← Адаб

Адаб · id 9236

الفاخر

المفضل بن سلمة

Полный текст (323 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٢٥٠_قولهم قد رَطَّلَ شَعْرَه أي قد أرسَلَه من قولهم: رجلٌ رَطِلٌ إذا كان مُسترخياً ليِّنَ المفاصل. ٢٥١_قد شاَطَ بِدَمِه معناه: ذهب به باطلاً. أي عَرَّضهُ للهَلِكة. ويقال: شاط بِدَمه وأشاط دَمَه أي ذهب به باطلاً، وشاط الدمُ نفسه، وقال الأعشى: قد نَطْعَنُ العَيْر في مَكْنُون فائِلِه ... وقد يَشِيطُ على أَرْماحِنا البَطَلُ ٢٥٢_قولهم سكرانُ ما يُبِتُّ قال الفرّاء: معناه: ما يقطع أمراً من سُكْره. قال: ويقال أبْتتُّ عليه القضاء وبتتُّه. وقال الأصمعي: سكران ما يبتُّ. ويقال: بتتُّ عليه القضاء لا غير. ومن ذلك صدقةٌ بتَّةٌ بتْلَة أي مقطوعةٌ لا رجعة له فيها. ومنه: الطلاق ثلاثاً بتَّة، أي لا رجعة له فيها.

стр. 142

٢٥٣_قولهم من مال جَعْدٍ وجَعْدٌ غيرُ مَحْمودِ أول من قال ذلك جعْد بن الحُصين الحضرمي أبو صخر بن الجعد الشاعر، وكان قد أسنَّ فتفرق عنه بنوه وأهله، وبقيت جاريةٌ سوداء تخدمه فعلِقَت فتىً من الحيّ يقال له عرابة، فجعلت انقل إليه ما في بيت جعْد. فظن بها فقال: أَبْلِغْ لَدَيْكِ بَنِي عَمِّي مُغَلْغَلَةً ... عَمْراً وعَوْفاً وما قَوْلِي بِمَرْدُودِ بأَنَّ بَيْتِي أَمْسَى فَوْقَ دَاهِيَةٍ ... سَوْدَاءَ قد وَعَدَتْنِي شَرَّ مَوْعُودِ تُعْطِي عَرَابَةُ ذِا مالٍ وذَا وَلَدٍ ... من مال جَعْدٍ وجَعْدٌ غَيْرُ محمُودِ ٢٥٤_قولهم أَذْكَرْتَنِي الطَّعْنَ وكنتُ ناسِياً أول من قال ذلك رُهم بن حَزْن الهلالي، وكان انتقل بأهله وماله من بلده يريد بلداً آخر، فاعترضه قوم من بني تغلب فعرفوه وهو لا يعرفهم. فقالوا له: خلِّ ما معك وانجُ. قال لهم: دونكم المال ولا تعرِّضوا للحُرُم. فقال له بعضهم إن أردت أن نفعل ذلك فألق رمحك. فقال: وإن معي لرمحاً! فشد عليهم فجعل يقتل واحداً واحداً وهو يرتجز: رُدُّوا على أَقْرَبِها الأَقَاصِيَا ... إِنَّ لها بالمَشْرَفِيِّ حادِيَا ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وكنتُ نَاسِيَا

стр. 143

٢٥٥_قولهم رُبَّ رَمْيَةٍ من غَيْرِ رَامٍ أول من قال ذلك الحَكم بن عبد يَغوث المِنقَري. وكان أرْمَى أهل زمانه، وأنه آلى يميناً ليَذبَحنّ على الغَبغَب، ويقال: لَيَدِجَنَّ مهاةً، فحمل قوسه وكنانته فلم يصنع شياً يومه ذلك. فرجع كئيباً حزيناً وبات ليلته على ذلك. ثم خرج إلى قومه فقال: ما أنتم صانعون؟ فإني قاتل نفسي أسفاً إن لم أذبحها اليوم، أو قال أدِجهُها اليوم! فقال له الحُصين بن عبد يغوث أخوه: يا أخي دِجْ مكانها عشراً من الإبل. ويقال اذبح ولا تقتل نفسك. قال: لا. واللاَّتِ والعُزَّى لا أظلم عاتِرةً وأترك النافرة. فقال له ابنه مُطْعِم بن الحكم: يا أَبَه احملني معك أرفدك. فقال له أبوه: وما أحمل من رَعَشٍ وَهِلٍ جبانٍ فاشلٍ. فضحك الغلام وقال: إن لم تر أوداجها تُخالط أمشاجها فاجعلني وداجها. فانطلقا فإذا هما بمهاةٍ فرماها الحكَمُ فأخطأها، ثم مرت أخرى فرماها الحكَمُ أيضاً فأخطأها، ثم عرضت ثالثةٌ فقال ابنه: يا أبه أعطني القوس فأعطاه فرماها فلم يخطئها. فقال أبوه: ربَّ رَميَةٍ من غير رامٍ. فذهبت مثلاً. ٢٥٦_قولهم الدَّالُّ على الخَيْرِ كفاَعِله أول من قال ذلك اللُّجيج بن شُنيف اليربوعي. وكان غدا يوماً في طلب القنص فعرض له عَير فأكبّ عليه يطلبه، وأمعن في ذلك حتى انتهى إلى أرض مُوحِشة

стр. 144

لا يعرفها، فكأنه أنكرها وفتر عن الطلب. فبينا هو كذلك إذ رأى رجلاً قاعداً على أكَمةٍ أزبَّ أعمى في أطمارٍ له، وبين يديه فِراشٌ من ذهبٍ وجوهر لم ير مثله. فدنا منه اللُجيج ليتناول مما بين يديه فلم يقدر على ذلك، فقال للأعمى: يا هذا ما الذي أرى بين يديك، أهو لك أم لغيرك؟ قال: وفيم سؤالك عما لم يُكسبك إياه كاسب، ولم يهبْه لك واهب. قال: إن الذي أرى لعجب. قال له الأعمى: أعجب مما ترى سؤالك عما ليس لك. أتحب أن يأخذ إبلك من لو شاء قتلك؟! قال: لا. ولكن أخبرني أجواد فتُرجى أم بخيل فتُقصى؟ قال الأعمى: إنما يعطي الجواد ماله، وليس هذا المال لي، ولكنه الرجلٍ لا بد أن يصل إليه. قال اللُجيج: ومن الرجل؟ قال: سعد بن خَشرم بن شمام، وهو في حيّ بني مالك بن هلال فاعدل عني واطلب سعداً تُصِب جدَّاً وعيشاً رَغداً، فإن الدالَّ على الخير كفاعله. فأرسلها مثلاً فانصرف اللُجيج لأهله وقد استُطير فؤاده مما رأى، فدخل خِباءه ونعس فنام مغموماً لا يدري مَن سعد بن خَشرم. فأتاه آتٍ في منامه فقال له: يا لُجيج إن شمّاماً في حيٍّ من بني شيبان من بني مُحَلّم، فهناك فاطلُب غِناك فقد أتاك فوق مناك. فانبعث اللُجيج من منامه فاستوى على راحلته، فأتى بني شيبان. فسأل عن بني مُحَلّم ثم سأل عن سعد بن خَشرم بن شمام. فقيل له: هذا أبوه، فأتاه وهو عند خِبائه فسلّم عليه. ثم سأله عن ابنه سعد فقال انطلقَ يطلُب اللُجيج بن شُنيف اليربوعي. وذلك أنّ آتياً أتاه في المنام فقال له إن لك مالاً في نواحي أرض بني يربوع لا يعلمه إلا اللُجيج. فقال: أنا اللُجيج. ثم أدبر وهو يقول: أَيَطْلِبُني من قد عَنانِي طِلاَبُه ... فيا لَيْتَني ألفقاكَ سَعْدَ بن خَشْرَمِ أَتَيْتَ بني يربوع يا سَعْدُ طالِبي ... وقد جئتُ كي ألقاك آل مُحَلَّمِ ثم سار حتى دنا من محلّته فاستقبله سعد، فقال له اللُجيج: أيها الراكب.

стр. 145

هل لقيت سعد بن خَشرم في حيّ يربوع. قال: أنا سعد فهل تدُلّ على اللُجيج بن شُنيف اليربوعي. قال أنا هو. فحيّاه وتساءلا. فقال له اللُجيج: أتيتك من أرضٍ نائية، أسري مع السارية، لأخبرك بالداهية، في أرض العالية. قال سعد: هاتِ لأمّك الخير. اصدقني خَبرك، أتَّبِع أثَرَك، وأسُرَّ نَفَرَك، وتَحْمَد سفرك. قال: أدُلّك على الرغيبَة. قال سعد: الدالُّ على الخير كفاعله. فوافق قوله قول الأعمى. فأخبره الخبر وانطلقا حتى أتيا الرجل وهو قاعدٌ في مكانه. فقال له اللُجيج: هذا سعد بن خَشرم، فأعطه ماله ولا تَظلِم. فقال له: نعم. اقبض مالك. فأقبلا بالمال. وأعطى سعدٌ اللُجيج من المال حُكمَه. ٢٥٧_قولهم لَوْ تُرِكَ القَطَا لَنَامَ أول من قال ذلك حَذام ابنة الديّان. وذلك أنّ عاطس بن خلاَّج بن سهم بن شمر بن ذي الجناح سار إلى أبيها في حِمْيَر وخَثعَم وجُعْفيّ وهَمَدان، فلقيَهم الديَّان في أربعة عشر حيّاً من أحياء اليمن. فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم تحاجزوا. وأن الديَّان خرج تحت ليلة وأصحابه هُرَّاباً. فساروا يومهم وليلتهم ثم عسكروا. فأصبح عاطس فغدا لقتالهم فإذا الأرض منهم بلاقِع، فجرَّد خيله في الطلب. فانتهوا إلى عسكر الديَّان ليلاً، فلما كانوا قريباً منهم أثاروا القطا فمرت بأصحاب الديَّان، فخرجت حذام ابنة الديَّان إلى قومها فقالت:

