← История

История · id 9233

العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية

علي بن الحسن الخزرجي

Полный текст (588 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ويحفظوا طريق تهامة وذي هزيم ففعلوا وخرجت على خيولهم فقتل منهم خمسة نفر في الميدان وواحد عند حمام الحاي ولزم منهم جماعة فأطلعوا الحصن إلى السلطان فجلد منهم نفرين الأساوي وآخر وشنق خمسة. فلما كان يوم السابع من الشهر المذكور شنق منهم أيضاً اثنين. وفي يوم الاثنين الرابع عشر شنق منهم اثنين فجميع من قتل وشنق منهم وجلد كلهم ستة عشر رجلاً. ولما خرجت المماليك من تعز ساروا إلى قرية الخوخية فأقاموا فيها أياماً ثم توجهوا نحو زبيدة وكان واليها يومئذ محمد بن طرنطاي وهو أحد أعيانهم فأدخلوا زبيدة بمساعدة بعض أهلها ذلك في غرة شهر رجب من السنة المذكورة فملوكها للظاهر واستولوا عليها. وكان الأمير نجم الدين أحمد بن ازدمر يومئذ في قرية السلامة فطلع إلى السلطان وتقلد له بأن يستعيد له زبيد فحمل له السلطان أربعة أحمال طبلخانة وجهز معه نحواً من خمسمائة فارس وستمائة راجل ونزل معهم الزعيم والمشد ابن العماد فنزلوا بأجمهم وحطوا في بستان المنصورة فيما بين القرتب وزبيد. فخرجت المماليك من زبيد وقصدوهم إلى المنصورة على حين غفلة وقد افترق جمعهم فأنهزم العسكر. ومن جملة من انهزم الزعيم وكان أحمد بن ازدمر غائباً لم يباشر الوقعة وثبت ابن العماد في جماعة من العسكر قتل معظمهم وسلم الباقون واقبل الأمير نجم الدين أحمد بن ازدمر وكان غائباً عن الوقعة فأُخذ أسيراً فدخلوا به زبيد وكانت الواقعة يوم الاثنين الثامن رجب وأقام الأمير نجم الدين أسيراً في زبيد إلى أن توفي آخر شعبان من السنة المذكورة. وفي شهر شعبان المذكور من السنة المذكورة خالف عمر بن الدويدار في لحج وأَبين وسار إلى عدن فحاصرها نحواً من عشرين يوماً حتى أخذها بمساعدة بعض المرتبين من يافع وخطب فيها للظاهر. وكان دخوله عدن لأيام بقين من السنة المذكورة. وكان أمير عدن يومئذ الأمير بدر الدين حسن بن علي الحلبي فقبض عليه ابن الدويدار وبعث به إلى الظاهر وعث به الظاهر إلى السمدان فحبس هنالك. ونزل جعفر بن الأنف من الدملؤة إلى ابن الدويدار فأقام معه في عدن إلى العشرين

стр. 352

من شوال ثم طلع إلى الدملؤة بخزانة جيدة وبر كثير. وفي شهر ذي القعدة جهز الظاهر إلى الجند عسكراً مقدمه الأمير بدر الدين محمد بن عمر بن علاء الدين الشهابي ومعه جماعة من البحرية كالقصري وطعشر وغيرهما. وكان وصولهم الجند يوم السابع من ذي القعدة فحاربهم أهل الجند حرباً شديداً فعادوا خائبين إلى قرية العربة فأقاموا بها. وكان في الجند وال كثير الغدر والمكر يقال له ابن حسين كان يأُخذ جامكية من المجاهد وجامكية من الظاهر ولعب بهما معاً. وكان من أسواءَ الولاة حالاً وتصرفاً وأكثرهم خيانة لله وللمسلمين. فلما ارتفعت المحطة عن الجند كما ذكرنا فرق الوالي المذكور ابن حسين على أهل الجند ونواديها إذناً عظيماً فأضرَّ بالناس فعزله السلطان بابن الحجازي وولاه حصن تعز فتشاءم الناس به. وكان معه شفاليت يتغلبون على بيوت الناس وينهبون فكانوا سبب كل قبيح. وفي هذه السنة توفي السلطان الملك المنصور أيوب بن مولانا السلطان الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول وكانت وفاته يوم الأربعاء ثاني شهر صفر من السنة المذكورة في دار الأمارة في حصن تعز معتقلاً ودفن في مدرسة والده في مدينة تعز المعروفة بالمظفرية رحمه الله تعالى. وفيها توفي مولانا الملك المسعود تاج الخلافة الحسن بن مولانا السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول وكانت وفاته في مدينة حيس يوم الثالث والعشرين من شهر المحرم أول شهور سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وهي السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل يوسف بن أبي بكر بن عبد الله بن محمد بن يحيى وكان فقيهاً فاضلاً معروفاً بأمانة والصبر وكان غالب ودائع أهل تلك الناحية إنما تكون عنده عارفاً في فن الفرائض مجوداً ولد سنة سبع وثمانين وستمائة وتوفي في هذه السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي الجدائي نسبة إلى صقع

стр. 353

من الحبشة يقال له جداية بكسر الجيم ودال مهملة وألف بعدها ياءُ مثناة من تحت مفتوحة وآخرها هاءُ. وكان يعرف بالزيلعي اخذ عن ابن زاك بحراز ثم عن الغيثي بوصاب وأخذ عن المقري عدا المذكور أولاً. وكان مجوداً في علم القراءات والنحو وعنه اخذ جماعة. وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفضل أبو الحسن علي بن محمد الأصبحي تفقه بالإمام علي بن أحمد الأصبحي تفقهاً جيداً ثم سار إلى زبيد فتفقه ببعض فقهائها. وكان على ذاك يسكن في مدينة زبيد إلى أن توفي بها في السنة المذكورة وقيل بعدها والله اعلم. وفيها توفي الفقيه البارع أبو عبد الله محمد بن علي بن جبير. وكان ميلاده في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وستين وستمائة. وكان فقيهاً مجتهداً في بدايته بخاله الفقيه محمد بن أبي بكر الأصبحي ثم بالأمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي ثم بصالح بن عمر البريهي ثم بفقهاء تعز كأبن الصفي وابن النحوي وغيرهما. ثم ارتحل إلى عدن فأدرك بها ابا العباس أحمد ابن علي الحرازي وابا العباس القزويني فأخذ عنهما وأخذ عن التاجر المعروف بالشهاب صقر الكريني ثم عاد إلى بلده. وكانت وفاته في المحرم من السنة المذكورة. وقيل في الحجة من السنة التي قبلها رحمه الله تعالى والله اعلم. وفي هذه السنة توفي الفقيه البارع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن عبد الحميد الحيلوتي نسبة إلى كورة حيلو وهو جبل ببلاد فارس. وكان ميلاده سنة ثمان وأربعين وستمائة في بلد فارسي. وكان فقيهاً عارفاً يعرف كتاب الحاوي معرفة تامة لم يقد اليمن من هو اعرف منه به وصنف على منواله كتاباً اكبر منه سماه بحر الفتاوى. وقدم إلى تعز من طريق الحجاز في سنة سبع عشرة وسبعمائة ولم يكن غرضه الوقوف في اليمن فأجتمع به القاضي يومئذ عمر بن أبي بكر العراف في ذي عدينة فأكرمه وانصفه ولازمه على الوقوف فوقف في المدرسة المؤيدية مدرساً في دار الضيف وصار يتردد للتدريس إلى المؤيدية ثم ضعف فاستناب أبا بكر بن جبريل. ثم حصل بينه وبين ابن الأديب وحشة فعزله عن أسبابه كلها ونسبه إلى صحبة أعدائه. وكان كلما

стр. 354

استخرج خطاً من السلطان بإعادته على أسبابه دافعه ابن الأديب بالكلام. ولما طال انقطاعه استخرج من السلطان الملك المجاهد خطاً بالعود على أسبابه فلم يساعده ابن الأديب فسار إلى عدن في شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة فتوفي في الطريق رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه أبو حفص عمر بن عبد الله بن سليمان الكندي نسباً والعتمي بلداً. وكان مولده سنة سبعين وستمائة تقريباً. وكان تفقه بأبي القسم والأصبحي محمد بن أبي بكر وبصالح بن عمر البريهي. وكان إمام مدرسة حسن بن فيرقذ إلى أن توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد بن إسماعيل بن مسيح. وكان ميلاده لأربع بقين من رمضان سنة اثنين وتسعمائة. كيوسف بن عبد الملك. وكان معروفاً بجودة الفقه ودرس مع بني بطال مدة ونظر في كتبهم وانتفع بها انتفاعاً جيداً. وكانت وفاته على الطريق المرضي في مستهل القعدة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أحمد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن الفقيه عمر بن الهيثم المشهور. وكان ذا فضل ودين ومعرفة بالفقه. وامتحن بالعمى في آخر عمره. وقتله أهل الفساد في شهر شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين بن أبى السعود الهمداني. وكان ميلاده ليلة الأحد الثالث عشر من شهر جمادى الآخرة من سنة ثمان وستمائة تفقه بالفقيه صالح بن عمر ورزق بصيرة في العلم وزهداً في الدنيا وتوفيقاً في الدين واليه أشار أهل بلده بل آهل عصره في الدين والصلاح ويذكرون له كرمات لا تحصى تدل على خيره وفضله وغالب اشتغاله بالفقه مع كمال العبادة. وكان يزوره العلماء والفقهاء وأرباب الدولة في زمانه ويتبركون به. وكان كثير الورع وإطعام الطعام آلي أن توفي على الطريقة المرضية يوم الخميس من شهر شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

стр. 355

وفيها توفي الطوشي الأجل أبو السعود شهاب الدين صلاح بن عبد الله المؤيدي. وكان خادماً حازماً يقضاً ذا رئاسة وكرم نفس. وكان زمام الملك المؤيد ثم جعله زماماً لام ولده الملك المجاهد فشهرت به فما تعرف إلا بجهة صلاح. وكانت وفاته يوم الثاني والعشرين من رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عمران موسى بن الحسين الحميري. وكان فقيهاً فاضلاً ذا عبادة عالية وورع كامل. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي القاضي شرف الدين أبو القاسم حسان بن الفقيه اسعد بن الفقيه محمد بن موسى العمراني وزير الملك الأشراف عمر بن يوسف بن علي بن رسول. وكان أحد أعيان زمانه فضلاً ورئاسة ونبلاً. ونكب هو وأهله في الدولة المويدية وجرى عليهم من المصادرة والهتك ما قد شهر وذكر. ولم يزل في خمول آلي أن توفي السلطان الملك المؤيد رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. فلما تولى السلطنة ولده السلطان الملك المجاهد عطف عليهم وأعادهم آلي مما كنهم وأجرى عليهم جريات سنية إلى أن توفي القاضي المذكور. وكانت وفاته يوم الحادي عشر من شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة أربع وعشرين اقتتل أجناد الحصن والشفاليت الذين هم مع ابن حسين الأمير في الحصن وكانوا اكثر من الأجناد أضعافاً مضاعفة فاستعاذت الأجناد بأهل المغربة واستعاذ أهل المعربة بأهل صبر أيضاً. فكان الشفاليت ومن في الحصن يداً واحدة وكان أهل المعربة وأهل صبر يداً واحدة وتطاولت الحرب بينهم فكتب بعض أهل تعز إلى المماليك الذين في زبيد يخبرهم بأن الحرب بين العسكر وأهل المدينة فخرجت المماليك من زبيد إلى تعز فوصلوا تعز يوم الثالث من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة فحطوا ما بين الأجناد والسائلة ولم يحصل منهم على أحد غيار. وفي هذا التاريخ نزل الملك المفضل وأخوه الملك الفائز أبناء الملك المظفر

