← Адаб

Адаб · id 9236

الفاخر

المفضل بن سلمة

Полный текст (323 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

النعمانُ الوفودَ بَعَثَ إلى أهل شقيق بمثل حِباء الوفْد. فقال النابغة حين بلغه ذلك: ربّ ساعً لقاعِد. وقال النعمان: أَبْقَيْتَ للعَبْسِيّ فَضْلاً ونِعْمَةً ... ومَحْمَدَةً من باقياتِ المَحامِدِ حِباء شَقِيقٍ فوق أَعْظُمِ قَبْرهِ ... وما كان يُحْبَى قَبْرُ وافِدِ أَتَى أَهْلَه منه حِباءٌ وَنِعْمَةٌ ... وربّ امرىءٍ ساعٍ لآخَر قاعِدِ ٢٨٧_قولهم يا حَبَّذَا الإِماَرهْ وَلَوْ على الحِجارهْ قال أبو عبيدة: أول ما قيل ذلك للجّاج بن عتيقٍ الثقفي. وكان زياد بن أبيه ولاَّه بناء دار الإمارة بالبصرة والمسجد الجامع بها. فظهرت له أموالٌ وحال لم تكن. فقيل حَبَّذَا الإِماَرهْ وَلَوْ على الحِجارهْ. واقل مُصعب بن عبد الله الزبيري إنما قال ذلك عبد الله بن خالد بن أسِيد بن أبي أُمية، وقال لابنه ابنِ لي داراً بمكة واتخِذ فيها منزلاً لنفسك ففعل. فدخل عبد الله الدار فإذا فيها منزل قد أجاده وحسَّنه بالحجارة المنقوشة. فقال: لمن هذا المنزل؟ فقال: هذا المنزل الذي أعطيتني. فقال عبد الله: حَبَّذَا الإِماَرهْ وَلَوْ على الحِجارهْ. ٢٨٨_قولهم أَوْسَعْتَهم سَبَّاً وأَوْدَوا بالإِبل أول من قال ذلك كعب بن زهير بن أبي سُلْمى. وكان الحارث بن وَرْقاء الصيداوي أغار على بني غطَفانَ فاستاق إبل زهير وراعيه يساراً فقال:

стр. 177

بَانَ الخَلِيطُ ولم يَأْوُوا لمن تَرَكوُا ... وَزَوَّدُكَ اشتياقاً أَيَّةً سَلَكُوا وبعثها إلى الحارث فلم يردَّ عليه الإبل فَهَجاه. فقال كعب: أوسعتهم سَبَّاً وأودوا بالإبل. ٢٨٩_قولهم نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا هو عصام بن شَهْبَر الجرميّ. وكان قد غَلَب على أمر النعمان بن المنذر، ولم يكن لآبائه شَرف فَشَرُفَ بنفسه، فقيل له ذلك، فقال النابغة: نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا ... وَعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإِقْداما وَجَعَلَتْهُ مَلِكَاً هَمَامَا ٢٩٠_قولهم لا في العِيرِ ولا في النَّفِير أول من قال ذلك أبو سفيان بن حرب. وذلك أنه أقبل بعيرِ قُريش، وكان رسول الله ﷺ قد تحيَّنَ انصرافَها من الشام فندب المسلمين للخُروج معه، وأقبل أبو سفيان حتى دنا من المدينة وقد خاف خوفاً شديداً، فقال لمجدي بن عمروٍ: هل أحسست من أحد من أصحاب محمد؟ فقال مجدي: ما رأيتُ من أحد أُنكره إلا

стр. 178

راكبين أتيا هذا المكان، وأشار له إلى مُناخ عدي وبسبس عَيْنَي رسول الله ﷺ . أبعاراً من أبعار بعيرَيهما ففتَّها فإذا هي نوىً. فقال: علائفُ يثرب. هذه عيونُ محمد، فضرب وجوه عيرهِ فساحَل بها وترك بدْراً يساراً. وقد كان بعث إلى قريش حين فَصَلَ من الشام يخبرهم بما يخاف من النبي ﷺ . فأقبلت قريش من مكة. فأرسل إليهم أبو سفيان يخبرهم أنه قد أحرز العِيرَ ويأمرهم بالرجوع، فأبتْ قريش أن ترجع. ورجعت بنو زُهرة من ثنية لَفْتٍ، عدلوا إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان فقال: يا بني زُهرَة، لا في العير ِ ولا في النَّفير! قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع. ومضت قريش إلى بدر فوافقهم النبي ﷺ فأَظْفَرَهُ الله بهم. ولم يشهد بدراً من المشركين من بني زُهرة أحداً. ٢٩١_قولهم كُسَيْر وعُوَيْر أول من قاله أُمامة بنت نُشبة بن مرّة. وكان تزوجها رجل من غطفان أَعوَر يقال له خَلَف بن رَواحة فمكثت عنده زماناً حتى ولدت خمسة، ثم نَشَزَتْ عليه ولم تصبر فطلقَها. ثم إن أباها وأخاها خرجا في سفرٍ لهما فلقيهما رجل من بني سُليم يقال له حارثة بن مرّة، فخَطَبَ أُمامةَ وأحْسَن العطِيَّة فزوجاها منه، وكان أعرجَ مكسور الفخذ، فلما دخلت عليه رأته مَحطُوم الفخذ فقالت: كُسير وعوَيْر، وكلٌ غير خير. فضرب قولها مثلاً.

стр. 179

٢٩٢_قولهم بَقِيَ شَدُّه يقال: إنه كان في الزمن الأول فيما يُحكى عن البهائم هِرٌّ قد أفنى الجرذان، فاجتمع الباقون فقالوا: نريد أن نحتال بهذا الهرِّ بحيلةٍ، فإنّه قد أفنانا. فاجتمع رأيهم على أن يُعلّق في عنقه جُلجُل، فإذا سمعوا صوته حَذِروه. فجاءوا بالجُلجُل وشدُّوه بالخيط. فلما فعلوا ذلك قالوا: من يشدُدْه في عُنُقِه؟ فقال بعضهم: بَقِيَ شَدُّه. وقد قيل في ذلك: إِلاَّ امْرَأً يَعْقِدُ خَيْطَ الجُلْجُل ٢٩٣_قولهم خَلاَ لَكِ الجّوّ فبِيضِي واصْفِري أول من قال ذلك طرفة بن العبد، وهو يومئذ صغير، وذلك أن عمه كان قد حمله معه في بعض أسفاره، فنزل على ماءٍ لهم، وكان عليه قنابرُ، فمضى طَرَفَةَ بفخٍّ فنصبه للقنابر وقعد عامة يومه لم يَصِدْ شيئاً، ونفرت القنابر من ذلك الموضع، فقال: قَاتَلَكُنَّ الله من قَنَابِرِ ... مُهْتَدِياتٍ بالفَلا نَوَافِرِ فَلاَ سُقِيتُنَّ مَعِينَ المَاطِرِ ثم انتزع فخَّه من التراب ورجع إلى عمه. فلما تحمّلوا نظر طَرَفة إلى القنابر تلتقِطُ حَبَّاً كان ألقاهُ لهُنَّ فقال:

стр. 180

يا لَكِ من قُبَّرَةٍ بمَعْمِرِ ... خَلاَ لَكِ الجَوُّ فَبِيضي واصْفِري ونَقِّرِي ما شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي ٢٩٤_قولهم كان وَبالاً عليه الوَبال: الدّاء. قال لبيد: رَعَوهُ مَرْبَعاً وَتَصَيَّفُوه ... بِلا وَباءٍ وسُمَيَّ ولا وَبَالِ ١٩٥_قولهم ما كان نَوْلُك أَنْ تَفْعَلَ ذَاكَ قال أبو عبيدة: النَّوْلُ والنَّوالُ: الصَّلاح. وقال الأخفَش: النول والنوال: الحظّ والعطيَّة. وقال لبيد: وَقَفتُ بهِنَّ حتَّى قَالَ صَحْبِي ... جَزِعْتَ ولَيْسَ ذلك بالنَّوَالِ قال أبو عبيدة: ليس ذلك بصلاحٍ لك. وقال الأخفش: ليس ذلك بحظٍ وغنيمةٍ لك. وقال غيرهما: النَّوال: الصَّواب. وأنشد للبيد أيضاً: فَدَعِي المَلاَمَةَ وَيْبَ غَيْرِكِ إٍنَّهُ ... لَيسَ النَّوالُ بِلَوْمِ كُلِّ كَرِيمِ

стр. 181

٢٩٦_قولهم حَسِيبُكَ الله أي محاسبك على ما تفعل. والحسيب: الذي يتولّى الحساب. وقال المُخبَّل السعدي: فلا تُدخِلَنَّ الدَّهْرَ قَبْرَكَ حَوْبَةً ... يقومُ بها يوماً عليكَ حَسِيبُ أي يحاسبك بها الله جلّ وعزّ. ٢٩٧_قولهم هو غَلِقٌ أي كثير الغضب. والغَلَق: الغضب. قال عمرو بن شَأْس: وأَغْلَقُ من دُونِ امْرِىءٍ إِنْ أَجَزْتُه ... فلا تَبْتَغِي عَوْراتُه غَلَقَ القُفْلِ أي أضيقُ في غضبي. ويقال: الغَلِقُ: الضَّيِّقُ الخُلُق العَسٍرُ الرِّضَى. ٢٩٨_قولهم قَامَ على طَاقَةٍ أي على أَقصَى ما يُمكِنه من الهيئة. والطَّاقَة: القوة على الشيء، وهو الطَّوْقُ أيضاً. ومنه قولهم: ما لي به طاقَةٌ أي قوَّة.

