Полный текст (2 001 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قوله :
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
الآية: (٨٢) سورة البقرة.
عادة القرآن في كل موضع يذكر عقاب قوم أن يذكر بإزائه ثواب مضادتهم ليُرجى رحمته ويخاف عذابه، وقد تقدم أن عامة ذكر الإيمان في القرآن مقرونة بالأعمال الصالحة تنبيهاً أن جملة الاعتقاد والمقال لا اعتداد بها ما لم يضامها الأعمال الصالحة، إذ الاعتقاد كالأس، والعمل كالبناء، ولا غناء في أسء بلا بناء، كما لا ثبات لبناء بلا أس، وفيه دلالة أن قوله تعالى من قبل: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ هو الكفر، وإحاطة الخطيئة به الأعمال السيئة، وذلك لا قابله به من الإيمان والأعمال الصالحة ..
قوله :
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
الآية (٨٣) سورة البقرة.
الولد: المولود، والوليد للصبي اعتبارا بقرب ولادته، كما يقال: لما قرب اجتناؤه جني، والوليدة في الأمة كناية عن طريق التلطف بأنها تجري مجرى الولد، و " فلان لدة فلأن "، أي ولد معه، واليتيم قد يقال لمن فقد كافله قبل البلوغ من أبويه، أما في الناس فأباه، وأما في البهائم فأمه، لأن كفالة الولد في الناس على غالب الأمر، وفي الحكم إلى الأب، وفي البهائم إلى الأم، وقد يقال لن يتصور بصورة الفرد الذي إذا اعتبرت فضيلته قدر أن لا أباله من جنسه لكونه خارجية بالفضل عن طبيعة أبائه،
стр. 247
وجدك فاصطفاك، كقوله تعالى في موسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، وأخذ هذا الميثاق المذكور في الآية ليس شيئاً اختص به بنو إسرائيل فقط، بل في كل أمة، ولكل نبي، وقد تقدم أن هذه العبادات مما لا يجوز خلو شرع منها وإن اختلفت هيئاتها وأعدادها وأن كلياتها مأخوذة على الناس بقضية عقولهم وألسنة أنبيائهم وجزئياتها وكيفياتها مأخوذة عليهم بألسنة أنبيائهم- ﵈ إذ لا طريق للعقل إلى صرفة جزئيات العبادات والصالح المعلقة بها، وليس أخذ الميثاق
كله معتبراً بان يلتزمه المأخوذ عليه ويرضى به، بل بأن توجه الحجة، وتقدير قوله: (لا تعبدون إلا الله) فيه أوجه، قال الكسائي: (أن لا تعبدوا)، فلما حذف " أن " نرفع، نحو:
ألاَ أيُّهذا الزَّاجري أحْضُر الوَغى
وقال الأخفش: لما أفاد قوله ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معنى القسم أجابه بجوابه نحو: خلفت لا يخرج زيد، وقال قطرب: (لا تعبدون) في موضع الحال، تقديره غير عابدين، وقال الفراء: لفظه خبر، ومعناه النهي نحو: (لا تضار والدة بولدها) بالرفع، واستدل على كونه نهيأ بقراءة أبي: (لا تعبدوا إلا الله)، وبعطف قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ عليه.
стр. 248
ولما تضمن أخذ الوثاق معنى الوصية حمل عليه قوله: (وبالوالدين إحسانا) واختلف في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فذهب بعضهم إلى أنه منسوخ بأية السيف، لأن المسلمين أمروا في الارتداء أدت يتلقوا الكافر أو المسلم بالحسنى، ثم أمروا بالتغليظ والقتال، وقيل: لا نسخ فيه وهو الأصح، لأن ذلك كقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ لآية، ولأن قتالهم لا يمنع من أن يقاد لهم أولاً قول حسن، كما قاد موسى- ﵇ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾، ثم قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، يصح أن يكون نهياً عن المقادح والكذب، ثم هذه الاية ليست خطابا للمسلمين من هذه الأمة، وإنما هي حكاية ما أمر به بنو إسرائيل، وهما خطاب للأسلاف من بني إسرائيل، وقيل:
هو خطاب لن كان في زمان رسول الله ﷺ منهم، وقيل قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ خطاب للسلف، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ خطاب لمن كان في زمنه،
إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ بعد قوله:.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قيل فيه ثلاثة أقوال، الأول: أن قوله ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ حال مؤكدة، لأن تقديره: (ثم توليتم معرضين)، ذلك على قول من جعلها خطاباً لفريق واحد، والثاني أن التولي قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب، والثالث: أن التولي والإعراض في دلك مثل مأخوذ من سلوك الطريق، وإدا اعتبرنا حال سالك المنهج في ترك سلوكه، فله حالتان، إحداهما: أن يرجع عوده على بدئه، وذاك هو التولي، والثانية: أن يترك النهج ويأخذ في
стр. 249
عرض الطريق متخطياً، وذلك هو الإعراض والمتولي أقرب أمرا من المعرض، ولأنه متى ندم على رجوعه سهل عليه العودة إلى سلوك المنهج، وأخذ في عرض المفازة إلى طلب منهجه، فيعسر عليه العود إليه، فمتى جعل الخطبان لفريق واحد، فذلك غاية الذم، فإنهم جمعوا بين العود عن السلوك والإعراض عن المسلك، ومتى جعل " توليتم " للسلف، وأنتم معرضون للخلف، فتنبيه أنكم شر من أسلافكم، فقد كان منهم التولي، ومنكم الإعراض، والآية منطوية على عامة الأحكام الاعتقادية والعلمية والآداب الشرعية ومكارم الأخلاق، وفيها ذم لبني إسرائيل أن مع أخذ الميثاق منهم بذلك لم يكن من أكثرهم الوفاء به ..
قوله :
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾
الآية (٨٤) سورة البقرة.
الدار سميت اعتبارا بدورها، وقيل داره، كقولهم: محلة ومنزلة اعتباراً بوحدة ما، فإن الدار يقال لها وإن انطوت على حجر وبيوت، والدواري الدهر، لكر الجديدين، والدوار في الرأس وضم على بناء الأدواء، نحو الصداع، يقال للصنم التي يدار حوله دوُار ودَوار ودوار، وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ ما تقدم في الآية الأولي ..
،
إن قيل: كيف أخذ ميثاقهم أن لا يفعلوا ذلك بأنفسهم مع كون الإنسان مضطرا لأن يفعل بها ذلك؟، قيل في ذلك أجوبة ...
الأول: لا يفعل ذلك بغضكم ببعض، وإليه ذهب قتادة وأبو العالية، الثاني: لا يفعلن أحدكم [ذلك] بالآخر، فيفعل به، فيكون في حكم فاعله بنفسه، الثالث: [لا تفعلوا ما يؤدي بكم إلى صرفكم عن الحياة الأبدية الجاري مجرى القتل، وهو العذاب الأليم]، ولا تفعلوا ما تحرمون به على أنفسكم
стр. 250
الجنة التي هي داركم فتكونوا في حكم من أخرج نفسه من داره، وعلى ذلك قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ أي: شغلوهم بما يعود بوبالهم وحرموا العلم، والإقرار قد، يكون باللفظ ويكون بالفعل وهو الرضى، نحو أن يقال: فلان مقر بالخسف ..
قال الشاعر: ..
أقر كما قر الخليلة للبعل ..
فقوله ﴿أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ يصح أن يكونا [جميعا خطابين] للسلف، وأن يكونا للخلف [وأن يكون الأول للسلف والآخر للخلف]
فإن قيل: ما الفرق بين الإقرار والشهادة؟ قيل: الشهادة إقرار مع العلم وثبات اليقين، والإقرار قد ينفك من ذلك، ولهذا كذب الله تعالى الكفار في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ولو قالوا: نقر إنك لرسول الله لم يكذبوا ..
قوله :
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الآية: (٨٥) سورة البقرة.
قيل: تقدير هؤلاء يا هؤلاء، وذلك مستبعد لحذف حرف النداء، [فحرف النداء] لا يحذف إلا من الأعلام وما هو كالأعلام ومن المضاف دون غيرهما من المناديات، وقيل معناه كمعنى الذين، فقد أجرى
стр. 251
المبهمات مجرى الموصولات، وعلى ذلك حمل الكوفيون قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ وقول الشاعر:
نجوت وهذا تحملين طليق
وقيل معناه: أنتم كهؤلاء، وتظاهرون تتعاونون، وأصل اللفظة من الظهر التي هي الجارحة، ولما كان الظهر من حيث الخلقة خالياً عن الحروق والعكن بخلاف البطن، سمي ما كان بارزا ظهراً، وما كان خافياً بطناً، فجعل الظهر والظهور لجميع متصرفات هذه اللفظة أصلين وقرئ تظاهرون بالتشديد، وأصله: يتظاهرون ويظاهرون بالياء والتشديد على ذلك، وتظاهرون بحذف أحد ألتاءين وبالتخفيف، والإثم اسم الأفعال المبطئة للثواب، ولتضمن البطؤ قال الشاعر في صفة ناقة:
جمالية تعتلي بالردف ....