стр. 356

حسن بن داود بن يوسف بن عمر وتوجهوا نحو تهامة فيمن معهما مغاضبين لعمهما السلطان الملك المجاهد لما انقطعا من الإقطاع والجا مكية فأقاموا في قرية السلام ثم انتقلوا إلى بيت الفقيه ابن عجيل فلما كان يوم الأحد الحادي والعشرين من ربيع الأول قدم عمر بن تاليال العلي الدويدار آلي تعز بعد أن نهب الجند نهباً شديداً فحط على الجبل في موضع المدرستين المجاهدين والأفضلية. وكان قد أرسل إلى عدن من يطلع المنجنيق فاطلعوا بعض أخشابه في البحر إلى موزع وبعضها في البر رقاب فلما وصلوا به ركبوه ورموا به عدة أحجار فلم يؤثر شيئا فأرسلوا إلى من يأتيهم بمنجنيق آخر فأرسل لهم الظاهر به صحبة الافتخار ياقوت. وفي هذا التاريخ ظهر لمولانا السلطان من ابن حسين ما كان يستره من المكر والنفاق فأخرجه من الحصن إخراجاً جميلاً. وكان الغياث بن نور مع السلطان في الحصن وكان بمكانة عنده فخادع السلطان وخرج من الحصن أيضاً وتقدم إلى الظاهر في الدملوة فحلف له أنه ناصح مجتهد فصدره الظاهر صحبة المنجنيق فكان له من الاجتهاد ما يدل على خبث أصله لأنه قابل السلطان بالقبيح البليغ الذي لا سبب له ولا سابقة توجبه. فكان يرمي إلى الحصن في كل يوم بأربعين رجلاً. قال علي بن حسن الخز رجي وحدثني حسين بن عبد الله بن منصور قال حدثني حسن بن موسى بن بعلان عن جارية يقال لها نخبة بنون مضمومة وخاء معجمه ساكنة وباء موحدة بعدها التاء تأنيث من جوالي موالينا جهة صلاح والدة السلطان الملك المجاهد. وكانت ممن في الحصن أيام الحصار قالت لقد اشتد علينا الحصار يومئذ وكان مولانا السلطان الملك المجاهد ﵀ ينتقل في يومه وليلته إلى عدة مواضيع. ولقد اذكر عشية من العشايا وقد قربنا لمولانا السلطان ظهوره فتوضأ وفرغ ونحن عنده في موضع من الحصن ووالدته بالقرب منه واقفه في موضع وإذا بجدار من جدار الحصن قد انشق فخرج منه غلام تام الخلقة وله دبوقة إلى آخر ظهره فأكب على مولانا السلطان فاعتنقه وحمله بسرعة من ذلك الموضع الذي كان قاعداً فيه

стр. 357

إلى موضع آخر ففزعنا جميعنا جميعاً وطارت عقولنا مما رأينا فلما وضعه في الموضع الذي وضعه فيه وقع حجر من حجارة المنجنيق في الموضع الذي كان فيه قاعداً لم يمل عنه يميناً ولا شمالاً فلما وقع الحجر في ذلك الموضع وأتلفه قال مولانا السلطان لذلك الرجل من أنت يا أخي الذي من الله بك علي. فقال أنا والله أخوك حقيقة وأبى والله وأبوك داود المؤيد وأمي الجارية فلانة ولكني أخذت من بطن أمي فربيت مع الجن حتى صرت كما ترى. ولما رأيت أن هذا الحجر قاتلك لا محالة حملتك عن ذلك الموضع محبة لك وشفقة عليك واعلم يا أخي أنى قد أنفقت أنا وصاحب الحصن بصيبص أن نقاتل معك في اليوم الفلاني فاجمع من معك لذلك اليوم فأنا سنبلغ ما نريد من نصرك واستودعك الله ومضى. فدخل في الموضوع الذي خرج منه ثم أقبلت والدته موالينا جهة صلاح رحمة الله عليها وهي طائرة العقل على ابنها فلما وصلت إليه جلست عنده تستخره عن ذلك الرجل وما كان منه فاخبرها بما قال ثم سألها عن الجارية فقالت صدق والله ولقد كانت حاملاً لأبيك حتى أشرفت على الولادة فأصبحت يوماً من الأيام وقد مسح ولدها من بطنها وكأنها لم تكن حاملاً ولم يظهر لحملها اثر بعد ذلك وعاشت بعد ذلك مدة وهلكت. ولما كان اليوم الذي وعده فيه بنصرته جمع السلطان أصحابه وخرجوا للقتال فأثروا فيهم أثراً ظاهراً على قلتهم وكثرة العدو. وما هو ألا بقتال قوم آخرين والله اعلم. ولما كان يوم العاشر من شوال هم المماليك برفع المحطة ونزول البهائم فتعب من ذلك ابن الدويدار فاجتمع بهم وفتح عليهم الرأي فقالوا نحن بلا جامكية فأعطاهم ألف دينار فاقتسموا الألف وأقاموا. وفي هذا التاريخ قصدت المعازبة القحمة وأخربوها وكانت إقطاع الشريف داود بن قاسم بن حمزة فلما بلغه الخبر بخرابها نزل ونزل معه جماعة من المماليك مغيرين فقتلوا من المعازبة طائفة وتراجعت القحمة وابتنى الناس بيوتهم فيها فأصلحوا مساكنهم. وفي هذا التاريخ اقبل الزعيم في العساكر من أصحاب صعدة والأكراد

стр. 358

أصحاب ذمار من بني السوغ وبني الأسد وبني علاء الدين واشرف المخلاف السليماني فعيدوا عيد الأضحى في المحالب. وكان ابن طرنطاي قد نزل إلى حيس واستناب السنبلي على المحطة. فلما علم المماليك بوصول الزعيم والعساكر التي معه اجتمعوا في الكد راء واقام الأشراف في المهجم أياماً قلائل ثم توجهوا نحو الكد راء فلقيتهم المماليك في الوادي المسمى جاحف. فكان يوم جاحف المشهور كانت الأشراف ومن نحوا من ألف وثلاثمائة فارس ونحوا من ألف راجل فاقتتلوا قتالاً شديداً وكان يوماً من الأيام المشهورة فقتل فيه من كل طائفة طائفة وانهزم المماليك هزيمة شنيعة بعد أن قاتلوا قتالاً شديداً وتضعضع صف الأشراف لولا ثبات علي بن موسى وقوله للأشراف إلى أين المهرب. وكانت الواقعة في النصف الأخير من ذي الحجة من السنة المذكورة. فقتل من الأعيان المماليك أيلبه والسراجي وأزبك الصارمي ولظينا المحمودي ويقال أنه كان أشجع من المماليك كلهم وأسر من أعيانهم الأقصري والصارم بن ميكائيل وابن الريا حي. وكان القصري من شجعانهم أيضاً فوقف به فرسه يومئذ وأسروهم الأشراف بقتله فمنع عنه الشريف علي بن موسى وقال مثل هذا لا يقتل ولو كان في أصحابه عشرون رجلاً مثله ما قمنا في وجوههم ساعة واحدة. وأما المحمودي فإنه قاتل قتالا شديداً فأصيب في يده اليمنى بضربة فبطلت عن الحركة فلما وقعت الهزيمة خرج على وجهه فوقع في بلد المعازبة وكان قد قتل في كل قبيلة من الغزب فلما عرفوه قتلوه. ولما رجع المماليك إلى زبيد بعد الهزيمة أطلق الإشراف القصري بولد ابن علاء الدين وكان المماليك قد حبسوه في زبيد. ولما بلغ الخبر إلى تعز بهزيمة المماليك في جاحف. وكان منهم طائفة في محطة الدور يدار فلم يستقر لهم قرار ارتفعوا من المحطة وتركوا ابن الدويدار فلم يستقر له قرار له بعدهم. وكان مستأنساً بالمماليك فارتفع في آخر ليلته وكان ارتعاعهم جميعاً ليلة العشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة. فلما ارتفعت المحطة عن تعز رجع جماعة إلى السلطان منهم الغياث بن نور فقابله السلطان بالقبول وسار بن الدويدار ومن معه إلى لحج فأقام بها أياماً يجمع

стр. 359

العساكر بعدن يريدها لنفسه على كره من الظاهر وغيره وفي هذه السنة توفيت الجهة الكريمة ماء السماء ابنة السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف بن علي بن رسول وأمها بنت أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول. وكانت من أخير الواتين كثيرة الشفقة والإحسان إلى ألا هلها وغيرهم وكان لها من الآثار المثبتة للذكر المدرسة التي في مدينة زبيد المعروفة بالواثقة لبيت أخيها الملك الواثق جعلت فيها إماما ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن ومدرساً وطلبة يقرؤون العلم ووقفت عليهم من أملاكها ما يقوم بكفايتهم. وكانت وفاتها في قرية التربية قرية من قرى وادي زبيد معروفة يوم السادس من شعبان من السنة المذكورة ودفنت عند الشيخ الصالح عيسى الهمار ﵀ عليهم أجمعين. وفيها توفي الفقيه الفاضل عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن محمد أبا حسان الحضري الشامي. وكان قدم زبيد وهو ابن أربعين سنة. وتفقه في أبيات حسين ثم سافر إلى مكة المشرفة فأدرك ابن السبعين واخذ عن أصحابه. وكانت له يد في التصوف وفي النحو والحديث وصنف فيها وكان ورعاً زاهداً عابداً صحب الفقيه إسماعيل الحضرمي وجماعة من أصحاب أبى الغيث بن جميل وابن عجيل. وتوفي على ذلك وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمة الله عليه بعد جاوز عمره مائة سنة لم يتغير له سمع ولا بصر ولا ذهن وتوفي عن عدة بنات وولد ذكر فتوفي الولد بعد أبيه بمدة يسيرة. وكان وفاته في سنة سبع وعشرين وسبعمائة ولم يكن له من الذكور ألا هذا بعده كما ذكرنا رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل إسماعيل بن أحمد بن علي بن محمد بن سليمان المسلى نسبا الخلي بلدا نسبة إلى قرية بحجر تعرف بخلة بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام قبل هاء التأنيث وكان فقيهاً مبارك متفنناً أولا بعمه ثم بمحمد بن أبي بكر أبى ألا صبحي ثم بالإمام علي بن أحمد ألا صبحي ثم بابن الرسول وأخذ عن صالح بن عمر وغيره وليس في تلك الجبال التي في شرقي الجند فقيه معروف بالفقه والتحقيق

стр. 360

غيره وكانت وفاته يوم الاثنين لعشر بقين من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الأمام أبو العباس أحمد بن بكر بن إبراهيم الرسول المخزمي بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الزاي وكسر الميم وآخره ياء نسب نسبة إلى قوم يقال لهم المخازمة وهم بطن من كنده وكان مولده في سنة ست وثلاثين وستمائة وتفقه في بدايته بزريبع ثم ارتحل إلى الضحى فأخذ عن الأمام إسماعيل بن محمد الحضرمي وعليه أكمل التفقه وهو أصحابه معرفة للفقه وغزارة في النقل وقد قيل أنه أخذ عن الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل وكان عارفاً بالفقه والحديث والتفسير زاهداً مبارك التدريس أخذ عنه جمع الكثير من نواح شتى منهم الإمام علي بن أحمد ألا صبحي وصالح بن عمر البر يهي وعبد الله بن سلم وسلمان بن محمد الصوفي وإسماعيل بن أحمد الحلي ومحمد الحرف ومحمد بن أحمد أبا مسلمة وولده ومحمد بن علي ألا حوري ومات طالباً سنة تسع وتسعين وستمائة. ومحمد بن أحمد السبتي الشجري. ومحمد بن يعقوب من لحج من بني الحميدي وغرتهم وما من هؤلاء ألا من رأس ودرس وامتحن بالعمى في آخر عمره وكان يقرئ في بيته وله كرمات ظاهرة وكان وفاته يوم الثاني والعشرين من السنة المذكورة رحمه الله تعالى وعنه اخذ ولداه محمد وأبو بكر وتفقها وتوفي محمد في سنة تسع وسبعمائة وتوفي أبو بكر بعد أبيه في سنة خمس وعشرين وسبعمائة الأتي ذكرها أن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة المذكورة توفي الفقيه الفاضل أبو علي الحسين بن عمر ابن علي بن الفقيه عثمان بن حسين وكان فقيها عارفاً متورعاً فطناً ذكياً توفي في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة خمس وعشرين وسبعمائة سار ابن الدور يدار من لحج إلى عدن وكان خروجه أليها في صفر من السنة المذكورة فحاصر أهلها حصاراً شديداً. فخودع بالصلح وكان ذلك بإشارة من الملم المجاهد إلى والى عدن وهو ابن الصليحي سراً وكان يظهر له انه طاهري وجماعة من الغر بني خليل والجمال الحصى وغيرهم فأصغى ابن ألد ويدار إلى الصلح ومراده أيضاً الغدر بهم.