стр. 146

ألا يا قَوْمَنا ارْتَحِلوا وسِيرُوا ... فلو تُرِكَ القَطَا لَيْلاً لَنَامَا أي أن القطا لو تُرك ما طار في هذه الساعة. وقد أتاكم القوم. فلم يلتفوا إلى قولها وأخلدوا إلى المضاجع لما نالهم من الكلال. فقام دَيْسم بن طارق فقال بصوتٍ عالٍ: إذَا قالت حَذامِ فَصَدِّقُوها ... فإنَّ القولَ ما قالَتْ حَذامِ وحكى أبو عبيدة أنه سمع ابن الكلبي يقول: إن هذا البيت للُجيم بن صعب والد حنيفة وعِجل ابنَي لُجيم، وكانت حذام امرأته. وثار القوم فلجأوا إلى وادٍ كان منهم قريباً واعتصموا به حتى أصبحوا وامتنعوا منهم. ٢٥٨_قولهم لا مَاءَك أَبْقَيْتِ ولا حِرَكِ أنْقِيْت أول من قال ذلك الضبّ بن أَوْرى الكَلاعي. وذلك أنه خرج تاجراً من اليمن إلى الشام، فسار أياماً ثم حاد عن أصحابه فبقي فرداً في تيهٍ من الأرض، حتى سقط إلى قوم لا يدري مَن هُم. فسأل عنهم فأُخِبر أنهم هَمدان فنزل بهم وكان طريراً طريفاً. وأنّ امرأة منهم يقال لها عَمْرة بنت سُبيع هَوِيَتْه وهَوِيَها. فخطبها الضبُّ إلى أهلها. وكانوا لا يُزوجون إلا شاعراً أو عائفاً أو عالماً بعيون الماء. فسألوه عن ذلك فلم يعرف منه شيئاً فأبَوا تزويجه. فلم يزل بهم حتى أجابوه فتزوجها. ثم أنّ حيّاً من أحياء العرب أرادوا الغارة عليهم فتطيّروا بالضبِّ فأخرجوه وامرأته وهي طامثٌ فانطلقا ومع الضبِّ سقاء من الماء، فساروا يوماً وليلة وأمامهما عينٌ يظنّان أنهما يُصبِحانها، فقالت له: ادفع لي هذا السقاء حتى أغتسل فقد قاربنا العين، فدفع إليها

стр. 147

السقاء فاغتسلت بما فيه ولم يكفيها. ثم صبحا العين فوجداها ناضبةً وأدركها العطش. فقال الضبّ: لا ماءك أبقيت ولا حِرِك أنقيت! ثم استظلا بشجرة حيال العين فأنشأ الضبّ يقول: تالله ما طَلَّةٌ أًصَابَ بها ... بَعْلاً سِوايَ قَوارِعَ العَطْبِ كَيْما يكون الفُؤاد مُصْطَبِراً ... ويَكتَسِي من عَزائِه قَلْبي وأيُّ مَهْرٍ يكونُ أَثْقَلَ من ... ما طَلَبُوه مِنَّي على الضَّبِّ أنْ يعرِفَ الماءَ تحت صُمٍّ صَفاً ... أو يُخْبِر الناسَ مَنْطِقَ الخُطْبِ أخرجَني قَوْمُها بأنَّ رَحىً ... دَارَتْ بِشؤْمٍ لها على القُطْبِ فلما سمعت امرأته ذلك فرحت وقالت: ارجع إلى القوم فإنك شاعر. فانطلقا راجعين. فلما وصلا خرج القوم إليهما، فقال الضبّ: إني شاعر. فتركوهما. ٢٥٩_قولهم انْصُرْ أَخَاك ظاَلِماً أو مظلوماً أول من قال ذلك جُندَب بن العنبر بن عمرو بن تميم. وكان رجلاً دميماً فاحشاً، وكان شجاعاً. وأنه جلس وسعد بن زيد مناة يشربان، فلما أخذ الشراب فيهما قال جندب لسعد وهو يمازحه: ياسعد، شُرْبُ لبن اللقاح، وطول النَّكاح، أحب إليك من الكفاح، ودعس الرماح، وركض الوقاح. قال سعد: والله إني لأعملُ

стр. 148

العامل وأنحر البازل، وأُسكت القائل. قال جُندَب: إنك لتعم أنك لو فزِعتَ دعوتني عِجلاً، وما ابتغيت لي بدلاً. ولرأيتني بطلاً. فغضب سعد وأنشأ يقول: هل يَسُودُ الفَتِى إذا قَبُحَ الوَجْ ... هُ وأمْسَى قِراهُ غَيْرَ عَتِيدِ وإذا النَّسُ في النَّدِيِّ رأَوْهُ ... ناطِقاً قال قِوْلَ غَيْرٍ سَدِيدِ فأجبه جندب: لَيْسَ زَيْنُ الفَتَى الجَمَالَ ولكن ... زَيْنُهُ الضَّرْبُ بالحُسام التَلِيدِ إن يجُدْك الفَتَى فَذَاك وإلاَّ ... رُبَّما ضَنَّ باليَسيرِ العَتِيد قال سعد، وكان عائفاً: أما والذي أحلفُ به لتأْسِرنَّكَ ظَعينَةٌ، بين القرية والرقينة، ولقد أخبرني طيري، أنه لا يُغيثك غيري. وتفرّقا على ذلك. فغبرا حيناً ثم إن جُنباً خرج على فرس له يطلب القنص، فأتى أَمةً لبني تميم يقال أصلها من جُرْهُم. فقال: لتُمكّنني مسرورةً، أو لتُقهرنَّ مجبورة قالت: مهلاً فإن المرء من نُوكِه، يشرب من سقاء لم يوكِه. فنزل عن فرسه ودنا منها، فقبضت على يديه بيدٍ واحدة فلم يقدر على أن يتحرك، ثم كتفته بعنان فرسه وراحت به مع غنَمِها وهي تحدو به وتقول: لا تأْمِنَنَّ بَعْدَها الوَلائِدا ... فسوف تَلْقَى باسِلاً مُوَارِدَا وَحَيَّةٌ تُضْحِي بحَقٍّ رَاصِدَا فمرّ سعد في إبله فقال: يا سعد أغِثني. فقال سعد: إن الجبان لا يُغيث! فقال جُندَب:

стр. 149

يا أَيُّهَا المَرْءُ الكَرِيمُ المِشْكُوم ... انْصُر أَخَاكَ ظَاِلِماً أَوْ مَظْلُومَا فأقبل عليه سعد فأطلقه. وقال: لولا أن يُقال قتل امرأة لقَتلتُكِ. فقالت كلاَّ لم يكن ليكذب طيرك، ويصدق غيرك. قال: صدقت ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: انْصُر أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً. قيل يا رسول الله هذا ننصُره مَظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ فقال: تَرُدُّهُ عَن الظُّلْمِ. ٢٦٠_قولهم كِلاهُما وتَمْراً قال ذلك رجل مر بإنسان وبين يديه زُبدْ وسنام وتمر، فقال له الرجل أنلْني مما بين يديك. قال: أيُّما أحبُّ إليك زُبدٌ أم سنام؟ فقال الرجل: كلاهما وتمراً. ويقال إن الذي قال ذلك عمرو بن حُمران الجعدي، وكان في إبلٍ لأبيه يرعاها، فمرّ به رجل قد جهده العطش والجوع وبين يدي عمرو زُبدٌ وتمرٌ وقرصٌ، فقال الرجل: أطعمني من زُبْدك أو قُرصك. فقال عمرو: كلاهما وتمراً. ثم قراهُ وسقاه. ٢٦١_قولهم أَنفُكَ مِنْكَ وإِنْ كِانَ أَجْدَعْ أول من قال ذلك قُنفذ بن جَعْوَنة المازني للربيع بن كعب المازني. وذلك أنَّ

стр. 150

الربيع دفع فرساً كان قد أبرَّ على الخيل كَرَماً وجَوْدة إلى أخيه كُميْش ليأتي بأهله، وكان كُميش أَنْوَكَ مشهوراً بالحُمق. ومنهم كان رجل من بني مالك يقال له قُراد بن جرم قدم على أصحاب الفرس ليصيب منهم غرَّة فيأخذه، وكان داهية فمكث فيهم مقيماً لا يعرفون نَسَبَه ولا يُطهر من أمره. فلما نظر كُميش راكباً للفرس ركب ناقته ثم عارضه فقال: يا كُميش هل لك في عانةٍ لم أر مثلها سِمَناً لا عِظَماً، وعَيرٍ معها ذهَبٍ؟! فأما الأُتُن فتروح بها إلى أهلك فتملأ قدورهم وتُفرح صدورهم، وأما العَير فلا افتقاره بعده. فقال كميش: فكيف لنا به؟ قال: أنا لك به، ليس يُدرك إلا على فرسك هذا. قال: فدونَكَه. قال: نعم. فأمْسِك أنت عليَّ راحلتي. فركب قُراد الفرس وقال: انتظرني في هذا المكان. قال: نعم. ومضى. فلما توارى أنشأ يقول: ضَيَّعْتُ في العَيْرِ ضَلالاً لا مُهْرَكا ... لِتُطْعِمَ الحَيَّ جَمِيعاً خَيْرَكا فسوفَ تَأْتِي بالهوانَ أَهْلَكا ... وقبل هذا ما خَدَعْتَ الأَنْوَكا فلم يزل كُميش ينتظره حتى الليل. فلما لم يره انصرف إلى أهله وقال في نفسه: إن سألني أخي عن الفرس قلت تحوَّلَ ناقةً. فلما رآه أخوه الربيع قال: أين الفرس؟ قال: تحوّل ناقة. قال: فما فعل السرْج. وعرف أنه خُدِع قال: لم أذكر السرج فاطلب له عِلّة. فضربه الربيع ليقتله. فقال له منقذ بن جَعْونة: اِلْهَ عما فاتك، فإن أنفك منك وإن كان أجدع. فذهبت مثلاً. وقدم قُراد بن جرم على قومه بالفرس وقال في ذلك: رأيتُ كُمَيْشاً نُوكُهُ لِيَ نَافِعٌ ... ولم أَرَ نُوكاً قَبْلَ ذَلِكَ يَنْفَعُ يُؤَمِّلُ عَيْراً من نُضارٍ وَعَسْجَدٍ ... فَهَلْ كان في عَيْرٍ كَذلك مَطْمَعُ وقلتُ له أَمْسِكْ قَلُوصِي ولا تَرِمْ ... خِداعاً له وذُو المَكايدِ يَخْدَعُ

