وإن كان عاصيا، وقيل: الكفر كفران: كفر تام، وهو إنكار
الوحدانية، أو ما يجري مجراه، وكفر ناقص، وهو الإِخلال
ببعض العبادات، التي هي أركان الدين: كالصلاة والزكاة والحج.
ولهذا قال ﷺ : "من ترك الصلاة فقد كفر"،
стр. 947
وقال ﷺ : "من مات وعليه حج الإِسلام فلا عليه أن يموت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا".
وإنما قال: (غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) تنبيهاً أن قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) ليس لحاجة به، وإنما ذلك
стр. 948
لحاجتهم ونفعهم، إذ هو تعالى الغني المطلق، وغيره وإن استغنى عن شيء
ما فغير غني عنه تعالى في شيء من الأحوال، وهو القائم على كل شيء.
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)
الذي اقتضى مخاطبتهم بهذا إنكارهم نبوة محمد، ووجوب الحج، والآيات المقتضية لذلك من الكتب المتقدمة ومن القرآن، وبين بقوله: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) أنكم تسترون ما لا يستتر، إذ هو لا يخفى عليه خافية.
إن قيل: لم قال في موضع: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) وهاهنا قال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ)؟
قيل: الأول استدعاء إلى الحق فجعل خطابهم منه استلانة للقول، ليكونوا أقرب إلى انقيادهم، وهاهنا لمّا قصد إلى الغض منهم ذكر (قُلْ) تنبيهاً
أنهم غير مستأهلين أن يخاطبهم بنفسه تعالى، وإن كان كلا
стр. 949
الخطابين موصلًا على لسان النبي ﷺ .
إن قيل: لِمَ صار أهل الكتاب يطلق في القرآن تارة على سبيل الذم، وتارة على سبيل المدح، ولا نجري قولنا: أهل القرآن وأهل السنة هذا المجرى؟ قيل: الكتاب لما كان قد يراد به ما افتعلوه دون ما أنزل الله نحو: (لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ)، وقد يُراد به ما أنزل الله تعالى، فيكون على سبيل الذّم لأهل الكتاب، وقد يُراد به ما أنزله الله، ويكون على سبيل التهكم، نحو قوله:
(ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) فعلى هذا لو قيل: أهل القرآن
وأهل السنة على سبيل الذم والتهكم لجاز، وقوله: (لِمَ) وإن كان أصله
استفهاماً فالقصد به هاهنا الإِنكار والتنبيه؛ أن لا جواب لهم ولا عذر.
стр. 950
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) .
يقال: بغيته كذا أي طلبته له، وأبغيته أعنته على بُغَائه، نحو لمسته كذا
وألمسته، وحملته كذا وأحملته، والعِوج ما يدرك بالفكر من الاعوجاج.
والعَوج ما يدرك بالطَّرف، وقوله: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا).
يعني الظلم وما يجري مجراه مما يكون في الدنيا،
стр. 951
ومعناه لا تصُدّوا المؤمنين طالبين لطريقهم الإِعوجاج.
وقوله: (وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ) الشهادة تارة بالعقل نحو (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)
أي عارف بعقله، وتارة بالعقد، نحو قوله: (فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) وتارة بإقامة ذلك، وقد فُسّر الآية
стр. 952
بثلاثتها؛ فقد قيل: وأنتم عقلاء تعرفون ذلك بعقولكم.
قيل: وأنتم قد أخذ عليكم العهد بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ)
قيل: وأنتم شهدتم نبوته قبل بعثته، وكل ذلك مراد فلا تنافي بينها.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)
قال السديّ: نزلت في قوم من اليهود، سعوا بين أوس وخزرج بالفساد، وذكّروهم من الأحقاد والأوتار)، فأنزل الله تعالى ذلك، وتلاه عليهم النبي ﷺ فأحجموا عما هَمّوا
стр. 953
به، والطاعة: بذل الانقياد والإِجابة نحوها، غير أن الإِجابة قد
تكون بالقول مرة وبالفعل مرة، ومتى كانت بالفعل فهي موافقة الداعي
دون الانقياد، ولهذا يقال: أجاب الله عبده، ولا يقال أطاعه، وإنما
خص فريقاً منهم لئلا يدخل فيه من قال فيهم:. (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ)، وعنى بالإِيمان هاهنا الخوض فيه
دون استكماله المعني بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)، فإن من بلغ هذه المنزلة فمحال أن يُردّ على عقبه، ولهذا
قيل: ما رجع من رجع إلا من الطريق.