إذا كذب الآثمات الهجير
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أي في تعاطيهما أبطأ عن الخيرات، فإنهما شاغلان، فصار الإثم في التعارف نقيض البر
стр. 252
وقوله ﵇:
" البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك "، فهذا حكمهما لا تفسيرهما والوزر والذنب والجرم تتقارب، لكن الوزر اسم لا يوجب العقوبة بمعاونة الغير، ولهذا روى:
" من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها "، فإن السان والمسنن بها متآزران متعاضدان، والسان أعظم إثما، إذ ليس المتبع كالمبتدع، وأما الذنب فما يقتضي عاقبة مذمومة اعتبارا بأذناب الأمور، والجرم اعتبارا بما يحصل من ثمرة سوء العمل تشبيها لجرام النخل، والعدوان هو تجاوز لحد المرسوم في الاعتداء المرخص فيه على سبيل المجازاة في قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فالتجاوز للمرسوم هو العدوان، والأسر شد يضم به بعض المشدود إلى بعض يقال: أسرت الرجل، والسرح والرحل، وما يشدبه إسار، والفدا العوض الذي يخص به فكاك الإنسان وقيل الفدا والفداء واحد، والأقرب أن الفداء بالمد اسم لما يفدي به والفدى اسم للمفدى، كما يقال الحمى للمحمي وإن كان كل واحد منهما يوضع موضع الأخر، والحرام المنع الشديد من جهة الحكم، ورجل حرام يجوز أن يكون على وضع المصدر موضع الفاعل كأنه محرم على نفسه بالتزامه ما ألزم ما كان محللاً له إما بدخوله الحرم أو بالإحرام، ويجور أن يكون في موضع المفعول، كأنه صار محروماً أي ممنوعة من بعض ما كان مباحا له والشهر سمي محرما لذلك، واستحرمت الماء غيره، كأنها طلبت شيئا محرما في غيرها، وذلك كناية، والخزي ذل يستحي منه، ولتضمن المعنيين استعمل تارة في الذل نحو: عليه الخزي، وفي الاستحياء، نحو خزي،
стр. 253
والرد والرجوع متقاربان، إلا أن الرد يقتضي قهراً، أما للمردود إذا استعمل في الحيوان والرجوع لا يقتضي ذلك، فإن قبل الردة عن الإسلام يتعاطاها صاحبها طوعاً، قيل إذا اعتبرت الردة بصريح العقل والفطرة التي فطر الناس عليها، فهي قهر للعقل على ما ليس من مقتضاه، لأن الكفر هو الاعتقاد الظني، كما أن الإيمان هو الاعتقاد اليقيني، والعقل لا يسكن إلى الكفر، [ولا يطمئن إليه] إذهو مناف لمقتضاه، ولهذا قال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ لأنهم إذا راجعوا عقولهم [أنكروه وتمنوا سواه]، وعلى ذلك قوله تعالى.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾
ومعنى الآية أن اليهود كان أوجب عليهم أن لا يسفكوا الدماء ولا يخرجوا أحداً من ديارهم ولم يوجب عليهم مفادات الأسرى، فأخلوا بالواجب والتزموا ما لم يكن يلزمهم، فأنكر الله تعالى عليهم ترك الفريضة ومراعاة النافلة وقوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ متعلق بما قبله وقد فصل بينهما بقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وقال بعضهم: إن الله تعالى نبه بهذه الآية مع المعنى الظاهر على لطيفة، وهي أن في قوله تعالى تقتلون أنفسكم تنبيه أنه تسعون في اكتساب العقاب الذي يجري مجرى قتل النفس، وبقوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أي تضيعون بعض قواكم ولا
стр. 254
تراعونها حق المرعاة، فإن من هذب قوته العالمة، ثم ضيع قوته العاملة.
بالتقصير، [فقد ضيع نفسه] وكأنه أخرجها من محلها الذي جعله الله تعالي لها، وعلى ذلك ما إذا ضبط قوته الشهوية ولم يضبط قوته الغضبية، ونبه بقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ إنكم تتصدون لهدى غيركم مع تضييعكم أنفسكم كقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وعلى ذلك قيل: (كفى بالمرء تهزياً أن يعظ غيره وينسى نفسه)، وقوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ فقد قيل: هو ضمير الحديث، وقيل: هو
ضمير المصدر الذي هو الإخراج، وقد أعيد ذكره تأكيده، فكأنه تكرير الخبر مراتين، ثم بين أن متعاطي ذلك له في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم، وعظم إبعادهم بتنبيههم أنه سبحانه بالمرصاد لا يغفل عن شي تعالى الله وتقدس ...
قوله :
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾
الآية (٨٦) سورة البقرة.
الخفة والثقل يقالان على أضرب، الأول: خفيف في المخسر لطلب العلو كالنار، وثقيل في المسخر لطلب السفل كالحجر، الثاني: يقال على سبيل التصادف كشيئين يترجح أحدهما على الآخر فيصح أن يوصف شي واحد بأنه خفيف وثقيل على اعتباره بشيئين، الثالث على اعتبار الزمان نحو أن يقال: هذا الفرس خفيف، وذاك ثقيل بمعنى أنه إذا اعتبر عددهما بزمان واحد كان أحدهما أكثر عددا من الآخر، والرابع: يقال فيما تستجليه النفس خفيف، وفيما تعافه ثقيل، فالخفيف على هذا مدح، والثقيل ذم الخامس على العكس من ذلك، وهو أن يقصد بالثقيل معنى الرزين، وبالخفيف
стр. 255
معنى الطائش، والقصد باشتراء الحياة الدنيا في هذه الآية [وبالرضى في هذه الآية] وبايثارها في نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ في نحو قوله: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وبالإخلاد إليها في قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ وباتباع الهوى في نحو قوله، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ وبعبادة الشيطان في نحو قوله: ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ وبإتباع الخطوات في نحو قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ وبنصرة الشيطان في قوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ كل ذلك قصد واحد في أنه حث على تجنب المعاصي وأن اختلفت العبارات وتفاوتت الأنظار، وبين الله تعالى بالآية أن من فعل ذلك فهو معاقب لا يخفف عذابه، أما في الدنيا، فمعذب لشرهه على تتبع فضولات المال وجمعه، كما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فلا يكون لطلبها غاية إذا انتهى إليها خفف عذابه، وأما في الآخرة فبدوام العذاب الأليم، وبين تعالى أنه لا يجد نصرة من جهة ماله في الدنيا، كما قال حكاية عن المحتضر: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ ولا في الآخرة، كما قال: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾ الآية، وقوله ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ قيل: هو داخل في صلة الدين والصحيح أنه جواب لتضمن لفظه الذين معنى الشرط كما هو جواب في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾.
стр. 256
قوله- :
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾
الآية: (٨٧) سورة البقرة.
الاقتفاء إتباع القفا، كما أن الارتداف إتباع الردف، وقفوته: أصبت قفاه نحو: قادته وبطنته إذا رميت ذلك منه، ثم يكني به عن الاغتياب، وقافية الشعر لاعتبار الاقتفاء فيها، والقفاوة ما يتفقد به الغير على سبيل الإيثار، والهوى اسم للقوة الشهوية، وأصله من الهوى، لأنه يهوى بصاحبه فلا يستقر به، والروح من الحيوان اسم للجزء الذي معه تحصل الحياة، ولما كانت الحياة تختلف، فمنها ما تشترك فيه الحيوانات ويحصل به التحرك والسعي واستجلاب النافع واستدفاع المضار، ومنها الحياة التي يختص بها الإنسان، وبها يكون الفكر والروية ولأجله قيل، فلان ليس بحي أو هو ميت إذا ضعف ذلك فيه، ومنها الحياة التي يستفيدها الإنسان بالعلم وهو أس ما يتوصل به إلى الحياة الأبدية، وإياها قصد بقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ صار الروح يقال لكل ذلك، فيقال " ذوروح " لكل حيوان، وقيل للقرآن روح لما كان سببا للحياة الأبدية قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، وقيل: سمي عيسى ﵇ روحا، لأنه كان يحيى الموتى فصار كالروح، وقيل: سمي بذلك لأنه كان يفيد الناس ويعلمهم ما يتوصلون به إلى الحياة الأبدية، وقيل: سمي بذلك لقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، وذلك أنه لم يخلق من ماء ذكر وأنثى، وإنما قال له: (كن) وسمي جبرائيل ﵇ روح القدس، والروح الأمين، وهذه الآية توكيد لذمهم والإنباء عن بعدهم عن الإيمان وأنهم قد أتاهم موسى بالكتاب، ثم اتخذوا العجل وأتاهم رسل فلم يعرجوا عليهم، وجاءهم
стр. 257
عيسى ﵇ بالمعجزات الباهرة فكذبوه، وقوله: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يصح أن يكون معطوفا على قوله ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ويكون قوله ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ فصلا بينهما على سبيل الإمكان عليهم، ويصح أن يكون معطوفا على قوله:] " استكبرتم "، وقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ استئناف وبين باتباعهم الهوى غاية معانيهم، فإن متبعه مخطئ وإن أصاب، فالإصابة منه على غيره اعتماد، إذ هو كالبهيمة المتناولة لما تدعو إليه شهوتها صواباً كان أم خطأ، ثم زاد في ذمهم بوصفهم بالاستكبار إذ هو مقر النقائص، فإنه نتيجة الإعجاب، والإعجاب نتيجة الجهل بالنفس والجهل بالنفس مقارن للجهل بخالقها، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾
إن قيل: لم قال: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وهلا جعلا ماضيين أو مستقبلين؟ قيل: أما من حيث اللفظ، فلأنه لما لم يكن يفسد المعنى روعي فيه المجانسة بين الفواصل ليكون اللفظ أحسن، وأما من حيث المعنى: فللتنبيه أنهم لم يتوقفوا في تكذيب من جاءهم من الأنبياء، فذكره بلفظ الماضي، إذ لا مزاولة فيه، وذكر القتل بلفظ الاستقبال تنبيهاً أنهم يزاولون قتله قدروا عليه أم لم يقدروا.