стр. 361

فلما اصطلحوا وتم الصلح خارج الباب قال للوالي أنى أريد الدخول إلى الدينة فقال له لا يا مولانا البلد بلدك. ولكن المصلحة أن تدخل في جماعة من العقلاء ممن تشويش على الناس فدخل في جماعة من أصحابه فأمسى وأمسي بشرب في خواصه. فلما دخل الحمام فقعد في مخلعة فقال له بعض أصحابه يا مولانا أخذت هذه البلدة للظاهر أو للمجاهد فلم يجيبه فكرر عليه السؤال فهز رأسه وكان عنده حينئذ جاندار يقال له المياح قد فهم مراده فقال هذا الظاهر وهذا المجاهد وهو يشير إليه فتبسم فنقل ذلك الكلام إلى الوالي فجمع الوالي جماعة من أصحابه وهجم عليه فامسكه وقيده ثم قتله. وكان قتله يوم السابع من شهر ربيع الأول وكان أخوه في المحطة في بقية العسكر خارج البلد فصاح الصائح إلى أهل المحطة يخبرهم بقتله فخرج أهلها منها هاربين ولحق أخوه بالحصن الذي قد بناه المعروف بمنيف فأقام فيه أياماً قلائل فآخذته بطنه فهلك ولما قتل ابن الدويدار كما ذكرنا جهز ابن الصليحي عسكراً إلى لحج فقبضها ثم أن أخا ابن الدويدار كتب إلى الطاهر يستمده فأمده بابن وهيب والركن ابن الفخر وجماعة من الخيل والرجل فوصل بهم إلى الزعازع فخرج ربيع بن الصليحي وابن عمه جعفر وغيرهما ومن المعسكر فخذلهم الجحافل وباعوهم فقاتلوا حتى قتلوا ولمل نزلت المماليك ومن معهم من المحطة كما ذكرنا أقاموا في قرية السلامة أياماً ثم توجهوا إلى زبيد فلما دخلوا المدينة قصدوا بيت القصري وهجموا عليه بيته فارتاب منهم ورجب وقال ما ترسمون يا حاسكية فقالوا تخرج عن زبيد فأنت صاحب إقطاع وقد رسم مولانا السلطان الملك الظاهر أن الشهابي يكون والي البلد وطريطبة الهمداني مشدها وبهادر الصقري مشد المشدين. وكان الصقري يومئذ في زبيد فحين علم بوصولهم ركب إليهم إلى بيت القصري فلما وصل إليهم رحب بهم خصوصاً وعموماً وقال للقصري ما قالوا لك لاحقا فقال السمع والطاعة واوجدهم التجهز والخروج فلما افترق جميعهم ذلك استدعى القصري بأعيان العوار ين من أهل زبيد ووعدهم بتسليم أربعة آلاف دينار على انهم يلزموا له الصقري والشهابي والهمداني والشريف

стр. 362

داود بن قاسم بن حمزة فقصدوهم إلى بيوتهم فامتنعوا على أنفسهم وتركوا خيلهم وخرجوا ونهب العوار ين بيوت المماليك يوم الخميس وليلة الجمعة نهباً شنيعاً. فلما كان يوم الجمعة اجتمع العوار ين كلهم وقصدوا بيت القصري وطلبوا منه المال الذي وعدهم به أربعة آلاف دينار. وكان عنده حينئذ الشريف داود بن قاسم بن حمزة والسنبلي فقالوا ما يكفي هؤلاء ما قد نهبوه من بيوتنا وبيوت أصحابنا وسائر العسكر فطردهم القصري وهددهم ووبخهم فلما سمعوا ذلك منه صاحوا عليه صيحة واحدة. وداروا حول بيته وأمطروا عليه وعلى من معه الحجارة من كل ناحية فاغلق باب بيته دونهم وقاتلهم غلمانه ساعة من النهار. ثم ركبوا عليه البيت من قفاه فلما أحس بهم ركب حصانه وركب معه أصحابه وغلمانه وأخذوا سلاحهم وخرجوا قاصدين لباب الشبارق بعد أن قاتلوا قتالاً شديداً فنهب العوار ين بيت القصري وكان فيه مال جزيل. قال علي بن الحسن الخز رجي وحدثني والدي ﵀ قال بينما الناس يوم الجمعة في مسجد الجامع بزبيد إذا قبل جماعة من العوار ين والخطيب على المنبر وكان فيهم شخص يقال له القعموص وكان من شياطينهم وشجعانهم. فقال للخطيب يا فقيه اخطب للملك المجاهد. فقال له الخطيب ما أمرنا بهذا أحد قال وانظر إلى هذه الحربة في يدي والله لئن قال أحد غير هذا القول لأجعلن هذه الحربة فيه ووقف هو وأصحابه عند المنبر يسمعون الخطيب حتى خطب باسم السلطان الملك المجاهد. وكان ذلك يوم الجمعة الرابع عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة فلم يخطب بعد ذلك للظاهر على منبر من منابر تهامة. وفي هذا التاريخ وصل شمس الدين الملك المفضل وأخوه الفائز قطب الدين من بيت الفقيه بن عجيل فدخلا زبيد لما صارت لعمهما الملك المجاهد فأقاموا ولما خرجت المماليك من زبيد على صفة ما ذكرنا اجتمعوا في حيس وتقدم أعيانهم إلى

стр. 363

الملك الناصر محمد بن الملك الأشراف وكان يومئذ في قرية السلامة فلما اجتمعوا به لازموه على القيام بالملك. ووعدهم من أنفسهم بالطاعة على ما يجب فسار معهم إلى زبيد يوم الأحد السابع عشر من شهر ربيع الأول فحطوا في البستان الشرقي على باب الشبارق ومعهم نحو من سبعين فارسا فجرى بينه وبين أهل زبيد قتال شديد ساعة من نهار ثم انتقل الناصر إلى قرية التربية فأقام فيها نحوا من شهر يجبي أموالها ووصل إليه ابن علاء الدين وابن الأسد وغيرهما من الأمراء فحلفوا له على الطاعة فجمع عسكر وقصده زبيد فخرج إليه شمس الدين المفضل وجماعة من العسكر إلى فشال فاقتتلوا هنالك فانهزم شمس الدين المفضل وقتل جماعة من أصحابه ثم سار الناصر إلى زبيد فحط في قرية التربية ثم زحف إلى زبيد فخرج إليه العوار ين فقاتلوه قتالاً شديداً فاستأجرهم العسكر ساعة ثم عطفوا عليهم فقتلوا منهم نحوا من عشرين رجلاً ورجع الناصر ومن معه إلى فشال فكتب آهل زبيد إلى السلطان الملك المجاهد وسألوه أن يرسل إليهم وليا يحفظ المدينة وعسكرا فأرسل حسين بن علي بن حسين والياً وأرسل من العسكر ناساً بعد ناس فيهم الغياث بن نوز وعبد النبي بن السودي وبيدرة. وطعشر وإبراهيم بن فيروز. فاجتمع في زبيد نحو من مائتي فارس. وفي هذا التاريخ كتب الصقري إلى مولانا السلطان الملك المجاهد ﵀ يطلب منه ذمة شاملة فأجيب إلى ما طلب فقدم على مولانا السلطان في آخر شهر ربيع الآخر فانزل في بيت نوز وحمل له السلطان خمسة أحمال طبلخانه وخمسة أعلام وأقطعه مدينة حيس. وفي سلخ شهر ربيع الآخر أحرقت قرابة السلامة إحراقاً عظيماً وهلك في الحريق نحو من خمسين نفساً من الآدميين خارجاً عن أصناف الدواب وذهب فيه من الأموال ملا ينحصر وكان معظم أموال الناس فيها. وفي يوم العشرين من جمادى الأول قدم ابن السوع من بلاده ذمار إلى مدينة الجند فأقام فيها يومين أو ثلاثة ثم جاءه من السلطان طلب حثيث وأرسل له بكسوة إلى الجند. وأمر أعيان العسكر بلقائه ودخل على السلطان فكساه كسوة ثانية. وحمل له يوم الجمعة الخامس من

стр. 364

جمادى الآخر أربعة أحمال طبلخانة وأربعة أعلام. ثم خرج السلطان بعد صلاة من يوم الجمعة المذكورة يريد الجوة وجمع من الخيل والرجال فدخل الجوة يوم السبت سادس الشهر المذكور والغب في ميدانها وفي رجوع السلطان من الجوة نهب العسكر أم قريش قرية بني مسلمة. وكان قد بلغ السلطان انهم محبون للظاهر. وكان دخول السلطان تعز يوم الأحد السابع من الشهر المذكور. وفي هذا التاريخ وصل جماعة من أهل زبيد إلى السلطان الملك المجاهد فدخلوا عليه وقبلوا قدميه وسألوه أن ينزل إليهم إلى مدينة زبيد وعرفوه انه أن نزل زبيد فلا يقابله أحد إلا بالسمع والطاعة وان لم ينزل فلا بلاد له ولا للظاهر فعزم على النزول تهامة. فكان تقدمه إلى زبيد يوم الأربعاء العاشر من الشهر المذكور وكانت طريقة على بلاد المغلسي في وادي نخله فدخل السلامة صبح يوم الخميس حادي عشر الشهر المذكور فأمر من فوره من صاح بالأمان لكافة الناس فوصله غالب من فيها من الجند كعباس بن عبد الجليل ونوز بن حسين بن نوز وغيرهما فانم على الجميع وتقدم تحت ركابه السعيد إلى زبيد ولم يتأخر عنه ألا السنبلي والشهابي فانهما سألاه أن يفسح لهما ليحجا إلى مكة المشرفة ففسح لهما عن طيبة ثم سار إلى زبيد فكان دخوله إلى زبيد يوم الجمعة الثاني عشر من الشهر المذكور فحط في البستان الشرقي المشهور بحائط لبيق وحصلت المكاتبة والمراسلة بينه وبين أعيان العسكر. وكان الملك الناصر والعسكر جميعاً في محل زريق وهم جمع كثير وجم غفير وفي ظنهم أن السلطان لا ينزل من الحصن أبداً فلما كان يوم الاثنين الخامس عشر من السنة المذكورة قصدهم السلطان فخرج من زبيد آخر النهار فأمسى ﵀ في محل القلقل واصبح يوم الثلاثاء سائرا إلى النخل فأرسل الملك الناصر رسلا يحققون له الخبر فوقفوا له في أثناء الطريق لينظروه من بين الأشجار فلما عرفوه وتحققوه عادوا إلى محطتهم وأخبروا الناصر وأصحابه بذلك فانحلت عزائمهم وافترقت كلمتهم وارتفعت محطتهم فتقدم الناصر والأشراف بين الواثق وابن طرنطاي وعدة منم المماليك إلى قرية السلامة. ولما وصل السلطان إلى النخل أقام في الدار إلى صلاة الظهر.

стр. 365

ووصل الأمير عز الدين قتادة يسأْل ذمةً لولد بن علاء الدين ولبقية العسكر فأَذم عليهم السلطان وسألهم عن الناصر وابن طرنطاي فقالوا لا نعلم أين توجهوا. فركب السلطان لفوره ورجع إلى زبيد فوصله الفقيه علي بن أبي بكر الزيلعي صاحب قرية السلامة ووصل معه الفقيه علي بن نوح واجتمعا بالسلطان. وشاع الخبر أن الناصر في قرية السلامة فجهز السلطان ولد أخيه المفضل في قطعة من العسكر وجماعة من العوارين فقصدوا السلامة صبح يوم الخميس الثامن عشر فأحاطوا بيت الفقيه ودخل المفضل بيت الفقيه في جماعة فقبض الناصر بن الأشرف والأشرف بن الواثق وابن طرنطاي وخرج بهم يوم الخميس المذكور إلى حيس فلما صاروا قريباً من حيس عطف بهم نحو تعز. وسار فيمن معه من العسكر فدخل بهم تعز صبح يوم السبت العشرين من الشهر المذكور. وقد قيدوا من الحبيل وتلقاهم أهل تعز فكان أوباشهم يسبونهم ويؤذونهم ولولا مدافعة المفضل عنهم لأتوا على ابن طرنطاي. فلما أتوا بهم تعز جعل الناصر وأبن عمه في برج الرماد وجعل ابن طرنطاي في سجن العامة. فأقام الملك الناصر في السجن إلى أن توفي ليلة الخميس عشرة شهر رجب من السنة المذكورة وقبر يوم الخميس مع والده في المدرسة الأشرفية في معزية تعز. وفي نزول السلطان من تعز إلى زبيد وتقدمه إلى النخل ولزم المذكورين يقول الفقيه جمال الدين محمد بن منصور العامري رحمه الله تعالى وعرض يحدو به راعد ... يحن في الجو حنين اللقاح يسوقه البرق بأسواطه ... إذا ونى مال عليه وصاح وفيها يقول لما تلاقينا وقد أثمرت ... بالموت أطراف غصون الرماح وللمنايا سحب ماؤُها ... يجري على حد متون الصفاح سالت نفوس بين حد الظبا ... كالماء يجري بين خضر البطاح ومضمرات الخيل كرّاتها ... كرّات صب مبتلى بالملاح فأقبلت خضرا يمانّية ... عجاجها بالمسك والند فاح

стр. 366

سبقته تحمل أثقالها ... تمشي رويداً مثل مشي الرداح بلا ولي أنكحت نفسها ... لا ينكح الهيجاء إلا سفاح ملاحها لا يشتهي وصلهم ... وربَّ وصل فيه حتف متاح وهي قصيدة طويلة لم اظفر منها إلا بهذا القدر قال الجندي وفي هذا التاريخ وصل المبشرون إلى السلطان بوصول الغارة إليه من الديار المصرية فوقف السلطان رحمه اله لهم في مدينة زبيد حتى قدموا عليه. وكان وصولهم زبيد يوم الأحد السابع عشر من شهر رجب من السنة المذكورة. وكانوا ألفي فارس وألف راحلة فيهم أربعة أمراء والمعول على أميرين منهم وهما الأمير سيف الدين بيبرس والأمير جمال الدين طيلان وكان معهم اثنان وعشرون ألف جمل يحمل عددهم وأزوادهم فلما أشرفوا على المدينة خرج السلطان في لقائهم إلى الفوز الكبير في عسكره وخاصته. فلما دنا منهم ودنوا منه ترجلوا له وقبلوا الأرض بين يديه وساروا في خدمته ساعة وقد أمروا القراشين أن يضربوا خمة هنالك فمالوا إليها وسألوه المصير إليها معهم فساروا إلى الخيمة فدخلوها ودخل السلطان معهم فأخرجوا صندوقاً فيه عمامة بعدبتين وخلعة فاخرة فألبسوه الخلعة والعمامة ثم ركبوا بأجمعهم وركب السلطان وساروا جميعاً في خدمته حتى حطوا على باب الشبارق خلف المدينة من الناحية الشرقية. فأقاموا أياماً قلائل ثم تقدم السلطان إلى تعز في معظم عسكره وبعض العسكر المصري إذ لا يسعهم الطريق إذا ساروا دفعة واحدة. فكان دخول السلطان تعز يوم الخامس والعشرين. من الشهر المذكور. وخرج في العسكر المصري من زبيد متوجهين إلى تعز فلما وصلوا تعز عاثوا فيها وفي نواحيها وانتشروا إلى الجند ونواحيها من الجهة الشرقية وبلغوا من الجهة اليمنية حدير ومن ناحية القبلة سهفنة وكانوا لا يجدون طعاماً إلا أخذوه ببخس الثمن وانتهبوا بيوتاً كثيرة في هذه النواحي حتى عدم فيها الطعام وصار لا يجلب إلا من البعد. وارتفع السعر وضاقت البلاد على أهلها ضيقاً شديداً وضربوا كثيراً من الناس حتى قتلوهم تحت الضرب الشديد. ونهبوا قرية عقافة وسبوا حريمها وباعوهم كما يباع الرقيق.

стр. 367

وقطعوا جميع الزرع في مدينة تعز ونواحيها. وفي مدة إقامتهم في تعز أرسلوا جماعة منهم إلى الظاهر صاحب الدملؤة فأقاموا عنده نحواً من ثمانية أيام فيقال انه اخرج لهم مناشير قد كتبت له انه اصلح من المجاهد وأعطاهم ذهباً كثيراً وحرضهم على قبض الملك المجاهد فأجابوه إلى ذلك ووعدهم من نفسه بمال عظيم. فلما رجعوا إلى تعز عزموا على ما أمرهم به فوصلوا الشجرة بأجمعهم ووقفوا بأجمعهم على باب السلطان واستأذنوا عليه فاعتذر عن مواجهتهم بأنه في الحمام وخرج من باب السر وطلع الحصن من فوره. وكتب إلى مقدميهم أن قد بلغ شكركما وهذا خطنا بأيديكم يشهد بوصولكما وانقضاء الحاجة بكما ثم لم يكادوا يلبثوا بل قصدوا صبر من ناحية عيدان فقاتلهم أهلها وقتلوا منهم نحواً من أربعين رجلاً ورجعوا مكسورين فقبضوا الصقري ووسطوه وسحبوه ثم علقوه على أثلة في سوق الرعد. ثم قبضوا الغياث بن نور وأقاموا إلى ثلاثة أيام في شعبان وتجهزوا للسفر وساروا بالغياث بن النور تحت حفظهم فراجعهم السلطان فيه وبذل لهم مالاً جزيلاً لغرض له فيه فلم يفعلوا ورجعوا في طريقهم الذي جاءوا فيها فنهبوا تهامة نهباً شنيعاً. ولما وصلوا زبيد حيل بينهم وبين دخولها فحطوا خارجها وكان أميرها يومئذ شجاع نجم الدين محمد الحريري وكان السلطان قد ولاه لما تحقق خيانة بن حسين فأمر بلزمه وإيداعه السجن. ولما صار العسكر المصري في حرض وسطوا الغياث بن نور وكانوا قد ساروا به مقيداً في عنقه وكان السلطان ﵀ قد الزم الزعيم أن يسعى في فكاك الغياث بن النور من أيدي المصريين ولو بنصف خراج اليمن فتبعهم الزعيم وكاتبهم فيه فيقال أنه كان السبب في هلاكه وأنه أغراهم به حتى وسطوه وذلك لئلا يزاحمه في المرتبة والقرب من السلطان ثم سار العسكر المصري متوجهين إلى الشام ولما فصل العسكر المصري من تعز أول شعبان كما ذكرنا خرج السلطان بعد مسيرهم يريد الجند فحط في الحوبان ثم تقدم من الحوبان فحط في قاعها ثم سار فبات في الرجامية ولم يزل سائراً حتى اصبح في لحج فوصل إليه بن ناصر الدين بمائتي

стр. 368

فارس ثم تقدم الزعازع فأتاه علي بن الدويدار بمائتي فارس ومائة راجل فخلع عليه السلطان وعلى بن المعز وعلى جماعة من الجحافل وكان ذلك ليلة النصف من شعبان. فلما اجتمع الناس للصلاة حضر معهم السلطان وصلى مع الناس في الجامع ثم ركب آخر ليلته يريد عدن وخرج معه سائر العسكر فحط في مسجد المياه يومين ثم أمر العسكر بالزحف على أهل عدن فزحفوا وقاتلوا فخرج من عدن عسكر لم يكن بالذي فقتل ثلاثة من الشفاليت فتشوش السلطان من العسكر الواصل لكونهم لم ينصحوا وربما أنهم هّموا فيه بسوء فأمر بلزم بن الدويدار وابنه وابن أخيه وأستاذ داره الملقب بالمعز وآخر يعرف بابن بلتوت وأمر بتقييدهم والاحتفاظ بهم ثم قبض السلطان حصن ابن الدويدار المسمى عزاف واستولى على ما فيه وهو قريب من الشحر وأقام السلطان في المحطة على باب. عدن سبعة أيام ثم انتقل إلى الأحبة فحط في البستان فأقام فيها ثمانية أيام ثم حصل في المحطة اضطرب فأرتحل السلطان يريد زبيد على طريق الساحل فلما بلغ السلطان الغرة أمر بتغريق ابن تركوث فغرق هنالك. وكان دخول السلطان زبيد في أثناء شهر رمضان فاستقر في زبيد. وطلع الطواشي حصير من زبيد إلى تعز فأنزل آلة العيد الطبلخانة وغيرها. وطلع في صحبته بخزانة جيدة وطلع بمرسوم من السلطان فشنق ابن طرنطاي يوم الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان المذكور في موضع محطته يوم كان محاصراً للسلطان فم يزل مشنوقاً هنالك إلى يوم الاثنين والعشرين منه ثم أنزل وقبر بعد أن أكلت منه الكلاب. ولما عيّد السلطان عيد الفطر في زبيد خرج من زبيد يريد بلد المعازبة في شوال فخربها وأحرقها واستولى عليها ونهب العسكر بلادهم نهباً شديداً وقتل منهم جماعة ومات علي ابن الدويدار في فشال ومات المعز أستاذ داره في نخل المدني والسلطان يومئذ حاط هناك وقد أمر بقطع النخل لما كثر فسادهم. وفي هذا التاريخ وصل الزعيم من الجهات الشامية فواجهه في فشال راجعاً من بلاد المعازبة فسار في خدمته إلى زبيد ولما دخل السلطان راجعاً من بلاد المعازبة قبض

стр. 369

أبا بكر بن إسرائيل في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة. ولما استقر السلطان في زبيد اقطع بن شكر حيس واقطع الملك المفضل المهجم فتقدم إليها فلما مرَّ بالكدراء وهو سائر إلى المهجم لقي ابن حسين وكان واليها فقبضه قبضة شنيعة بأمر السلطان وضربه ضرباً مبرحاً. ثم تقدم إلى المهجم صحبته فلم يزل يعذبه بأنواع. العذاب كما كان يفعل بالناس. ثم بعد ذلك أمر به فوسط وقطع رأسه وطيف به قال الجندي فما رأيت ولا سمعت في عصرنا بأخبث منه سيرة في دينه ودنياه. ولما كان يوم الخامس عشر من ذي القعدة تقدم القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن إلى الديار المصرية بهدية سنية وكان مسيرها في البحر من ساحل زبيد. وسار ابن مؤمن بنفسه في البر إلى ساحل الحادث فركب من هنالك وساروا. ولما وصل الزعيم إلى السلطان كما ذكرنا كان هو الغالب على أمر السلطان ولا سيما في الجهات الشامية قال الجندي وحدثني الثقة إنه أحدث فيها عدة من الحوادث الرديئة وتصرف فيها تصرف المالك وأبطل صدقات الملوك من مسامحات الفقهاء وأرباب المناصب كبني الحضرمي وبني أبي الخل وغيّر على كثير من الناس فغيّر الله عليه. ومن أعظم الذنوب الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال. وفي هذه توفي الفقيه الفاضل أبو محمد الحسن بن بن عمر العماكري وكان مولده في جمادى الآخرة من سنة سبعة وسبعين وسبعمائة. وكان فقيهاً حسن السيرة أمثل من يشار إليه في معرفة الفقه في نواحي الجند تفقه في بدايته في الأمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي فلما توفي الأمام انتقل إلى ذي اشرق باستدعاء أهلها. وكانت وفاته ضحوة يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر ربيع الأول من السنة

стр. 370

المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو محمد عبد الله بن محمد بن سبأ الريمي العياشي الياءِ المثناة. والشين المعجمة نسبة إلى جد له اسمه عياش وأصله من ريمة الأشابط تفقه أولاً في مدينة إِب على الفقيه يحيى بن إبراهيم ثم ارتحل إلى تعز فتفقه بابن العراف وأبن الصفي وغيرهما من فقهاء تعز ثم جعل معيداً في المدرسة المظفرية في ناحية المحاريب بتعز. ثم انتقل عنها إلى مدرسة ابن نجاح ثم عزل منها. وكان من أخير الفقهاء ولم تزل أحواله تنتقل إلى أن توفي في الثالث والعشرين من رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو بكر ابن الفقيه أحمد المازني. وكان مولده يوم الجمعة الثالث من صفر سنة سبع وستين وستمائة. وكان فقيهاً فاضلاً فرضياً عارفاً تفقه بفقهاء جبلة واخذ الفرائض عن المزيحفي المشهور في بادية زبيد. ولما توفي عمه إبراهيم جعل قاضياً مكانه في مدينة جبلة فأقام هنالك عدة سنين. فلما تولى القاضي محمد بن أبي بكر سنة أربع عشرة عزله وهمَّ بمصادرته فخرج هارباً من تعز ولحق بذي عقيب مستجيراً بها وتولى كفايته وأعانته محمد بن الحسين بن علي بن رسول ولم يزل على ذلك إلى أن توفي ليلة الأربعاء الخامس من شهر ربيع من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو بكر فريد بن سعيد وهو ابن أخي الفقيهين عبد الرحمن وعبد الصمد. وكن مولده لخمس مضين من شوال سنة سبع وسبعين وستمائة. وكان فقيهاً عارفاً عفيفاً ورعاً قنوعاً تفقه بعمران بن عقبة من أهل جبلة وبعمه عبد الصمد ومحمد بن إبراهيم. وارتحل إلى وصاب فأخذ بها عن الغيثي وكان في وقته فقيه أهل بلده وامتحن بمرض طويل. وكانت وفاته يوم الثامن عشر من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الأديب البارع منصور بن عيسى بن سحبان. وكان شاعراً فصيحاً بليغاً مداحاً هجاءً حسن السبك جيد المعاني من افصح الشعراء المجودين

стр. 371

توفي مقتولاً بيد الأشراف الحرانيين. وكان قد هجا الأشراف وعدة من رؤساء العرب وهجا الملوك. وله في مدحهم القصائد المختارة. وكان قتله في ذي القعدة أو في ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو بكر بن يوسف بن عمر بن إبراهيم النخلي. وكان فقيهاً عارفاً فاضلاً محققاً تفقه في بدايته بجده إبراهيم ابن علي ابن إبراهيم وبعبد الله بن محمد الأحمر الخزرجي. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه المشهور أبو العتيق القاضي رضي أبو بكر بن أحمد بن عمر الأديب. وكان مولده سنة إحدى وستين وستمائة. وكان فقيهاً بارعاً عارفاً بالفقه والحديث والأصول والمنطق تفقه بعمر بن أبي الغيث وبمشقر ثم انتقل إلى تهامة فأخذ عن بعض بني عجيل ثم عاد بلده فأقام مدة طويلة على طريق النسك ثم سافر إلى مكة وصحب ابن زريق أحد فقهاء تعز فلما عاد من الحج علم به بنو محمد بن عمر فطلبوه وولوه قضاء عدن مستمراً على القضاء بها فلم يتركه بنو محمد بن عمر يسير على مراده بل ألزموه أن يسير على سيرة وضعوها له وألزموه ذلك فضاق فعزل نفسه عن عدن وأقام على قضاء أبين واستمر عوضه في عدن القاضي يوسف بن مضمون فلم يحسن سيرته ففصل وأعيد ابن الأديب في سنة ست وسبعمائة. ولم يزل إلى سنة ست عشرة وسبعمائة على قضاء عدن. ثم استمر قاضي قضاة فاستمر على قضاء زبيد أبو شكل وأقام هو على القضاء الأكبر إلى أن توفي السلطان الملك. لمؤيد واستمر مولانا السلطان الملك المجاهد ففصله وأمر في القضاء الأكبر الفقيه عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن الظفاري فارتحل ابن الأديب في سلخ صفر من سنة اثنين وعشرين وسبعمائة ولزم منزله في الزعازع فلما لزم السلطان الملك المجاهد واستمر عمه الملك المنصور في السلطنة وقتل القاضي عبد الرحمن الظفاري استدعى الملك المنصور بابن

стр. 372

الأديب المذكور. فطلع في شهر شعبان من سنة اثنين وعشرين فأمره في القضاء الأكبر فأقام بقية أيام الملك المنصور. فلما عاد الملك المجاهد في السلطنة استأذنه القاضي أبو بكر بن الأديب في الرجوع إلى بلاده فأذن له فسار إلى بلاده فأقام فيها إلى أن توفي وكانت وفاته في الحادي والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة ست وعشرين تقدم السلطان إلى تعز في شهر المحرم فكان دخوله تعز يوم الثاني والعشرين من الشهر المذكور في عسكر جيد. وطلع معه الزعيم عشية فحط السلطان في بستان الشجرة ونزل أهله إليه في دار الشجرة نحواً من تسعة أيام فخرج الزعيم عشية من العشايا يسير فبينما هو يلعب على فرسه إذا اصطدم هو وفارس آخر فسقط الزعيم عن ظهر حصانه سقطة شنيعة غاب حسه فيها ساعة من نهار. فلما أفاق حمل إلى داره على بغلة ومعه من يشده عليها فركب السلطان في النهار الثاني إلى قريب من دار الزعيم يريد زيارته ورجع ولم بزره. ويقال انه زاره في وقت آخر والله اعلم. ثم تقدم السلطان إلى الجند وكان تقدمه إليها يوم الأحد الرابع عشر من صفر فأقام فيها يوماً أو يومين. ثم أمر ابن شكر أن يتقدم إلى تهامة ويقف فيها فتقدم من الجند إلى تهامة وتقدم السلطان إلى عدن فكان خروجه من الجند يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر المذكور فحط في الرجامية. ثم سار منها إلى عدن فوصل الأحبة يوم الثالث والعشرين من صفر فلبث إلى صبح الخميس الخامس والعشرين من الشهر المذكور ثم غزا المياه يوم الخميس وكان في المياه عسكر من قبل الظاهر فحصل بين العسكرين حرب عظيم فانهزم العسكر الظاهري هزيمة شنيعة. وقتل منهم مقتلة عظيمة نحو من سبعين رجلاً فيهم عمر بن السواق هذا ولم ينصح غالب العسكر ولما انهزم العسكري الظاهري منعهم الظاهر من دخول عدن فوقفوا في المياه. وقتل من العسكر المجاهدي أربعة نفر أحدهم شاوش البغلة يقال له أبو بكر بن حمزة ثم أقام السلطان في الأحبة ستة أيام. ثم حصل آخر فقتل من عسكر السلطان فارسان ولزم ابن أخي ابن السوع وانهزم عسكر مولانا السلطان إلى جبل حديد.

стр. 373

ولما علم السلطان ملزم ابن أخي ابن السوع غلب على ظنه أن الأكراد غير ناصحين وكان الناس قد تحدثوا بذلك. ثم عاد السلطان إلى الأحبة فأقام بها نحواً من نصف شهر ثم غزا إلى جبل حديد فخرج عسكر عدن وحصل يومئذ حرب شديدة وقاتلت الشفاليت قتالاً عظيماً وظهر نصحهم ونصح معهم الملك المفضل وداود بن عمر بن سهيل والأسد بن صالح وجماعة نصحهم ونصح معهم الزعيم وصاح أهل عدن للشفاليت بالطيب وشتموا الغز شتماً قبيحاً وعاد السلطان إلى الأحبة فلما كان يوم الثامن من شهر ربيع الآخر قبض مكتب لابن الأسد بريد عدن وقبضت كتبه منه وإذا بها أنه واصل هو والإمام محمد بن مطهر في ألف فارس واثني عشر ألف راجل فاضطربت المحطة لا سيما محطة الأكراد. وهم معظم العسكر فتأَيد السلطان وتأَمل العسكر وظهر له أنهم غير ناصحين لا سيما الأكراد فخشي السلطان البيعة. فركب وتقدم تعز فوصل الجند صبح يوم الخميس لنيف وعشرين من شهر ربيع الآخر ثم تقدم تعز فوصل الجند صبح يوم الخميس لنيف وعشرين من شهر ربيع الآخرة ثم تقدم تعز يوم الثلاثاء الخامس من جمادى الأولى فحط في الشجرة وأقام بها أياماً ثم تقدم إلى بلاد العوادر يوم الأربعاء الثامن عشر من الشهر وقتل منهم جماعة ثم عاد إلى تعز وقدم الملك الفائز وابن شكر من تهامة في جمادى الأولى فمرَّا على بلد بني أستاني فأخرباها خراباً شنيعاً. ثم دخلا تعز في آخر الشهر المذكور فأقاما أياماً ثم عاد ابن شكر إلى إقطاعه حيس وموزع. وفي شهر جمادى الآخرة خرج الظاهر من عدن إلى لحج وخرج جميع من كان معه من أصحابه فسار هو طريق الخبت وسار الباقون طريق هبيب فطلع الظاهر السمدان وأقام فيه. وفي شهر شعبان تقدم السلطان إلى زبيد فأوقع بالعوارين وقبض شيخهم محمد الدعيسي وجماعة كثيرة منهم فشنق منهم طائفة وقتل آخرين بالسيف وكان ذلك يوم الثلاثاء ثامن وعشرين شعبان المذكور. وكان قد اقطع قطب الدين أخاه مدينة حرض فبلغه عنه انه قد خرج عن الطاعة فسار إليه من زبيد وكان مسيره إليه يوم السبت العشرين من شوال ولم يزل يتلطف به حتى انتزعه من حرض. ولما خرج السلطان من زبيد

стр. 374

وكان شيخهم يومئذ أحمد الأسد شوال وكان الوالي بها يومئذ عبد الرحمن بن الفخر المعروف بالركن بن العفاء فهرب من زبيدا إلى حلة المجانية. وظن أن أهل المدينة كلهم راضون بذلك. فاجتمع أهل المدينة في ليلتهم وساروا بأجمعهم في طلب راضون بذلك. فاجتمع أهل المدينة في ليلتهم وساروا بأجمعهم في طلب المفسدين فأمسكوا جماعة منهم وشنقوهم حتى رجع الأمير فتولى أمرهم فشنق طائفة منهم وكحل طائفة أخرى ورجع السلطان إلى زبيد. وفي هذا التاريخ قدم القاضي جمال الدين محمد بن مؤْمن من الديار المصرية ومعه نحو من ثلاثين فارساً من المماليك وكان قدومه يوم الاثنين التاسع والعشرين من ذي القعدة وعيد السلطان عيد الأضحى في مدينة زبيد وحصل عليه بعض وعك فطلع تعز ثم من الله تعالى بالعافية. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو العباس أحمد بن أبي بكر المعروف باليماني من أهل حرار وكان فصيحاً عارفاً أديباً له ذكر مشهور وكرم مذكور. وكان صبوراً على إطعام الوافدين وأكرم الواردين والسعي في قضاء حوائج الناس إلى الأماكن الغريبة والبعيدة يقول القول عند كل أحد وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة سبع وعشرين طلع السلطان حصن العسكر وكان طلوعه يوم الأحد الخامس من المحرم فأقام فيه أياماً وفي أثنائها تقدم الزعيم إلى تهامة. وفي يوم السبت الثاني عشر من جمادى الأولى أخذت منصورة الدملؤة بمساعدة مرتبيها وجعل فيها عسكر من جهة السلطان وطلع القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن إلى جبلة ليعمل في فتح الجبل المعروف ببعدان وطلع بعسكر جيد خيل ورجل وذلك بعد أن وصل ابن السوع إلى تعز ومعه ابن شكر فقابلهم السلطان مقابلة جيدة وخلع عليهم وأحسن إليهم ووصل معهم جماعة من مشائخ مذحج وأعيانهم فطلبوا من السلطان مالاً يبذل لهم على فتح الجبل فبذل لهم السلطان مالاً جيداً وطلعوا يوم السابع من جمادى

стр. 375

الآخرة إلى جبلة فحط القاضي جمال الدين محمد بن مؤْمن في جبلة وحط ابن السوع معه في أب. وحط الزعيم في وادي ضبا وطلعت مذحج جبل بعدان وفتحوا فيه الحرب فلم يتم لهم فيه ما يريدون فقيل كان سببه عدم الوفاء بما بذل لهم وقيل غير ذلك. وطلع أهل الشوافي إلى أهل بعدان بمكاتبة من ولد الفقيه أبي بكر محمد بن عمر اليحيوي. وكتب أيضاً كتباً إلى الملك الظاهر وقد كان من السلطان على وجه خير واقترب أمان. ولما لم يتفق فتح الجبل كما ذكرنا نزل القاضي جمال الدين محمد ابن مؤْمن من جبلة وابن السوع من أبو الزعيم من محطته بوادي ضبا بطلب ممن السلطان وأقام السلطان في تعز إلى شهر رمضان ثم خرج متوجهاً إلى عدن يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر رمضان حتى حط بالأحبة ونزل معه الزعيم وهو يومئذ أتابك العسكر. وكان مشكور التدبير حسن الثناء يعمل كل يوم سماطين بكرة وعشية لذوي الحاجة من العسكر وذلك في وقت قد عز فيه الطعام وقل وجوده. ولم يزل السلطان يغزو عدن وتخرج إليه عسكر وخيل ورجال وكانت الحرب بيتهم سجالا وظهر من الحمراني وجماعة من المماليك وأولاد تعز سوء أدب وسفه باللسان. وأقام القاضي جمال الدين محمد بن مؤْمن في المحطة إلى أن دخل شهر الحجة. ثم تقدم تهامة وصحبه ابن مفضل لجباية الأموال بها فتقدم المذكور في طائفة من العسكر فعيدوا الأضحى في الغارة ثم توجهوا إلى زبيد. وفي هذه السنة توفي الفقيه البارع إسحاق إبراهيم بن الفقيه أحمد ابن موسى بن عجيل وكان فقيهاً دينياً ورعاً يحب الاعتزال قلما يجتمع به أحد من الناس الواصلين إليه وأخذ الفقه عن أبيه والنحو عن الفقيه رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الخطيب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن جامع المباركي المعروف ابن العجمي. والمباركي نسبة إلى شيخ لوالده احمد. وكان من أهل شيراز ما زار مريضاً قط ودعا له إلا عوفي من مرضه فسمى مباركاً لذلك ونسب إليه أصحابه