стр. 954
قوله تعالى: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)
العصم والعصب يتقاربان، لكن العصم أبلغ، فإن معه الشدّ إمساكا، والأعصم: الوعل المعتصم بالجبل، والعِصَام على بناء الزمام والسِّخَاب، وجمعه عُصُم، واعتصمت به واعتصمته نحو تعلقت به وتعلقته،
стр. 955
والعصمة من الله على ثلاثة أضرب: عامة لكل مكلف، وهي ما
يفيض له من العقل، وهدايته بالأمر والنهي والوعد والوعيد.
والثانية: لمن اهتدى بالأولى، وهي التي يرغب كل مؤمن أن
يجعل الله له منها حظًّا. وإياها قصد بقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).
والثالثة: للأنبياء وكيفيتها مختلف فيها.
والاعتصام، والتفويض، والتوكل، والإِسلام - أي الاستسلام -
مترتب بعضها على بعض، فالاعتصام قبل التفويض.
والتفويض قبل التوكل، لأن معنى فوضت أمري إلى فلان، أي
جعلت له الفوض فيه، ومعنى توكلت عليه: اعتزلت، وجعلته
المعتمد، وأما الإِسلام فغايته ما كان من إبراهيم ﵇.
حيث قال: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، ولكون الاعتصام
أول منزلة من هذه المنازل.
قال بعض الصوفية: الاعتصام
стр. 956
للمحجوبين (١)، فأما أهل الحقائق فهم في القبضة (٢)، واستبعد
стр. 957
الله تحولهم مع ظهوو الآيات التي هي المعجزات العقلية، وكون الرسول
الشاهد فيما بينهم الذي يظهر من العجزات المحسوسة.
وقيل: معنى قوله: (وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) أي دلائله لا ذاته، فعلى هذا خطاب لمن في زمانه، ولمن بعده.
وقوله: (فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي الطريق المسئول
أن يهدينا إليه في قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
والمدعو إليه بقوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ).
والمأمور به في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)
стр. 958
التقوى: أن تجعل بينك وبين المعاصي ما يصير واقياً
لك عن تعاطيها، فتصير واقيا لك في الآخرة عن العذاب.
وقال بعض الناس: التقوى من ثلاثة أوجه: تقوى من غرور
الدنيا، والتقوى من النفس، والتقوى من الله.
وكل واحد منها على ثلاث منازل:
أما التقوى من الدنيا فأن تتقي محرماتها، ثم شبهاتها.
ثم الزهد في مباحاتها.
وأما التقوى من النفس فأن تتقي أولاً عقوبته.
ثم استدراجه نحو: أن يملي للعبد ويوسع عليه فيغتر به.
ثم حجابَه، نحو: أن يسأله العبد
стр. 959
فتتباطأ إجابته فيعيرّ ذلك قلبه، فمن استكمل هذه المنازل فقد اتقى الله حق.
تقاته، وحرر ذلك بعض الصوفية على وجه آخر.
وقال: التقوى على ثلاث منازل: تقوى العقوبة بالصبر عن المعاصي.
وإياه قصد بقوله: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).
وتقواه بشكر آلائه، وإياه قصد بقوله: (اتَّقُوا رَبَّكُمُ) خص لفظ الرب المنبئ عن تربيته إياه ونعمته عليه، وتقواه برؤية وحدانيته من غير تلفّت ثواب أو عقاب، وإياه قصد بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) قال: ولهذا حيث ما ذكر (اتَّقُوا اللَّهَ) خص المؤمنين بالمخاطبة، وحيثما ذكر (اتَّقُوا رَبَّكُمُ) خص الناس الذي هو أعم اللفظتين.