قوله :
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (٨٨) سورة البقرة.
أصل الغلف ستر الشيء بالشيء الذي يجعل فيه، ومنه غلفت السيف والسرج والرحل واللحية بالغالبة، والأغلف الأقلف لكون ذلك منه في غلاف من غلفته أي قلفته وعزلته، فقوله: (غلف): قيل هو جمع غلاف وأصله غلف، فخفف، وقرئ غرف ككتب وقيل: هو جمع أغلف، فعلى الأول قيل معناه: قلوبنا أوعية للعلم لا تسمع علماً إلا وعته إلا ما تقول، بمعنى أن ما يقوله ليس بعلم، وعلى الثاني
стр. 258
معناه: قلوبنا مغطاة عما تدعونا إليه فلا نفهمه كما قال: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ الآية ..
ورد الله تعالى ذلك عليهم بأن ذلك لكونهم مبعدين عن العلم لسوء فعلهم، وقد تقدم أن سبب المانع من الفضيلة سببان: أحدهما: ابتداؤه ليس من جهة الإنسان نفسه، وهو متجاف عنه كمرتكب قبيح لزوال عقله بجنون أو مرض، والثاني: ابتداؤه من جهته، وهو مأخوذ به كمرتكب ذنب لسكره، فبين الله تعالى أن قلوبهم ممنوعة عن العلم بكفرهم وذلك من جهتهم، وقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لم يؤمنوا إلا إيمانا قليلاً أو زمانا قليلا، وذلك غير معتد به، لأن الإيمان هو التصديق المخصوص، ومتى لم يحصل كمالاً لم يعتد به، ولذلك عظم عقوبة ذلك بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، ونحو هذه الآية قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
قوله :
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية: (٨٩) سورة البقرة.
الاستفتاح: طلب الفتح، والفتح ضربان، فتح إلاهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، وفتح دنيوي، وهو النصرة في الوصول إلى اللذات البدنية وعلى الأول قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، وقوله ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ﴾ وعلى الثاني قوله:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ قيل معناه:
стр. 259
يستعملون خبره من الناس مرة، وقيل يطلبون من الله في بذكره الظفر، وقيل: كانوا يقولون: إنا ننصر لمحمد ﵇ على عبدة الأوثان، وكل ذلك داخل في عموم الاستفتاء، فبين الله تعالي من جهلهم أنهم كانوا ينتظرونه، وكانوا يعرفون وصفه كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، وكما قال: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾، فلما جاءهم كتاب لا منافاة بينه وبين التوراة في الأصول، وعرفوا عيانا ما كانوا عرفوه من قبل إخباراً كفروا به، ثم قال: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ تنبيها أن اللعن ثابت للكفار، وهم كفار، فاللعن عليهم، وأما معنى اللعن هو إفضاء على وجه الإهانة، ومن قال: هو العذاب، فمن حيث أنه لا تنفك لعنة الله عن العذاب، وأما تكرير لما، فقد قيل جواب الأول محذوف، وقوله: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ إنما هو جواب للثاني، وقيل: لما بين فصله لما وجوابه بقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أعتاد ذكره بلفظ يقتضي زيادة فائدة، ثم أجاب، وقيل جواب الأول " الفاء "، و (كفروا به) جواب الثاني نحو قولك: لا جاء زيد فلما قعد أوسعت له ...
قوله :
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
الآية: (٩٠) من سورة البقرة.
بئس؟ كلمة تستكمل في جميع المذام، كما أن " نعم " تستعمل في جميع المادح، وأصله من البؤس، وهو المكروم وتصور منه الفقر تارة، فقيل بئيس، والنكاية في الغيرة فقيل بؤس، وسمى البسالة بأساً به وأصل البغي الطلب، واختلفت مكانيه لأختلاف المسند إليه، وربما خولف بين
стр. 260
مصادرها، فمتى أسند إلى الرأي فلابتغائها لمن يحرم عليها، وإذا أسند إلى المتكبر فلطلبه إكراماً لا يستحقه، وإذا أسند إلى الرأي فلطلبه متطلعاً، والهوان يتصور على وجهين أحدهما: التذلل للإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة، فيمدح به نحو المؤمن هين لين، والثاني: أن يكون مرجعه خلط ستليه على طريق الاستخفاف فيذم به، وعلى الوجهين استعمل " ذلك فبين الله تعالى أنه بئس
شيئاً باعوا أنفسهم به كفرهم بكتب الله المنزلة، ثم بين أن أعظم هذا الجنس أن يفعل دلك حسدا على من خصه الله تعالى بفضل من عنده، وفضله ههنا أجل الفضائل، وهو النبوة، ثم بين أنهم بذلك استحقوا بذلك أنواعا من الغضب نوعاً بعد نوع نحو قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ ..
نعوذ بالله منه.
قوله- :
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية (٩١) سورة البقرة.
وراء يقال للخلف والقدام، وهو في الأصل مصدر وارى، فلما كان المصدر يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول، فمتى قيل وراء زيد بمعنى قدامه، فمعناه الذي يواري زيد، وإذا قيل بمعنى " خلف "، فهو الذي يواريه زيد، ثم جعل ظرفاً مثل كثير من المصادر، وإن قيل: كيف قيل للخلف " فلم تقلتون "، وكان القتل من السلف لا منهم، قيل: لما كان من عادة العرب أن ينسبوا إلى أنفسهم على طريق الفخر مأثراً بأيهم، فيقول فعلنا كذا متصورين بصورتهم خوطبوا أيضا في نسبة مثالبهم إليهم على ذلك
стр. 261
الوجه، وقال ابن عباس [رضي الله تعالى] عنهما: (إذا عمل معصية، فمن أنكرها فقد برئ منها، ومن رضيها كان كمن فعلها)، فلما رضوا فدل آبائهم فكأنهم هم فعلوه، فلذلك خاطبهم بذلك،
إن قيل: كيف قال: (تقتلون من قبل) ولا يجور في الكلام تخرج أمس، قيل: في ذلك وجهان.
أحدهما: أن عادة العرب إذا أرادوا أن يخبروا عن تعاطي فعلى مداوم عليه قرنوا لفظ الماضي بالمستقبل تنبيها على المداومة عليه نحو قول الشاعر:
ولقد أمر على الَّلئيم يسبنُّي ...
فمضيتُ ثمة قُلتُ لا يعنينِي
وعلى ذلك يقال: فعلت كذا قبل وبعد، وافعل كذا قبل وبعد، فيجئ تارة بلفظ الماضي وتارة بلفظ المستقبل، والثاني إن قوله (من قبل) يتعلق بمقتضى قوله " فلم " الذي هو بحث عن علة الشيء، فكأنه قليل: أخبرني قبل عن سبب قتلكم، ومعنى لم تقتلون لم ترومون قتلهم، وهذا أوضح، وقوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ قيل معناه بما أنزل الله بعده من الإنجيل والقرآن، وقيل: معناه بما تنطوي عليه التوراة، وذاك أن انتساب المعنى إلى اللفظ انتساب المتأخر إلى المتقدم والباطن إلى الظاهر، ولهذا يقال: وراء هذا الكلام معنى لطيف، وفي ضمنه شيء حسن، وقد بين الله تعالي أنهم يدعون
стр. 262
الإيمان بالتوراة وهم كاذبون في دعواهم، فإنهم لا يكونون مؤمنين بها إذا كفروا بما يتضمنه من أخبار النبي ﵇ وكفروا بما يتلوه من كتاب الله فإن النبوة والكتاب لا يختلف من حيث ما هو نبوة وكتاب، ومن لم يؤمن ببعضه، فهو في حكم من لم يؤمن بشيء منه، ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، فأثبت لهم أشد العذاب الذي يستحقه الكافر المطلق، ثم بين أنه هو الحق أي ذلك المعنى الذي هو القرآن حتى لا يزاحمه في ذاته ضد وهو مصدق لما تقدمه لا منافاة بينهما في ألاصول، ثم بين [تعالى] ثانياً إبطال ما ادعوه بقتلهم الأنبياء إن كانت التوراة لم تقتض ذلك، ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تنبيها أنكم لستم بمؤمنين، إذ المؤمن لا يقتل الأنبياء، وفي كل ذلك حجة على بطلان ما ادعوه من الإيمان بالتوراة.
قوله- :
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾
الآية (٩٢) سورة البقرة.