стр. 151

فَاَصْبَحَ يَرْمِي الخَافِقَيْن بِطَرْفِه ... وأَصْبَحَ تَحْتي ذُو أفانِينَ جُرْشُعُ أَبَرَّ على الجُرْدِ العَناجِيج كُلِّها ... فَلَيْس ولو أَقحَمتَهُ الوَعْرَ يَخشَعُ ٢٦٢_قولهم زُرْ غِبّاً تَزْدَدْ حُبّاً أول من قال ذلك مُعاذ بن صِم الخُزاعي، وكانت أمّهُ من عكّ وكان فارس خُزاعة. وكان يُكثر زيارة أخواله فاستفاد منهم فرساً وأتى به قومه. فقال له رجل من قومه، يقال له جُحَيْش بن سَوْدة، وكان عدواً: أتُسابقني على أنه من سبق صاحبه أخذ فرسه؟ فسابقه معاذ وأخذ فرس جحيش. وأراد أن يغيظه فطعن أيْطَل الفرس بالسيف. فسقط فقال جُحيش: لا أُمّ لك، قتلت فرساً خيراً منك ومِن والديك. فرفع معاذ السيف فضرب مفرِقع فقتله. ثم لحق بأخواله. وبلغ الحيّ ما صنَع. فركب أخٌ لجُحيش وابن عم له فلحقاه، فشدّ على أحدهما فطعنه فقتله، وشدّ على الآخر فضربه بالسيف فقتله، وقال في ذلك: ضَرَبْتُ جُحَيْشاً ضَرْبَةً لا لَئِمَةً ... ولكن بصافٍ ذِي طَرائِقَ مُسْتَكِّ قَتَلْتُ جُحَيْشاً بعد قَتْلِ جَوادِه ... وكنتُ قَدِيماً في الحوادث ذَا فَتكِ قَصدتُ لعَمْروٍ بعد بَدْرٍ بضَرْبَةٍ ... فخَرَّ صريعاً مثل عاتِرَةِ النُّسْكِ لكَيْ يَعْلَمَ الأقوامُ أَنِّيَ صَارِمٌ ... خُزَاعَةُ أَجْدادِي وأَنْمِي إلَى عَكِّ

стр. 152

فَقَدْ ذُقْتُ يا جَحْشَ بن سَوْدَةَ ضَرْبَتِي ... وَجَرَّبْتَنِي إِنْ كنتَ م القَتْلِ في شَكِّ تركتُ جُحَيْشاً ثاوِياً ذا نَوائِحٍ ... خَضِيبَ دَمٍ جاراتُه حَ، لَه تَبْكِي تُرِنُّ عليه أمُّه بانْتِحابها ... وتَقْشِرُ جِلْدَيْ مَحْجَرَيْها من الحَكِّ لِيَرْفَعَ أَقْوَاماً حُلُولِيَ فيهِمُ ... ويُزرِي بِقَوْمٍ إِن تركتُهُم تَرْكِي وحِصْني سَراةُ الطِّرْفِ والسَّيفُ مَعْقِلي ... وعِطْري غُبارُ الحَرْبِ لا عَبَقُ المِسكِ تَتُوقُ غَداةَ الرَّوْعِ نَفْسِي إلى الوَغَى ... كَتَوْقِ القَطَا يَسْمُو إلى الوَشَلِ الرَّكِّ ولَسْتُ بِرِعْدِيدٍ إذا راعَ مُعْضِلٌ ... ولا في نَوادِي القَوْم بالضَّيِّقِ المَسْكِ وكم مَلِكٍ جَدَّلْتُه بِمُهَنَّدٍ ... وسَابِغَةٍ بَيْضَاء مُحْكَمَةِ السَّكِّ فأقام في أخواله زماناً. ثم خرج مع بني خاله في جماعة من فتيانهم يتصيدون فحمل مُعاذ على عَيْرٍ فلحقه ابن خال له يقال له الغضبان، فقال: خلِّ علن العَيْر. قال: لا. ولا نَعْمَةَ عَيْن. قال الغضبان: أما والله لو كان فيك خيرٌ ما تركت قومك فقال مُعاذ: زُر غِبَّاً تزْدَد حُبّاً. فأرسلها مثلاً. ثم أتى قومه فأراد أهل المقتول قتله، فقال لهم قومه: لا تقتلوا فارسكم وإن ظلم. فقبلوا منه الدية. ٢٦٣_قولهم مَنْ يَرَ يَوْماً يُرَ بِه أول من قال ذلك كَلْحَب بن شُؤْبوب الأسدي، وكان خبَّاً عاتياً، وكان يُغير على طيء وحده. وأن حارثة بن لأْمٍ الطائي دعا رجلاً من قومه يقال له عِتْرِم فقال له: أما تستطيع أن تكفيني هذا الخبيث؟ فقال: بلى! ثم أرسل عشرة عُيوناً عليه.

стр. 153

فعلموا مكانه وانطلق إليه الرجل جماعة فوجدوه نائماً في ظلّ أراكةٍ وفرسه مشدودٌ عنده. فنزل إليه الرجل ومعه آخر، فأخذ كل واحد منهما بإحدى يديه فانتبه فزِعاً. فنزع يده من ممسكها وقبض على حلق الآخر فقتله، وبادر الباقون إليه فأخذوه وشدّوه وثاقاً. فقال لهم ابن المقتول، وهو حَوْذةَ بن عِتْرِم: دعوني أقتله كما قتل أبي. قالوا: حتى نأتي حارثة. فأبى. فقالوا: والله لئن قتلته لنقتلنّك به. وأتوا به حارثة بن لأْم فقال له حارثة: يا كَلْحب إنْ كنت أسيراً فطالما أَسَرت. فقال كلحب: من ير يوماً يُرَ به. فأرسلها مثلاً. فقال حوذة لحارثة: أعطني أقتله بأبي. فقال دونَكَه. وجعلوا يتكلمون وهو يعالج كتافه حتى انحلّ، ثم وثب على رجليه يحاضرهم وتواثبوا على الخيل واتّبعوه فأعجزهم. فقال حَوْذة في ذلك: إلَى اللهِ أشكو أَنْ أَؤُوبَ وقد ثَوَى ... قتيلاً وأَوْدَى سيَّدُ الْقَوم عِتْرِمُ فماتَ ضَيَاعاً هكذا بِيَدِ امرِئٍ ... لَئِيمٍ فَلَوْلا قِيلَ ذو الوِتْرِ مُعْلَمُ فبلغ ذلك كَلحباً فقال: أَحَوْذَةَ إِنْ تَفْخَرْ وتزعُمْ بأَنَّني ... لَئِيمٌ فمِنِّي عِتْرِمُ أَلأَمُ فأُقْسِمْ بالبيْت المحرّم مِنْ مِنىً ... أَلِيَّةَ بَرٍّ صادقٍ حين يُقسِمُ لَضَبٌّ بِقَاعِ الأَرْضِ حَلْفَةَ مُقْسِمٍ ... صَدُوقٍ ويَرْبُوع الفلا مِنْكَ أَكْرِمُ تواعِدُني بالمنكرات وإَنَّنِي ... صَبُور على ما نابَ جَلْدٌ عَرَمْرَمُ

стр. 154

فإِنْ أُفْنَ أَوْ أَعْمَرْ إلى وقتِ مُدّةٍ ... فإنِّي ابن شؤبوب الجسورُ الصَلَخْدَمُ ٢٦٤_ .... ٢٦٥_قولهم: قد يَضْرِط العَيْرُ والمِكواةُ فِي النَّار أول من قال ذلك عُرفطة بن عَرفجة الهِزّاني، وكان سيد بني هِزّان، وكان الحُصين بن نبيت العكلي سيد بني عُكل، فكان كل واحد منهما يغير على صاحبه، فإذا أسرت بنو عكل من بني هِزّان أسيراً قتلوه، وإذا أسرت بنو هِزان منهم أسيراً فَدَوه. فقدم راكبٌ لبني هِزّان عليهم فرأى ما يصنعون فقال لهم: لم أر قوماً ذوي عددٍ وعُدةٍ وجَلَدٍ وثروة يلجئون إلى سيد لا ينقض بهم وِتْراً. أرضيتم أن يفنى قومكم رغبة في الدية، والقوم مثلكم تؤلمهم الجراح ويعضّهم السلاح، فكيف تُقتلون ويَسْلَمون؟ ووبّخهم توبيخاً عنيفاً وأعلمهم أن قوماً من عُكل خرجوا في إبل لهم، فاخرجوا إليهم. فخرجوا فأصابوهم فاستاقوا اللإبل وأسروهم، فلما قدموا محلّتهم قالوا لهم: هل لكم في اللِّقاح، والأمة الردّاح، والفرس الوَقاح؟ قالوا: لا. ثم ضربوا أعناقهم. وبلغ عُكلاً الخبر فساروا يريدون الغارة على بني هِزّان. ونذرت