وتقسيم التقوى على ئلاث منازل هو على حسب الظالم
стр. 960
والمقتصد والسابق، وقوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ) حثٌّ أن يبلغ
الإِنسان في ذلك مبلغ السابقين، قال عبد الله والحسن وقتادة: هو
أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.
стр. 961
وقال قتادة والربيع: الآية منسوخة بقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)
وقال غيرهما: بل معناهما واحد، فإن حق التقوى
هو التقوى على حسب الاستطاعة، واستدل بما روى
стр. 962
معاذ قال: أردفني رسول الله ﷺ ، وقال: "هل تدري حق الله على العباد؟
" قلت: الله أعلم ورسوله، فقال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً".
ثم قرأ: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)،
стр. 963
ومن قال: هذا منسوخ تصور من قوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ) غاية الجهد من
العبد، وإن (مَا اسْتَطَعْتُمْ) هو قدر العفو، فصار مقتضى ما استطعتم
أخف من مقتضى حق تقاته، واستقبح أبو علي الجبّائي قول من
قال: الآية منسوخة، وقال: هذا جهل، لأنه لا يجوز أن يبيح الله
للناس أن يفعلوا بعض المعاصي وهذا تصور له وقع من قلة التثبت.
فقد عُلِمَ أن فعل ما حظر الله في الشرع معصية ما دام الحظر قائماً.
كتحريم الأكل والجماع بعد النوم في الصوم، ثم لما زال الحظر زال
كونه معصية. فكذا تقوى الله بغاية ما بلغه الجهد لا يُمنَع أن
стр. 964
تُوجَبَ في وقت، فيكون تركها معصية، ثم يقتصر من الناس علي
مقدار الوسع، فلا يكون ترك الجهد معصية.
وقوله: (وَلَا تَمُوتُنَّ) حث على الاستسلام قبل الموت.
وإن كان لفظه نهياً عن الموت كقولهم: لا أرينك هاهنا.
إن قيل: هل بين قولك: لا تموتن إلا مسلما، وقولك: إلا وأنت مسلم فرق؟
قيل: قولك مسلماً يقتضي ظاهره أن يكون الإِسلام مقترنا به الموت، لا متقدمًا
стр. 965
عليه ولا متأخراً عنه، وقولك: وأنت مسلم الأظهر منه أن
يكون ذلك حاصلًا من قبل، ومستصحباً في تلك الحال.
قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) .
حبل الله: هو الذريعة المتوصل بها إليه من القرآن والنبي
والعقل والعلم، والاعتصام ضربان: اعتصام بالله بلا واسطة
بشرية، وذلك للأنبياء، واعتصام بواسطة بشرية، وهو بمنزلة
غيرهم من الناس، ثم منهم من يتوصل إليه بواسطة واحدة من
стр. 966
الوسائط، كالصحابة والأولياء والحكماء، الذين لم يأخذوا
الدين بالتقليد، ومنهم من يحتاج مع ذلك إلى من يعتمده في
كثير من دينه، وإلى هذا أشار النبي ﷺ بقوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ".
إن قيل: لِمَ قال أولاً: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ)، ثم قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)
وجعل بين الكلمتين و (اتَّقُوا اللَّهَ)؟
قيل: لما كان القصد في
стр. 967
عبادة الله إلى الاعتصام به ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقوى عقبه
بقوله: و (اتَّقُوا اللَّهَ)، ولما كان حقيقة التقوى فعل الطاعات.
ولا سبيل للإِنسان إلى معرفة ذلك إلا بحبل الله: أي كتابه ورسله
أمر أن يعتصموا بحبله ليتوصلوا إلى تقواه، ومن تقواه إلى
الاعتصام به، ومن توصل إلى الاعتصام، ثم إلى التوكل، ثم إلى
الإِسلام استغنى حينئذ عن الوسائط، الذين هم حبل الله، ويصير
стр. 968
ممن قال ﷺ فيه حكاية عن الله: "فإذا أحببته كنت سمعه "، الخبر.
стр. 969
وقوله: (وَلَا تَفَرَّقُوا) حث على الألفة والاجتماع، الذي هو
نظام الايمان واستقامة أمور العالم، وقد فضل المحبة والألفة على
الإِنصاف والعدالة، لأنه يحُتاج إلى الإِنصاف حيث تفقد المحبة.