جعل ذلك أيضا دلالة على دلالة قولهم: (نؤمن بما أنزل علينا) فكأنه قيل: كيف آمنتم به وقد أتاكم موسى بالآيات البينات فما لبثتم أن عبدتم العجل ظلما، وظلمهم الإخلال بآيات الله وبيناته وتلقيها بالكفران والكفر، وفي تخصيص ثم زيادة فائدة، وهي أن ذلك منكم بعد تدبر الآيات والتمكن من معرفتها، والآيات.
ههنا هي الآيات التسع المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾
стр. 263
قوله :
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
الآية: (٩٣) سورة البقرة.
قوله: (اسمعوا)، قيل معناه: افهموا، وقيل معناه: اعملوا به، ووجه ذلك أن الشيء يُسمع به، ثم يتخيل، ثم يفهم، ثم يعقد، ثم يعمل به إن كان ذلك المسموع مما يقتضي عملاً، ولا كان السماع مبدأ والعمل غاية وما بينهما وسائط صح أن يذكر، ويراد به بعض الوسائط وأن يعني به الغاية وهي العمل، فمن قال معنى (واسمعوا) أي اعملوا به، فنظر منه إلى الغاية، ومن قال: افهموا واعقلوا فنظر منه إلى البدء أو إلى الوسائط، وقال بعضهم: قد قالوا قولاً سمعنا وعصينا، وقيل: إنما سمعوه وتلقوه بالعصيان، فكأنهم قالوا بدلك قولاً، كقول الشاعر:
امتلأ الحوض وقالَ قطْنىِ
وقال الآخر: قالَ جناحاهًُ لرجليه الحقَاَ
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ...
من عادة العرب أنهم إذا أرادوا العبارة عن مخامرة حب أو بغض في القلب أن يستعيروا لها اسم الشراب، إذ هو أبلغ منجاع في البدن، ولذلك قالت الأطباء:
стр. 264
الماء مطية الأغذية، والأدوية، لركوبها يبلغ أقاصي الأمكنة، وعلى هذه الراعية قال الشاعر:
تغلغل حيث لم يبلُغْ شرابٌ ....
ولا حزنُُ ولمْ يبلغْ سرُورُ
وقال أهل النحو: أريد حب العجل، فحذف المضاف تحقيقاً، ويجب أن يعلم أنه لو قيل حب العجل، لم يكن له من المبالغة ماله بحذفه، لأن فيه تنبيها أن لفرط شغفهم به ثبت صورة العجل في قلوبهم راسخة، وإن زالت ذاته الجسمية، ثم بين أن ذلك [كذلك] بسب كفرهم، لا أنه تعالى ظلمهم به، وما قال السدي وابن جرير أن موسى- ﵇ لما رجع إلى [قومه] برد العجل الذي عبدوه، فذراه في اليم، فلم يشربه أحد أحبه إلاً خرج على شاربيه الذهب، وليس ينافي ما تقدم تصورت ذلك حقيقة أم تصورته كناية وإشارة، وقال بعضهم: معنى أشربوا من قولهم: " أشربت البعير " إذا شددت حبلاً في عنقه، قال:
وأشربْتُها الأقران حتى وقصتُاً ...
بقرْحِ وقدْ ألقينَ كلَّ جنين
فكأنما شد في قلوبهم العجل لفرط شغفهم به، فهو راجع إلى الأول تحقيقه وإن خالفه تشبيها وتمثيلاً، ثم بكتهم تعالى بقياس شرطي يدل على إبطال دعواهم الإيمان بالتوراة وهو قوله:
﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وتقديره: إن كنتم مؤمنين، فإيمانكم أمركم بذلك، وكل إيمان أمر بذلك فإيمان مذموم، وقد ثبت أن الإيمان بالتوراة ليس بمذموم ولا يظهر بالمذموم، فإذا
стр. 265
لستم بمؤمنين، فكيف تدعون الإيمان بما أنزل إليكم، وقال الزجاج في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. [ما كنتم مؤمنين].
فإن عنى أن إن ههنا لفظة للنفي فدلك بعيد، وإن عنى أنه شرط مقتضاه النفي كما تقدم فصحيح والكلام في أنه كيف جعل الإيمان أمراً في قوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ فقد تقدم في صدر الكتاب فصل كلي يكفي الاشتغال بهذه التفاصيل.
قوله :
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
الآية (٩٤) سورة البقرة.
الخالص كالصافي، لكن الصافي يقال فيما لم يكن قبل فيه شوب، ولا يقال: خالص إلا ما كان فيه شوب من [قبل]، فزال عنه، ولذلك قال الشاعر:
خلاصُ الخمْرِ منْ نسجِ الفَدَامِ
فاعتبر فيه معنى التخلص والتمني تقدير تأتي مشيته والتحدث به إما ضميراً، وإما مقالاً، ودون لما كان في الأصل القاصر عن الشر اعتبر ذلك في المكان تارة وفي الشرف تارة، وفي الاختصاص تارة، فإذا قيل: هذا لي دونك، فهو مفيد للاختصاص، ومعناه: أنت تقصر عنه، وإن قيل كيف قال: (من دون الناس) والمخاطبون أيضاً من الناس؟
قيل: قد قال بعضهم لفظه عام، ومعناه خاص، أي دون سائر الناس، وقال بعضهم في ذلك لطيفة، وهو أنه يقال: " فلأن ليس من الناس، وذلك متردد بين المدح والذم، فالمدح نحو قول بعضهم: فلان ليس إنساناً، بل هو ملك كريم ...
стр. 266
وقال الشاعر
فلست بإنسيَّ وَلكنْ لملاك
والذم نحو: فإنَّ جُلهُمُ أوُ كلهُمْ بَقر
ولما كانت الدار الآخرة لا تحصل للناس خالصة، بل لأبد في نيلها من تحمل شوائب وتجرع نوائب، وكانوا قد ادعوا أنها لهم خالصة قيل لهم ذلك بمعنى إن كنتم جنساً غير الناس في أن تحصل لكم الدار الآخرة خالصة [على حسب ما تحصل للناس] فتمنوا الموت، وإنما قيل لهم " تمنوا الموت "، لأنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾، وقالوا:
﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، فبين الله تعالي كذبهم في دعواهم ذلك فقال: إن كنتم أحباء الله، فالمحبة داعية إلى الشوق، والشوق داع إلى محبة لقاء المحبوب، ومحبة لقائه داعية إلي تمنى سهول السبيل إليه، ولا سبيل إلى الطريق إليه إلا بالموت، فيجب أن يكون الموت متمنى، فترككم تمني ذلك دلالة أن لا [محبة منكم له] ..
إن قيل: فهل يجوز للمسلم أن يتمنى الموت؟ قيل:
أنا تمنيه على أن سخط ما أراد الله من حياته فلا يجوز فإن ذلك مضادة الله في أرادته، وتسخط لقضائه، وإما على أن يكرهه إذا أتاه، فجائز، وهو غاية الحكمة وشعار المؤمن المحق، ولذلك قيل: " لا يكون الحكيم حكيماً حتى يعلم أن الموت يعتقه والحياة تسترقه، وقيل: " سرور المؤمن بموته
стр. 267
سرور القادم على أهله "، وقال ﵇: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاء، ومن كره لقاء الله كره
الله لقاءه ".
وقال علي- ﵁:
" لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت علي " إنما قيل: كيف أعاد الشرط، فقال: إن كنتم صادقين "، وذلك يقتضي جوابا أخر، قيل: إن ذلك كالبدل من الشرط الأول، فإن مقتضاهما واحد، لكن الصدق يتناول اللفظ، وقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ يتناول ذات الشيء، فصار كقول القائل لمن يدعي فعلاً: " إن فعلته فلك كدا إن صدقت " ...
قوله :
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ الآية: (٩٥) - سورة البقرة.
التقدم إما أن يقال باعتبار زمانين، فيقال حديث وقديم، وإما باعتبار تقدم على الزمان، فيقال: قديم أي متقدم وجوده على وجود الزمان وإما بالشرف فيقال: " فلان متقدم على فلأن " أي أشرف منه منزلة وإما لما لا يصح وجوده إلا بوجود الأخر، فيقال لذلك الآخر قديم كقولك: الواحد متقدم على العدد، بمعنى أنه لو توهم ارتفاعه لارتفع الأعداد، وكما استعملوا القديم والحديث باعتبار زمانين استعملوا التقدم والتأخير، وقدام وخلف باعتبار مكانين، وباعتبار التقدم المكاني سمي القدم قدماً، وقد بت الله تعالى القول بأن لا تمنى للموت منهم قط، لما احتقبوه من الآثام، وفي ذلك أعظم حجة، فإنهم ما فعلوا ذلك ولا جسروا حتى قال ﵇.
" لو تمنوا الموت ما قام رجل ممن مجلسه "، فلم يجسروا أن يقولوا كاذبين: نحن نتمناه، ثم بين تعالى بقوله؟ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ قدرته على معاقبتهم تهدداً لهم ...
стр. 268
قوله :
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ الآية (٩٦) سورة البقرة.