стр. 155

بهم بنو هِزّان فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً ختى فَشَت الجراح، وقُتل رجل من هِزان وأُسر رجلان من عُكل. وانهزمت عُكل فقال عُرفطة للأسيرين: أيكما أفضل لأقتله بصاحبه؟ وعسى أن نُفادي الآخر فجعل كل واحد منهم يُخبر أن صاحبه أكرم منه. فأمر بقتلهما جميعاً. فقدم أحدهما ليقتل وجعل الآخر يضرط فقال عرفطة: قد يضرط العير والمكواة في النار. فأرسلها مثلاً. ويقال أن أول من قاله مُسافر بن أب عمرو بن أمية بن عبد شمس. وكان من حديثه أنه كان يهوى هِنداً بنت عتبة وكانت تهواهه، فقالت: إن أهلي لا يزوّجونني منك لأنك مُعسر. فلو وفدت إلى بعض الملوك لعلك تصيب مالاً فتتزوجني! فرحل إلى الحيرة وافداً إلى النعمان. فبينما هو مقيم عنده إذ قدم عليه قادم من مكة فسأله عن خبر أهل مكة بعده، فأخبره بأشياء كان فيها أن أبا سفيان تزوج هنداً، فطُعِن من الغمِّ. فأمر النعمان به أن يُكوى. فأتاه الطبيب بمكاويه فجعلها في النار ثم وضع مكواة منها عليه، وعِلجٌ من علوج النعمان واقف. فلما رآه يُكوى ضَرَط، فقال مُسافر: قد يضرط العير والكواة في النار. ويقال: إن الطبيب ضرط. وهذا الخبر رواه أبو الحسن الدمشقي. ٢٦٦_قولهم لَنْ تَعْدمَ الحَسْنِاءُ ذَاما أول من قال ذلك حُبيَّ بنت مالك بن عمرو العدوانية وكانت جميلة. فسمع بجمالها مالك بن غسان فخطبها وحكّم أباها في مهرها. فلما حملها قالت أمها لنِسوتها:

стр. 156

إن عند الملامَسةِ رَشْحةً لها هَنة، فإذا أردتن إدخالها على زوجها فمسِّحْن أعطافها بما في أصدافها. فلما أردن ذلك بها أعجلهُنَّ زوجها عن تطييبها، فوجد منها رُوَيْحةً. فلما أصبح قال له أصحابه: كيف رأيت طَروقَتَك؟ قال: لم أر كالليلة لولا الرُوِيْحَة أنكَرْتُها. فقالت هي من خلف السِّتْر: لن تعدم الحسناء ذاما. فأرسلتها مثلاً. ٢٦٧_قولهم تَرَى الفِتْيَان كالنَّخْلِ ولا تَدْرِي مالدَّخْلُ أول من قال ذلك عَثْمة بنت مطرود البَجَلية، فكانت ذات عقل ورأى مُستَمع في قومها. وكانت لها أخت يقال لها خَوْد، ذات جمالٍ وعقل. وإنّ سبعة أخوةٍ من بني عامد، بطن من الأزْد، خطبوا خَوْداً إلى أبيها، أتوه وعليهم الحُلل اليمانية وتحتهم النجائِب، فقالوا نحن بنو مالك بن عقيلة ذي النحيين. فقال لهم انزلوا الماء. فباتوا على الماء ليلتهم، ثم أصبحوا غادين في تلك الحُلل والهيئة ومعهم ربيبة لهم يقال لها الشعثاء كاهنة، فمروا بوصيدها يتعرَّضون لها وكلهم وسيم جميل. وخرج أبوها فجلسوا إليه فرحَّبَ بهم فقالوا: بلغنا أن لك ابنة ونحن شباب كما ترى، كلنا نمنع الجانب، ونمنح الراغب فقال أبوها: كلكم خيار. فأقيموا نر رأينا. ثم دخل على بنته فقال: ما ترين؟ فقد أتاك هؤلاء القوم. فقالت أنكِحني على قدري ولا تُشطِط

стр. 157

في مهري، فإن تخطئني أحلامُهم لا تُخطئني أجسامهم، لعلّي أصيب ولداً وأُكثِر عدداً. فخرج أبوها فقال: أخبروني عن أفضلكم. قالت ربيتهم الشعثاء الكاهنة: اسمع أُخبرك عنهم. هم إخوة، كلهم إسوة، أما الكبير فمالك، جريء فاتك، يتعب السنابك، ويستصغر المهالك، وأما الذي يليه فالغَمْزُ، بَحْر غَمْرُ، يقصر دونه الفَخْر، نَهْدٌ صَقْرٌ. وأما الذي يليه فعلقمة، صليب المعجمة، منيع المَشْتَمة قليل الجمجمة. وأما الذي يليه فعاصم، سيد ناعم، جَلْدٌ صارم، أبيّ حازم، جيشه غانم، وجارُه سالم. وأما الذي يليه فثواب، سريع الجواب، عتيد الصواب، كريم النِصاب، كَلَيْثِ الغاب. وأما الذي يليه فمُدْرِك، بذولٌ لما يملِك، عزوفٌ عما يترك، يُغني ويُهلك، وأما الذي يليه فحَنْدَل، لِقرْنه مجدِّل، مُقلّ لما يحمل، يعطي ويبذل، وعن عدوّه لا ينكل. فشاورت أختها فيهم، فقالت أختها عثمة: ترى الفتيان كالنخل وما يُدريك مالدخْلُ. اسمعي مني كلمة، إن شرّ الغريبة يُعلن وخيرها يُدفَن أنكحي في قومك ولا تغرُرْك الأجسام. فلم تقبل منها. وبعثت إلى أبيها أنكحني مُدركاً. فأنكحها أبوها على مائة ناقة ورُعاتها. وحملها مدرك فلم تلبث عنده إلا قليلاً حتى صبحتهم فوارس من بني مالك بن كنانة فاقتتلوا ساعة، ثم إن زوجها وإخوته وبني عامد انكشفوا فسَبوها فيمن سَبوا. فبينا هي تسير إذ بكت فقالوا: ما يُبكيكِ؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبّحه الله جمالاً لا نفع معه. إنما أبكي على عصياني أختي، وقولها: ترى الفتيان كالنخل وما يُدريك ما الدخل. وأخبرتهم كيف خطبوها. فقال لها رجل منهم يُكنى أبا نُواس، شابٌ أسودْ، أفوَه مضطّرب الخَلْقِ: أترضين بي على أن أمنعك من ذئاب العَرَب؟ فقالت

стр. 158

لأصحابه: أكذلك هو؟ قالوا نعم. إنه مع ما ترين لمنيع الحليلة، وتتّقيه القبيلة. قالت: أجمل جَمالٍ، وأَكملُ كمالٍ. قد رضيتُ به. فزوّجوها إياه. ٢٦٨_قولهم جَوِّعْ كَلْبَكَ يَتْبَعْك أول من قال ذلك ملك من ملوك حمير، كان عنيفاً على أهل مملكته يغصبهم أموالهم ويسلبهم ما في أيديهم. وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه فلا يحفل بذلك، وأن امرأته سمعت أصوات السؤَّال فقالت: إني لأرحم هؤلاء لما يلقون من الجهد ونحن من العيش الرَغْد، وإني لأخاف أن يكونوا عليك سِباعاً وقد كانوا لدينا أتباعاً! فردّ عليها: جوِّع كلبك يتبعك. فأرسلها مثلاً. فلبث بذلك زماناً ثم أغزاهم فغنموا ولم يقسِم فيهم شيئاً، فلما خرجوا من عنده قالوا لأخيه وكان أميرهم: قد ترى ما نحن فيه من هذا الجَهد ونحن نكره خروج المُلْك منكم أهل البيت إلى غيركم، فساعدنا على قتل أخيك واجْلِس مكانه. وعَرَف بغيه واعتداءه عليهم فأجابهم إلى ذلك. فوثبوا عليه فقتلوه. فمرّ به عامر بن جَذيمة وهو مقتول، وقد سمع بقوله جوع كلبك يتبعك، فقال: ربما أكل الكلب مؤدِّبَه إذا لم ينلْ شِبَعَه. فأرسلها مثلاً. ٢٦٩_قولهم إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَة أول من قال ذلك سهْل بن مالك الفزاري. وذلك أنه خرج يومئذ فمرّ ببعض أحياء طيء، فسأل عن سيد الحي فقيل له: حارثة بن لأْم. فأمَّ رحله فلم يُصبه شاهداً

стр. 159

فقالت له أخته: انزل في الرحب والسعة، فنزل فأكرمته وألطفته. ثم خرجت من خِباءٍ إلى خباء فرأى أجمل أهل دهرها وأكملهم، وكانت عقيلة قومها وسيدة نسائها. فوقع في نفسه منها شيء، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها ولا ماوافقها من ذلك. فجلس بفناء الخباء يوماً وهي تسمع كلامه وهو ينشد: يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحضارهْ ... كيف تَرَيْنَ في فَتَى فَزَارَهْ أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَهْ ... إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَهْ فلما سمعت قوله عرفت أنه إياها يعني، فقالت: ماذا بقول ذي عقل أريب، ولا رأيٍ مُصيب، ولا أنفٍ نجيب. فأقِم ما أقمت مُكرَّماً، ثم ارتحِل إذا شئت مُسلَّما. فاستحيا من قولها وقال: ما أردت مُنكراً واسَوْأتاه. قالت: صدقت. وكأنها استحيت من تسرعها إلى تهمته. فارتحل فأتى النعمان فحباه وأكرمه. فلما رجع نزل على أخيها، فبينما هو مُقيم عندهم تطلّعت إليه نفسُها وكان جميلاً. فأرسلت إليه أن اخطُبني إن كانت لك فيّ يوماً من الدهر حاجة، فإني سريعة إلى ذلك. فخطبها وتزوجها وسار بها إلى قومه. ٢٧٠_قولهم قَطَعَ الله دابِرَه قال الأصمعي وغيره: الدابِر: الأصل. أي أذهب الله أصله. وقال الشاعر: فِدىً لَكُما رِجْلَيَّ أُمِّي وخَالَتي ... غَداةَ الكُلاب إذ تُجَزّ الدَوابِرُ أي يُقتل القوم فتذهب أصولهم فلا يبقى لهم أثر.

стр. 160

٢٧١_قولهم حابَيْتُ فُلاناً قال الأصمعي: معناه خصَصْته بالمَيْل. وقال زهير: أُحابِي بِهِ مَيْتاً بِنَخْلٍ وأبْتَغِي ... ودَادَك بالقَوْل الذي أنا قائل أي أخصّ بهذا القول. وأظنه مأخوذاً من الحَبْوة، وهو ما خُصّ به الإنسان من العطية. ويقال: معنى حابيت إي مِلْت إلى الرجل واتصلت به. وهو مأخوذ من حَبِيّ السحاب، وهو ما دنا بعضه إلى بعض، قال أوس: وأَبْيَضَ عَسَّالاً كأنَّ اهتزازَهُ ... تلألُؤ بَرقٍ في حَبَيٍّ تكلَّلا ٢٧٢_قولهم اقتُلُوني ومالِكاً أول من قال ذلك عبد الله بن الزبير وذلك أنه عانق الأشتر النَخَعي فسقطا إلى الأرض. واسم الأشتر مالك. فنادى عبد الله بن الزبير: اقتلوني ومالكاً، فضُرب به المثل لكل من أراد بصاحبه مكروهاً وإن ناله منه ضرر. ٢٧٣_قولهم العاشِيَة تُهيِجُ الآبِيَة أول من قال ذلك يزيد بن رُوَيْم الشيباني جدّ حَوْشَب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رُوَيْم. وحديث ذلك فيما قال المفضل الضبي: زعموا أن السُلَيك ابن السُلَكة خرج يريد أن يُغير في ناسٍ من أصحابه، فمر على بني شيبان في ربيع

стр. 161

والناس مُخصِبون فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت عظيم. فقال لأصحابه: كونوا إلى مكان كذا حتى آتي هذا البيت فلعلّي أصيبُ لكم خيراً. قالوا: افعل. فانطلق وقد أمسى وجَنَّ عليه الليل، فإذا البيت بيت يزيد بن رُوَيْم، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت. فأتى السُلَيك البيت من مؤخِّره فدخل، فلم يلبث أن أراحَ ابن له إبله فلما أراحها غضب الشيخ وقال لابنه: هلاّ عشَّيتها ساعة من الليل. قال ابنه: إنها آبية. قال له: العاشية تُهيجُ الآبية. فأرسلها مثلاً. ونفض يده في وجوهها فرجعت إلى مرتعها، وتبعها الشيخ حتى مالت لأدنى روضة فرتعت فيها. وجلس الشيخ عندها لتتعشّى وتبعه السُليك، فلما وجده مُغتَرَّاً خَتَله من ورائه ثم ضربه فأطار رأسه، وصاح بالإبل وطردها. فلم يشعر أصحابه وقد ساء ظنهم وتخوّفوا عليه إلا بالسُليك يطردها. وقال السُلَيك في ذلك: وعاشِيَةٍ رُجٍّ بِطانٍ ذَعَرْتُها ... بِصَوْتِ قَتيلٍ وسْطها يَتَسَيَّفُ كأنَّ عليهِ لَوْنَ بُرْدٍ مُحَبَّرٍ ... إذا ما أتاهُ صارِخٌ مُتَلَهِّفُ فباتَ له أهلٌ خَلاء فِناؤُهم ... ومَرَّت لهم طَيْرٌ فلم يَتَعَيَّفوا وكانوا يَظُنُّونَ الظُّنُونَ وصُحْبَتي ... إذا ما عَلَوا نَشْزاً أَهلُّوا وأوجَفوا وما نِلْتُها حتَّى تَصَعْلَكْتُ حِقْبَةً ... وكُنْتُ لأَسْبابِ المَنِيَّةِ أَعْرِفُ وحتى رَأَيْتُ الجُوعَ بالصيف ضَرَّنِي ... إذا قمت يَغْشَانِي ظِلالٌ فأُسْدِفُ

стр. 162

٢٧٤_قولهم البيعُ مُرْتَخَصٌ وغَالٍ أول من قال أحيحة بن الجلاح الأوسي سيد يثرب. وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي أتاه، وكان له صديقاً، لما وقع الشر بينه وبين بني عامر وخرج إلى المدينة ليتجهز لقتالهم حيث قتل خالد بن جعفر زهير بن جذيمة. فقال قيس لأُحَيحة: يا أبا عمرو نُبِّئتُ أن عندك دِرعاً ليست بيثرب درع مثلها، فإن كانت فضلاً فبعنيها أو فهبها لي. قال: يا أخا بني عبس! ليس مثلي يبيع السلاح ولا يَفضل عنه، ولولا أني أكره أن أستليم إلى بني عامر لوهبتها لك ولحملتك على سوابق خيلي، ولكن اشترِها بابن لَبُون، فإنَّ البيع مرتَخصٌ وغالٍ. فأرسلها مثلاً. فقال له قيس: وما تكره من استلامتك إلى بني عامر؟ قال: كيف لا أكره ذلك وخالد بن جعفر الذي يقول: إذا ما أردتَ العِزَّ في آلِ يَثْرِبً ... فنَادِ بِصَوْتٍ يا أُحَيْحَةُ تُمْنَعِ رأينا أبا عَمْروٍ أُحَيْحَةَ جَارُهُ ... يبيت قريرَ العَيْنِ غَيْرَ مُرَوَّعِ ومَنْ يأتهِ من خائفٍ يَنْسَ خَوْفه ... ومن يأتِه من جائعِ البَطْنِ يَشْبَعُ فضائلُ كانت لِلجُلاح قَدِيمَةٌ ... وأَكْرِم بفَخْرٍمن خِصالك أَرْبَعِ فقال قيس: يا أبا عمروٍ ما عليك بعد هذا من لَوم. فَلَها عنه، ثم عاوده فساومه

стр. 163

فغضب أُحيحة وقال له: بِتْ عندي. فبات عنده فلما شربا تغنّى أُحيحة وقيس يسمع: أَلاَ يا قَيْسُ لا تَسُمَنَّ دِرْعِي ... فما مِثْلي يُساوَمُ بالدُّرُوعِ فلولا خُلَّة لأبي جُزيْءٍ ... وأنّي لست عنها بالنَّزُوعِ لأُبْتَ بمِثلها عَشْرٍ وطِرْفٍ ... لَحُوقِ الإطْلِ جَيَّاشٍ تَلِيعِ ولَكِنْ سَمِّ ما أَحْبَبْتَ فِيها ... فليس بمُنْكَرٍ عَيْنَ البُيوعِ فما هِبَةُ الدُّرُوعِ أَخَا بَغِيضٍ ... ولا الخَيْل السَّوابِق بالبَدِيعِ ٢٧٥_قولهم زَيْنَبُ سُتْرَة أول من قال ذلك ابن رهيمة المدني الشاعر لزينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وقال بعضهم: هي زينب بنت عبد الله بن عكرمة، وكانت عجوزاً كبيرة ولها جَوارٍ مُغنيَّات. وكان ابن رُهَيمة، واسمه محمد وهو مولىً لخالد بن أسِيد، يتعشّق بعض جواريها فتُسرُّ لذلك وتَصِلهما وتكسوهما، فمن قوله فيها: أَقْصَدْتِ زَيْنَبَ قَلْبِي بعدَ ما ... ذَهَبَ البَاطِلُ مِنِّي والغَزَلْ ولها يقول: إِنَّما زَيْنَبُ الهَوَى ... وهْيَ الهَمُّ والمُنى وله فيها عدة أشعار. ثم إن زينب حجَبَتها لشيءٍ بلغها، فقال ابن رُهيمة:

стр. 164

وَجَدَ الفؤادُ بِزَيْنَبَا ... وَجْداً شَدِيداً مُتْعِبَا أَمْسَيْتُ من كَلَفٍ بها ... أُدْعَى الشَّقِيَّ المُسْهَبَا ولقد كَنَيْتُ عن اسْمِها ... عَمْداً لكي لا تَغْضَبَا وجَعَلْتُ زَيْنَب سُتْرَةً ... وكَتَمْتُ أَمراً مُعْجِبَا فصار كل من أومأ إلى شيء وهو يريد غيره يقول: زينب سُترةٌ. ٢٧٦_قولهم هو يَسْحَرُ بكلامه معناه يُعلِّل ويخدع. وقال محمد بن سلاَّم الحُمَجي: سألت يونس عن قول الله تعالى: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ. فقال: من المُعلَّلين، وأنشد لامرىء القيس: عَصافِيرٌ وذِبَّانٌ ودُودٌ ... ونُسْحَرُ بالطَّعَامِ وبالشَّرِابِ وقال لبيد: فإن تسأَليِنا فيمَ نَحْنُ فإِنَّنا ... عَصافِيرُ من هذا الأنامِ المُسَحَّرِ نَحُلُّ بِلاداً كُلّها حُلَّ قَبْلَنا ... ونَرْجو الفَلاحَ بعدَ عَادٍ وحِمْيَرُ والسِّحرُ أيضاً: الاستهواء وذهاب العقل. السِّحرُ: صرفُ الإنسان عن الشيء إلى غيره. يقال: سَحَرْتُه عن كذا أي صرفتُه عنه. وقال الله جل وعز: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ. أي تُصرفون

стр. 165

٢٧٧_قولهم أَخَذَتْه الأُخْذَة قال الفرّاء: الأُخْذة السِّحر. ومنه قولهم في يده أُخذة أي حيلة يَسحَر بها. ٢٧٨_قولهم مَن يَشْتَرِي سَيْفِي وهَذا أَثَرهُ أول من قال ذلك الحارث بن ظالم. وذلك أن خالد بن جعفر بن كلاب لما قَتَل زهير بن جَذيمة بن رواحة العبسي ضاقت به الأرض، وعلم أن غَطَفان غير تاركته، فخرج حتى أتى النعمان فاستجار به فأجاره، ومعه أخوه عتبة بن جعفر. وهض قيس بن زهير فاستَعدَّ لمحاربة بني عامر. وهجم الشتاء، فقال الحارث بن ظالم: يا قيس أنتم أعلَمكُم وحَربَكُم، فإني راحل إلى خالد حتى أقتله. فقال له قيس: يا حارث قد أجاره النعمان. فقال الحارث: لأَقتلنَّهُ ولو كان في حَجرِه. وكان النعمان قد ضرب على خالد وأخيه قبَّة وأمرهما بحضور طعامه ونِدامه. فأقبل الحارث ومعه تابع له من بني محارب، فأتى باب النعمان فاستأذن فأذِن له النعمان وفرِح به. فدخل الحارث وكان من أحسن الناس حديثاً وأعلمهم بأيام العرب. فأقبل النعمام عليه بوجهه وحديثه، وبين يديه تمرٌ يأكلون منه. فلما رأى خالد إقبال النعمان على الحارث غاظه، فقال: يا أبا ليلى ألا تشكُرني؟ فقال: فيم ذا؟ قال: قتلتُ زهيراً فصِرتَ بعده سيد غطفان. وفي يد الحارث تمرات فاضطربت يده وجعل يُرعِد ويقول: أأنت قتلته. والتمر يسقط من يده. ونظر النعمان إلى ما به من الزَّمَع، فنخص خالداً بقضيبه وقال: هذا يقتُلك. فافترق القوم، وبقي الحارث عند النعمان. وأشرج خالد قُبَّتَه عليه وعلى

стр. 166

أخيه وناما. وانصرف الحارث إلى رحله. فلما هدأَت العيون خرج الحارث بسيفه شاهره حتى أتى قبة خالد فهتك شرجها بسيفه. ودخل فرأى خالداً نائماً وأخوه إلى جنبه، فأيقظ خالداً فاستوى قائماً. فقال له الحارث: يا خالد أظننت أن دم زهيرٍ كان سائغاً لك، وعلاه بسيفه حتى قتله. وانتبه عُتبة أخوه، فقال له الحارث: لئِن نَبَسْتَ لأُلحِقنَّكَ به. وانصرف الحارث فركب فرسه ومضى على وجهه. وخرج عتبة صارخاً حتى أتى باب النعمان فنادى يا سوَْء جِواره. فأجيب لا رَوْعَ عليك. فقال: دخل الحارث على خالد فقتله وأخْفَر المَلِك جِواره. فوجّه النعما في أثره بفوارس، فلحقوه سَحَر، فعطف عليهم فقتل منهم جماعة. وكثروا عليه، فجعل لا يقصد لجماعة إلا فرَّقها ولا لفارس إلا قَتَله. وهو يرتجز: أنا أبو لَيْلِى وسَيْفِيَ المَعْلُوبْ ... مَنْ يَشْتَرِي سَيْفِي وهَذَا أَثَرُه فأرسلها مثلاً. وارتدعَ القوم عنه وانصرفوا إلى النعمان. المَعلوب: المشدود بالعلباء لئلا يضطرب السيف. والعِلباء: العَصَبة الصفراء التي تكون في العُنُق. وهما العِلباوان. ٢٧٩_قولهم قد كان ذّاكَ مَرَّةً فاليومَ لا أول من قال ذلك فاطمة بنت مُرّ الخَثْعَميَّة. وكان من حديثها فيما ذكر هشام بن الكلبي عن رجال خَثعَم. قالوا: كانت فاطمة بنت مرّ بمكة. وكانت قد قرأت

стр. 167

الكتب فأقبل عبد المطلب ومعه ابنه عبد الله يريد أن يزوجه من آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب. فمر على فاطمة فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت له: من أنت يا فتى؟ قال أنا عبد الله بن عبد المطلب بن هشام. فقالت له: هل لكَ أن تقَعَ عليَّ وأعُطيك مائة من الإبل؟ فقال: أَمَّا الحَرَام فلمَمَاتُ دُونَه ... والحِلُّ لا حِلّ فأسْتَبِينَه فَكَيْفَ بِلأَمْر الذي تَنْوِينَه ومضى مع أبيه فزوج آمنة وظل عندها يومه وليلته، فاشتملت بالنبي ﷺ . ثم انصرف وقد دعته نفسه إلى الإبل، فأتاها فلم ير منها حِرصاً. فقال لها: هل لك فيما قلت لي؟ فقالت: قد كان ذلك مرَّة فاليوم لا. فأرسلتها مثلاً. ثم قالت أي شيء صنَعْتَ بعدي؟ قال زوَّجنب أبي آمنة بنت وهب فكنت عندها. فقالت: رأيت في وجهك نور النبوة فأردت أن يكون بي، وأبى الله أن يضعه إلا حيث أحبَّ. وقالت فاطمة في ذلك: بَنِي هَاشِمٍ قد غَادَرَتْ م أخِيكُم ... أُمَيْنَةُ إذ للبَاهِ يَعْتَلِجان كَما غادَرَ المِصْباحُ بَعدَ خُبُوئِهِ ... فَتَائِلَ قد مِيثَت لَهُ بِدِهانِ وما كُلُّ ما يَحوِي الفَتِى مِنْ نَصِيبِهِ ... بِحَزْمٍ ولا ما فَاتَه بتَوانِ فأَجْمِل إذا طَالَبْتَ أَمْراً فإنه ... سَيَكْفِيه جَدَّانِ يَصْطَرِعان وقالت أيضاً في ذلك: إِنِّي رأَيْتُ مُخيِلةً نشأَتْ ... فَتَلأْلأَت بحنَاتم القَطْرِ للهِ ما زُهريَّةٌ سَلَبَتْ ... ثَوْبَيْكَ ما اسْتَلَبَتْ وما تَدْرِي

стр. 168

٢٨٠_قولهم حَدِيثُ خُرَافَة هو رجل من عُذرة ذكر يزيد بن هارون عن عبد السلام بن صالح بن كثير قال: حدثنا ثابت البناني قال: كان رسول الله ﷺ يُحدث نساءه فقال في حديثه: إنه كان فيمن كان قبلكم رجل كانت له أمٌ، وكانت له امرأة لها أمٌ، فقالت له امرأته لا أرضى حتى تحوَّلني عن أمك. فحوّلها عنها فكان يتحدث إلى أمه من الليل، ثم يأتي امرأته. فلما رجع من عند أمه ذات ليلة أتى أمّه آتيان فقالا لها: أيتها المرأة هل عندك من منزل؟ هل عندك من عشاء؟ قالت: مرحباً بك ادخلا. قال: فقالا لها: ما هذه الأصوات التي تُسمَع حول بيتك؟ قال: وما حول بيتها من شيء غير أنها أرادت أن تؤنسهما، فقالت: هذه أصوات إبل لنا وشاءٍ. فقال أحدهما لصاحبه: أعطي مُتمنٍّ ما تمناه. قال: فغدا عليها ابنها فقال: يا أمّتاه ما هذا الذي أرى؟ فحدثته حديث الرجلين اللذين أتياها. فانطلق الرجل فحدث به امرأته فحدثت به المرأة أمها فقالت: لا والله. ولكنه نظر إلى المنزل الصالح فأَنزل به أمه، ونظر إلى المنزل السوَء فأنزلكِه، فقولي له: والله لا أرضى حتى تحولني عن منزل أمك، وتحول أمك إلى منزلي. فأتى أمه فحدثها. فقالت: نعم! يابني افعل. ففعل فأتاهما آتيان، للمرأة وأمها بعد رَقْدة من الليل، فقالا: هل من قرىً؟ هل لك من منزل؟ فقالتا لهما: لا. وراءكما. ما عندنا إلا حنظلاتٌ في سلتنا. فقالا: ما هذه الأصوات اللاتي حول بيتكما؟ قالتا: أصوات سباع وجنٍّ، لو قد ذهبتما دخلت علينا فأكلتنا. قال: فقال أحدهما: أُعْطِي مُتَمَنٍّ ما تمنى وإن كان شراً. فلما مضيا دخلت عليهما

стр. 169

السباع فأكلتهما. فقال نساء رسول الله ﷺ : يا رسول الله كأن هذا حديث خُرافة. فقال: إن خرافة كان رجلاً من عُذرة سَبَتْهُ الجنُّ فكان فيهم زماناً يسمع ويرى. ثم رجع إلى الناس فكان يحدثهم بما رأى في الجن من العجائب. فكان الناس إذا سمعوا حديثاً عَجباً قالوا: كأنّ هذا حديث خُرافة. وذكر إسماعيل بن أبنٍ الورّاق قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكَّائي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن عبد الرحمن قال: سألت أبي عن حديث خرافة وعن كثرة ذكر الناس له، فقال: إن له حديثاً عجباً. ثم قال: بلغني أن عائشة قالت للنبي ﷺ : يا نبيّ الله حدثني بحديث خرافة. فقال النبي صلى عليه وسلم: رحم الله خرافة. إنه كان رجلاً صالحاً، وأنه أخبرني أنه خرج ذات ليلة في بعض حاجاته، فبينا هو يسير إذ لقيه ثلاثة نفرٍ من الجن فأسروه. أو قال: فَسَبَوهْ. فقال واحد منهم: نعفو عنه. وقال آخر: نقتله. وقال آخر: نستعبده. فبينما هم يتشاورون في أمره إذ ورد عليهم رجل، فقال: السلام عليكم. فقالوا: وعليك السلام. قال: ما أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الجن أسرنا هذا، فنحن نتشاور في أمره. فقال: إن حدثتكم بحديث عجَبٍ فهل تشركونني فيه؟ قالوا: نعم. قال: إني كنت رجلاً من الله بخير، وكانت لله علي نِعمة فزالت وركبني دين، فخرجت هارباً. فبينا أنا أسير إذ أصابني عطش شديد فصرت إلى بئر، فنزلت لأشرب فصاح بي صائح من البئر: مَهْ. فخرجتُ ولم أشرب. فغلبني العطش فعدتُ. فصاح مَهْ: فخرجت ولم أشرب. ثم عدت الثالثة فشربت ولم ألتفت إلى الصوت، فقال قائل من البئر: اللهم إن كان رجلاً فحوّله امرأة، وإن كانت امرأة فحوّلها رجلاً. فإذا أنا امرأة. فأتيت مدينة قد سمَّاها، نسي زيادٌ اسمها، فتزوجني رجل فولدت له ولدين. ثم إن نفسي تاقت إلى الرجوع إلى منزلي وبلدي، فمررت بالبئر التي شربت منها فنزلت لأشرب، فصاح بي كما صاح في المرة الأولى فلم ألتفت إلى الصوت وشربتُ. فقال: اللهم إن كان رجلاً فحوّله امرأة، وإن كانت امرأة فحوّلها

стр. 170

رجلاً، فعدت رجلاً كما كنت. فأتيت المدينة التي أنا منها فتزوجت امرأةً فولدت لي ولدين، فلي ابنان من ظهري وابنان من بطني. فقالوا: سبحان الله إن هذا لَعَجَب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم يتشاورون فيه إذ ورد عليهم ثورٌ يطير، فلما جاوزهم إذا رجلٌ بيده خشبة يُحْضر في أثره، فلما رآهم وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ فردوا عليه مثل مردّهم على الأول. فقال: إن حدثتكم أعجب من هذا أتشركوني فيه؟ قالوا: نعم. قال: كان لي عمٌ وكان موسراً، وكانت له ابنة جميلة. وكُنا سبعة أخوة. فخطبها رجل، وكان له عِجلٌ يُربيه. فأفلت العجل ونحن عنده، فقال: أيكم ردَّه فابنتي له. فأخذت خشبتي هذه واتزرتُ ثم أحضرت في أثره وأنا غلام، وقد شِبتُ، فلا أنا ألحقه ولا هو ينكُل. فقالوا: سبحان الله إن هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينا هم كذلك إذ ورد عليهم رجل على فرسٍ له أنثى، وغلام له على فرس رائع فسلّم كما سلّم صاحباه وسأل كسؤالهما. فردوا عليه كمردِّهم على صاحبيه. فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أتشركونني فيه؟ قالوا: نعم. فهات حديثك. قال: كانت لي أمّ خبيثة، ثم قال للفرس الأنثى التي تحته أَكَذاكِ هو؟ فقالت برأسها: نعم. وكنا نتهمها بهذا العبد، وأشار إلى الفرس الذي تحت غلامه، ثم قال للفرس أكذاك؟ فقال: برأسه. نعم. فوجهت غلامي هذا الراكب على الفرس ذات يوم في بعض حاجاتي فحبسته عندها. فأغفى فرأى في منامه كأنها صاحت صيحة، فإذا هي بجُرذٍ قد خرج، فقالت له: امخُر فمَخَر، ثم قالت اكْرُر

стр. 171

فكَرَر. ثم قالت ازرع فزرع، ثم قالت: احصد فحصد. ثم قالت: دُس فداس. ثم دعت برَحى فطحنت بها قدح سَويق. فانتبه الغلام فَزعاً مُروّعاً. فقالت له: ائْتِ بهذا مولاك فاسقه إياه. فأتى غلامي فحدثني بما كان منها، وقصّ عليّ القصة. فاحتلت لهما جميعاً حتى سقيتهما القدح، فإذا هي فرس أنثى وإذا هو فرس ذكر. أَكذاك؟ فقالا برأسيهما: نعم. فقالوا: يا سبحان الله إن هذا أعجب شيء سمعناه! أنت شريكنا فيه. فأجمعوا رأيهم فأعتقوا خُرافة. فأتى النبي ﷺ فأخبره بهذا الخبر. ٢٨١_قولهم لاَ تُعَلِّم اليَتِيمَ البُكَاء أول من قال ذلك زهير بن جناب الكلبي. وكان من حديثه عَلقَمة جِذل الطِعان بن فراس بن غَنْم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة بن خُزيمة، أغار على بني عبد الله بن كنانة بن بكر بن كلب، وهم بعُسْفان. فقتل عبد الله بن هُبَل وعبدة بن هُبَل، ومالك بن عبيدة، وصُريم بن قيس بن هُبَل وأسر مالك بن عبد الله بن هبل. قال فلما أُصيبوا وأفلت من أفلت، أقبلت جارية من بني عبد الله بن كنانة من كلب، فقالت لزهير ولم يشهد الوقعة: يا عماه، ما ترى فعل أبي؟ قال: وعلى أي شيء كان أبوكِ. قالت: على شقَّاء ومقَّاء، طويلة الأنقاء، تمَطَّقُ بالعَرَقِ تمَطُّقَ الشيخ بالمرق. قال: نجا أبوك. ثم أتته أخرى فقالت: يا عماه! وما تُرى

стр. 172

فعل أبي؟ قال: وعلى أي شيء كان أبوك؟ قالت: على طويل بطنُها، قصيرٍ ظهرُها، هاديها شطرُها، يكُبُّها حُضرُها. قال: نجا أبوك. ثم أتته بنت مالك بن عبيدة بن هبل، فقالت: يا عماه! ما ترى فعل أبي؟ قال وعلى أي شيء كان أبوكِ؟ قالت: على الكزّة الأنُوح، التي يكفيها لبن لقوح. قال: هلك أبوك. قال: فبكت. فقال رجل: ما أسوأ بُكاها. فقال زهير: لا تُعلّم اليتيم البُكاء. الشقَّاء: الطويلة. والمقَّاء: إتباع. يقال: أشقّ أمقّ. قال: الكزَّةُ: الضيِّقة مخارج النَفَس. والأنُوحُ: التي تنح من الكرب. قال: والنقِيُ المُخّ. والنقيُ: كل عظمٍ فيه مخ. ٢٨٢_قولهم قَدْ قِيلَ ذلك إِنَّ حَقَّاً وإِنْ كَذِباً ... فما اعْتِذارُك من شَيْءٍ إِذَا قِيلاَ أول من قال ذلك فيما زعم بن الكلبي النعمان بن المنذر. وكان من حديثه أنّ وفْدَ بني عامر قدموا النعمان بن المنذر في بعض حوائجهم، ومعهم لبيد بن ربيعة غُلاماً صغيراً فخلّفوه في رحالهم ودخلوا على النعمان، فوجدوا الربيع بن زياد العبسي عنده. فجعل الربيع يحزأ بهم ويسخر منهم، فغاظهم ذلك ورجعوا إلى رحالهم فوضعوا غداءهم. فقال بعضهم لبعض: ما رأيتم ما لقينا من أخي بني عبس؟! فاستفظعوا ذلك. فقال لهم لبيد: إذا دخلتم غداً على النعمان فأدخلوني معكم. قالوا: أو عندك خير؟ قال: سترون. فانطلقوا به معهم. فاستأذنوا على النعمان فأذن لهم

стр. 173

والربيع مع النعمان يأكل تمراً وزُبداً. فقال لبيد: أبيتَ اللعن. إن رأيت أن تأذن لي في الكلام؟ فأذن له فأنشد: مَهْلاً أَبَيْتَ اللَّعْنَ لا تَأْكُلْ مَعَهْ ... إِنَّ اسْتُهُ من بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ وَإِنَّهُ يُدْخِلُ فيها إِصْبَعَهْ ... يُدْخِلُها حتى يُوَاري أَشْجَعَهْ كأنَّما يَطْلُبُ شيئاً ضَيَّعَهْ فأفّف النعمان ورفع يده. وقال: كُفّ. ويلك يا ربيع! إني أحسبك كما ذكر. قال: لا. والذي يصلح الملك ما أنا كذلك. إن الغلام لكاذب. فأْذّن لي فأرحل رِكابي. فأذن له. فقام الربيع مُغضَباً وهو يقول: لَئِنْ رَحَلْتُ رِكابي إِنَّ لي سَعَةٍ ... ما مِثْلُها سَعَةٌ عَرْضاً ولا طُولاَ ولو جَمَعْتَ بني لَخْمٍ بِأَسْرِهِمُ ... لم يَعْدِلُوا رِيشَةً من ريش قِتميلا ويروى شمويلا. فأجابه النعمان: سجّح بِرَحْلِكَ عَنَّي حيث شِئْتَ ولا ... تُكْثِرْ عَلَيَّ ودَعْ عنك الأَبَاطِيلا فقد رُمِيتَ بداءٍ لستَ غاسِلَهُ ... ما جَاوَرَ النِّيلَ يوماً أهلهُ النيلا قَدْ قِيلَ ذلك إِنْ حَقّاً وإِنْ كَذِباً ... فما اعتذارُك من شَيْءٍ إذا قِيلا فذهبت الكلمة مثلاً.

стр. 174

٢٨٣_قولهم رُبَّ أَكْلَةٍ تَمْنَع أَكَلات أول من قال ذلك عامر بن الظرِب العدواني. وكان من حديثه أنه كان يدفع الناس في الحج، فرآه ملك من ملوك غسان. فقال: لا أترك هذا العدواني حتى أُذله. فلما رجع ذلك الملك إلى منزله أرسل إليه.: أُحبُّ أن تزورني فأحبوك وأُكرمك وأتخذك خليلاً. فأتاه قومه. فقالوا: تفِدُ ويَفِدُ معك قومك فيصيبون في جنبكَ ويتَّجِهون بجاهِك. فخرج وأخرج معه نفراً من قومه. فلما قدم بلاد الملك أكرمه وأكرم قومه. ثم انكشف له رأيُ الملك، فجمع أصحابه، وقال: الرأي نائمٌ والهوى يقظان. ومن أجل ذلك يغلِبُ الهوى الرأي. عجِلتُ حين عَجِلتُم، ولن أعود بعدها. إنا قد تورَّطنا بلاد هذا الملك فلا تسبقوني برَيْثِ أمرً أقيم عليه، ولا بعَجلة رأيٍ أخفُّ معه. فإن رأيي لكم. فقال قومه: قد أكرمنا كما ترى، وبعد هذا ما هو خيرٌ منه. فقال: لا تعجلوا فإن لكل عامٍ طعاماً، ورب أكلةٍ تمنع أكلات. فمكثوا أياماً. ثم أرسل إليه الملك فتحدث معه. قم قال الملك: إني قد رأيتُ أن أجعلك الناظر في أمور قومي. فقال له: إني لي كنز علمٍ لستُ أعلم إلا به تركته في الحيّ مدفوناً، وإنَّ قومي أضنَّاءُ بي. فاكتب لي سجلاً بجباية الطريق فيرى قومي طَمَعاً تطيبُ به أنفسهم، فأستخرج كنزي وأرجع إليك وافراً. فكتب له بما سأل. وجاء إلى أصحابه فقال: ارْتَحِلوا. حتى إذا أدبروا قالوا:

