفي، فبان بهذه الجملة أن ما كتبت أيديهم كان تأويلات محرفة، وقد نبه الله تعالى بالآية على التحذير من تغيير أحكامه وتبديل آياته وكتمان الحق عن أهله وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طمعاً في عرض من أعراض الدنيا، وقد تقدم أنه قد عنى بالثمن القليل أعراض الدنيا وإن كثرت لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾.
стр. 243
قوله :
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ الآية: (٨٠) سورة البقرة.
المس واللمس والحس والجس تتقارب، إلا أن الحس عام في المحسوسات والجس فيما يخفى ويدق كنبض العرق والخبر الخفي، واللمس بظاهر البشرة، وكل ذلك يقال عند تأثير المحسوس في المس وبغيره لأجله، واللمس كالطلب للمس، وقد ينفك منه، ولذلك قال: " وألمسه فلم أجده "، وجعل المس كناية عن النكاح تارة، وعن الجنون تارة، فقيل: بفلان مس، وهو ممسوس، والمسوس من الماء ما مسته الأيدي، ولا كانوا كل وعد عقداً ما وكل عقد عهداً ما كان كل وعد عهداً، فصح أن يعبر عن
الوعد بالعهد، ولكونه وعدأ استعمل منه الإخلاف، ومعدودة قليلة ووجه ذلك أنه لما كان المعدود ضربين، ضرباً قليلاً يسهل عده (وإحصاؤه) وكثيرة لا يسهل عده، وكانت الأعراب يقل فيهم الحساب وقوانين الحساب، تصوروا الكثير متعذر العد، والقليل متيسر العد، وقالوا: " شي معدود ومحصور أي قليل وغير معدود، ومحصور أي كثير.
ووجه الآية أن اليهود اختلفت، فبعض قال نعذب بعدد الأيام التي عبد أصحابنا فيها العجل، وبعض قال: مدة الدنيا سبعة ألاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف
سنة من الدنيا يوما من الآخرة، وبعضه قال: إنما بين طرفي جهنم أربعون سنة، وإذا خلاً العدد انقضى الأجل ولا عذاب، فبين الله تعالى أن زعمكم أنا نعذب أياما معدودة ولا طريق للعقل إلى معرفة ذلك، وإنما سبيل معرفته الإخبار عنه تعالى.
جده-، وإخباره بذلك وعد، ووعده عهد، وما كان به من الله- من عهد فلا خلف فيه، وقد تبت أنه لا عهد له بذلك، فإذا ليس هو إلا تقولاً منكم على الله بما لا تعلمون، فبين بلفظ الاستفهام كذبهم فيما زعموا، وقوله: " عند الله "، أي في حكمه على
ما تقدم ...
стр. 244
قوله :
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
الآية: (٨١) سورة البقرة.
بلى: رد للنفي، ونعم عدة وتصديق، ويقعان في الاستفهام والخبر، فبلى لا يكون إلا في النفي، أما في الاستفهام فنحو قوله (ألست بربكم قالوا بلى)، وأما في الخبر فنحو: هذا، وأما نعم ففي الاستفهام نحو: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾، ويقال: أنا أحبك، بل نعم ولا يقال: بلى بوجه، وفي النفي إدا قيل ما عندي شي، فقلت بلى، فهو رد لكلامه، وإذا قلت: نعم فإقرار منك به، والسيئة الفعل القبيح القيود إليه في نفسه ولكونها قبيحة قوبلت بالحسنة في عاهة ما جاء في القرآن، نحو: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ الآية وقوله ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾، وقوله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ والفرق بينها وبين الخطيئة أن السيئة قد يقال فيما يقصد إليه في نفسه، والخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصوداً إليه في. نفسه، بل يكون مقصودا إلى سببه كمن يرمي صيداً، فأصاب سهمه إنساناً أو شرب مسكراً، فجني على رجل جناية في سكره، ثم السبب في دلك سببان، سبب محظور فعله، كشرب المسكر، وسبب غير محظور،
стр. 245
فقيل في الأول الخطأ، وقد أخطأوا في الثاني خطأ، وقد خطى فهو خاطئ، وعلى هذا ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ وقال: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾، وفي استعارة الاحاطة أبلغ تشبيه، وذاك أن الإنسان إدا ارتكب ذنباً فلم يقلع عنه استجرت إلى معاودة مثله، ومعاودة مثله تجعل على قلبه غشاوة، فتجر به إلى ارتكاب أكبر منه، ثم ارتكابه لا هو أكبر منه يطبع على قلبه، فيشجعه على المداومة عليه، فيصير ذلك عليه حائطا يمنعه عن رؤية ما وراء، فيرى في مقابح الذنوب محاسن، فيتخبط في بلايا من دنياه ربما يراها نعماً، فيحسب أن لا وراء اللذات الدنيوية لذة ولا بعد التخصيص بقاء وورائها نعما فهذا معنى: (أحاطت به خطيئته)، وعلى ذلك دل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه﴾، وقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾، ووجه أخر روى عن السلف وهو إن كان عائداً إلي ما تقدم، فالنظر إليهما مختلف، وهو أن السيئة الكفر، وذلك عن مجاهد وأبي وائل والربيع، فبين تعالى أن من تحرى طريق الكفر، ثم استمر مريرة في ترك الإقلاع إما الترك النظر، وإماما الشرارة، وإماما لشهوة مستولية عليه حتى يصير ذلك كحائط عليه لا خروج له منه، فأولئك أصحاب النار، ومن قرأ (خطيئته)، فاعتبارا بالجنس، ومن قرأ (خطيئاته)، فاعتبارا بآحاد الذنوب وجعلهم أصحاب النار لملازمتهم في الدنيا ما يوجب لهم النار، وهي الآخرة لملازمتهم إياهما إذ كان الصاحب إنما يقال فيمن كثر ملازمته لغيره ...
стр. 246
قوله :
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
الآية: (٨٢) سورة البقرة.
عادة القرآن في كل موضع يذكر عقاب قوم أن يذكر بإزائه ثواب مضادتهم ليُرجى رحمته ويخاف عذابه، وقد تقدم أن عامة ذكر الإيمان في القرآن مقرونة بالأعمال الصالحة تنبيهاً أن جملة الاعتقاد والمقال لا اعتداد بها ما لم يضامها الأعمال الصالحة، إذ الاعتقاد كالأس، والعمل كالبناء، ولا غناء في أسء بلا بناء، كما لا ثبات لبناء بلا أس، وفيه دلالة أن قوله تعالى من قبل: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ هو الكفر، وإحاطة الخطيئة به الأعمال السيئة، وذلك لا قابله به من الإيمان والأعمال الصالحة ..
قوله :
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
الآية (٨٣) سورة البقرة.
الولد: المولود، والوليد للصبي اعتبارا بقرب ولادته، كما يقال: لما قرب اجتناؤه جني، والوليدة في الأمة كناية عن طريق التلطف بأنها تجري مجرى الولد، و " فلان لدة فلأن "، أي ولد معه، واليتيم قد يقال لمن فقد كافله قبل البلوغ من أبويه، أما في الناس فأباه، وأما في البهائم فأمه، لأن كفالة الولد في الناس على غالب الأمر، وفي الحكم إلى الأب، وفي البهائم إلى الأم، وقد يقال لن يتصور بصورة الفرد الذي إذا اعتبرت فضيلته قدر أن لا أباله من جنسه لكونه خارجية بالفضل عن طبيعة أبائه،
стр. 247
وجدك فاصطفاك، كقوله تعالى في موسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، وأخذ هذا الميثاق المذكور في الآية ليس شيئاً اختص به بنو إسرائيل فقط، بل في كل أمة، ولكل نبي، وقد تقدم أن هذه العبادات مما لا يجوز خلو شرع منها وإن اختلفت هيئاتها وأعدادها وأن كلياتها مأخوذة على الناس بقضية عقولهم وألسنة أنبيائهم وجزئياتها وكيفياتها مأخوذة عليهم بألسنة أنبيائهم- ﵈ إذ لا طريق للعقل إلى صرفة جزئيات العبادات والصالح المعلقة بها، وليس أخذ الميثاق
كله معتبراً بان يلتزمه المأخوذ عليه ويرضى به، بل بأن توجه الحجة، وتقدير قوله: (لا تعبدون إلا الله) فيه أوجه، قال الكسائي: (أن لا تعبدوا)، فلما حذف " أن " نرفع، نحو:
ألاَ أيُّهذا الزَّاجري أحْضُر الوَغى
وقال الأخفش: لما أفاد قوله ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معنى القسم أجابه بجوابه نحو: خلفت لا يخرج زيد، وقال قطرب: (لا تعبدون) في موضع الحال، تقديره غير عابدين، وقال الفراء: لفظه خبر، ومعناه النهي نحو: (لا تضار والدة بولدها) بالرفع، واستدل على كونه نهيأ بقراءة أبي: (لا تعبدوا إلا الله)، وبعطف قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ عليه.