الوجود يقال باعتباره بالحاسة، وباعتباره بالتخيل، وباعتباره بالفهم والعقل، ومتى قيل باعتباره بالعقل فعلى ضربين: متعب إلى مفعول واحد، ومعناه كمعنى عرفت، ومؤكد إلى مفعولين، ومعناه قريب من معنى علمت، والحرص أصله أن لا يرضى بالكفاية ويضاده القناعة، وأصله هن حرص القصار الثوب، والحارصة وهي شجة تشق الجلد، فالحرص كأنه مزيل للحياء والكرم عن النفس، وأصل الشرك مساواة اثنين فصاعداً في شيء كتجارة وزراعة وميرات [وشراك للفعل وشراك الخيط] معتبر فيه معنى الشركة، وكذا الشرك للطريق والحبالة للصائد، وصار الشرك متعارفاً فيمن يثبت مع الله إلاها آخر أو يصفه بصفة على حد ما يوصف به شي من المكونات فيطلق تارة على من لم يكن من أهل الكتاب، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، وهم الذين لا يقارون على بذل الجزية، ومرة يقال لأهل الكتاب لقولهم عزيز ابن الله والمسيح ابن الله [وقولهم اتخذ الله ولداً] ومرة يطلق على الربا ونحوه فروى أن أبا حنيفة- ﵀ تعالي- قال لجعفر بن
محمد- رحمهما الله تعالى- من أين قال أبوك: الرياء شرك؟ فقال: من قول الله- ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
ولما لم ينفك عامة الناس من تشبيه ما في أوصاف الله تعالى ومن رياء ما في عبادته، قصارى تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ...
стр. 269
والعمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، والعمارة قبيلة تحصل باجتماعهم العمارة، والمعمر المسكن مادام عامرة بسكانه، [والعومرة] صحْب تدل على اجتماع عمارة، والعمري في العطية منة، والألف مشتق من الألفة، وهو ضم البعض إلى البعض، فالأعداد أحاد وعشرات ومئون وألوف، فالألف يألف أنواعها، وألسنة للعرب في أصلها طريقان من جعلها من الواو، كقولهم سنوات، وكأنها اسم لدوران الفلك، ولاعتبار الدوران فيها سمي المستقى عليها والمستقى بها [اسم لدوران الفلك] ساقية، ومنهم من يجعلها أمرا لها، فيقول: سانهته مسانهة فكأنها اسم لتغير الفصول الأربعة، ومنه قيل لسنة الطعام أي تغير، والزحزحة الإزالة عن المقر وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ فمن المفسرين من يقول: تقدير الآية: " ولتجدنهم وطائفة وكثيرا من المشركين أحرص الناس علي حياة، واستبعد ذلك بعض النحويين لحذف الموصول ترك الصلة، وقيل: تقديره " وهم ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، فكأن قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ خبر ابتداء مضمر، أي هم في محبتهم للحياة من المشركين، وأكثر المفسرين على أنه عطف على معنى قوله ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾،
فإن قيل: كيف قال ذلك والذين أشركوا من الناس؟ قيل: لما كان للمشركين فضل اختصاص في محبة الحياة الدنيا خصهم بالذكر بعد العموم تخصيص جبرائيل وميكائيل بعد ذكر الملائكة، وتخصيص النخل والرمان بعد الفاكهة،
فإن قيل: فهلاَّ قال: أحرص الناس والمشركين، أو من أحرص من الناس ومن المشركين ليكون الكلام على نمط واحد، قيل: إنما قال كذلك لمعنى اقتضاه، وهو أن أفعل يستعمل على وجهين، أحدهما مضافة إلى جملة هو بعضها نحو: هو أفضل الناس، ومعناه أن فضله زائد على جل المضاف إليه.
стр. 270
والثاني: أن يذكر بـ من، نحو: الإنسان أفضل من الأسد، ويرد أنه زائد على جميع الذكور، ويدلك على صحة هذا أنه إدا قيل: " زيد أفضل الناس "، وعني بالناس العموم لم يكن ذلك محالاً، لأن يقتضي أن يكون أفضل من نفسه أيضاً، إذ هو من الناس أو لا يكون منهم، فحيث ذكر تعالى الناس وأراد أنه زائد على جلهم أصناف، وحيث ذكر المشركين، عنى أنه زائد عليهم كلهم ذكر " من "، وإنما قال " على حياة " فنكرها، لأن الحياة التي يحرصون عليها هي حياة ما، وهي أحسن حياة "، فكأنها لخستها وقلة وزنها ذكرها منكرة، وإنما الحياة المطلقة هي الحياة.
الحقيقية التي وصف بها وللآخرة في قوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، فأبان الله تعالي فرط حرصهم على الحياة الدنيا، وأن تمنيهم لها فوق تمني المشركين، إذ غاية تمنيهم للحياة ألف سنة، وبذلك يتداعون، ثم بين تعالى أن بقاءهم ألف سنة لا ينقذهم من عذاب الله إن ماله مدة فقصير، وإن طال، فكما قال الشاعر:
أرى العمرْ كنْزاً ناقصاً كُلَّ ليلةٍ ....
ومَاَ تنقصُ الأيامُ والدهْرُ يُنْقلُ
قوله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (٩٧) سورة البقرة.
العدو التجاوز ومنافاة الالتزام، فتارة يعتبر بالقلوب، فيقال له العداوة، وتارة في المشيء، فيقال له العدو، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة، فيقال له العدوان، وتارة إما في المكان وإما في النسب، فيقال قوم عدي أي غرباً، وجبريل فيه لغات، وإنما كثرت فيه اللغات لكونه معرباً، وتقرأه كل [قبيلة] على حسب استحقاقه، فمنهم من لم يتحر فيه أبنية كلامهم ولا تخفيف اللفظ، ومنهم من خفف ولم
стр. 271
يراع البناء نحو جبريل، لأن " فعليلاً " ليس في أبنيتهم، ومنهم من راعى رده إلي بناء كلامهم، فقال جبريل نحو قنديل، وعلى ذلك اختلفت اللغات في ميكائيل، ومنهم من قال جبر هو العبد وإيل هو الله، وإن ذلك كقولهم عبد الله، فإن ذلك لا يصح على حد كلام العرب، إذ لو كان كذلك لكان مضافاً، والإذن: الإعلام بالرخصة، وقد يعبر عن الإعلام بالختم، ومعنى الآية أن اليهود زعمت أن جبريل عدوهم، فإنه لم يكن يأتي الأرض إلا بالصواعق، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي أن جبريل نزل القرآن على قلبك بإذن الله ومصدقاً لا تقدمه من كتب الله ، وهادياً ومبشرا للمؤمنين تنبيهاً على أنه لم يعاده ولا أحدا من أنبياء الله تعالى والصالحين من عباده، فليس من شأن الملك مخالفة الرب- ، فإن هو عاداهما فلكونهم غير مؤمنين،
إن قيل: كان الوجه أن يقال: " فإنه نزله على قلبي "، قيل: يجوز الأمران، فالحكاية تارة تعاد على اللفظ، نحو أن يقال: قل لهم الخبر عندي كذا وكذا، وتارة على المعنى، فيقال: " قل لهم: الخبر عندك كذا "، وعلى ذلك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ وسيغلبون ويحشرون "، ويجوز أن يكون قوله: قل خطاباً لجبريل، كأنه قال: قل للنبي.
قوله :
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ الآية (٩٨) - سورة البقرة.
قد يدل على تفسير هده الآية ما روي سأل عن جماعة من اليهود عن سبب امتناعهم من الإسلام، فقالوا: إن الملك الذي يأتي محمدا ...
جبريل، وجبريل عدونا ولو أتاه ميكائيل لآمنا به، فإن ميكائيل صاحب كل رحمة، فقال عمر- ﵁ أنشدكم: أين جبرائيل وميكائيل من الله- ؟
стр. 272
قالوا: جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، قال، فاشهدوا أن الذي هو عدو لمن عن يمينه عدو لمن على يساره، ومن هو عدو لهما فعدو لله ، فرجع عمر- رضي الله تعالى عنه، وقد أنزل الله هذه الآية تصديقا لقوله، ومنبهاً بذكر من ذكرهم والجمع بينهم أنما من عادى واحداً فقد عاداهم، فإنهم أولياء من والاه، وأعداء من عاداه، وبين بدلك أن اليهود إذا عادوا أحدهم فالله عدوهم، وحقيقة معاداة الإنسان لله والبعد عنه مخالفته في تحري الصدق في المقال والحق في الفعال وأن لا يستحق أن يوصف بشيء من أوصافه، نحو العادل والجواد والكريم والقريب منه والمحب له، هو أن لا يخالفه في ذلك، وإن يصح أن يوصف بتلك الصفات وتلك المعاني هي المقتضية لمعاداة أولياء الله والداعية لارتكاب المعاصي، فإذا: قول من قال معنى قوله: ﴿عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ عدواً لأولياء الله، أو قال: معناه: عاص لأمره، فإنه غير مخالف لما قلنا ...
قوله :
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ الآية (٩٩) سورة البقرة.
عنى بالآيات القرآن وسائر المعجزات والدلالات التي أوضح الله- بها أمر النبي- ﵇، وذكر أنه لا يجحد ذلك ولا ينكره إلا كل متناه في الكفر، والفاسق الخارج عن الطاعة، إما عن أصل الدين، وإما عن بعض الطاعات بارتكاب كبيرة، ولذلك قال- في إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وقال فيمن يرمي المحصنات: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فبين الفاسق والفاسق بون ..
стр. 273
قوله :
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (١٠٠) سورة البقرة.