стр. 376

وكان ولده هذا محمد رجلاً فاضلاً فقيهاً محدثاً صوفياً أخذ عن جماعة من أعيان المدرسين كالفقيه أحمد بن أبي الخير وأمثاله وكان فيه مروءة وحسن خلق وكرم نفس. وكان بيته موئلا للمنقطعين من الفقهاء والمتصوفين وصنف كتاباً في الرقائق واستمر خطيباً في مدينة زبيد مدة طويلة إلى أن توفي يوم الرابع عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه أبو الحسن أحمد بن الفقيه علي الجنيد بن الفقيه أحمد ابن منصور الجنيد وكان مولده في صفر من سنة سبع وخمسين وستمائة ولما توفي والده في التاريخ المذكور استمر هذا معيداً في المدرسة الأسدية بتعز وجدب الفقيه أبو بكر بن محمد بن عمر اليحيوي عليه وعلى اخوته مراعاة لصحبة أبيهم وأسد الملك المؤَيد في أيام آمريته وقرأ عليه وارتفعت منزلته عنده. وكان فقيهاً أصولياً نحويا شاعراً فصيحا وله في التصوف كلام مرضى وشعر رائق وتوفى يوم الأحد الثاني عشر من جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه البارع أبو عبد الله محمد بن بكر بن محمد بن عمر اليحيوي وكان مولده في السابع عشر من ذي الحجة من سنة أربع وسبعين وستمائة وبوقفه وولي قضاء الأقضية في سنة أربع عشرة وسبعمائة فقام كقيام أبيه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان عالي الهمة شريف النفس يقوم بالمنقطعين من أهل العلم وغيرهم وعمل في أيامه مآثر جيدة لم يعملها أحد من أهله ولا من غيرهم واجلب الماء إلى المدرسة الشمسية بذي عدينة بعد أن انقطع مدة وتوفي مقتولاً صبراً على يد السناني في شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفى الفقيه الفاضل أبو محمد بن أحمد الحضرمي وكان يسكن قرية في جبل يافع يقال لها رخمة باسم الطائر المعروف وكان مذكوراً بالدين والورع والصلاح والزهد والعبادة وتولى حكم بلده سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وتوفي في سنة سبع وعشرين المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفى الفقيه الصالح أبو مسلمة محمد بن الحضرمي وكان مولده قرية

стр. 377

الطرية بأبين وكان تفقه بأبين على ابن الرسول وعلى علي بن إبراهيم التهامي وإبراهيم الحرف ثم قدم لحج وتديرها بأنس من ابن مناس وامتحن بالعمى وحصر البول إلى أن توفي في شهر السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة وعشرين تقدم القاضي جمال الدين محمد بن مفضل نحو الجهات الشامية وأقام ابن مؤْمن في مدينة زبيد إلى أن رجع إليه ابن مفضل بأموال الجهات الشامية فساق منها مالاً جزيلاً ولم يزل السلطان ﵀ في محطته بالأَحبة والزعيم في سائر العسكر في المحطة على عدن وهو صاحب الباب وكان على أحسن طريق من وضع الأشياء في مواضعها وفعل ما يذكر عنه. وفي أوائل صفر من السنة المذكورة باع رتبة الدملؤَة الحصن على يد من هو في المنصورة فبادر الأمير عز الدين وموالينا الأدر الكرام جهة صلاح بإرسال الطواشي صفي الدين جوهر الرضواني ليقبضها فخرج مسرعاً من تعز بمال نقد وخلع فلما طلع حصن الدملؤَة لاطف وبذل حتى استمكن وكان مبذوله فيها ستة آلاف دينار ملكية غير الخلع والكساوي وكان في الحصن يومئذ نور الدين وولد له ووالدة الظاهر وبنت فأَرسل لهم السلطان عز الدين طلحة بن أخت الزعيم فلما وصل المنصورة انزلوا إليه فسار بهم تحت الحفظ إلى حصن تعز فجعلوا في دار الإمارة من الحصن المذكور وقيد الرجال منهم هذا والسلطان يومئذ في محطته على باب عدن. ولما كان آخر شهر صفر كلاماً وأخذ جمعاً من الشفاليت وطلع بهم من جهة التعكر ليلاً فلما كان يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر المذكور زحف السلطان على عدن فخرج أهلها لحربه على عادتهم فخرج عليهم العسكر المجاهدي من ورائهم وصاحوا باسم السلطان ففشل أهل عدن وفتح باب المدينة فدخل الزعيم والملك المفضل بعد الظهر. ووصل السلطان بعد العشاء من ليلة الجمعة فبات في التعكر فلما اصبح صبح يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر المذكور نزل السلطان من التعكر وسار إلى الخضراء على طريق الدرب. فلما كان يوم السبت استدعى بجماعة من المماليك وجماعة من الشفاليت الظاهرية وهو في الخضراء فطلعوا بهم إليه فأمر بقتل جماعة من المماليك

стр. 378

وجماعة من الشفاليت والحمراني ومولد اسمه السغولي والهمذاني والشهابي ونزلوا بالوالي والناظر محمد بن الموفق والد الفخر بن الرضى الذي قتل في الشحر وكحل من الرجل جمع كثير. ولما كان اليوم الحادي عشر من شهر ربيع الأول أمر بشنق ابن أيبك وابن الموفق وغرق ثمانية منهم الجرباني والزمغري. وأقام السلطان إلى يوم العشرين من جمادى الأولى ثم خرج من عدن يريد الدملؤة فدخلها في غرة جمادى الآخرة فأقام فيها نحو نصف شهر ثم نزل منها إلى الجوة ثم سار إلى الجنيد فدخلها آخر يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور. ووصل الأمير عز الدين صالح بن ناجي يوم الخميس غرة شهر رجب في عسكر جيد وأعلام وطبلخانة فأقام أياماً وساعة قدموه دخل على مولانا السلطان القصر وضربت له خيمة خارج البلد فخرج إليها بعد السلام. فلما كانت ليلة الخميس الثامن من الشهر المذكور سرق من خيمته مال وقماش له قدر. وفي شهر شعبان وصل حسن بن الأسد من ذمار وصحبته هدايا للسلطان فيها خيل جياد وفي جملتها فرس لا نظير له طوله ثمانية أشبار بالتحقيق. وفي الثامن من شهر شعبان. خالف الأمير عز الدين في حصن تعز واخرج الخدام الذين فيه وأمر بنهب بيت الزعيم وبيت ابن مؤمن والرشيدية. ثم كاتب السلطان واعتذر مما صنع فتقدم إليه الطواشي جوهر الرضواني وهو يومئذ زمام الباب الشريف فسأل ذمة فعاد الطواشي يخبر ذلك. ووصل ولده الأسد بن صالح ووصل معه جماعة من فقهاء تعز المدرسون والحاكم بها محمد بن عمر بن عبد الله ورأس الفقهاء يومئذ أبو بكر بن جبريل فقصدوا باب السلطان فأذن لهم بالحضور وقابلهم السلطان احسن مقابلة. ورجع السلطان الفقهاء بذمة للأمير عز الدين صالح. ووصل القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن من عدن بخزانة جيدة نقداً وعرضاً. ووصل الأمير عز الدين صالح إلى السلطان يوم السادس عشر من الشهر المذكور. ووصل صحبة الفقهاء فدخلوا على السلطان إلى البستان وفي خلال ذلك الحضور أمر السلطان على الطواشي كافور ويران أن يتقدم لقبض حصن تعز فتقدم لفوره في

стр. 379

جماعة من الأصباهية. وحصل من السلطان كلام حاصله عتاب وأوجده طيبة نفسه. وخرج الفقهاء وصالح من عند السلطان وتقدم الفقهاء إلى تعز. وسكن صالح في بيت من بيوت الجند. فلما كان يوم العشرين من شعبان المذكور خرج السلطان في جماعة قليلة وأشعر على كافة العسكر بالخروج فخرجوا سراعاً إلى الميدان فطلب صالح وولده من جملة الناس فتقاعد ثم خرج وهو غير راض وخرج معه ولده وجماعة من الشفاليت. فلما وقف صالح وابنه في طرف الميدان برز لهما الزعيم ودعاهما على إنه يشاورهما ثم أبعدهما إلى وسط الميدان ومعه جماعة من أصحابه قد أشار إليهما فقالوا لهما التزما وبادروهما بالطعن والضرب فما نزل صالح من بغلته إلا ميتا وأما ابنه فقاتل ساعة ثم قتل فلبثا بقية يومها وليلتها ويومها الثاني إلى الليل والليلة الثانية إلى نصف الليل مكبوبين على وجوهما. ثم أمر بدفنهما فدفنا ولما كان يوم الثالث والعشرين تقدم السلطان إلى تعز فحط في بستان الشجرة وطلع السلطان الحصن يوم السادس والعشرين من الشهر المذكور وفي شهر رمضان خالف بعض أهل صبر على ابن منير فاخذ الحصن من يد قوم يعرفون ببني شريف. وفي يوم الخامس والعشرين من شهر رمضان المذكور أوقع الملك المفضل بالأهمول في جهة موزع وكان قد كثر فسادهم وقصدوا موزع فخرج إليهم الملم المفضل فهزمهم هزيمة شنيعة وقتل منهم نحوا من مائة نفر وجز رؤوسهم فذلوا بعد ذلك ذلاً شديداً. وفي اليوم السادس والعشرين قبض حصن الشرف لولانا السلطان. وخرج يوم الخامس من شوال من تعز يريد الشرف فدخله يوم السادس وأقام فيه أياماً ثم رجع إلى تعز فأقام في الحصن أياماً ثم تقدم إلى تهامة يوم السبت الخامس والعشرين من ذي العقدة وأقام فيها إلى آخر السنة وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل محمد بن عثمان بن محمد بن عمر الهزاز. وكان فريد قومه على ما قيل شريف النفس فقيهاً مدرساً في مدرسة أم السلطان بعد والده ثم ترتب في المؤيدية وأعاد المدرسة إلى ابنه فأقاما مستمرين إلى أن توفي في السنة

стр. 380

الذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو بكر بن عمر بن مدافع. وكان من أخير أولاد المشايخ له اشتغال بالعالم واستمر مدرساً في المدرسة التي في ناحية الوزير وكان فيه مكارم أخلاق وفضل وأنس للأصحاب توفي السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل محمد بن علي بن جابر الجبائي نسبة إلى البلد المقدام ذكره. وكان فقيها فاضلا متقناً ولد سنة ثمان وستين وستمائة وتفقه بابن أبي مسلم وبالفقيه الليث. وكان مدرس البلد ومفتيها. وحج في سنة ثماني عشر وعشرين وسبعمائة فتوفي في الطريق ظناً قاله الجندي رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الرحمن بن الجنيد بن الفقيه عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن زكريا. وكان فقيهاً فاضلاً مدرساً ولد سنة ثلاث وستين وستمائة وتفقه بعلي بن إبراهيم بن محمد بن حسين صاحب شحينة ودرس مدة في بلاده ثم انتقل إلى قرية أخرى. فلما مرض وأحس بالموت أمر أن ينقل إلى الشويراء فتوفي بها في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصالح الوارع الزاهد أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أبي السعود. وكان فقيهاً صالحاً عالماً وكان زميله في القراءة ابن الرسول وتوفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة تسع وعشرين وسبعمائة وصل الحجاج وأخبروا بخصب الحجاز وإن الوقفة كانت الجمعة. وفي صفر حصل من بعض أهل منصورة الدملؤة مخامرة وأدخلوا جماعة من الأشعوب وانتبهوا غالب بيوت أهل المنصورة الذين لم يخامروا معهم ثم كاتبوا الظاهر يخبرنه بقبض المنصورة له ويطالبون منه الممادة بالمال والرجال فرجع جوابه بكراهة ذلك وأنه لا مال عنده ولا رجال. فأخربوا غالب بيوت المنصورة فلما بلغ العلم بذلك إلى السلطان الملك المجاهد وكان يومئذ في مدينة زبيد جرد الطواشي صفي الدين جوهر الظفاري في مائة رجل وثلاثين فارساً وكان مقدمهم الشامي فلما علم بهم الأشعوب هربوا من المنصورة فقبضها الطواشي أمين