стр. 182

٢٩٩_قولهم الإِيغَارُ معناه: الموضع الذي يُمنع من دخوله. وهو مأخوذ من قولك: أوْغرتُ الماءَ، وهو أن تُغليه حتى لا يقدر أحدٌ أم يضع يده فيه. ٣٠٠_قولهم هو جَزْلٌ معناه قويٌّ على ما يُكَلَّفُه. وأصل ذلك الحَطَب الجَزلِ، وهو القوي الغليظ. ومنه أَجزَلَ الله له العطِيَّة أي وفَّرَها. ٣٠١_قولهم سَرَد الحَدِيثَ. ولا تَسْرُد عَلَيْنا السردُ: أن تجيْ به وِلاءً في نَسَقٍ واحد. وأصل ذلك من سرْدِ الدِّرعِ، وهو أن تُحْكِمها وتجعل نظام حَلَقِها وِلاءً غير مُختلف. وقال لبيد: صَنَعَ الحَدِيدُ محافِظاً أَسْرَادَه ... لِينالَ طُولَ العَيْشِ غَيْرَ مَرُوم ويكون السرد من الخَْرزِ. يقال: سَرَد يَسرد إذا خرَز. والمِسرَدُ: الإشْفَى. والسِّرادُ: السير الذي يُخْرَز به. وقال لبيد: يُشَكُّ صِفاحَها بالرَّوْقِ شَزْراً ... كما خَرَجَ السِّرادُ من النِّقالِ

стр. 183

٣٠٢_قولهم اعتَذَرْتُ إلى فُلان الاعتِذار: قَطْع الرجل عن حاجته، أو قطعه عما أمسك في قلبه. وأصله قولهم: اعتذرت المياه إذا انقطعت. وقال لبيد: شُهور الصَّيف واعتَذَرت عليه ... نِطافُ الشيِّطين من السِّمال ويقال: الاعتذار: محو أثر الطلب أو محو أثر الموْجِدة، من قولهم: قد اعتذرت المنازل إذا دَرَسَت. قال ابن أحمر: أو كُنْتَ تعرِف آياتٍ فقد جَعَلَت ... أطلال إلْفك بالوَرْكاءِ تَعتَذِر ٣٠٣_قولهم فُلانٌ بَغَّاء معناه متهم بسوْءةٍ مقروفٍ بها. والبِغاء بالكسر: التُهمة. ومنه قول الله جلّ وعزّ: ولاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُم عَلَى البِغَاءِ. وقال لبيد يصف بقرة تطلب ولدها: وَقَدْ آثَرْتُ قِرْفَةَ البِغاءِ وقَدْ ... كانت تُراعِي مُلَمَّعاً شَبَبا القِرفَةُ: التهمة. يقول: آثرت تتبَّعَ المواضع التي تتَّهِم أن يكون أصيب بها، على ثورها الملمع.

стр. 184

والبُغاء بالضم: الطلب. وقال عمرو بن برَّاقة الهمداني: لا يمْنَعَنَّكَ من بُغا ... ءِ الخَيْرِ تَعْلاَقُ التَّمَائمِ ٣٠٤_قولهم ومن اللَّجَاجَة ما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ أول من قال ذلك الأسْعَر بن حُمران الجُعفي. وكان راهنَ عل مُهرٍ له كريم فَعطِبَ، فقال: أَهْلَكْتُ مُهْرِي في الرِّهَانِ لَجَاجَةً ... ومن اللَّجاجَةِ ما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ ٣٠٥_قولهم ما وراءك يا عِصامُ أول من قال ذلك: فيما ذكر عَوانة بن الحكم الحارث بن عمر ملك كندة. وذلك أنه لما بلغه جمال بنت عوف بن مُحلَّم وكمالها وشِدة عقلها، دعا عند ذلك امرأة من كندة يقال لها عصام ذات عقل ولسانٍ وأدبٍ. فقال لها: إنه قد بلغني جمال ابنة عوف وكمالها، فاذهبي حتى تعلمي لي علمها. فمضت حتى انتهت إلى أمها، وهي أمامةُ بنت الحارث، فأعلمها ما قدمت له. فأرسلت إلى ابنتها: أي بُنية! هذه خالتك أتتك لتنظر إليك، فلا تستتري عنها بشيءٍإن أرادت النظر من وجهٍ أو خُلُق، وناطِقيها إن استَنطَقَتْكِ. فدخلت إليها فنظرت إلى ما لم يُرَ مثله قط. فخرجت من عندها وهي تقول: ترك الخداع من كَشَفَ القناع. فأرسلتها مثلاً. ثم انطلقت إلى

стр. 185

الحارث. فلما رآها مُقبلة قال: ما وراءك يا عصام؟ قالت: صرَّح المحضُ عن الزُبْدة. رأيت جبهة كالمرآة المصقولة يَزيُنها شعرٌ حالِكٌ كأذناب الخيل، إن أرسلته خلته سلاسل، وإن مشطته قلت: عناقيدُ جلاها الوابِل. وحاجبين كأنهما خطَّا بقلم، أو سُوِّدا بحُمَم، تقوَّسا على مثل عين الظبيَةِ العَبْهَرة. بينهما أنفٌ كَحدِّ السيْفِ المَصقُول، حَفَّتْ به وجنتان كالأرجوان في بياضٍ كالجُمان، شَقَّ فيه كالخاتم لذيذ المبسِم، فيه ثنايا غُرٌّ، ذاتُ أشُرٍ. تُقَلِّبُ فيه لِساناً بفصاحة، وبيانٍ بَعَقلٍ وافرٍ وجوابٍ حاضِرٍ، تلتقي دونه شفتان حمَّاتان تحْلُبان رِيقاً كالشّهد، ذلك في رقبة بيضاء كالفضة، رُكِّبَت في صدرٍ كصدر تمثال دُمية، وعضدان مُدمجانِ، يتصل بهما ذراعان، ليس فيهما عظْمٌ يُمَسُّ ولا عِرقٌ يُجَسُّ، رُكِّبَت فيهما كَفَّان دقيقٌ قصبهما، ليِّنٌ عصبهُما. يُعقَد إن شئت منهما الأنامل. نَتأَ في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين يخرقان عليها ثيابها. تحت ذلك بطن طُوِي كطَيِّ القَباطيِّ المُدْمَجة، كُسِيَ عُكَناً كالقراطيس المُدرجة، تحيطُ تلك العُكن بِسُرَّةٍ كالمُدْهُن المجلُو. خلف ذلك ظهرٌ فيه كالجداول، ينتهي ذلك إلى خصرٍ لولا رحمة الله لانْبَتََر. لها كَفَلٌ يُقْعِدها إذا قامت، ويُقيمها إذا قعدت، كأنه دِِعْصُ الرمل لبَّدَه سقوط الطَّلّ. تحملها فخذان لَفَّاوان كأنهما قُفِلَتا على نَضَدِ جُمان، تحتهما ساقان خَدْلتان كالبرْدِيَّتين