стр. 248
ولما تضمن أخذ الوثاق معنى الوصية حمل عليه قوله: (وبالوالدين إحسانا) واختلف في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فذهب بعضهم إلى أنه منسوخ بأية السيف، لأن المسلمين أمروا في الارتداء أدت يتلقوا الكافر أو المسلم بالحسنى، ثم أمروا بالتغليظ والقتال، وقيل: لا نسخ فيه وهو الأصح، لأن ذلك كقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ لآية، ولأن قتالهم لا يمنع من أن يقاد لهم أولاً قول حسن، كما قاد موسى- ﵇ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾، ثم قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، يصح أن يكون نهياً عن المقادح والكذب، ثم هذه الاية ليست خطابا للمسلمين من هذه الأمة، وإنما هي حكاية ما أمر به بنو إسرائيل، وهما خطاب للأسلاف من بني إسرائيل، وقيل:
هو خطاب لن كان في زمان رسول الله ﷺ منهم، وقيل قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ خطاب للسلف، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ خطاب لمن كان في زمنه،
إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ بعد قوله:.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قيل فيه ثلاثة أقوال، الأول: أن قوله ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ حال مؤكدة، لأن تقديره: (ثم توليتم معرضين)، ذلك على قول من جعلها خطاباً لفريق واحد، والثاني أن التولي قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب، والثالث: أن التولي والإعراض في دلك مثل مأخوذ من سلوك الطريق، وإدا اعتبرنا حال سالك المنهج في ترك سلوكه، فله حالتان، إحداهما: أن يرجع عوده على بدئه، وذاك هو التولي، والثانية: أن يترك النهج ويأخذ في
стр. 249
عرض الطريق متخطياً، وذلك هو الإعراض والمتولي أقرب أمرا من المعرض، ولأنه متى ندم على رجوعه سهل عليه العودة إلى سلوك المنهج، وأخذ في عرض المفازة إلى طلب منهجه، فيعسر عليه العود إليه، فمتى جعل الخطبان لفريق واحد، فذلك غاية الذم، فإنهم جمعوا بين العود عن السلوك والإعراض عن المسلك، ومتى جعل " توليتم " للسلف، وأنتم معرضون للخلف، فتنبيه أنكم شر من أسلافكم، فقد كان منهم التولي، ومنكم الإعراض، والآية منطوية على عامة الأحكام الاعتقادية والعلمية والآداب الشرعية ومكارم الأخلاق، وفيها ذم لبني إسرائيل أن مع أخذ الميثاق منهم بذلك لم يكن من أكثرهم الوفاء به ..
قوله :
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾
الآية (٨٤) سورة البقرة.
الدار سميت اعتبارا بدورها، وقيل داره، كقولهم: محلة ومنزلة اعتباراً بوحدة ما، فإن الدار يقال لها وإن انطوت على حجر وبيوت، والدواري الدهر، لكر الجديدين، والدوار في الرأس وضم على بناء الأدواء، نحو الصداع، يقال للصنم التي يدار حوله دوُار ودَوار ودوار، وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ ما تقدم في الآية الأولي ..
،
إن قيل: كيف أخذ ميثاقهم أن لا يفعلوا ذلك بأنفسهم مع كون الإنسان مضطرا لأن يفعل بها ذلك؟، قيل في ذلك أجوبة ...
الأول: لا يفعل ذلك بغضكم ببعض، وإليه ذهب قتادة وأبو العالية، الثاني: لا يفعلن أحدكم [ذلك] بالآخر، فيفعل به، فيكون في حكم فاعله بنفسه، الثالث: [لا تفعلوا ما يؤدي بكم إلى صرفكم عن الحياة الأبدية الجاري مجرى القتل، وهو العذاب الأليم]، ولا تفعلوا ما تحرمون به على أنفسكم
стр. 250
الجنة التي هي داركم فتكونوا في حكم من أخرج نفسه من داره، وعلى ذلك قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ أي: شغلوهم بما يعود بوبالهم وحرموا العلم، والإقرار قد، يكون باللفظ ويكون بالفعل وهو الرضى، نحو أن يقال: فلان مقر بالخسف ..
قال الشاعر: ..
أقر كما قر الخليلة للبعل ..
فقوله ﴿أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ يصح أن يكونا [جميعا خطابين] للسلف، وأن يكونا للخلف [وأن يكون الأول للسلف والآخر للخلف]
فإن قيل: ما الفرق بين الإقرار والشهادة؟ قيل: الشهادة إقرار مع العلم وثبات اليقين، والإقرار قد ينفك من ذلك، ولهذا كذب الله تعالى الكفار في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ولو قالوا: نقر إنك لرسول الله لم يكذبوا ..
قوله :
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الآية: (٨٥) سورة البقرة.
قيل: تقدير هؤلاء يا هؤلاء، وذلك مستبعد لحذف حرف النداء، [فحرف النداء] لا يحذف إلا من الأعلام وما هو كالأعلام ومن المضاف دون غيرهما من المناديات، وقيل معناه كمعنى الذين، فقد أجرى
следующие страницы →