стр. 175

لم نر كاليوم وافِدَ قومٍ أقلَّ ولا أَبْعَدَ من نوالٍ! فقال: مهلاً فليس على الرزق فوْت، وغَنِم من نجا من الموْت. ومن لم ير باطناً يعِش واهناً، فلما قدم على قومه لم يعد. ٢٨٤_قولهم ما عِنْده طائِلٌ ولا نائل قال الأصمعي وغيره: الطائل: من الطَّوْل وهو الفضل. والنائل من النوال وهو العطية. فالمعنى: ما عنده فضلٌ ولا جود. وقال غيره: الطائل: الفضل من قولك: قد طال فلان فلاناً إذا زاد عليه في طُوله. والنائل: البُلُوغ، وهو من قولك: نلت كذا أي بلغت. فالمعنى: ما عنده فضلٌ ولا بُلغَة. ٢٨٥_قولهم ... ٢٨٦_قولهم رُبَّ ساعٍ لقاعِد يقال: إن أول من قال ذلك النابغة الذبياني. وكان قد وفد إلى النعمان بن المنذر وُفُودٌ من العرب فيهم رجل من بني عبس، يقال له شقيق، فمات عنده. فلما حَبَا

стр. 176

النعمانُ الوفودَ بَعَثَ إلى أهل شقيق بمثل حِباء الوفْد. فقال النابغة حين بلغه ذلك: ربّ ساعً لقاعِد. وقال النعمان: أَبْقَيْتَ للعَبْسِيّ فَضْلاً ونِعْمَةً ... ومَحْمَدَةً من باقياتِ المَحامِدِ حِباء شَقِيقٍ فوق أَعْظُمِ قَبْرهِ ... وما كان يُحْبَى قَبْرُ وافِدِ أَتَى أَهْلَه منه حِباءٌ وَنِعْمَةٌ ... وربّ امرىءٍ ساعٍ لآخَر قاعِدِ ٢٨٧_قولهم يا حَبَّذَا الإِماَرهْ وَلَوْ على الحِجارهْ قال أبو عبيدة: أول ما قيل ذلك للجّاج بن عتيقٍ الثقفي. وكان زياد بن أبيه ولاَّه بناء دار الإمارة بالبصرة والمسجد الجامع بها. فظهرت له أموالٌ وحال لم تكن. فقيل حَبَّذَا الإِماَرهْ وَلَوْ على الحِجارهْ. واقل مُصعب بن عبد الله الزبيري إنما قال ذلك عبد الله بن خالد بن أسِيد بن أبي أُمية، وقال لابنه ابنِ لي داراً بمكة واتخِذ فيها منزلاً لنفسك ففعل. فدخل عبد الله الدار فإذا فيها منزل قد أجاده وحسَّنه بالحجارة المنقوشة. فقال: لمن هذا المنزل؟ فقال: هذا المنزل الذي أعطيتني. فقال عبد الله: حَبَّذَا الإِماَرهْ وَلَوْ على الحِجارهْ. ٢٨٨_قولهم أَوْسَعْتَهم سَبَّاً وأَوْدَوا بالإِبل أول من قال ذلك كعب بن زهير بن أبي سُلْمى. وكان الحارث بن وَرْقاء الصيداوي أغار على بني غطَفانَ فاستاق إبل زهير وراعيه يساراً فقال:

стр. 177

بَانَ الخَلِيطُ ولم يَأْوُوا لمن تَرَكوُا ... وَزَوَّدُكَ اشتياقاً أَيَّةً سَلَكُوا وبعثها إلى الحارث فلم يردَّ عليه الإبل فَهَجاه. فقال كعب: أوسعتهم سَبَّاً وأودوا بالإبل. ٢٨٩_قولهم نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا هو عصام بن شَهْبَر الجرميّ. وكان قد غَلَب على أمر النعمان بن المنذر، ولم يكن لآبائه شَرف فَشَرُفَ بنفسه، فقيل له ذلك، فقال النابغة: نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا ... وَعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإِقْداما وَجَعَلَتْهُ مَلِكَاً هَمَامَا ٢٩٠_قولهم لا في العِيرِ ولا في النَّفِير أول من قال ذلك أبو سفيان بن حرب. وذلك أنه أقبل بعيرِ قُريش، وكان رسول الله ﷺ قد تحيَّنَ انصرافَها من الشام فندب المسلمين للخُروج معه، وأقبل أبو سفيان حتى دنا من المدينة وقد خاف خوفاً شديداً، فقال لمجدي بن عمروٍ: هل أحسست من أحد من أصحاب محمد؟ فقال مجدي: ما رأيتُ من أحد أُنكره إلا

стр. 178

راكبين أتيا هذا المكان، وأشار له إلى مُناخ عدي وبسبس عَيْنَي رسول الله ﷺ . أبعاراً من أبعار بعيرَيهما ففتَّها فإذا هي نوىً. فقال: علائفُ يثرب. هذه عيونُ محمد، فضرب وجوه عيرهِ فساحَل بها وترك بدْراً يساراً. وقد كان بعث إلى قريش حين فَصَلَ من الشام يخبرهم بما يخاف من النبي ﷺ . فأقبلت قريش من مكة. فأرسل إليهم أبو سفيان يخبرهم أنه قد أحرز العِيرَ ويأمرهم بالرجوع، فأبتْ قريش أن ترجع. ورجعت بنو زُهرة من ثنية لَفْتٍ، عدلوا إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان فقال: يا بني زُهرَة، لا في العير ِ ولا في النَّفير! قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع. ومضت قريش إلى بدر فوافقهم النبي ﷺ فأَظْفَرَهُ الله بهم. ولم يشهد بدراً من المشركين من بني زُهرة أحداً. ٢٩١_قولهم كُسَيْر وعُوَيْر أول من قاله أُمامة بنت نُشبة بن مرّة. وكان تزوجها رجل من غطفان أَعوَر يقال له خَلَف بن رَواحة فمكثت عنده زماناً حتى ولدت خمسة، ثم نَشَزَتْ عليه ولم تصبر فطلقَها. ثم إن أباها وأخاها خرجا في سفرٍ لهما فلقيهما رجل من بني سُليم يقال له حارثة بن مرّة، فخَطَبَ أُمامةَ وأحْسَن العطِيَّة فزوجاها منه، وكان أعرجَ مكسور الفخذ، فلما دخلت عليه رأته مَحطُوم الفخذ فقالت: كُسير وعوَيْر، وكلٌ غير خير. فضرب قولها مثلاً.

стр. 179

٢٩٢_قولهم بَقِيَ شَدُّه يقال: إنه كان في الزمن الأول فيما يُحكى عن البهائم هِرٌّ قد أفنى الجرذان، فاجتمع الباقون فقالوا: نريد أن نحتال بهذا الهرِّ بحيلةٍ، فإنّه قد أفنانا. فاجتمع رأيهم على أن يُعلّق في عنقه جُلجُل، فإذا سمعوا صوته حَذِروه. فجاءوا بالجُلجُل وشدُّوه بالخيط. فلما فعلوا ذلك قالوا: من يشدُدْه في عُنُقِه؟ فقال بعضهم: بَقِيَ شَدُّه. وقد قيل في ذلك: إِلاَّ امْرَأً يَعْقِدُ خَيْطَ الجُلْجُل ٢٩٣_قولهم خَلاَ لَكِ الجّوّ فبِيضِي واصْفِري أول من قال ذلك طرفة بن العبد، وهو يومئذ صغير، وذلك أن عمه كان قد حمله معه في بعض أسفاره، فنزل على ماءٍ لهم، وكان عليه قنابرُ، فمضى طَرَفَةَ بفخٍّ فنصبه للقنابر وقعد عامة يومه لم يَصِدْ شيئاً، ونفرت القنابر من ذلك الموضع، فقال: قَاتَلَكُنَّ الله من قَنَابِرِ ... مُهْتَدِياتٍ بالفَلا نَوَافِرِ فَلاَ سُقِيتُنَّ مَعِينَ المَاطِرِ ثم انتزع فخَّه من التراب ورجع إلى عمه. فلما تحمّلوا نظر طَرَفة إلى القنابر تلتقِطُ حَبَّاً كان ألقاهُ لهُنَّ فقال:

стр. 180

يا لَكِ من قُبَّرَةٍ بمَعْمِرِ ... خَلاَ لَكِ الجَوُّ فَبِيضي واصْفِري ونَقِّرِي ما شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي ٢٩٤_قولهم كان وَبالاً عليه الوَبال: الدّاء. قال لبيد: رَعَوهُ مَرْبَعاً وَتَصَيَّفُوه ... بِلا وَباءٍ وسُمَيَّ ولا وَبَالِ ١٩٥_قولهم ما كان نَوْلُك أَنْ تَفْعَلَ ذَاكَ قال أبو عبيدة: النَّوْلُ والنَّوالُ: الصَّلاح. وقال الأخفَش: النول والنوال: الحظّ والعطيَّة. وقال لبيد: وَقَفتُ بهِنَّ حتَّى قَالَ صَحْبِي ... جَزِعْتَ ولَيْسَ ذلك بالنَّوَالِ قال أبو عبيدة: ليس ذلك بصلاحٍ لك. وقال الأخفش: ليس ذلك بحظٍ وغنيمةٍ لك. وقال غيرهما: النَّوال: الصَّواب. وأنشد للبيد أيضاً: فَدَعِي المَلاَمَةَ وَيْبَ غَيْرِكِ إٍنَّهُ ... لَيسَ النَّوالُ بِلَوْمِ كُلِّ كَرِيمِ
следующие страницы →