стр. 186

شيبتا بشعرٍ أسود كأنَّه حَلَقُ الزَّرَد، يحمل قَدَمان كَخدْو اللِّسان. فتبارك الله مع صِغَرِهما كيف يَطيقان ما فوقَهما؟! فأرسل الملك إلى أبيها فزوَّجه إيَّاها. وبعث بصداقها فجُهِّزت. فلما أرادوا أن يحملوها إلى زوجها قالت لها أمها: أي بنيَّة! إن الوصية لو تركت لَفضْلٍ في أدبٍ تركت ذلك منك، ولكنها للغافل ومعونةٌ للعاقل. ولو أن امرأةً استغنت عن الزوج لغني أبَوَيها وشدة حاجتهما إليها كُنتِ أغنى الناس عنه. ولكن للرجال خُلِقنا ولنا خُلِقوا. أي بنيَّة! إنك فارقت الحٍواءَ الذي منه خرجتِ، وخلَّفتِ العُشَّ الذي فيه دَرَجتِ إلى وَكْرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، فأصبح بملكه إياك عليكِ رقيبا ومليكا، فكوني له أمَةً يكُنْ لك عبداً وشيكا. يا بُنيَّة! احملي عني عشر خصال تكن لك ذُخراً وذِكراً: الصُحبة بالقناعة، والمعاشرة بحُسن السمع والطاعة، والتعاهد لموقع عينيه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشمُّ منك إلا طيب الريح. والكحل أحسن الحسن الموجود، والماء أطيب الطيب المفقود. والتعاهد لوقت طعامه، والهُدُوُّ عنه حين منامه، فإن حرارة الجوع مَلْهَبة، وتنغيص النوم مغضبة. والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه، فإن الاحتفاظ بالمال حُسنُ التقدير، والإرعاء على العيال والحشم حُسنُ التدبير. ولا تُفشي له سراً، ولا تعصي له أمراً، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرتِ صدره. ثم اتَّقي مع ذلك الفرح إن كان تَرِحاً، والاكتئاب عنده إن كان فرحاً، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير. وكوني أشدَّ ما تكونين له إعظاماً أشدَّ ما يكونُ لك إكراماً، وأشد ما تكونين له موافقة أطول ما يكون لك مُرافقة. واعلمي أنَّكِ لا تصلين إلى ما تُحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت. والله جلّ وعزَّ بخير لك.

стр. 187

فحُمِلت إليه فعظُم موقعها منه، وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده أمرَ اليَمَن. ويقال إن أول من قاله النابغة الذبياني لعِصام بن شهبر حاجب النعمان. وكان النعمان قد اعتلَّ، فأتاه النابغة ليعوده فحجبه عصامٌ، فقال النابغة: فإنَّي لا ألومُك في دُخولي ... وَلَكِنْ ما وَرَاءَكَ يا عِصَامُ ٣٠٦_قولهم بَعْرَةٌ. عند الشَّيءْ يُتهاوَنْ بِه أصل ذلك أن نساء الجاهلية كان إحداهن إذا مات عنها زوجها اعتدَّت عليه سنة لا تخرج من بيتها، فإذا تمَّ الحولُ فمرَّ كلب رمته ببعرةٍ ثم خرجت من بيتها. وإنما تفعل ذلك لتُرِي الناس أن إقامتها حَوْلاً بعد زوجها أهون عليها من بعرةٍ يُرمى بها كلب. ثم كثر ذلك حتى جُعِل مثلاً في كل ما يتهاون به. وقد رُوي عن النبي ﷺ أن امرأة تُوفِّي عنها زوجها فاشتكت عينها، فأرادوا أن يُداووها، فسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: قد كانت إحداكُنَّ تمكث في بيتها الحَوْل، فإذا كان الحَوْل فمر كلب رمته ببعرة ثم خرجت. أفلا أربعة أشهر وعشرا؟!. وقد ذكرت الشعراء هذه الإقامة، فمن ذلك قول لبيد: وهُمُ رَبِيعٌ للمُجاوِرِ فيهم ... وَالمُرْمِلاتِ إذا تَطَاوَلَ عَامُها

стр. 188

٣٠٧_قولهم مَيْمُون النَّقِيبَة أي الطلعة. وأصل النَّقيبة: اللون والصورة. ويقال هو حسن النقيبة والنِّقاب، أي الصورة واللون. وإنما سُمي النقابُ الذي تلبسه المرأة بذلك لأنه يستر نقابها أي لونها بلونه. ويقال: يُرادُ بالنقيبة المفاجأة، من قولهم: لقيت فلاناً نِقاباً إذا فاجأك من غير أن تطلُبَه. ويقال النقيبة: المُخْتَبَر، يقال نّقَّبْتُ عن خبره ونَقَبْتُ بالتخفيف والتشديد إذا بحثت عن خَبَرِه، ومنه قول الله جل وعز: فّنَقِّبوُا في البلاد هَلْ مِنْ مَحِيصٍ. أي ابحثوا عن ذلك. وقال الشاعر في النقيبة: آبِي الهَضِيمَة مَيْموُن النقيبة مِعْ ... ناقُ الوسيقة ماضي الهَمِّ مُنْشَمِرُ ٣٠٨_قولهمكان ذاك بَيْضَة العُقْر العُقر هاهنا استعقام الرحم فلا تَحمِل. وزعم جماعةٌ من العلماء أنه يعني ببيضة العُقر بيضة الديك، وذلك أن الديك يبيض في عُمره بيضةً واحدةً، فيضرب ذلك مثلاً لكل من فَعَل فَعْلَةً واحدة لم يضف إليها أخرى. وقال الخليل بن أحمد: إنما سميت بيضة الديك بيضة العُقر لأنه تُمْتَحَنُ بها الجارية فيعلم حالها في العُقر. وهذا قولٌ لا يُعقل ولا أعلم أحداً قاله غيره.

стр. 189

٣٠٩_قولهم تَعِسَت العَجَلَةُ أول من قاله فِنْدٌ مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقَّاص. وكان أحد المغنِّين المُحسنين وكان يجمع الرجال والنساء، وله يقول ابن قيس الرقَيَّات: قَلْ لِفِنْدٍ يُشَيِّع الأظعانَا ... طَالَمَا سَرَّ عَيْشَنَا وكَفَانَا وكانت عائشة أرسلته يأتيها بنارٍ فوجد قوماً يخرجون إلى مصر فخرج معهم، فأقام بها سنةً ثم قَدِم فأخذ ناراً وجاء يعدو فعثر وتبدَّد الجمر، فقال: تعست العجلة، وفيه يقول الشاعر: ما رأينَا لِغُرابٍ مَثَلاً ... إذ بَعَثْنَاه يجي بالمِشْمَلَهْ غير فِنْدٍ أرسلوه قَابِساً ... فَثوَى حَوْلاً وسَبَّ العَجَلَهْ ٣١٠_قولهم العَصَا من العُصَيِّة أول من قال ذلك الأفعى الجُرْهُمي. وكان من حديث ذلك: أن نزاراً لما حضرته الوفاة جمع بنيه مُضر وإياداً وربيعة وأنماراً فقال: يابنِيَّ! هذه القبَّة الحمراء، وكانت من أدم، لمضر، وهذا الفرس الأدهم والخِباء الأسود لربيعة، وهذه الخادم، وكانت شمطاء لإياد، وهذه البَدْرَة والمَجْلِس لأنمارٍ يجلس فيه. فإن أشكل عليكم كيف تقتسمون

стр. 190

فأْتوا الأفعى الجُرْهُمي ومنزله بنَجْرَان. فتشاجروا في ميراثِه فتوجهوا إلى الأفعى الجُرْهُمي، فبينا هم في مسيرهم إليه إذ رأى مُضراً أثر كلأٍ قد رُعي فقال: إن البعير الذي رعى هذا الأعور، قال ربيعة: إنه لأزوَر، قال إيادٌ: إنه الأبْتَر، قال أنمارٌ: إنه لَشَرود. فساروا قليلاً فإذا هم برجلٍ يُضِعُ جَمَلَه. فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور؟ قال: نعم. قال ربيعة: هو أزْوَر؟ قال: نعم. قال إيادٌ: هو أبتَر؟ قال: نعم. قال أنمارٌ: هو شَرودٌ؟ قال: نعم. وهذه والله صِفة بعيري فدُلّوني عليه. قالوا: والله ما رأيناه. قال: هذا والله الكذِب. وتعلّق بهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته؟ فساروا حتى قدموا نَجْران. فلما نزلوا نادى صاحب البعير: هؤلاء أصحاب جَمَلي، وصفوا لي صفته، ثم قالوا: نرهْ. فاختصموا إلى الأّفعى، وهو يومئذٍ حَكَمُ العرب. فقال الأفعى: كيف وصفتموه ولم تروه؟ قال مضر: رأيته قد رعى جانباً وترك جانباً فعلمت أنه أعور. قال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة والأخرى فاسدة فعرفت أنه أزور، لأنه أفسده بشدة وطئه. قال إيادٌ عرفت أن أبتر باجتماع بعِرِه، ولو كان ذَيَّالاً لَمَصَعَ به. قال أنمارٌ: عرفت أنه شرود، لأنه كان يرعى في المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى أرقَّ منه وأخبث نبتاً، فعلمت أنه شَرود. فقال للرجل: ليسوا بأصحابك فاطلب بعيرك. ثم سألهم: من أنتم؟ فأخبروه. فرحَّب بهم. ثم أخبروه بما جاء بهم. فقال: أتحتاجون إليّ وأنتم كما أرى؟! ثم أنزلهم فذبح بهم شاةً، وأتاهم بخمرٍ، وجلس لهم الأفعى حيث يَرى، ويسمع كلامهم. فقال ربيعة: لم أرَ كليوم لحماً أطيب من لولا أن شاته غُذِيَت بلبن كلبة. قال مضر: لم أرَ كاليوم خمراً أطيب منه، لولا أنّ حَبَلَتْه نبتت على قبر. فقال إياد:

стр. 191

لم أرَ كليوم رجلاً أسرى منه لولا أنه ليس لأبيه الذي يُدعى له. فقال أنمارٌ: لم أرَ كاليوم كلاماً أنفع في حاجتنا منه، وهو يسمع كلامكم. فقال: ما هؤلاء إلا شياطين. ثم دعا القهْرمان فقال: ما هذه الخمر وما أمرها؟ قال: هي حبلة غرستها على قبر أبيك. وقال للراعي: ما أمر هذه الشاة؟ قال: هي عناقٌ أرضعتُها بلبن كلبة وكانت أمها ماتت، ولم تكن في الغنم شاة ولدت غيرها. ثم أتى أمه فقال لها: أصدِقيني مَنْ أبي؟ فأخبرته أنها كانت تحت ملك كثير المال وكان لا يُولد له، قالت فخفت أن يموت ولا ولد له فيذهب المُلْك، فأمكنت من نفسي ابن عمٍ له كان نازلاً عليه فولدتك. فرجع إليهم فقصّوا عليه قصتهم وأخبروه بما وَصَّى به أبوهم. فقال: ما أشبه القبَّة الحمراء من مالٍ فهو لمضر، فذهب بالدنانير والإبل الحُمر، فسميت مُضَر الحمراء. وأما صاحب الفرس الأدهم والخِباء الأسود فله كل شيء أسود، فصارت لربيعة الخيل الدُهْم، فقيل ربيعة الفرس. وما أشبه الشمطاء فلإيادٍ، فصارت له الماشية البُلق فسمّيت إياد الشمطاء. وقضى لأنمار بالدراهم والأرض. فصدروا من عنده على ذلك. وقال الأفعى: إن العصا من العُصيّة. وإن خُشَيْناً من أخْشَن. ومساعدة الخاطل تُعدّ من الباطل. فأرسلهم مثلاً. والعصا من العُصيّة معناه: تكون عُصيَّةً ثم تكبُر. والمعنى أن الأمر الصغير يكون كبيراً، فليس ينبغي للإنسان أن يحقر أمراً فإنه لا يدري ما يكون عواقبه. ومثله قول الحارث بن وَعْلة الجَرمِي: لا تأْمَنَنَّ قَوْماً وَتَرْتَهُم ... وبَدَأْتَهُم بِالغَشْمِ والظُلْمِ أَنْ يِأْبِروُا نَخْلاً لغَيْرِهِم ... والشيءُ تَحْقِرُه وقد يَنمِي

стр. 192

وحكى أبو الحسن الأسدي: أن العُصيَّة فرس كانت كريمة فنتجت مُهراً جَواداً فسُمي العصا، وخرج جواداً فقيل: العصا من العُصيّة، ولم أسمع به إلا عنه. والأول المعروف. ٣١١_قولهم عَبِيدُ العَصَا أول من قيل له ذلك بنو أسد. وكان سبب ذلك أن ابناً لمعاوية بن عمرو بن معاوية حَجَّ فَفُقِد، فاتُّهِم رجل من بني أسد يقال له حِبال بن نصر بن غاضِرة. ويقال إن غاضِرة من السكون. فأُخبر بذلك الحارث. فأقبل حتى ورد تِهامة أيام الحج وبنو أسد بها فطلبهم فهربوا منه. فأمر منادياً ينادي مَنْ آوِى أَسَديِّاً فدَمُه جُبار. فقالت بنو أسد: إنما قَتَل صاحبكم حِبال بن نصر بن غاضِرة من السُّكُون. فانطلِقوا بنا إلى الملك حتى نُخبره، فإن قَتَل الرجل فهو منهم، وإن عفا فهو أعلم. فخرجوا بحِبال إليه. فقالوا: قد أتيناك بِطَلَبَتِكَ، فأخبره حِبال بمقالتهم فعفا عنه. وأمر بقتلهم. فقالت له امرأة من كِندة من بني وهْب بن الحارث، يقال لها عُصيَّة، أخوالها بنو أسد: أبيت اللعن هَبْهُم لي لإغنهم أخوالي. قال: هم لك. فأعتقتهم. فقالوا: إنّا لا نأْمن إلا بأمان الملك. فأعطى كل واحد منهم عصاً. وبنو أسدٍ يومئذٍ قليل. قأقبلوا إلى تِهامة ومع كل رجل منهم عصاً. فلم يزالوا بتهامة حتى هلك الحارث. فأخرجهم بنو كنانة من مكّة. وسُمّوا عبيد العصا بعُصيّة التي عتقتهم، وبالعصا التي أخذوها. قال الحارث بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعة يهجو رجلاً منهم:

стр. 193

اشْدُد يَدَيْكَ على العَصا إِنَّ العَصَا ... جُعِلَتْ أَمَارَتَكُم بِكلِّ سَبِيلِ إِنَّ العَصا إِنْ تُلْقِها يا ابنَ اسْتِها ... تُلْقَى كَفَقْعٍ بالفَلاةِ محِيل وقال عُتبة بن الوَعْل لأبي جَهْمَة الأسدي: أَعَتِيقَ كِنْدَة كيف تَفْخَر سادِراً ... وأَبُوكَ عَنْ مَجْدِ الكِرَامِ بِمَعْزِلِ إِنَّ العَصَا لا دّرَّ دَرُّكَ أَحْرَزَتْ ... أَشْيَاخَ قَوْمِكَ في الزَّمَانِ الأَوَّلِ فاشْكُر لِكِنْدَةَ ما بَقِيَت فِعالَهم ... ولَتَكْفُرَنَّ اللهَ إنْ لم تَفْعَلِ ٣١٢_قولهم عند الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى أول من قال ذلك خالد بن الوليد. لما بعث إليه أبو بكر وهو باليمامة أنْ سِرْ إلى العراق أراد سلوك المفازَة، فقال له رافع بن عمروٍ الطائي: قد سلكتُها في الجاهلية، وهي خمسٌ للإبل الواردة، ولا أظنك تقدِر عليها إلا أن تحمل الماء. قال: فتحمَّل من الماء شيئاً كثيراً، واشترى مائة شارِفٍ فعَطَّشها ثم سقاها الماء حتى روِيَت، ثم كَتَبَها وكَعَمَ أفواهها، ثم سلك المفازة. حتى إذا مضى يومان وخاف العطش على الناس والخيل، وخاف أن يذهب ما في بطون الإبل، نحرها فاستخرج ما في بطومها من الماء فسقى الناس والخيل ومضى. فلما كان في الليلة الرابعة، قال رافع: انظروا هل ترون سِدراً عِظاماً فإن رأيتموه وإلاّ فهو الهلاك. فنظر الناس فأخبروه، فكبَّر وكبَّر الناس. ثم هَجَموا على الماء. فقال خالد:

стр. 194

لِلهِ دَرُّ رافِعٍ أَنَّى اهْتَدَى ... فَوَّزَ من قُراقِرٍ إلى سُوَى عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمَ السُّرَى ... وتَنْجَلِي عنهم غيايات الكَرَى ٣١٣_قولهم رَقَّنَ عَلَيْه معناه أَنْقَطَ عليه نُقْطة أو علَّمَ عليه علامة. يقال ذلك في الحرف الذي يُعلَّم عليه ثم جُعِل ذلك مثلاً في كل أمر يُئِس منه، معناه: أُيِسَ منه أي قد ضُرب عليه. وأصل الترقين نقطُ الكتاب وما أشبهَه. ويقال: جاء مُرتقناً بالزعفران، أي عليه آثاره والنقَطُ منه. وقال رُؤْبَة: دَارٌ كَرَقْمِ الكاتِبِ المُرَقِّنِ ... بِيْنَ نَقَى المُلْقَى وبَيْنَ الأجْؤُن ٣١٤_قولهم قَصِيرَة من طَوِيلة قال ابن الأعرابي: يُعنى بذلك تمرة من نخلة. فالقصيرة: التمرة. والطويلة: النخلة.

стр. 195

٣١٥_قولهم ما كُلُّ سَوْدَاء تَمْرَة ولا كُلُّ بَيْضَاء شَحْمَة أول من قال ذلك عامر بن ذهل بن ثعلبة، أخو شيبان بن ذهل. وكانت أمهما لما مات ذهل تزوجت سعد بن مالك بن ضبة، وذهبت بابنيهما معها. فلما ولدت له ذهلاً رجع شيبان وعامر إلى قومهما، فوجدا عمهما قيس بن ثعلبة قد أكل مالهما، فوثب عليه عامر يخنقه ليقتله. فقال قيس: يا بن أخي! دعني فإنّ الشُحّ مَتْواة. فأرسلها مثلاً. فقال عامر: ما كُلُّ سَوْدَاء تَمْرَة ولا كُلُّ بَيْضَاء شَحْمَة. وتركه. ٣١٦_قولهم أَبِي يَغْزُو وأُمِّي تُحَدِّث قال الأعرابي: ذكروا أنَّ رجلاً قًَدِم من غَزاةٍ، فأتاه جيرانه يسألونه عن الخَبَر، فجعلت امرأته تقول: قُتل من القوم كذا، وأُسر كذا، وجُرح كذا. فقال ابنها متعجباً: أَبِي يَغْزُو وأُمِّي تُحَدِّث. ٣١٧_قولهم الَّليْلُ أَخْفَى لِلْوَيْل أول من قال ذلك سارية بن عُويمر بن أبي عَدي العُقيلي. وكان سبب ذلك أن توبة ين الحُمَيِّر شَهِد بني خفاجة وبني عوف وهم يختصون عند همّام بن مطرّف العُقيلي

стр. 196

وكان مروان بن الحكم استعمله على صدقات بني عامر. فضرب ثَوْر بن أبي سمعان بن كعب العُقيلي توبَة بن الحُميِّر بجُرز، وعلى توبة درعٌ وبيضة، فجرح أنف البيضة وجه توبة. فأمر همّام بن مطرّف بثور فأُقعِد بين يدي توبة وقال: خُذ حقك يا توبة. فقال توبة: ما كان هذا إلا عن أمْرِك، وما كان ثورٌ ليُقدم عليَّ عند عيرك وانصرف ولم يقتص منه وهو يقول: إِنْ يُمْكِنِ الدّهْرُ فَسَوْفَ أَنْتَقِمْ ... أَوْ لاَ فإنّ أَدْنَى لِلْكَرَمْ ثم إن توبة بلغه أن ثوراً قد خرج في نفرٍ من أصحابه يريد ماءً لهم يقال له جِرْبِز بتثليث. فتبعهم توبة في أناس من أصحابه، حتى ذكر له أنهم عند رجل من بني عامر بن عُقيل، يقال له سارية. بن عُويمر بن أبي عدي، وكان صديقاً لتوبة. فقال توبة: لا أطرقُهم وهم عند سارية. فوكل بتفقّدهم رجلين من أصحابه حتى يخرجوا وقال سارية للقوم وقد أرادوا أن يخرجوا من عنده مصبحين: ادَّرِعوا الليل فإنه أخفى للويل، ولستُ آمن عليكم توبة وقال: لقد اغتررت من الرجلين. وإني لأعلم أنهم لن يُصبحوا بهذا البلد، فاستضاء آثارهم بأن أوقد ناراً، فإذا هو بآثار القوم. فخرج توبة في أثَرِهم مُسرعاً حتى أتى قرون بَقَر، وهو موضع فيه سَمُر، فغشيِهم: فلما رأوا ذلك صَفُّوا رجالهم وزحف إليهم توبة. فارتمى القوم، ثم إن توبة قال لأخيه عبد الله: تَرِّس لي فإني قد رأيت ثوراً يكثر رَفع التُّرس عسى أن أُوافِق منه عند رفعه الترس مرمىً فأرميه. ففعل. فرماه فأصابه على حلمة ثديه فصرعه، وغشوا القوم فوضعوا فيهم السلاح حتى أثخَنوهم. ومضى توبة حتى طرق سارية بن عويمر من الليل فقال: إنا قد تركنا

стр. 197

رَهْطاً من قومك بالسَّمُرات من قرون بقر فأدركوهم، فمن كان حياً فعالجوه ومن كان ميتاً فأجِنّوه. ثم انصرف. ولحق سارية بالقوم فاحتملهم وقد مات ثَوْر بن أبي سمعان. وهذا الخبرجرَّ قَتْل توْبة. ٣١٨_قولهم عَنْقَاءُ مُغْرِبٌ قال ابن الكلبي: كان لأهل الرَّس نبيٌّ يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل يقال له دَمْخٌ مَصْعَدهُ في السماء ميلٌ. فكانت تنتابه طائرةٌ كأعظم ما يكون، لها عُنُقٌ طويلةٌ. من أحسن الطير، فيها من كل لون، وكانت تقع منتصبة. فكانت تكون على ذلك الجبل تنقّضُّ على الطير فتأكلها. فجاعت ذات يوم وأعوزها الطيرُ فانقضّت على صبي فذهبت به، فسميت عنقاءُ مُغرِب بأنها تُغرب بكل ما أخذته. ثم إنها انقضت على جاريةٍ حين ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى جناحيها الكبيرين ثم طارت بها. فشكوْا ذلك إلى نبيِّهم. فقال: اللهم خُذها واقطع نسلها وسلّط عليها آفةً، فأصابتها صاعقةٌ فاحترقت. فضربتها العرب مثلاً في أشعارها. وأشد لعنترة بن الأخرس الطائي في مرثيّة خالد بن يزيد بن معاوية: لَقَد حَلَّقَتْ بالجَوِّ فَتْخَاءُ كاِسِرٍ ... كَعَنْقَاءِ دَمْخٍ حَلَّقَتْ بالحَزَوَّرِ فما إنْ لها بَيْضٌ فَيُعْرَفُ بَيْضُها ... ولا شِبْهُ طَيْرٍ مُنْجِدٍ أو مُغَوِّرِ

стр. 198

٣١٩_قولهم ما يَقْدِرُ على هذا من هو أَعْظَم حَكَمَةً منك الحَكَمَة: القَدر والمنزلة. ومن ذلك حديث عُمر بن الخطاب: إن العبد إذا تواضع رفع الله حَكَمَته. وقال انتَعِش نَعَشَكَ الله،، إذا تكبّر وعدا طَوره وَهَصَه الله جل وعز إلى الأرض. ٣٢٠_قولهم بِه نَظْرَة النّظْرة: إصابةٌ من الشيطان. ومنه حديث النبي ﷺ وقد رأى في بيت أم سلمة جاريةً بها سَفْعَة، فقال: إنّ بها نَظْرَةٌ فاسْتَرْقوُا لها. والسّفعَة كالنظرة. وقال الأصمعي فيما أحسب: يُقال به نَظْرة وبه رَدَّةٌ أي قُبح. وقال الطِّرِمَّاح في صفة نَحْل: مُخَصَّرَةُ الأَوْساطِ عارِيَةُ الشَّوَى ... وبالهامَ منها نَظْرَةٌ وشُنُوع ويُقال: النظرة: العَيْب. قال الراجز: وأنا سَيْفٌ من سُيوف الهِنْدِ ... ما شِئْتُ إِلاَّ نَظْرَة في غَمْدِي أي عَيْبٌ.

стр. 199

٣٢١_قولهم شَيْخٌ فَانٍ أي هَرِمٌ. والفَناء هاهنا: الهَرَم. ومنه حديث عمر أنه قال: حِجَّةٌ هاهنا، ثم احْدِج هاهنا حتى تَفنى. يحُضُّ على الغزوِ ويُفضّله على الحج بعد حجّة الإسلام. وقال لبيد: حَبائلهُ مَبْثُوثَةٌ لِسَبيلِه ... ويَفْنَى إذا ما أَخْطَأَتْه الحَبائِلُ يريد بالحبائل أسباب الموْت. يقول: إذا أخطأهُ الموت هَرِم. ٣٢٢_قولهم قَمْقَمالله عَصَبَه قال ابن الأعرابي أو غيره: معناه قَبَّضَ الله عَصَبَه وجَمَع بعضه إلى بعض. وهو مأخوذ من القَمْقام وهو الجيش يُجمع من هاهنا وهاهنا حتى يَعظُم. والقَمْقام في غير هذا: البحرُ. والقمقام: السيِّد. والقَمْقام: صِغارُ القِردان. ٣٢٣_قولهم فُلاَنٌ يَسْبَعُ فُلاناً أي يرميه بالقول الرديء. وهو مأخوذ من قولهم: سَبَعْتُ الذئب وغيره، إذا رميته بسهمك. وقال غيره: سَبَعْته أي قُلت فيه ما يَذْعَره ويجزَعُ منه. وهو

стр. 200

مأخوذ من قولهم: سَبَعْتُ الوحش أي ذَعَرْتُها. تقول: ذَعَرْته كما يَذعره السبعُ. وقال الطِّرِمَّاح يصف ذئباً: فَلَمَّا عَوَى لَفْتَ الشِّمالِ سَبَعْتُهُ ... كما أنا أحْياناً لَهُنَّ سَبُوعُ ٣٢٤_قولهم بَكَى الصَّبِيُّ حَتَّى فَحَم قال ابن الأعرابي: معناه بكى حتى انقطع بكاؤه من كثرة ما بكى. ويقال فَحَمَ وأُفحِمَ إذا انقطع. ومنه قولُهم: ناظَرْتُه حتى أفْحَمته. ولهذا قيل للذي لا يقول الشِّعر مُفحَم، لأنه انقطع عن قول الشِّعر. ويقال: معنى فَحَم أي كَمِدَ واسودَّ وجهه من كثرة البكاء. ٣٢٥_قولهم رَزَح فُلان أي ذهب ما في بَدَنه وضعُف. قال الفرّاء وغيره: هو مأخوذ من قولهم: رَزَح البعير إذا هُزِل حتى لا يكون به نهوضٌ، فشُبّه الرجل الذي ضعُف حتى لا يقدر على النهوض بذلك. وهو كقولهم: لَصِق بالأرض. وقال الطِّرِمَّاح: إذَا القَرْمُ بَادَرَ دِفءَ العَشيِّ ... ورَاحَتْ طَرُوقَتُه رَازِحَهْ وقال غير الفرّاء: الرَّزاح مأخوذ من المَرْزَح وهو المُطمئن من الأرض. فكأن الضعيف قد لصِق بذلك ليس يمكنه النهوض إلى ما علا. وقال الطرِمَّاح: كأنَّ الدُّجَى دُون البِلادِ مُوَكَّلٌ ... يَنِمُ بِجَنْبَيْ كُلِّ علْوٍ ومَرْزَحِ

стр. 201

٣٢٦_قولهم فلانٌ وَسِيلةُ فُلانٍ وقد تَوَسَّلْتُ بِكَذا فالوَسِيلةُ: ما تَقَرَّبَ به الرجل. وتوسَّلْتُ: تقرَّبْتُ. وأصل الوَسِيلة: العمل الذي يُقرِّبُ إلى الله تعالى. يقال: وَسَل فلان إلى ربه أي عمل عملاً يُقربه به إليه. قال الخليل: وَسَّل أيضاً بالتشديد. وقال لبيد: أَرَى النَّاسَ لا يَدْرُونَ ما قَدْرُ أَمْرِهِمْ ... بَلَى كُلُّ ذِي لُبٍّ إلى الله وَاسِلُ ٣٢٧_قولهم ذَرِيعَتِي إلى فُلانٍ كَذَا أي ما يُدنيني منه ويُقربني إليه. وأصل الذريعة: جَمَلٌ يُرسل مع الوحش يَرعى معها حتى تأنس به ولا تنفر منه. فإذا أراد مُريدٌ أن يصطاد الوحش استتر بذلك الجمل، حتى إذا دنا من الوحش رمى. ثم جعل كل شيء يُدنِي من الإنسان ذريعة. وقال الراعي: ولِلمَنِيَّةِ أَسْبابٌ تُقَرِّبُها ... كما تُقَرِّبُ لِلْوَحْشِيَّةِ الذُّرُع ويقال للجَمَل: الدَّريَّة أيضاً.

стр. 202

٣٢٨_قولهم أَطْنَبَ في وَصْفِه قال الأصمعي وغيره: معناه اجْتَهَد. ويقال: أطْنَب في عَدوِه إذا اجتهد فيه. وكل ذاهب مُجتهد في ذهابه فهو مُطنِبٌ. ويقال: في الفرس طَنَبٌ، وهو طولٌ في ظهرِه، وهو مأخوذ من ذلك. وقال طُفِيل: ومن بَطْنِ ذِي عَاجٍ رِعالٌ كأنَّها ... جَرَادٌ يُبارِي وِجْهَةَ الرِّيح مُطْنِبُ ٣٢٩_قولهم لا يَنامُ ولا يُنيمُ أول من قال ذلك الياس بن مضر. وكان من حديث ذلك فيما ذكر الكلبي عن الشرقي بن القطامى: أنّ إبل الياس نَدَّت ليلاً فنادى ولده وقال: إني طالب الإبل عن هذا الوجه، وأمر عَمراً ابنه أن يطلب في وجهٍ آخر، وترك عامراً البنه لعلاج الطعام. قال: فتوجه الياس وعمروٌ، وانقمع عُميرٌ في البيت مع النساء. فقالت ليلى بن حُلوان امرأته لإحدى خادِميها: اخرجي في طلب أهلك. وخرجت ليلى فلَقيَها عامر مُحْتقباً صَيداً قد عالجه. فسألها عنأبيه وأخيه فقالت: لا عِلْمَ لي بهما. وأتى عامرٌ المنزل. وقال للجارية: قُصَّي أثر مولاك. فلما وّلَّت قال لها: تقَرْصَعي فلم يلبثوا أن أتاهما الشيخ وعمروٌ ابنه قد أدرك الإبل. فوضع لهم الطعام. فقال الياس: السليم لا ينام ولا يُنيم. فأرسلها مثلاً. وقالت ليلى امرأته: والله إنْ زِلتُ أُخَنْدِفُ في طلبكما والِهةً. فقال الشيخ:

стр. 203

فأنت خِنْدِفُ. قال عامر: وأنا والله إنْ زِلتُ دائِباًفي صيدٍ وطبخٍ. قال: فأنتَ طابِخه. قال عمروٌ: فما فعلت أنا أفضل، أدركت الإبل. قال: فأنت مُدرِكة. وسُمي عُميراً قَمَعَة لانقماعه مع النساء في البيت. فَغَلَبت هذه الألقاب على اسمائهم. ٣٣٠_قولهم هُوَ يُؤَلِّبُ عَلَيَّ أي يُحرّش. يقال: أَلَّبَ عليه تأليباً، وقد تجمّعوا وتألّبوا عليه إذا اجتمعوا، يُحرِّضُ بعضُهم بعضاً. وهم إِلْبٌ عليه إذا اجتمعوا. وقال طُفيل: إذا انصرَفت من عَنَّةٍ بعد عَنَّةٍ ... وجَرْسٍ على آثارها مالمُؤَلَّبِ ٣٣١_قولهم حَقَنَ الله دَمَه أي حَبَسَه في جِلده وملأهُ به. وكلُّ ما ملأت شيئاً أو دسسته فيه فقد حَقَنْته فيه. ومن هذا سُمِّيت الحقنة، وقال الشاعر يصف إبلاً: جُرْداً تَحَقَّنَتِ النجِيلَ كأَنَّما ... بِجُلُودِهِنَّ مَدارِجُ الأَنْبارِ يقال أكلت النجيل فملأت به أجوافها. ومن أمثال العرب: يأبى الحقِينُ العِذْرَةَ يقال ذلك للمُعتذر بغير عُذر. قال أبو عبيدة: وأصل ذلك أنّ رجلاً حَقَنَ إهالةً وشرط أنها سمن، فلما صُبَّ فإذا هو

стр. 204

إهالة، فجعل يقول: أعذِرني. فقال الرجل: أبى الحقين العِذْرة. وقال غير أبي عبيدة: أصل ذلك أن رجلاً استطعم رجلاً فقال له: ما عندي شيء فأعذِرني. وبصر الطالبُ بِنَحْيِ سمنٍ في رَحْلهِ، فقال: أبى الحقين العِذْرة. ٣٣٢_قولهم شَاعَ الخَبَر معناه اتصل بالنَّاس فلم يكن عند بعضهم دون بعض. وكذلك سَهْمٌ شائع ومُشاع إذا تفرَّق في جميع الدار وغيرها فاتصل كلُّ جزء منه بكل جزء منها. وقال الأصمعي: أصل ذلك في بول الناقة، يقال: إذا قَطَّعَت بَوْلَها قطعاً قد أوْزَغَت ببولها، فإذا أرسلته إرسالاً متصلاً شديداً قيل: أشاعت به. وقال ذو الرُّمّة: إذا ما دَعاها أَوزغََت بَكَراتُها ... كإبزاغِ آثار المُدَى في التَّرائِبِ وقال: أقامَ بها حتى استَمَرَّت حَوَامِلٌ ... وحتى أشَاعَت بَوْلَهُنَّ الرَواجِعُ ٣٣٣_قولهم حتَّى أَبُورَ ما عِنْدَ فُلانٍ معناه حتى أنظُرَ ما عنده. قال الأصمعي: وأصل ذلك في الناقة: إذا ضربها الفَحْلُ فأرادوا أن يعلموا ألاقحٌ هي أم لا عَرَضوها على الفحل، فإن صَحَّ لِقاحها استكبرت وقطّعت بولها، فيقال منه: بُرْتُ الناقة أَبورثها بَوْراً، وبعض العرب يقول: أبْتَرْتُها. وقال مالك بن زُغبة الباهلي:

стр. 205

بِضرْبٍ كآذانِ الفِراء فُضُولُه ... وَطَعْنٍ كإِبْزاغِ المخَاضِ تَبُورُها ٣٣٤_قولهم عَلِمَ به الأَسْود والأَحْمَر قال الأصمعي: الأحمرُ: الأبيض، وقال أوْس بن حَجَر: وأَحْمَرَ جَعْداً عليه النسور ... وفي ضِبْنِهِ ثَعْلَبٌ مُنْكَسِر ومنه قول عنترة: كُلُّ امْرىءٍ يَحْمِي حِرَه ... أَسْوَدَه وأَحْمَرَه ٣٣٥_قولهمدَاهَنَ فُلانٌ الإدهان: ترك المُناصحة وإبقاء الرجل على نفسه، وحكى اللحياني: ما أدهنت إلا على نفسك، أي ما أبقيت إلا عليها. وأنشد الفراء: مَنْ لِي بِالمُزَرِّرِ اليَلامِق ... صاحِبِ إدْهانٍ وأَلْقٍ آلِقِ

стр. 206

٣٣٦_قولهم غَثَّكَ خَيْرٌ من سَمِينِ غَيْرِك أول من قال ذلك معن بن عطية المذحِجي. وكان سبب ذلك أنه كانت بينهم وبين حَيّ من أحياء العرب حربٌ شديدةٌ، فمرّ معن في حملَة حملها برجل من حَربهم وهو صريعٌ فاستغاثه فأغاثه معن وسار به حتى أوصَله مأمنه، ثم عطف أولئك على مَذْحِج فهزموهم وأسروا مَعْناً وأخاً له يقال له رَوْقٌ يُضعَّف. فلما انصرفوا إذا صاحبُ معن الذي نجَّاه وهو أخو رئيس القوم، فناداه مَعن: يا خَيْرَ جازٍ بِيَدٍ ... أُلِيتَها أَنْجِ مُنَجِّيكا هَلْ من جَزاءٍ عندَكَ ال ... يَوْمَ لِمَنْ رّدَّ عَوَدِيكا مِنْ بَعْدِ ما نَالَتْكَ بال ... كَلْمِ لَدَى الحَرْبِ غَواشِيكا فعرفه صاحبه فقال لأخيه: هذا المآنُّ عليّ ومُنقِذي بعدما أشرفتُ على الموت، فهَبْه لي، فوهبه له فخلّى سبيله، وقال: إني أُحِبُّ أن أُضعِف لك الجزاء، فاختر أسيراً آخر. فاختار معنٌ أخاه رَوْقاً ولم يلتفت إلى سيد مَذحِج وهو في الأسرى. ثم انطلق فسئل عن أمرهما، فحدّث قومه بخبرهما، فأنبوه وشتموه أن لا يكون أنقَذَ رئيسهم وترك أخاهُ الفَسْل. فقال معنٌ: غَثَّكَ خَيْرٌ من سَمِينِ غَيْرِك.

стр. 207

٣٣٧_قولهم استَغَثْتُ بفُلانٍ أي استعنتُ به. والإغاثة: الإعانة. وحكى اللحياني عن بعض الأعراب: ماتَ فُلان فاستغاثوا على دفنه بنا أي استعانوا بنا. ويقال: أغثْتُ فلاناً وغوثْتُه أي أعنته. وقال الراجز: يا رَبّ أنْتَ الرّبُّ تُسْتَغاثُ ... لَكَ الحَياةُ ولَكَ المِيراثُ ٣٣٨_قولهم تَناضَل الرَّجُلان وكُنَّا في النِّضال قال الفرّاء: معنى النضال: التخاير في الرمي. يقال: تنضَّلْتُ الرجلُ أي تخيَّرته. وأنشد: وفِتْيَةٍ جُهُدٍ لِلزَّادِ جَمْعُهُمُ ... سِقْطٌ تُنُضِّلَ من عَجْفاءَ مِمْغالِ قال: ومن ذلك سُمي الرجل بنَضْلَة. ٣٣٩_قولهم حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسَه قال الأصمعي وغيره: يُقال: زَهَقَ الحَجَرُ إذا ندرَ من تحت أرجل الدواب وأشباهها. فكأنَّ معنى تَزْهَقُ نفسه أي تخرج وتَندُر. وقال أمية بن أبي عائِذٍ الهُذَلي: تَهادَى قوائمُها جَنْدَلاً ... زَواهِقَ ضَرْبَ قُلاةٍ بقَالِ

стр. 208

٣٤٠_قولهم رُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبُ رَيْثاً أول من قال ذلك مالك بن عَوْف بن أبي عمروٍ بن عَوف بن محلِّم الشيباني. وكان شيبان بن مالك بن أب عمرو بن عوف بن محلّم شام غَيْثاً فأراد أن يرحل بامرأته جُماعَة بنت عوف بن أبي عمرو، فقال له أخوها مالك: أين تَظعَن بأختي؟ قال: أطلب موقع هذه السحابة. قال: لا تفعل فإنها ربما خيَّلت وليس فيها قَطْر، وأنا أخاف عليك بعض مقانب العرَب. قال: لكنني لست أخاف ذلك. فمضى وعرض له مروان القَرَظ بن زِنباع بن جَذيمة العبسي فأعجله عنها، فانطلق بها حتى جعلها بين بناته وأخواته ولم يكشف لها سِتراً. فقال مالك بن عوف لشيبان: ما فعلت أختي؟ قال: نفَتْني عنها الرماح. فقال مالك: رُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبُ رَيْثاً، ورُبَّ فرُوقَةٍ يُدعى ليْثاً، ورُبَّ غَيْثٍ لم يكن غيْثاً. فذهب قوله مثلاً. ٣٤١_قولهم القَيْدُ والرَّتْعَةُ أول من قال ذلك عمرو بن الصعق بن خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب. وكانت شاكر من همدان أسروه فأحسنوا إليه وروَّحوا عنه. وقد كان يوم فارق

стр. 209

قومه نحيفاً. فهرب من شاكرٍ، فبينا هو بقى من الأرض إذا اصطاد أرنباً فاشتواها فلما بدأ يأكل منها أقبل ذئب فأقعى منه غير بعيد، فنبذ إليه من شوائه فولَّى به، فقال عمرو عند ذلك: لقد أوْعدَتْني شاكرٌ فخشيتُها ... ومن شعْبِ ذي همْدان في الصدرِ هاجسُ قبائلُ شتى ألفَ اللهُ بينَها ... لها جحفٌ فوق المناكب يابسُ ونارٍ بموماةٍ قليلٍ أنيسُها ... أتاني عليْها أطلسُ اللونِ بائسُ نبذت إليه حُزَّةً من شوائنا ... حياءً وما فُحشى على من أجالسُ فولَّى بها جذْلان ينفضُ رأسه ... كما آض بالنهبِ المغيرُ المخالسُ فلما وصل إلى قومه قالوا: ياعمرو! إنك خرجت من عندنا نحيفاًوأنت اليوم بادن!! فقال: القيد والرتعة. فأرسلها مثلاً. ومعنى الرتعة: الخصب، ومن ذلك قولهم: هو يرتع في كذا، أي هو في شي كثير لا يُمنع منه، فهو مخصب. ٣٤٢ قولهم غشَّ فلانٌ فلاناً معناه أنه عمل له فيما يحب شيئاً ما يكدره، وهو مأخوذ من الغشش وهو الماء القليل الكدر، وأنشد اللحياني:

стр. 210

يومٌ على بئر بنى زيدٍ عطِش ... كِدنا من الرمضاءِ فيه نمتَحشْ قد كان في بئرِ بني نصرٍ مخشْ ... ومشربٌ يُروى به غيرُ غَشَشْ ٣٤٣ قولهم الحُمَّى أضْرَعَتْني للنوم أول من قال ذلك رجلٌ من كلب يقال له مرينُ، وكان له أخوان أكبر منه يقال لهما مرارة ومرة. وكان مرين لصا مغيرا يقال له الذئب. فخرج مرارة يتصيد في جبل لهم يقال له أبلى، فاختطفه الجن، وبلغ أهله خبره فانطلق مرة في أثره، حتى إذا كان بذلك الموضع اختُطف، وكان مرينٌ غائباً. فلما قدم بلغه الخبر فأقسم لا يشرب خمراً ولا يمس رأسه غسل حتى يطلب بأخويه. فتنكب قوسه وأخذ أسهماً ثم انطلق إلى ذلك الجبل الذي هلك فيه أخواه، فمكث فيه سبعة أيام لا يرى شيئاً. حتى إذا كان في اليوم الثامن إذا هو بظليمٍ فرماه فأصابه، واستقل الظليم حتى وقع بأسفل الجبل، فلما وجبت الشمس بصر بشخصٍ قائمٍ على صخرة يُنادى: يا أيها الرامي الظليمِ الأسودِ ... تبَّت مراميكَ التي لم تُرشدِ فأجابه مرين: يا أيها الهاتفُ فوقَ الصخرةْ ... كمْ عبرةٍ هيَّجتَها وعبرَهْ بقتلِكم مرارةً ومرَّةْ ... فرَّقتَ جمعاً وتركتَ حسْرَةْ فتوارى الجِنَّى عنه هوياً من الليل. وأصابت مريناً حمى فغلبته عينه، فأتاه

стр. 211

الجِنَّى فاحتمله، وقال له: ما أنامك وقد كنت حذراً، فقال: الحمى أضرعتني للنوم. فذهبت مثلاً. ثم أتى به حاضر الجن. فلما كان في وجه الصبح خلَّى سبيله فقال مُرينٌ: ألا من مبلغ فتيانَ قومي ... بما لاقيتُ بعدَهم جميعاً بأني قد وردتُ بني حبي ... وعانيتُ المخاوفَ والفظيعا غزوتُ الجنَّ أطلبُهم بثأرى ... لأسقيهم به سمَّا نقيعا تعرَّض لي ظليمٌ بعد سبعٍ ... فأرميه فأتركه صريعا وكنتُ إذا القروم تعاورَتْنِي ... جريَ الصدرِ مُعتزماً منيعاً بنى لي معشرِي وجدود صدقٍ ... بذروةِ شامخٍ بيتا رفيعاً وعزَّا ثابتاً وظلالَ مجدٍ ... ترى شُمَّ الجبالِ له خضوعاً ٣٤٤ قولهم لا عطرَ بعد عروس أول من قال ذلك امرأة من عذرة، يقال لها أسماء بنت عبد الله، وكان لها زوج من بنى عمها يقال له عروس، فمات عنها، فتزوجها رجل من قومها يقال له نوفل، وكان أعسر أبخر بخيلاً دميماً. فلما أراد أن يظعن بها قالت له: لو أذنت لي فرثيت ابن عمي وبكيتُ عند رمسه. قال: افعلي. فأنشأت تقول: يا عروس الأعراس، يا أسداً عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس. قال نوفل: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عن الهمة غير نعاس. ويعمل السيف صبيحات الباس.

стр. 212

ثم قالت: يا عروس الأعراس الأزهر، الطيب الخيم الكريم العنصر. مع أشياء ليس تذكر. قال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عيوفاً للخنا والمنكر، طيب النكهة غير أبخر، أير غير أعسر. فعرف أنها تعرض به. فلما رحل بها قال: أيتها المرأة ضُمَّى عطرك. ونظر إلى قشوةٍ فيها عطرها مطروحة. فقالت: لا عطرَ بعد عروسٍ. فذهبت مثلاً. ٣٤٥ قولهم خالفْ تُكذر أول من قال ذلك الحُطيئة. وكان ورد الكوفة فلقى رجلاً فسأله عن فتى المصر نائلاً، فقال: عليك بعتيبة بن النهاس العِجلى. فمضى نحو داره فصادفه، فقال له: أنت عتبة؟ قال: لا. قال: أفأنت عتَّاب؟ قال: لا. قال: إن اسمك لبيه بذلك. قال: أنا جرول. قال: ومن جرول؟ قال: أبو مُليكة. قال: والله ما ازددت إلا جهلاً بك. قال: أنا الحطيئة. قال: مرحباً بك. قال الحطيئة: فحدثني عن اعر الناس من هو؟ قال: أنت. قال الحطيئة: خالف تذكر. بل اشعر مني الذي يقول: ومنْ يجعلِ المعروفَ منْ دونِ عرضِه ... يقرْهُ ومنْ لا يتقِ الشتمَ يُشتمِ ومن يَكُ ذا فضلٍ فيبخَلْ بفضلِهِ ... على قومهِ يُستغنَ عنه ويُذممِ قال: صدقت. فما حاجتك؟ قال: ثيابك هذه، فإنها قد أعجبتني. وكان عليه مطرف خزٍ وعمامة خزٍّ. فدعا بثيابٍ فلبسها ودفع ثيابه إليه. ثم قال له: حاجتك أيضاً. قال: ميرة أهلي من حبٍ وتمرٍ، وكسوتهم. فدعا عوناً له

стр. 213

وأمره أن يميرهم ويكسوهم. فقال الحطيئة: العود أحمد. ثم خرج وهو يقول: سُئلتَ فلمْ تبخل ولم تعطِ طائلاً ... فسيَّانِ لا ذمٌّ عليكَ ولا حمدُ ٣٤٦ قولهم ظَلُوم غَشُومٌ الظلوم: الذي يأخذ ما ليس له. وأصل الظلمِ وضعُ الشيء في غير موضعه. والغشوم: الذي يخبِط الناس ويأخذ كل شيء. قال الفراء: وهو مأخوذ من غشم الحاطب، وهو أن يحتطب بالليل فيقطع كل ما يقدر عليه من الشجر بغير رؤية، وأنشد: وقالتْ تجهَّز فاعشم الناسَ سائلاً ... كما يغشمُ الشَّجراء بالليلِ حاطبُ ٣٤٧ قولهم هو عَسُوف قال الأصمعي وغيره: العسفُ: الأخذ على غير هدايةٍ بالجرأة والإقدام، ثم جعل ذلك لكل من أقدم على أخذ ما ليس له بعنفٍ وشدة. وأنشدنا الفراء لكثير عزة يصف ناقةً: عسوفٌ بأجوازِ الفَلا حميرية ... مريشٌ بذئبان السَّبيبِ تليلُها

стр. 214

٣٤٨ قولهم تَنَخ في النِّعمة أي طال مكثه فيها. قال الفراء: يقال تنخ في البلاد تُنوخاً إذا أقام بها طويلاً، وهو أتنخ بها مني إذا كان أطول مقاماً بها منك. ٣٤٩ قولهم نصصتُ الحديثَ إلى فُلان قال الفراء: معناه رفعته إليه. ونصصته عن كذا أي رفعته في المساءلة واستخرجت ما عنده منه. ويقال: نصت الناقة في السير أنصُّها نصاً أي رفعتها واستخرجت أقصى ما عندها. والمنصة من ذلك، وهي ثيابٌ ترفع لتقعد عليها العروس فيُنظر إليها. وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. ونُصّ الحديثَ إلى أهلهِ ... فإنَّ الأمانة في نصِّه أي أرفعه إليهم. ٣٥٠ قولهم هوَ ظلفُ النفس وما أظلفَه لنفسِه أي يمتنع من أن يأتي عيباً يتدنس به ويبقى أثره عليه. قال الفراء: ويقال: أرض ظلفة إذا لم تؤدّ أثراً، وقال الشاعر: ألمْ أظلِف على الشعراءِ عِرضي ... كما ظُلِفَ الوسيقةُ بالكُراعِ

стр. 215

الكُراع: أنف من الحرة فإذا سقيت فيها وسيقة لم يتبين أثرها، فيقول: أمنعُ الشعراء أن ينالوا من عرضي كما يمتنع الكُراع من أن يتبين فيه أثر. ٣٥١ قولهم هو ضَجرٌ قال الأصمعي وغيره: الضجر: ضيق النفس، وهو مأخوذ من قولهم مكان ضجر إذا كان ضيقاً. وقال دريد بن الصمَّة: فإمَّا تُمسِ في لحدٍ مقيماً ... بمسَكَةٍ من الأرواحِ ضَجْر ٣٥٢ قولهم فلان جيد القريحة أي الاستخراج. وهو مأخوذ من قولهم: قرحت بئراً واقترحتُ إذا حفرت في موضع لا يوجد فيه الماء فأنبطت ماء وأنشد: ودويةٍ مستودعٍ رذياتُها ... تَنائف لم يُقْرَح بهن معينُ ٣٥٣ قولهم من غيرِ خيْرٍ طرَحَك أهلُك يقال إنه كان رجلٌ قبيح الوجه دميمٌ، فأتى على محلة قوم قد انتقلوا عنها فوجد فيها مرآة فأخذها، فنظر فيها إلى وجهه فلما رأى قُبحه طرحها وقال: من غير خير طرحك أهلك. فذهبت مثلاً.
следующие страницы →