стр. 381

الدين أهيف وطلع الشامي إليها وطلع الطواشي جوهر من الجناب بالخيل والرجال إلى تعز. ووصل السلطان من تهامة يوم الخامس عشر من صفر. وكان مريضاً قد علق به جدري فأقام في الحصن أياماً وتوفي له ولد ثم ولد آخر ومن الله بعافيته في شهر ربيع الآخر فأمر باستخدام الخيل والرجل وطلب الرجال من كل جانب ولم يعلم أحد أين يريد. وفي أول جمادى الأول نزل السلطان من الحصن إلى الشجرة ثم تقدم نحو عدن فأقام بها إلى العشرين من رجب. وفي خلال ذلك صودر ابن مؤمن بمال جزيل واستمر ابن الغنمي شاد الدواوين ثم طلع السلطان من عدن إلى أبين وحضر الكتيب في ليلة السابع والعشرين من رجب وتصدق بصدقة جليلة فلما انقضت أيام الكتيب في ليلة السابع عاد إلى عدن وأقام بها أياماً ثم طلع إلى محروسة تعز في أثناء شعبان فأقام في الحصن إلى أن انقضى عيد الفطر وفي أثناء أقامته اخرج ابن عمه من السجن وهو الأشرف بن الواثق وتزوج السلطان على كريمته بنت الواثق في الثامن من شوال ودخل بها في آخر الشهر المذكور. وفي خلال ذلك طلعت قافلة من عدن فقبضها أهل الهجر فغزاهم السلطان في رابع شهر ذي العقدة وقتل منهم عدة ثم طلع الدملؤة فأقام فيها مدة ثم نزل الجوة فعيد فيها عيد الأضحى. ولما انتصف شهر الحجة خرجا السلطان على الأشعوب وحصل قتال شديد أياماً. وانهزم عسكر السلطان يوم التاسع عشر من الشهر فقتل الحسام بن ظاهر وقريب له وجماعه من العسكر خيل ورجل وفي هذه السنة توفي الإمام أبي الخير منصور بن أبي الخير الشماخي وكان فقيها عالما عاملا وهو شيخ مشايخ الحديث باليمن وأحد أعلام الزمن وكان موصوفاً هو ووالده بجودة الضبط والإتقان وعنها انتشر علم الحديث وسمع عليه السلطان الملك المؤيد سنن أبي داود سنة ثلاث عشرة وسبعمائة. وكانت وفاته في يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل هندوه بن عمر بن سلم الخولاني وكان مولده ليلة الجمعة العشرين من شهر رمضان سنة سبعين وستمائة. وكان له ثلاثة اخوة علي

стр. 382

وعبد الله وعبد الرحمن فاشتغل علي وعبد الرحمن بالقراءات السبع واشتغل عبد الله وهنده بالفقه وكان تفقههما بجباء ولما أخرب السلطان الملك المؤيد خولان هرب المذكور عن بلدهم. فلما تفقه هندوه رجع إلى بلاده وسكن أخوه عبد الله في نواحي قدس إلى أن توفي هناك في سنة خمس وعشرين وسبعمائة وسكن في قرية الحباجر مدة ثم انتقل إلى بلاده ورجع إليها وأما عبد الرحمن فغاب وانقطع خبره. وتوفي هندوه يوم السابع من شهر رمضان السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الشيخ الفاضل أبو محمد الحسن بن محمد بن نصر بن علي عرف بمختار الدولة وكان مختار الدولة وزير أحد العبيديين ملوك مصر. وقدم أبو محمد اليمن في أيام الملك المؤيد فلم يصف له معه حال. وكان من أعيان القضاة الواصلين من مصر وكان عارفاً بالحساب والأصول والفلك والنحو والفرائض والجبر والمقابلة. فقام في تعز مدة فلم يصف لها مع المجاهد وقت فسافر عن تعز في سنة أربع وعشرين وسبعمائة فقام في التهائم حتى ارتفعت المحاط ثم عاد إليها فقام أياماً ثم جعل كتاباً للخزانة والإنشاء. ولما نزل السلطان عدن نزل صحبه ركابة فتطلع عليه وعرف فضله فجعله من جملة خواصه ولم يزل على ذلك مستقيم الحال إلا أن توفي في سلخ شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل أحمد بن سليمان بن أحمد بن صبره الحميري وكان فقيهاً مجوداً ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة في قرية من معشار حصن أنور من وادي مسرعة أخذ عند محمد الأصحبي وقرأَ الفرائض على طاهر. وولى القضاء مدة وكان إمام الجامع ودرس في بعض مدارس فيروز. ولم يزل على أحسن حال إلى أن توفي في شهر شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الصحابي أبو الحسن علي بن أبي بكر بن محمد الزيلعي العقيلي نسبة إلى عقيل بن أبي طالب صاحب قرية السلامة من وادي نخلة وكان اصل بلدهم بطة قرية من قرى الحبشة ولذلك يقال لهم بنو الزيلعى وكان أول من قدم منهم قرية السلامة جدهم محمد فتأهل بها فظهر لها أبو بكر ثم تأهل

стр. 383

بأمرائه من أهل العقيلية فظهر لها على المذكور وأخوه أيضاً. وهم بيت صلاح وعلم. وكان علي بن أبي بكر فقيهاً ناسكاً كثيراً طعام الطعام وكان كثير الحج وكذلك كان والده. وتوفي بمكة المشرفة آخر شهر الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة ثلاثين وسبعمائة أخذ السلطان حصن يُمَيْن من الغياث بن السناني قهراً على يد الزعيم بعد حاصره مدة حصاراً شديداً وهرب ابن السناني إلى ناحية ذخر ثم حصل الصحابي بين السلطان والظاهر في الحرم ثم اخذ السلطان ذخر قهراً بالسيف وخرب بلاد الغياث بن السناني خراباً شديداً بعد أن ولى في قدس والياً وولى في حصن يمين والياً وهو الطواشي جوهر الظفاري وفي حصن سامع طاهر بن الحسام بن طاهر الذي قتل أبوه فقتل من الأشعوب كثيراً. وفي هذه السنة أصلح الغياثي بن السنان على يد الزعيم وتوثق له بالأيمان المغلظة وفصل إلى الباب الشريف وسلم بلاده بأسرها ثم لقدم السلطان إلى تعز في اثني عشر ألفاً وقيل في سبعة عشر ألفاً خارجاً عن الخيل من الترك والعرب والأكراد والأشراف وغيرهم. وكان أستاذ داره يومئذ الشرف بن حباجر وأتابكه الزعيم وأمير خان داره أقباي. فلما استقر السلطان في تعز وجد أهل تعز على أخبث ما كانوا عليه من الخلاف وخرق العرض والشتم الشنيع فلما كان ليلة الأحد والعشرين من الشهر المذكور طلب السلطان العسكر وسائر المقدمين ووجه كل مقدم في قطعة من العسكر إلى ناحية من جبل صبر ففتحوا عليهم الحرب من عدة نواحي وغشيهم العسكر من كل طريق وطلع السلطان الجبل وتسنمه فلم يصل الموادم حتى قد صار عنده نحو من أربعين رأساً وسار في عسكره يريد الحصن وشنق في طريقة طائفة منهم ولم يزل يتبعهم وفي كل بلاد وشنقهم في كل طريق ويجز رؤوسهم حتى ذلوا ذلاً شديداً وهرب شيخهم ابن منير إلى الحشا فقام فيها إلى أن توفي هنالك في النصف من جمادى الآخرة وبعد خمسة عشر يوم من يوم الوقعة أمر السلطان صائحاً يصيح بالذمة الشاملة على صفوف أهل صبر ومن لا يحمل السلاح. ولما نزل السلطان من صبر أَقام في ثعبات. فلما كان اليوم الرابع من شهر ربيع الآخر سار إلى الجند.

стр. 384

وفي هذا التاريخ حصل من الملك المفضل وسيف بن حسن بن داود إلى السلطان كلام كثير وأن قصده الخروج عن الطاعة فطلبه السلطان إلى الجند فلما وصل لزمه وقيده وأرسل به إلى حصن تعز فأقام مسجوناً إلى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. وفي اليوم الثامن من شهر ربيع المذكور وصل العسكر بالقاضي إبراهيم بن محمد بن عمر بن اليحيوي ومعه بعض أولاده فأودعهم السجن. وفي يوم الثالث عشر من الشهر المذكور قدم الشيخ عبيد بن مهجف وكان مستولياً على حصن التعكر وحافظاً له فخرج غالب العسكر في لقائه ونزل مع الأمير الزعيم فلما كان يوم الرابع عشر أطلق خطه إلى ابنه بأن يسلم الحصن والعهد إلى نائب السلطان فطلع به الطواشي بارع فقبض الحصن ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور. ولما كان يوم الثالث من شوال تقدم في عساكره المنصورة إلى بلد المعافر وفرق المحاط عليها. وكانت محطته في منصورة الدملؤة وكان القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن يومئذ صاحب الباب وكان بينه وبين الزعيم من البغضاء ما قد علمه الخاص والعلم وليس لذلك سبب إلا التنافس على الرياسة والتقدم عند السلطان فأوقع ابن مؤمن في قلب السلطان ما أوحشه عنه وذلك انه اخبره انه اتفق هو والغياث بن السناني على الميل إلى الظاهر وأيّد ذلك في قوله الشرف بن حباجر وكان ابن حباجر صديقاً لأبن مؤمن فوقع في قلب السلطان من ذلك أمر عظيم وصدقهما. وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح محمد بن علي الزيلعي. ويروى عنه أنه كان يقول أنه شريف حسيني وكان فقيهاً متقناً صالحاً ورعاً تفقه بإسماعيل الحضرمي وبعلي بن صالح الحسيني وأخذ عن عمر السروي وغيره وكان معروفاً بالفقه والصلاح وإصابة الفتوى وشرح اللمع شرحاً مفيداً. وكان وفاته في السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه الصالح أبو بكر بن أحمد بن موسى بن عجيل وكان فقيهاً نبيلاً ورعاً جواداً عالماً عاملاً ناسكاً. وكان تفقه بخاله علي بن أحمد الصريدح وكان أجود اخوته فقهاً وورعاً وعلماً وعملاً.

стр. 385

قال الجندي توفى على رأس الثلاثين وسبعمائة رحمه الله تعالى. وفيها توفى الفقيه الصالح الجواد أبو العباس أحمد بن علي بن منامس الوافدي صاحب لحج وكان من أَعيان الزمان كرماً وفضلاً وجوداً ونبلاً ما صحب أحداً قط إلا وكان له عليه الفضل وما وصله طالب إلا وأعانه. قال الجندي سمعت الشريف إدريس يثني عليه بالكرم وبالفقه. ويقول ما كنت أظن أن في اليمن مثله ولا أظن مثله في غيرها. وتوفى لأيام مضت من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى وفي سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة أوقع السلطان بالزعيم لما أوقع ابن مؤمن في قلب السلطان منه فاستوحش منه السلطان واسودّ ما بينه وبينه ولا علم للزعيم بشيء من ذلك. وكان الزعيم صاحب إطعام لا سيما في المحاط فإنه لا يكاد ينقطع. فاتفق أن عمل سماطاً وكان السلطان قد زحف على أهل مطران ذلك اليوم فاجتمع به الزعيم وعرفه أنه عمل سماطاً للعسكر كافة وسأل من السلطان حضور السماط وان يمشي معهم تلك الليلة فأجابه السلطان إلى ذلك فرجع إلى موضعه وسعى في لتميم السماط والزيادة فيه ولما علم ابن مؤْمن بذلك بادر إلى السلطان وهو ابن حباجر وعرّفاه أنه ما مراده إلا القبض على السلطان والقيام بالدولة الظاهرية فما شك السلطان في ذلك مع تقدّم ما قد أوقعا في قلبه فنهض من فوره إلى منصورة الدملؤَة فدخلها بعد صلاة المغرب واستدعى الزعيم من فوره فلما وصل أمر بقتله فقتل وقطع رأَسه ولزم جماعة من أصحابه وقيدهم ولم يسلم من خاصته إلا القاضي جمال الدين محمد بن حسان وكان كاتب الزعيم يومئذ فيما دق وجل وعليه مدار أمره. ولما قتل الزعيم كما ذكرنا واخذ السلطان مطران وعاد إلى تعز عرض ابن مؤْمن يذكر الغياث بن السناني وانه ركن من أركان الفساد فأعرض السلطان عن إجابته إلى ما يريد وقال هذا رجل قد توثق مني بالأَيمان المؤَكدة ولا أنقض ما عقدت له على نفسي ولا أشك أنه قطعة فساد ولكن قد أمنته ولكن إذا ادعى عبد الرحمن اليحيوي أنه قتل أخاه ظلماً أحضرناه له شرعاً. فأشار ابن مؤْمن إلى القاضي وجيه