ولصدق محبة الأب للابن صار مؤتمنا على ماله، والألفة أحد ما شرف الله
به الشريعة سيما شريعة الإِسلام، ولهذا قال: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ).
وقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، وقال ﷺ : "لا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً"،
стр. 970
وقال: "من شذَّ شذَّ في النار".
ولطلب الألفة شُرع الاجتماعات في المساجد والجمع والجماعات والأعياد.
وقوله: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) أي على ما يؤدِّيكم إلى
النار، وهو خطاب عام للمسلمين كافة، وإن كان قد جعله
بعضهم خاصًّا للأوس والخزرج على ما تقدم ذكره، وبعضهم
стр. 971
جعله للعرب، وأنهم كانوا في شدة وعُري وجوع وتقاتُل
بينهم، فأزال الله تعالى عنهم ذلك بالإِسلام، وقد تقدم الكلام
في قوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)
المعروف: ما يستحسنه العقل ويرد به الشرع.
والمنكر: ما يستقبحه العقل
стр. 972
ويحظره الشرع، وعلى ذلك يقال للسخاء المعروف في نحو
قول الشاعر:
ولم أرَ كالمعروف أمّا مذاقه. . . فحلو وأمّا وجهه فجميل
ويقال لهما: الحق والباطل، والحسنى والسوءى، والصلاح
والفساد، والجميل والقبيح، وإنما اختلفت العبارات في ذلك
بحسب اختلاف العبارات.
واختُلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل ذلك واجب على كل إنسان أو على بعضهم دون بعض، فمنهم من جعله واجباً على العموم، وقال: إن مِنْ في
стр. 973
قوله (مِنْكُمْ) للتبيين، كما في قوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)
وقال: لأن حق الناس كلهم أن يكونوا خلفاء الله
في أرضه، وسُوَّاساً لبعض خلائقه، لكن السياسات ثلاث:
سياسة الإِنسان نفسَه، وسياسته أهلَه وما يخصه، وسياسته بلده
وصُقْعه، فسياسة البلد والصُّقع من وجهٍ إلى الأئمة، وهو أخذهم
الناس بالقهر، ومن وجه إلى الحكماء والعلماء. - فقهائهم ووعظتهم -
وهو أخذهم بالوعظ، وكل ذلك فرض على الكفاية.
وأما سياسةُ الإِنسان نفسه فواجب على كل مكلف على التضييق.
وكذا سياسة الأهل واجبة على من يملكه، ومنهم من جعل ذلك فرضاً على
стр. 974
الكفاية، واستدل عليه من الآية بقوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ)، وذلك يقتضي التبعيض، واعتبر ذلك في سياسة
стр. 975
الإِنسان لغيره دون سياسته نفسه، وأجرى ذلك مجرى الجهاد
وطلب العلم، وهذا أقرب على اعتبار الفقهاء، والأول أعم على
اعتبار الحكماء، والذي تستحق به العقوبة هو ترك ما يلزم من
حق غيرهم، وإياه قصد بقوله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) إلى قوله (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ)، وخصّ تركهم النهي عن المنكر دون الأمر بالمعروف، فإنه أعظم الأمرين إثماً، وأوكدهما وجوباً، ففعل المعروف ليس بواجب على كل أحد، وترك المنكر واجب على كل حال.
ثم إنكار المنكر ثلاثة أضرب:
إنكار باليد، وإنكار باللسان، وإنكار بالقلب.
على حسب ما رُوِي عن النبي ﷺ :
"من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان "،
стр. 976
فقيل: إن الأول للسلاطين، والثاني للعلماء، والثالث للعوام.
فإن قيل: كيف حثَّ هاهنا على الأمر بالمعروف،
стр. 977
وقال في غيره: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)؟
قيل في قوله: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) قولان: أحدهما:
إن ذلك حثٌّ على أن يغيّر الإِنسان على نفسه قبل أن ينكره على
غيره، وهو خطاب للعامة.
والثاني: ما قال أبو ثعلبة الخشني، وقد سئل عن هذه الآية فقال:
سألت عنها خبيراً، لقد سألت رسول الله ﷺ فقال: " ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر،
стр. 978
فإذا رأيت شحًّا مطاعاً، وهوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي
برأيه، فعليك نفسك، ودع عنك العوام ".