[النبذ] والطرح والإلقاء متقاربة، لكن النبذ أكثر ما يقال فيما ينسى، وعلى ذلك قول الشاعر:
كنبذكَ نَعلاً أخُلَقَتْ منْ نعالِكاَ
وقيل: صبي منبوذ إذا ألقته أمه فنسيته، واستعير للشراب الملقى المنسي إلى وقت إدراكه، والطرح أكثر ما يقال في المبسوط وما يجري مجراه، والإلقاء يعبتر فيه ملاقاة بين الشيئين أو بين الشيء ومكانه، ومعنى الآية: أنه لما بين تعالى أنه قد أنزل مالاً يكفر به إلاً كل فاسق بين لفظ الإنكار أن عادة بعض اليهود المذمومين تضيع العهد اللازم واطراحه، ثم بين أن عادتهم لا يؤمنون تنبيهاً أن أكثرهم وإن لم ينبذوا العهد جهاراً لم يحص منهم الإيمان الذي هو معرفة ما يجب معرفته وفعل ما يجب فعله، بل اقتصروا على ظاهر القبول الذي لا يعتد به على الحقيقة ...
قوله :
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية (١٠١) سورة البقرة.
الرسول ههنا إن جعلته الرسالة أو جعلته النبي محمداً ﷺ جعلته المسيح ﵇ فالكل صحيح ومراد، وكذلك إن جعلت الكتابة ههنا التوراة أو جعلته القرآن فصحيح.
لأن المنكر لأحدهما
стр. 274
في حكم النكر للآخر، وقد بين الله تعالى أنه لما جاءهم بعد موسى رسول مطابق له، صار فريق مما اختصوا بعلم الكتاب نبذوا أحكام كتاب الله وراء ظهورهم، فصاروا كالجهلة، وهذا الفريق غير الفريق الأول، ولهذا لم يدخل فيه الألف واللام، وقد دل تعالى بالأيتين أن جل اليهود ثلاث فرق، فريق جاهر وأنبذ العهد، وفريق لم يجاهروا بذلك، لكنهم لم يؤمنوا به، وهم أكثرهم، وفريق أخر طرحوا حكم الكتاب عناداً، فصاروا في حكم الجهلة، وهذه القسمة عجيبة الشأن، فإن دافعي الحق ثلاثة أقسام،
جاهل غير عالم بجهله، وهو الشرير الذي لا مداواة له، وإياه عنى بقوله.
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وجاهل عالم بجهله، وهو الشاك وإياه عنى بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ومعاند غير جاهل، وإياه عنى بقوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ووصف هذا الفريق بأن حكمهم حكم الجاهلين الذين هم فوق الموصوفين بأنهم لا يؤمنون، [وكل من دافع الحق لا ينفك من الأقسام الثالثة التي ذكرناهما والله أعلم] ...
قوله :
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
الآية (١٠٢) سورة البقرة.
تلا: يقال تارة في اتباع الغير إما بالجسم وإما بالحكم، ومصدره تلو، وتلو وتارة في اتباع الكلام، وإما بالقراءة وان ابالتدبر لمعناه، ومصدره تلاوة وعلى الأول قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾
стр. 275
وعلى الثاني قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، وتلا عليه كذب نحو روي عليه، وقال عليه، (ويقولون علي الله الكذب) وأما السحر فقد اختلف في مائيته على ثلاثة أوجه، ولابد من تبيينه لينبني كلام الله عليه في هذه الآية وفي غيرها من الآيات في ذكر السحر، فالأول: ما ذهب إليه أكثر الجدليين، وهو أنه اسم خداع وتخييلات لا حقيقة له، وإنما اعتماد الساحرين على شغل القلوب بشعبذة صارفة للأبصار وتمتمة عميقة للأسماع ولصرف الأبصار، قال تعالى ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾، ولشغل الأسماع بالنميمة، قال: فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، قالوا: ولهذا سمي البيانالرائق سحراً، والثاني ما ذهب إليه الأغشام من العوام وجماعة من الأشرار، وهو أنه اسم لفعل من قوته تغيير الطبائع ونقل الصور، كجعل الإنسان حيواناً أخر وذكروا من ذلك خرافات توصلت بها الملحدة والبراهمة إلى إبطال النبوات والمعجزات، والثالث ما ذهب إليه محصلة أهل الأثر وعامة
المتوسمين بالحكمة، وهو أنه عمل يقرب إلى الشيطان بمعونة منه، وذلك أن توقع الساحر وهمه على أمر يريد فعله بالغير لافظاً بكلمات من الشرك ومادحاً للشيطان مستعيناَ به والدي يحتاج إليه في معرفة ذلك مقدمة، وهي أن الجواهر المكلفة ضربان جسماني محسوس، وروحاني معقول، فكما أن الجسماني بالقول الجمل ثلاثة أقسام: خيَّر، وشرير، ومتوسط، كذلك الروحاني، فالخير من الروحاني الأرواح المقدسة، وهي الملائكة، والشرير شياطين الجن والمتوسط مؤمنو الجن كمن نزل فيهم سورة
الجن، ولا كانت الملائكة لا تواصل ولا تعاون إلا خيار الناس كل متأله نقي، وكل ناسك تقي متشبه بهم في المواظبة على العبادة والتقرب إلى الله بالفعل والقول، كذلك الشياطين لا تواصل ولا تعاون إلا الأشرار من الناس كل مشرك خبيث عابد للشيطان معاند للرحمن، ولهذا قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، وقال: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾
إن قيل: لو أمكن الإنسان من جهة الشيطان الوقوف على الأخبار الغائبة والأفعال
стр. 276
الخارجة عن عادة البشر لكان يشبه طريق النبوة بطريق السحر، ولكن يجوز استغواء الساحر بسحره متصوراً بصورة نبي، وذلك يؤدي إلى ما ادعاه ما في الزنديق على كثير من الأنبياء في أنهم كانوا سحرة معاونين من قبل الشيطان، لا من قبل الرحمن ، قيل: الفرق بين ما يكون من فعل السحرة وبين ما يكون من الأنبياء لا يخفى على متنبه في المعرفة ومتدرج في أدنى منزلة من الحكمة، فإن تأثير السحر لا يكون إلا في فساد جزئي من كل مشرك خبيث في نفسه شرير في طبعه متدنس في بدنه، ولذلك أكثر ما يقع في حيض النساء وعبدة الأصنام وضعاف العقول وفي الأمكنة القذرة، وأكثر تأثيرهم في مجالسهم، ثم لا يكون في الندرة، ومتى قوبل بالاستعاذة بالله تعالى وبذكره بطل سلطانه، فأما ما كان من الأنبياء ﵈، فلا يحصل إلا من كل مؤمن محصن الإيمان مقدس في نفسه خير في طبعه طاهر في بدنه [ويكون تأثيره] في أولي العقول الراجحة والأفهام البارعة، ويزداد بازدياد التقرب إلى الله تعالى، وذلك ظاهر لمن ألقى السمع وهو شهيد، ولو لم يكن للسحر حقيقة لا أعظم الله أمره في قوله: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، ولما أمروا بالتعوذ من شر النفاثات في العقد، ولو كان كما قال الجدليون لما ورد والشرائع بقتل السحرة ونفيهم عن بلاد الإسلام، ولما أجرى مجرى الشرك حتى قال بعض الفقهاء: لا تقبل توبتهم كالمستسر بالكفر، والنميمة والخديعة لا تستحق بها هذه العقوبة، فإن قالوا فالذي هو كفر هو ما تقول العامة إن الساحر يطير بلا جناح، ويكفي البيضة والمكنة، فيبلغ في أقصر مدة إلى بلد بعيد، قيل: مدعى دلك ومصدقه سخيفان يضحك منهما، ولا خلاف أن بذلك لا يستحقان الارتداد والقتل، وإنما يستحق القتل إذا ادعى قتل الإنسان بسحره على شرائط مخصوصة على قول بعض الفقهاء أو ادعى ما ينبئ عن صريح كفر، وقد أنكر الجدليون ما روي في ذلك من الأخبار الصحيحة والآثار الواضحة كنحو ما روي أن اليهود سحرت رسول الله ﷺ فقال ﵇: " أتاني ملكان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما: ما بالرجل فقال الأخر: مطبوب، قال: ومن طببه؟ قال: بنات لبيد بن
стр. 277
أعصم اليهودي "، فبماذا قال في مشط ومشاطه، وجف طلعه ذكر في بئر ذوى أروان، فبعث من أخرجه وحل عقده، فكلما حل حل عقده، وجد لذلك خفة كأنما أنشط من عقال " قالوا: إن ذلك إن قلنا بصحته لكان يقدح في نبوته، وليس الأمر على ما ظنوه لما تقدم، ولأن تأثير السحر لم يكن في النبي ﵇ من حيث ما هو نبي، وإنما كان في بدنه من حيث هو إنسان وبشر، وكما كان يأكل ويتغوط ويشرب ويمشي ويقعد ويغضب ويشتهي ويمرض ويصح من حيث هو بشر لا من حيث هو نبي، وإنما كان ذلك قادحا في النبوة لو وجد للسحر تأثير في أمر يرجع إلى النبوة، ثم كون النبي ﵇ معصوما من الشيطان لا يقتضي أن لا يؤثر في بدنه ذلك تأثيراً صغيرا لا يقدح فيه من حيث ما هو نبي، فقد كأن تأثير ذلك في جزء من بدنه تأثيرا محسوسا لم يتعده إلى زوال عقله ولا إلي إفساد نفسه، كما أن جرحه وكسر ثناياه يوم أحد لم يقدح فيما ضمن الله له من عصمته، حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وكما لا اعتداد بما يقع في الإسلام من ارتداد أهل بلد أو غلبة المشركين على بعض النواحي فيما ذكر من كمال الإسلام بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ومن أثبت كليات الحقائق بإثبات جزئياتها لم يسعفه في قياسه لدى التحصيل مقدمته ولا يثبت به في المقامات قدمه، وأما متصرفات لفظ السحر، فقد كثرت، وذاك إنه من حيث يتصور تارة دقته وتارة، حسنه وتارة فتنته، وتارة خبثه وشرارته استعمل في كل ذلك لفظه بحسب تصور كل واحد من ذلك، فسمي الشعبذة سحرا ومنه قوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾، والكلام الرائق سحرا، ومنه قيل: (إن من البيان لسحرا)، والعين الفاتنة ساحرة، والعالم ساحرا، [وعلى ذلك حمل قوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾، والفعل الدقيق سحرا] حتى قالت الأطباء: الطبيعة ساحرة، وسمي الغذاء
стр. 278
سحرا من حيث يدق تأثيره، قال: وتسحر بالطعام وبالشراب والسحر الرئة، فيجوز أنه سمي بذلك اعتبارا بدقة تأثيره في ترويحه القلب بإيصال النفس (البارد إليه) إخراج الحارمنه، فكأنه ساحر في فعله ذلك، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قبل من المخلوقين وحقيقته من المجعول له سحر، أي من الحيوان، وقيل فيه، وفي قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أي معه رأي من الجن والفتنة: اختيار بتعذيب، ولما انطوى معناها على الأمرين استعملت في كل واحد منهما مفردة نحو قوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أي عذابكم وفتنت الذهب إذا اختبرته بالنار، وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ يحتمل الوجهين، والآية معطوفة على ما تقدم من ذكر اليهود، وهي منطوية على أمرين: ذم اليهود في تحري السحر وإيثاره وتبرئة لسليمان ﵇ مما نسبوه إليه، وذلك أنه روى أن الشياطين من الإنس والجن دفنوا تحت كرسي سليمان ﵇ شيئا من السحر، فلما مات ﵇ أخرجوا ذلك، وادعوا أنه كان يتحرى ما يتحراه سحراً منها فذكر الله تعالى أن بعض اليهود اتبعوا ما تخرصه الشياطين على ملك سليمان، ونزه سليمان عن الكفر وما نسب إليه من السحر، وذكر أن الشياطين هم المستحقون لذلك، واختلف في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ فقيل فيه ثلاثة أقوال:
الأول: أن ما جرى معطوف على قوله ﴿مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ومعناه: كذبوا على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين والثاني: أن ما نفى وعلى القولين: قيل لم يعلم الملكان السحر، بل كانا ينهيان عنه ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي حتى بلغ من نهيهما عن ذلك أنهما كانا يقولان إنما نحن فتنة، أي مفتونون بأن نعلم السحر وذلك مستبعد من حيث اللفظ، فإنه إنما يقال: فلان لا يفعل كذا حتى إنه يقول كذا على سبيل الاستئناف، ولا يقول حتى يقول، وقال هذان القائلان معنى (ويتعلمون منهما) أي
стр. 279
من السحر والكفر، وقد جرى ذكر السحر صريحاً، وذكر الكفر ضمناً في قوله، كفروا، والثالث قول أكثر المفسرين إن (ما أنزل) نصب معطوف على قول السحر، ومعناه علم السحر وكيفية تعاطيه وقوله " منهما " راجع إلى الملكين، وكان تعليمهما ذلك ليحترز به، لا ليتعاطى فعلها ولهذا كانا يقولان (إنما نحن فتنة فلا تكفر)، والذي أنكره من يذهب إلى التقديرين الأولين هو لظنه أن علم السحر محظور كفعله، وليس الأمر على ما ظن، وذاك لما قد ثبت أن الحكمة معرفة الصدق من الكذب في الأقوال والخير من الشر في الأمور ليتحرى الصدق والخير ويتجنب الكذب والشر، فمعرفة الكذب.
والشر إذا واجبة كوجوب معرفة الصدق والخير، بل لا يتم معرفة أحدهما إلا بالآخر كما قد تبين أن المعرفة بالمتضادين واحد، وإن كان معرفتهما لازمة، فتعريفهما واجب، وإنما المستقبح تعاطي الكذب والقبيح، فإذا كان كذلك فلا ضير أن يبعث الله تعالى من قبله في وقت يكثر فيه الاستغواء بالسحر هن ينبه على وجه احتياله، فتزول عن الناس الشبهة، ثم إن استعان شرير به على تعاطي شر، فهو كالاستعانة بتعلم الفقه وتعاطي العبادات لاستغواء الناس، فما من شي من المعادن أو من المعارف والعلوم نسخ في هذه الدار مصلح لخير إلا ويمكن استعماله في شر، ومن لم يتمسك فيما يتحراه بالطاعة وقع في المعصية أو الكفر، وأما هاروت وماروت فالظاهر أنهما. كانا الملكين، وقيل: كانا رجلين سُميَا ملكين اعتباراً بصلاحهما ولهذا قرأ بعض القراء ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ اعتباراً بملكهما، وقال بعض المفسرين إن الملكين ليسا بهاروت وماروت، وإنما هما شيطانان من الجن والإنس وجعلهما نصباً في اللفظ بدلاً من الشياطين بدل البعض من الكل كقولك: القوم قالوا كذا زيد وعمرو، قال: ويكون قولهما: (وإنما نحن فتنة) كقول الخليع لغيره: لا تعيرني فإني خليع فاسق، ويكون قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ نفقاً اعتراضاً بين البدل والمبدل منه، وروى بعض من جعلهما ملكين أنهما كانا صيُراً على صورة الآدميين وركب منهما الشهوة، وأنهما تعرضا لامرأة يقال لها زهرة فحملتهما على شرب الخمر وارتكاب المحظور ثم صعدت إلى السماء، فقد استسخف جماعة الجدليين قائل هذا الحديث وعدوه خرافة ينره العاقل سمعه عن سماعه، وذكر بعض الناس أن ذلك رمز منقول عن
стр. 280
كلام القدماء، وكان عادتهم أن يرمزوا بكثير من العلوم قال: وهذا من رموزهم، وهو أنه كان عادتهم إذا أرادوا تبيين اختصاص كل نجم بفعل يختص به جعلوه بصورة متعاطي الفعل الخاص به ويقول: إنه فعل كذا وقال كذا، ولما كان من شأن الزهرة على ما يدعون حمل الإنسان على تعاطي الغزل واللهو واللعب والشرب كنوا عنه بذلك، وعلى ذلك قالوا: الأفعال الزهرية كناية عن الغزل واللعب، وعلى ذلك فعلوا في سائر النجوم حتى جعلوا لها صوراً مصورة في الكتب على هيأت المتعاطين الصناعات المختصة بطبعها والله أعلم بذلك، وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ قيل: عني به الرجل وامرأته، وقيل: عني به الإنسان وقرناءه وأصدقاءه امرأة كانت أو غيرها، نحو قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، وقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ معطوف على ضمن ما تقدم، كأنه قال: يعلمون فيتعلمون، وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الإذن قد يقال في الإعلام بالرخصة، وقد يقال للعلم، ومنه أذنته بكذا، ويقال في الأمر الجسيم، وينبغي أن يعلم أن الإذن في الشيء من الله تعالى ضربان، أحدهما: الإذن لقاصد الفعل في مباشرته نحو قولك: أذن الله لك أن تصل الرحم، والثاني: الإذن في تسخير الشيء على وجه تسخير السم في قتله من يتناوله والترياق في تخليصه من أذيته، فإذن الله تعالى في وقوع التسخير وتأثيره من القبيل الثاني، وذلك هو المشار إليه بالقضاء، وعلى هذا يقال: الأشياء كلها بإذن الله وقضائه، ولا يقال: الأشياء كلها بأمره ورضاه، والضر ما يعوق الإنسان عن فعل الخير سواء كان ذلك مما يعرض في بدنه، أو كان شيئا خارجاً منه، والنفع ما يسهل سبيل الإنسان إلى الخير، ومن قال: النفع هو اللذة، فإنما اللذة بعض النفع، فقد يكون الشر نافعة، ولا يكون لذيذاً،
إن قيل: كيف قال: ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ وما يضر يعلم أنه لا
ينفع؟ قيل: إن ذلك من وجه ووجه، فقد يكون الشيء نافعة من وجه وضاراً من وجه، وتعلم السحر كان
стр. 281
نفعاً لو احترزوا بمعرفته عمن يغوى، فلم ينتفعوا به من هذا الوجه واستضروا به لاستعمالهم إياه في غير الحق ولقد علموا أن من استبدل ما جاءت به الشياطين من السحر بالحق أن لاحظ له في الآخرة.
قوله :
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الآية (١٠٢) سورة البقرة.
ويصح أن يكون معطوفاً على المعلوم، وهو قوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ويصح أن يكون استئنافا حكماًَ به، وجواب قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ محذوف.
إن قيل: كيف أثبت لهم العلم في أول الكلام ونفى عنهم في أخره؟ فالجواب في ذلك من أوجه ..
الأول: أن العلم المثبت لهم هو العقل الغريزي، وما جعله لهم بصيغته، والمنفي عنهم هو المكتسب الذي هو من جملة التكليف، والثاني: أن المثبت لهم هو العلم بالجملة، والمنفي عنهم هو العلم بالتفصيل، فقد يعلم الإنسان مثلاً قبح الشيء ثم لا يعلم أن فعله قبيح، فكأنهم علموا أن شرى النفس بالسحر مذموم، لكن لم يتفكروا في أن ما يفعلونه هو من حملة ذلك القبيح، والثالث: أنهم علموا عقاب الله، لكن لم يعلموا حقيقة عقابه وشدته، والرابع: أن معنى قول ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعملون به، لأن من لا
يعمل بما يعلم فهو في حكم من لا يعلم.
стр. 282
قوله :
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الآية (١٠٣) - سورة البقرة.
الثؤوب: رجوع الشيء إلى حالة شبيهة بالحالة الأولى، يقال: ثاب الحوض إذا امتلاء بعد فراغه عقيب امتلائه، والثوب لتصوره بصورة القطن لاجتماع أجزائه بعد تفرقها بالغزل، والثيب من النساء لعودها إلى الأيمة، والتثويب في الصوت ترديده، والثواب والمثوبة في الخير تحصيل نفع يثوب إليه بإحسانه، ومعنى الآية: لو أمن الذين يتعلمون السحر واتقوا لأثيبوا وكان ذلك خيرا لهم، ولو علموا لظهر لهم ذلك، وجواب لو [الأولى] ما دل عليه لمثوبة وتقديره: لأثيبوا، تقول: لو أتاني زيد لإكرامي خير له، ولا تقول له أتاني زيد لعمرو منطلق، إذ لم يدل لفظ عمرو على فعل، وجواب لولا يكون إلا فعلاً، أو ما دل عليه، ومن النحويين من أجاز ذلك إذا دل الخبر على فعل ...
قوله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
الآية (١٠٤): سورة البقرة:
الراعي: حفظ الغير في أمر يعود بمصلحته، ومنه: رعي الغنم، ورعي الوالي الرعية، وعنه نقل: أرعيته سمعي، وتشبيهاً برعي الغنم قيل: رعيت النجوم إذا راقبتها، وكان يقال للنبي- ﵇[راعنا] أي استمع إلينا واحفظنا، فقالت اليهود: راعنا تعريضاً به من الرعونة، فلما عوتبوا قالوا: إنما نقول مثل ما يقول المسلمون، فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: قولوا بدل ذلك انظرنا، وذلك معناه معنى راعنا، وقد نبه على ذلك بقوله- عز وعلا-: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: يجوز أن يكون من جملة ما أمروا لن يقولوا مع قولهم " انظرنا " ويجوز أن يكون ذلك استئناف أمر من الله تعالى بامتثال ما أمرهم به، وقيل: إنما نهوا عن قولهم: " راعنا " لكونه
стр. 283
مفاعلة متضمنة لمعنى المساواة بين المخاطب والمخاطب، فأمروا بتوقيره، كما قال ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، وكقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، وذلك عن ابن عباس- ﵁، وروي عن مجاهد أن معناه: لا تقولوا خلافاً ويكون من الرعن، وأسترذل هذا الوجه، لأنه لو كان كما قال لكان في القراءة رعناً بالتنوين.
قوله :
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ الآية (١٠٥) - سورة البقرة.
الود: محبة الشر مع تمنيه، ولما كان لهما استعمل في كل واحد منهما، فقيل: وددت فلانا إذا أحببته، وددت الشيء إذا تمنيته، وأصل الاختصاص الخصاص وهو فرجة بين الشيئين، ومنه الخُص لبيب من قصب لما فيه من الفرج، وسمي انثلام الحال خصاصاً وخصاصة على التشبيه، كما سمي انثلاماً واختلالا وشعباً، وخصصت فلاناً وخصني أوليته خصاصي نحو خللته، وقولهم: وقفتهم على عجزي ونحري، وخُصان الرجل خلانه، ثم جعل الخاص مقابلاً للعام في التعارف، وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يظهرون مودة المسلمين، ويزعمون أنهم يودون لهم الخير، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، ونفي ما أدعوه وكان المسلمون يوالونهم ويركنون إليهم، فأكذبهم الله تعالي في ذلك [ونفى ما ادعوه] ونهاهم تعريضاً عن موادتهم، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾
إن قيل: فلم قال: " ولا المشركين " وذلك يقتضي أن المشركين ضربان، كافر، وغير كافر كما أن أهل الكتاب ضربان؟ قيل: إن " من " في قوله (ومن أهل الكتاب) للتبيين ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، فإذا كان كذلك، فالذين كفروا هم أهل الكتاب، فجاز أن يقال: (ولا المشركين) عطفاً على لفظ أهل الكتاب، وجاز أن يقال (ولا
стр. 284
المشركين) عطفاً على الذين، ولو قرئ به لجاز، كما جاز، وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ والكفار النصب والجر جميعها ومن في قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ لاستغراق الجنس، وبين بأخر الآية أنه وإن اختص برحمته بعض الناس، فليس ذلك لضيق فضله، بل فضله عظيم، ورحمته [تسع كل شيء وإنما يسع رحمته] ضربان، أحدهما يصل إليه كل من شاء الوصول إليه من العباد
بتمكين الله إياه وضرب يخص تعالى به بعض عباده لا يعرفه في ذلك ..
قوله :
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الآية (١٠٦) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في مناهية النسخ والفرق بينه وبين التخصيص في صدر الكتاب، والنسخ في اللغة إزالة الصورة عن الشر وإثباتها في غيره كنسخ الظل للشمس، ثم يقال في إزالة الصورة من غير إثباتها في غيره نحو قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾، ويقال أيضاً في إثبات مثل تلك الصورة في الغير من غير إزالتها سكن الأول كنسخ الكتاب وأصحاب التناسخ زعموا.
أن النفوس تنتقل من هيكل إلى هيكل، فإن كانت محسنة انتقلت إلى هيكل متنعمة فيه، وإن كانت مسيئة فإلى هيكل معذبة فيه، وليس الإنسان الأمر بالترك المؤدي إلى النسيان، وليس كل متروك يقال له منسئ، وقرئ ننسأها من النسئ، وهو تأخير الشيء عن وقته أو عن هيئته، فمما هو بالوقت قولهم:
نسأت في ظمي الإبل، ونسأ الله في أجلك، و " نسأت المرأة " تأخر وقت حيضها، وأنسأت فلاناً البيع، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ومما هو بالهيئة نسأت الإبل عن الحوض،
стр. 285
ونسأتها في السير، ومنها المنسأة للعصا التي يطرد بها، وحمل المفسرون النسخ والإنساء على وجهين: أحدهما أن النسخ هو إزالة الحكم من غير اللفظ، أو الحكم مع اللفظ، والإنسان مقابله، وهو أن لا ينسخ بل يُقر، والثاني: أن النسخ إزالة الحكم فقط ثبات اللفظ أو لم يثبت، ولهذا قال الفقهاء:
إن النسخ لا يكون إلا في معنى الأمر والنهي معني الخبر والإنشاء يكون في الإخبار وفي الأمر والنهي، لكن في الخبر معناه لا يزول وإن زال اللفظ، وقد يستعمل أحد اللفظين مكان الأخر، فمن هذا ما روت عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنه نزل في قصة أهل بئر معونة قرآن منه: (بلغوا قومنا) أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا)، ثم نسخت، ففيه دلالتان:
إحداهما أن قوله: (لقينا ربنا) إخبار، وقت سمته نسخاً، والثانية: أنها استعملت النسخ في رفع التلاوة دون المعنى، وعلى ذلك ما روي أنه كان فيما أنزل الله: (لو أن لابن أدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملا جوف ابن أدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)، ثم نسخ وذلك خبر، وقيل: الكلام في تأويل الآية أن يذكر ما يكشف خطأ اليهود وشرذمة من المسلمين أنكروا النسخ زاعمين أن ذلك هو المبدأ، ولا يفعلن إلا من يجهل العواقب ويتجدد له رأي بعد رأي، فيقال وبالله التوفيق ...
" إن لله تعالى خلفاء في الأرض مستخلفين فيها ومستعمرين فيها لنتوصل بذلك إلى مجاورته والقرب منه بحياة لا موت بعدها، وغنى لا حاجة معه، وقدرة لا يعتورها عجز، ولا سبيل إلى ذلك إلا باكتساب الصحة في النفس، وصحتها أمران: العلم والعمل، أما العلم: فمعرفة الصدق من الكذب، والجميل من القبيح، والخير من الشر، وأما العمل: فتحري الصدق في المقال والجميل في الفعال وتجنب ضديهما، وكما لا سبيل إلى استفادة صحة البدن إلا بطبيبين، أحدهما من داخل وهي القوة
следующие страницы →