стр. 386

الدين في ذلك واستحضر ابن السناني وطلب السلطان قاضي الأقضية وهو القاضي عبد الأكبر وحضر أعيان الفقهاء ووجوه الدولة وادعى وجيه الدين على الغياث أنه قتل أخاه ظلماً وعدواناً فأنكر ابن السناني ذلك من دعواه فقال الحاكم للقاضي وجيه الدين أقم البينة وإلا استحلفه الأيمان الشرعية فالتفت وجيه الدين إلى السلطان وقال يا مولانا السلطان عندك شهادة أريد أداءها فقال السلطان ما عندي شهادة لك ولا له ولكنه كتب إليَّ كتاباً يخبرني فيه بقتل أخيك فقال يا مولانا السلطان أريد حضور الكتاب فأمر السلطان في مقامه ذلك من احضر الكتاب فلما قرئ الكتاب على الحاضرين اعترف ابن السناني أنه خطه وأنكر أن يكون باشر القتل. فقال له الحاكم قد توجه الحكم عليك لأنك اعترفت أن هذا الكتاب كتابك وقد أقررت في الكتاب انك قاتله فسأل القاضي وجيه الدين من السلطان أن يمكن من غريمه فأمر السلطان بتسليمه إليه فسلم إليه فقبضه ورسم عله من ساعته واخرج إلى الجهملية فقتل في السلف. وكان قتله بعد قتل الزعيم بمدة يسيرة. وفي هذه السنة أمر السلطان بإنشاء المدرسة التي عمرها في ناحية الجيل من مدينة تعز وجعلها مدرسة وجامعاً وخانقة ورتب فيها إماماً وخطيباً ومؤَذناً وقيماً ومدرّساً يقرؤون الفقه ومحدّثاً وطلبة يقرؤون الحديث ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن وشيخاً ونقيباً وفقراء وطعاماً للواردين ووقف عليها وقفاً جيداً يقوم بكفاية الجميع منهم. وفي هذه السنة توفي الفقيه البارع أبو محمد الحسن بن أحمد بن سالم بن عمران المنبهي السهلي وكان مولده في شعبان سنة سبع وثمانين وستمائة وكان تفقه بالفقيه صالح بن عمر وارتحل إلى جباء فأخذ عن الفقيه جمال الدين عثمان الجبائي ونقل التنبيه غيبا وحصل المنهاج للنواوي نسخاً ونقلاً في أربعة اشهر وحفظ بعض المهذب لأبي إسحاق الشيرازي غيبا وكان أوحد زمانه علماً وعملاً وفضلاً وورعاً مشهوراً بالصلاح. ولما بلغ درجة في الوصف عالية تناقلها الناس عنه. وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

стр. 387

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين بن أبي السعود الهمداني الفراوي وكان فقيهاً جيداً فاضلاً زاهداً ورعاً. وكان وثمانين يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث مولده وستمائة. وكان تفقه بأخيه. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة جرد السلطان العساكر إلى المخلاف وفتح الحرب عليهم من كل ناحية فقبض حصن حبّ في ذي القعدة من السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه أبو الخطاب عمر بن عثمان بن محمد بن علي بن أحمد الحبائي الحميري وكان فقيهاً صالحاً ورعاً استظهر القرآن الكريم وقرأ التنبيه قراءة محققة على فقهاء جُبْلة وسمع بعض المسموعات على غيرهم وكان بارعاً توفي في ذي القعدة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل الأديب أبو الخطاب عمر بن عيسى بن محمد ابن سليمان المنسكي ثم العامري وكان مسكنه الغُقْء بضم العين المهملة وسكون القاف وكان فقهياً متأدباً ويروى من الشعر شيئاً وله مشاركة جيدة في كثير من العلوم مقبول الكلمة في بلده. وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة ثلاث وثلاثين قبض السلطان سائر الحصون الحدقية وأذعنت القبائل طوعاً وكرهاً واتسقت المملكة ودخل المخالفون في الطاعة وأمر السلطان ﵀ بعمارة سور ثعبات ولم تكن مسورة قبل ذلك وجعل لها أبواباً ورتب على الأبواب حراساً وحفظةً واستقر الملك وهرب أصحاب الملك الظاهر منه لما ضاق بهم الأمر ولم يجدوا ملاذاً يلوذون به. فكتب الملك الظاهر إلى القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن والأمير شرف الدين بن حباجر بأن يسعى له في الصلح والصفح ويطلب له ذمة شاملة عليه وعلى من معه من أهله وغلمانه فأجاب مولانا السلطان إلى ذلك وأرسل القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن والأمير شرف الدين بن حباجر بالتقدم إليه ليصل في صحبتهما فتقدما إليه إلى السمدان بالذمة الشريفة فوصل صحبتهما. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو العتيق أبو بكر بن الفقيه يحيى بن أبي

стр. 388

الرجا. وكان فقيهاً فاضلاً مشهوراً ديّناً ورعاً معروفاً بجودة الفتوى في جبلة ونواحيها. ولد سنة سبع وستين وستمائة تفقه بأبيه وكان هو المشهور المشار إليه في وقته بجودة الفقه إلى أن توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة نزل الملك الظاهر من السمدان على الذمة الشاملة صحبة القاضي جمال الدين محمد بن مؤمن والأمير شرف الدين فأمر السلطان بتطليعه الحصن وان يودع دار الإمارة على الإعزاز والإكرام موسى بن حباجر فأقام به إلى شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة وتوفي رحمه الله تعالى. فلما بلغ علم موته إلى السلطان أمر على الحاكم بمدينة تعز يومئذ وسائر أعيان الفقهاء بها أن يشاهدوه وقت غسله ويتفقدوا أعضاءه فلم يجدوا فيه أثراً وإنما مات حتف أنفه فغسل وكفن وصلى عليه وقبر في تربة الملوك بعدينة وهي التربة التي هي ملاصقة لجامع عدينة من الناحية القبلية. وفي هذه السنة كملت عمارة سور ثعبات وركبت أبوابها وصارت مدينة حصينة وعمر جامعها وأجري إليه الماء ورتب فيه إماماً ومؤَذناً وخطيباً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن الكريم ومحدثاً يقرأ حديث رسول الله ﷺ ووقف السلطان عليهم وقفاً جيداً يقوم بكفاية الجميع منهم. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو حفص عمر بن الفقيه أبي بكر بن أحمد بن الفقيه علي بن أبي بكر الساعي تفقه أولاً في بلدة المخادن ثم ارتحل إلى زبيد فتفقه بأحمد بن سليمان الحكمي وغيره ودرس في مدرسة ميكائيل التي أنشأَها في زبيد وكان فقيهاً فاضلاً ذا معرفة شافية في الأصول والفروع معروفاً بشرف النفس وعلو الهمة. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة خمس وثلاثين وسبعمائة أوقع السلطان بالقاضي جمال الدين محمد بن مؤمن. قال علي بن الحسن الخزرجي واخبرني الفقيه إسماعيل بن علي بن تمامة وكان من نقلة الأخبار أن القاضي جمال الدين كانت قضيته في سنة سبع وثلاثين والله أعلم. قالوا وكان ابن مؤمن رجلاً حسوداً لذوي الأقدار لا يزال يغرى السلطان

стр. 389

بذوي المكانة من علمائه حتى يهلكهم فتلف بسعايته كثير من الناس. وكان القاضي موفق الدين عبد الله بن علي بن محمد بن عمر اليحيوي المعروف والده بالصاحب أوحد زمانه فصاحة وصباحة ورياسة وسياسة قل أن يأْتي الزمان بمثله. وكان ابن مؤمن يحسده حسداً كثيراً لكماله وتأَهله للرياسة فكان يحط من قدره عند السلطان ويقع فيه ويغريه به مرة بعد أُخرى فصودر مراراً ثم صودر مرة على يد ابن مؤمن فرسم عليه ترسيماً عنيفاً وضيق عليه ضيقاً شديداً وقصد هلاكه. وكان لابن مؤمن نقيب على بابه يقال له سعيد. وكان بينه وبين القاضي موفق الدين أُنس شديد لم يعلم به ابن مؤمن فاطلعه النقيب على مراد ابن مؤَمن فيه فسأَل منه إحضار دواة وقرطاس سرّاً إلى المستحم فأَحضر له دواة في نصف جوزة وقلماً فكتب وهو في المستحم إلى السلطان كتاباً لطيفاً يقول فيه يا مولانا الغارة الغارة. أن تكن روح أقل العبيد فبيدك يا مولانا السلطان ولا بيد ابن مؤمن وبعدّتك وإن يكن الغرض المال فأدركوني فإني على آخر دقيقة من عمري مع ابن مؤمن ويضاف أقل العبيد إلى من شئتم. فلما وقف السلطان على كتابه أرسل جماعة من الجاندارية فهجموا بيت ابن مؤمن ونزعوه من يده وجاءَوا به إلى الباب الشريف فأضافه السلطان إلى أمين جاندار. فضمن عنه بعض أهله بعشرة آلاف دينار وأطلق من يومه ذلك. فكان القاضي موفق الدين من يومئذ يحرر على خط ابن مؤَمن. وكان بن مؤمن يخط خطاًّ حسناً فلم يزل يحرر على خطه حتى أتقنه حرفاً بحرف وحاكاه في هيئته كلها. فلما أتقنه كتب بخطه إلى كافة القبائل من أصحاب بعدان والشوافي وغيرهم وهو يقدح في السلطان وبسيرته ويطلب منهم أن يمكنوه من الحصون ويعدهم من نفسه بكل خير وبجميع ما يحبونه عاجلاً وآجلاً. وأسقطت الأوراق في الطرق فالتقطها الناس من السيارة وغيرهم ووقف عليها من وقف فحمل إلى السلطان شيء منها فلما وقف عليها ما شك أنها خطة فوقع في نفسه منه شيء عظيم. ثم أن القاضي جمال الدين لما أمكنته

стр. 390

الفرص انتهزها وواطأ جماعة من الحرفاء وخواص السلطان أن يكثروا ذكر ابن مؤمن وأفعاله القبيحة فما يذكرونه إلا بكل ذكر قبيح حتى اشمأَز منه السلطان واسودّ ما بينه وبينه وحقق القاضي موفق السلطان للسلطان خيانة ابن مؤمن من وجوه كثيرة. فلما عزم السلطان على الفتك به أقبل عليه إقبالاً كليّاً بخلاف العادة حتى لا يقطع أمراً إلا بإشارته ووعده بالوزارة شفاهاً. وكان قبل ذلك مستمرّاً في قضاء الأقضية وحمل له أربعة أحمال طلبخانة وأربعة أعلام. وكان قاضياً مقطعاً ويتحدث في أمر الوزارة. وكان الباب كله بيده. فلما كان يوم الجمعة طُلب إلى ثعبات طلباً حثيثاً وكان يسكن المعزية مدينة تعز فطلع بعد صلاة الجمعة. فلما دخل ثعبات من باب تعز قبض هنالك ورسم عليه ترسيماً عنيفاً وحيز في باب تعز وأمر السلطان من ساعته على الطواشي صفي الدين جوهر الرضواني بأن يركب ويهجم بيت ابن مؤمن ويقبض جميع ما كان فيه. فركب وهجم البيت وقبض جمع الآنية وقبض دوابه وفرشه وجواريه. ثم أودع السجن بثعبات فأقام فيه إماماً. ثم أرسل السلطان به إلى المعسكر فقتل هنالك وقبر في البقيلين وقبره هنالك معروف مشهور. وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام البارع أبو محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن علي الأحمر الخزرجي الساعدي الأنصاري وكان فقيهاً بارعاً عالماً متفنناً محققاً مدققاً درس مدة في مدينة زبيد واخذ عنه بها جماعة من فقهائها وكان امثل من يشار إليه في العلم والتواضع والصبر على التدريس طلبه السلطان الملك المجاهد في تعز للتدريس في المدرسة التي أَنشأَها في مدينة تعز فكان أول مَنْ درس فيها ثم عزل عنها وعاد إلى زبيد ثم طلب إلى تعز أَيضاً للتدريس في المدرسة المجاهدية فأقام فيها مدرساً إلى أن توفي هنالك في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفي سنة ست وثلاثين قبض السلطان على جميع الحصون السُردُدِية. وفي هذه السنة المذكورة ظهر الدرهم الجديد الرياحيّ وبرز أمر السلطان أن لا يؤخذ من
следующие страницы →