وجعل تعالى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم المفلحون، لأن
من تولى إصلاح نفسه، ثم صلاح غيره بغاية وسعه، فقد زكى
نفسه، وزكى غيره، وقد قال تعالى فيمن يهذب نفسه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)، وقد تقدم أن الفلاح الحقيقي هو البقاء الأبدي والنعيم السرمدي.
стр. 979
قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)
التفرّق على ثلاثة أضرب:
تفرّق بالأبدان، وتفرّق بالأقو ال والأفعال، وتفرّق بالاعتقادات.
وكذلك الاختلاف؛ إلا أن الأظهر في الاختلاف أن
يكون بالأقوال والأفعال والاعتقادات، وفي التفرق أن يكون
بالأبدان، وذكر تعالى اللفظين، ليبين أن أهل الكتاب تجادلوا
بكل ذلك، وعلى هذا قال ابن عباس والربيع: تفرّقوا واختلفوا
في أحكام مبتدعة وأهواء متبعة بعد أن كانوا إخواناً، وإن من
كان قبلهم هلكوا بالمراء والخصومات، ثم ذكر ما لهم من عظيم
стр. 980
العذاب في الآخرة بالنار الدائمة، وفي الدنيا بمحنها ونُوبها.
ونبه بقوله: (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أن سبب استحقاقهم
العذاب افتراقهم واختلافهم، تنبيهاً أنكم إن فعلتم فعلهمْ
استحققتم العذاب استحقاقهم.
إن قيل: كيف قال النبي ﷺ :
"الاختلاف في أمتي رحمة" مع ما ذكر من ذم الاختلاف؟
стр. 981
قيل: الاختلاف ضربان: اختلاف في الأصول الجارية من الطرق
مجرى طريق الشرق من طريق الغرب، وذلك هو المذموم، فإن
ما عدا الجهة المأمور بسلوكها مؤد إلى الباطل. وإلى هذا يوجه
قوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ).
والثاني: اختلاف في الفروع الجارية من الطرق مجرى بنيات طريق إلى مقصد واحد يسلكها، كل على حسب اجتهاده، ومقصد جميعهم واحد، فإن إباحة الله سلوك كل واحد من تلك الطرق فسحة لهم ورحمة، وإياه قصد بقوله:
стр. 982
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)
ابيضاض الوجه عبارة عن المسرة، واسودادها عن الغم.
وعلى ذلك (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا)، ثم قال: (مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ).
стр. 983
وعلى ذلك قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ).
وهذا الابيضاض والاسوداد أبلغ من المحسوسين.
وقال بعض المتكلمين: يحمل ذلك على المحسوس.
لكونه حقيقة فيه، وهذا خطأ، وذلك لأنه لم يعلم
أن ذلك حقيقة فيهما جميعاً، فليس الاسوداد والابيضاض
أكثر من كيفية عارضة في الوجه، قلّ ذلك أم كثر،
стр. 984
ومعلوم أن من ناله غمّ شديد يعرض لوجهه - لتبرّمه وتكدره -
اسوداد في وجهه، وليس قلّة السواد والبياض مما يخرج اللفظ
عن الحقيقة، ثم حمل الآية على هذا أولى، لأن ذلك حاصل لأهل
القيامة باتفاق، سواء كانوا في الدنيا سودانا أو بيضانا، وعلى
ذلك (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ).
وأما كفرهم بعد إيمانهم فقد قال الحسن: بعد إظهارهم الإِيمان بالنفاق)، وقال قتادة: كفروا بالارتداد بعد
стр. 985
الإسلام، وقيل: بعد الإِقرار الذي اقتضاه قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
وقيل: كفروا بالنبي ﷺ بعد أن أقرّوا به قبل
بعثته، وعموم اللفظ يقتضي كل ذلك، ولا تنافي بينها.
وقوله: (أَكَفَرْتُمْ) تقديره: فيقال لهم: أكفرتم؟، وحذف القول
من نحو ذلك كثير نحو: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ).
وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا)