← Адаб

Адаб · id 9236

الفاخر

المفضل بن سلمة

Полный текст (323 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الجِنَّى فاحتمله، وقال له: ما أنامك وقد كنت حذراً، فقال: الحمى أضرعتني للنوم. فذهبت مثلاً. ثم أتى به حاضر الجن. فلما كان في وجه الصبح خلَّى سبيله فقال مُرينٌ: ألا من مبلغ فتيانَ قومي ... بما لاقيتُ بعدَهم جميعاً بأني قد وردتُ بني حبي ... وعانيتُ المخاوفَ والفظيعا غزوتُ الجنَّ أطلبُهم بثأرى ... لأسقيهم به سمَّا نقيعا تعرَّض لي ظليمٌ بعد سبعٍ ... فأرميه فأتركه صريعا وكنتُ إذا القروم تعاورَتْنِي ... جريَ الصدرِ مُعتزماً منيعاً بنى لي معشرِي وجدود صدقٍ ... بذروةِ شامخٍ بيتا رفيعاً وعزَّا ثابتاً وظلالَ مجدٍ ... ترى شُمَّ الجبالِ له خضوعاً ٣٤٤ قولهم لا عطرَ بعد عروس أول من قال ذلك امرأة من عذرة، يقال لها أسماء بنت عبد الله، وكان لها زوج من بنى عمها يقال له عروس، فمات عنها، فتزوجها رجل من قومها يقال له نوفل، وكان أعسر أبخر بخيلاً دميماً. فلما أراد أن يظعن بها قالت له: لو أذنت لي فرثيت ابن عمي وبكيتُ عند رمسه. قال: افعلي. فأنشأت تقول: يا عروس الأعراس، يا أسداً عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس. قال نوفل: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عن الهمة غير نعاس. ويعمل السيف صبيحات الباس.

стр. 212

ثم قالت: يا عروس الأعراس الأزهر، الطيب الخيم الكريم العنصر. مع أشياء ليس تذكر. قال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عيوفاً للخنا والمنكر، طيب النكهة غير أبخر، أير غير أعسر. فعرف أنها تعرض به. فلما رحل بها قال: أيتها المرأة ضُمَّى عطرك. ونظر إلى قشوةٍ فيها عطرها مطروحة. فقالت: لا عطرَ بعد عروسٍ. فذهبت مثلاً. ٣٤٥ قولهم خالفْ تُكذر أول من قال ذلك الحُطيئة. وكان ورد الكوفة فلقى رجلاً فسأله عن فتى المصر نائلاً، فقال: عليك بعتيبة بن النهاس العِجلى. فمضى نحو داره فصادفه، فقال له: أنت عتبة؟ قال: لا. قال: أفأنت عتَّاب؟ قال: لا. قال: إن اسمك لبيه بذلك. قال: أنا جرول. قال: ومن جرول؟ قال: أبو مُليكة. قال: والله ما ازددت إلا جهلاً بك. قال: أنا الحطيئة. قال: مرحباً بك. قال الحطيئة: فحدثني عن اعر الناس من هو؟ قال: أنت. قال الحطيئة: خالف تذكر. بل اشعر مني الذي يقول: ومنْ يجعلِ المعروفَ منْ دونِ عرضِه ... يقرْهُ ومنْ لا يتقِ الشتمَ يُشتمِ ومن يَكُ ذا فضلٍ فيبخَلْ بفضلِهِ ... على قومهِ يُستغنَ عنه ويُذممِ قال: صدقت. فما حاجتك؟ قال: ثيابك هذه، فإنها قد أعجبتني. وكان عليه مطرف خزٍ وعمامة خزٍّ. فدعا بثيابٍ فلبسها ودفع ثيابه إليه. ثم قال له: حاجتك أيضاً. قال: ميرة أهلي من حبٍ وتمرٍ، وكسوتهم. فدعا عوناً له

стр. 213

وأمره أن يميرهم ويكسوهم. فقال الحطيئة: العود أحمد. ثم خرج وهو يقول: سُئلتَ فلمْ تبخل ولم تعطِ طائلاً ... فسيَّانِ لا ذمٌّ عليكَ ولا حمدُ ٣٤٦ قولهم ظَلُوم غَشُومٌ الظلوم: الذي يأخذ ما ليس له. وأصل الظلمِ وضعُ الشيء في غير موضعه. والغشوم: الذي يخبِط الناس ويأخذ كل شيء. قال الفراء: وهو مأخوذ من غشم الحاطب، وهو أن يحتطب بالليل فيقطع كل ما يقدر عليه من الشجر بغير رؤية، وأنشد: وقالتْ تجهَّز فاعشم الناسَ سائلاً ... كما يغشمُ الشَّجراء بالليلِ حاطبُ ٣٤٧ قولهم هو عَسُوف قال الأصمعي وغيره: العسفُ: الأخذ على غير هدايةٍ بالجرأة والإقدام، ثم جعل ذلك لكل من أقدم على أخذ ما ليس له بعنفٍ وشدة. وأنشدنا الفراء لكثير عزة يصف ناقةً: عسوفٌ بأجوازِ الفَلا حميرية ... مريشٌ بذئبان السَّبيبِ تليلُها

стр. 214

٣٤٨ قولهم تَنَخ في النِّعمة أي طال مكثه فيها. قال الفراء: يقال تنخ في البلاد تُنوخاً إذا أقام بها طويلاً، وهو أتنخ بها مني إذا كان أطول مقاماً بها منك. ٣٤٩ قولهم نصصتُ الحديثَ إلى فُلان قال الفراء: معناه رفعته إليه. ونصصته عن كذا أي رفعته في المساءلة واستخرجت ما عنده منه. ويقال: نصت الناقة في السير أنصُّها نصاً أي رفعتها واستخرجت أقصى ما عندها. والمنصة من ذلك، وهي ثيابٌ ترفع لتقعد عليها العروس فيُنظر إليها. وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. ونُصّ الحديثَ إلى أهلهِ ... فإنَّ الأمانة في نصِّه أي أرفعه إليهم. ٣٥٠ قولهم هوَ ظلفُ النفس وما أظلفَه لنفسِه أي يمتنع من أن يأتي عيباً يتدنس به ويبقى أثره عليه. قال الفراء: ويقال: أرض ظلفة إذا لم تؤدّ أثراً، وقال الشاعر: ألمْ أظلِف على الشعراءِ عِرضي ... كما ظُلِفَ الوسيقةُ بالكُراعِ

стр. 215

الكُراع: أنف من الحرة فإذا سقيت فيها وسيقة لم يتبين أثرها، فيقول: أمنعُ الشعراء أن ينالوا من عرضي كما يمتنع الكُراع من أن يتبين فيه أثر. ٣٥١ قولهم هو ضَجرٌ قال الأصمعي وغيره: الضجر: ضيق النفس، وهو مأخوذ من قولهم مكان ضجر إذا كان ضيقاً. وقال دريد بن الصمَّة: فإمَّا تُمسِ في لحدٍ مقيماً ... بمسَكَةٍ من الأرواحِ ضَجْر ٣٥٢ قولهم فلان جيد القريحة أي الاستخراج. وهو مأخوذ من قولهم: قرحت بئراً واقترحتُ إذا حفرت في موضع لا يوجد فيه الماء فأنبطت ماء وأنشد: ودويةٍ مستودعٍ رذياتُها ... تَنائف لم يُقْرَح بهن معينُ ٣٥٣ قولهم من غيرِ خيْرٍ طرَحَك أهلُك يقال إنه كان رجلٌ قبيح الوجه دميمٌ، فأتى على محلة قوم قد انتقلوا عنها فوجد فيها مرآة فأخذها، فنظر فيها إلى وجهه فلما رأى قُبحه طرحها وقال: من غير خير طرحك أهلك. فذهبت مثلاً.

стр. 216

٣٥٤ قولهم ذهب أمِسُ بما فيه أول من قال ذلك ضمضَن بن عمرو اليربوعي، وكان هوى امرأةً فطلبها بكل حيلة فأبت عليه. وقد كان غر بن ثعلبة بن يربوعٍ يختلف إليها، فاتبع ضمضم أثرهما وقد اجتمعا في مكانٍ، فصار في خمرٍ إلى جانبهما يراهما ولا يريانه، فقال غر: قِدماً تواتيني وتأبى بنفسها ... على المرءِ جوابٍ التنوفةِ ضمضمِ فشدَّ عليه ضمضمٌ فقتله وقال: ستعلم أني لستُ راضٍ ببضعهِا ... وأنك عنها إن نأيتَ بمعزِل فقيل له: لم قتلت ابن عمك؟ فقال: ذهب أمسُ بما فيه. ٣٥٥ قولهم النمطُ الأوسَط قال أبو عبيدة النمط: الطريقة، يقال: الزم هذا النمط. ومنه حديث أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي عنه: "خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق بهم التالي ورجع إليهم الغالي". والنمط أيضاً: الضرب من الضروب والنوع من الأنواع، يقال: ليس هذا من ذلك النمط.

стр. 217

٣٥٦ قولهم ناهيكَ بفُلان معناه كفاك به، وهو مأخوذ من قولهم: قد نهى الرجل من الطعام وأنهى إذا اكتفى. وقال الشاعر: لو كان ما واحداً هواكِ لقدْ ... أنهى ولكنْ هواكِ متركُ وقال الآخر: يمشين دُسماً حول قبتهِ ... يَنْهيْن عن أكلٍ وعن شربِ ٣٥٧ قولهم فتَّ في عَضُدَيْه العَضُد: القوة. والفَتُّ: الكسْر، من قولهم: فتت الشيء إذا كسرته صغاراً ومعنى في: من، فالمعنى كسر من عضديه أي من قوته. والصفات يقوم بعضها مقام بعض، قال امرؤ القيس: وهل ينعمَن من كان أقربُ عهدِه ... ثلاثينَ شهراً في ثلاثةِ أحوالِ أي من كان أقرب عهده بالرفاهية ثلاثين شهراً من ثلاثة أحوال، هكذا قال الأصمعي، قال: وتكون في بمعنى مع في هذا البيت. ويقال: العضد الأعوان. وحكى النضر بن شُميل: رجل عضد إذا كان له أعوانٌ يعضدونه. فكأن المعنى فت فيهم خذلانه أي فرّقه فيهم، ويكون في هاهنا أيضاً بمعنى من، كأنه قال: فتّ منهم أي كسر منهم وضعف نياتهم.

стр. 218

٣٥٨ قولهم لا تبلّه عندي بالَّة قال الأصمعي وغيره: معناه لا ينداه منِّي ندىً ولا خير. قال: ويقال لا تبله عندي بالة وبلال مثل قطام. وأنشد: فلا والله يابن أبي عقيلٍ ... تبُلُّك بعدها عندي بلالِ ومنه: بل رحمة إذا وصلها، وصنع إلى قرابته خيراً. وجاء في الحديث: "بلُّوا أرحامكم ولو بالسلام". ٣٥٩ قولهم يُفقع علينا وأخذ في التفقيع فالمعنى أنه كلام وليس فيه معنى. وأصل ذلك الورقة من الورد ويره تدار ثم تغمز بالإصبع ويُسمع لها صوت، حكى ذلك الخليل. ويكون أيضاً من الفقغ وهو الضُّراط، يقال: قد فقع إذا ضرط. وإنه لفقاع خبيث. والتفقيع أيضاً: صوت الأصابع إذا غمِز بعضها ببعضٍ، وضُرب بعضها ببعض.

стр. 219

٣٦٠ قولهم وقع بينهم حربُ داحسَ والغبراء داحس: فرس قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، والغبراء: فرس حُذيفة ابن بدر الفزاري. وكان من حديثهما أن رجلاً من بني عبسٍ يقال له قرواش ابن هني، ماري حمل بن أخا حُذيفة في داحس والغبراء. فقال حمل: الغبراء أجود. وقال قرواش: داحس أجود. فتراهنا عليهما عشراً في عشرٍ. فأتى قرواش إلى قيس بن زهير فأخبره. فقال له أنفسهم، وأنا نكدٌ أباء. قال قرواش: فإني قد أوجبت الرهان. فقال قيس: ويلك ما أردت إلى شآم أهل بيت؟. والله لتنغلنَّ علينا شراً. ثم إن قيساً أتى حمل بن بدر، فقال: إني أتيتك لأواضعك الرهان عن صاحبي. قال حمل: لا أواضعك أو تجيء بالعشر، فإن أخذتها أخذت سبقي، وإن تركتها تركت حقاً قد عرفته لي وعرفته لنفسي. فأحفظ قيساً، فقال: هي عشرون. قال حمل: هي ثلاثون، فتلاحيا وتزايدا حتى بلغ به قيس مائةً. وضع السبق على ي غلاَّقٍ أو ابنِ غلاقٍ أحد بني ثعلبة بن سعد. ثم قال قيس: فأخيِّرُك من ثلاث، فإن بدأتَ فاخترت فلي منهن خصلتان، وإن بدأت فاخترت فلك منهن خصلتان، قال حمل: فابدأ. قال قيس: فإن الغاية مائة غلوة، وإليك المضمار ومنتهى الميطان. أي حيث توطَّن الخيلُ للسبقِ

стр. 220

قال: فخراً لهم رجل من محارب. فقال: وقع البأس بين ابني بغيض. فضمَّروهما أربعين يوماً. ثم استقبل الذي ذرع الغاية بينهما من ذات الإصاد، وهي ردهة وسط هضبِ القليب، فانتهى الذرع إلى مكان ليس له اسم. فقادوا الفرسين إلى الغابة وقد عطشوهما وجعلوا السابق الذي يرد ذات الإصاد وهي ملأى من الماء. ولم يكن ثم قصبةٌ ولا شيء غير هذا. ووضع حمل حيساً في دلاء وجعله في شعبٍ من شعاب هضب القليب على طريق الفرسين. وكمَّن معه فتياناً فيهم رجل يقال له زهير بن عبد عمرو، وأمرهم إن جاء داحسٌ سابقاً أن يردوا وجهه عن الغاية. وأرسلوهما من منتهى الذرع. فلما طلعا قال حمل: سبقتك يا قيس. قال قيس: بعد اطلاعٍ إيناسٌ. أي بعد أن تطلع على الخبر تعرفه. فذهبت مثلاً. ثم أجدَّا. فقال حمل: سبقتك يا قيس. قال قيس: رويداً يعدوان الجدد. أي يتعدَّينه إلى الوعث والخبار. فذهبت مثلاً. فلما دنوا وقد برَّز داحس قال قيس: جرى المذكيات غلاء. أي كما يتغالى بالنبل. فذهبت مثلاً. فلما دنا من الفتية وثب زهير بن عبد عمرو فلطم وجه داحسٍ فرده عن الغاية، ففي ذلك يقول قيس بن زهير: كمَا لاقيتَ منْ حملِ بنِ بدرٍ ... وإخوتِهِ على ذاتِ الغصادِ همُ فخرُوا عليَّ بغيرِ فخرٍ ... وردُّوا دونَ غايتِه جوادِى فقال قيس: ياحُذيفةُ أعطني سبقي قال: خدعتُك. قال قيس: ترك الخداعَ

стр. 221

من أجرى من مائة غلوة. فذهبت مثلاً. فقال غلاَّقٌ الثعلبي الذي وضع السبق على يديه لحذيفة: إن قيساً قد سبق وإنما أردت أن يقال سبق حذيفة، وقد قيل، أفأدفع إليه سبقه؟ قال: نعم. فدفع إليه الثعلبي السبق. ثم إن عركي بن عميرة وابن عمٍ له من بني فزارة ندماً حيفة وقالا: قد رأى الناس سبق جوادكم وليس كل الناس رأى أن جوادهم لطم، فدفعك السبق تحقيق لدعواهم فاسلبوه السبق، فإنه أقصر باعا وأكل حدا من أن يرادك. قال لهما: ويلكما! أرجع فيها متندماً على ما فرط؟ عجزٌ والله. فما زالا به حتى ندم، فنهى خميصة بن عمرو حذيفة وقال له: إن قيساً لم يسبقك إلى مكرمةٍ بنفسه، وإنما سبقت دابة دابة، فما في هذا حتى تدعى في العرب ظلوماً؟ قال: أما إذ تكلمت فلابد من أخذه. ثم بعث حذيفة أبا قرفة إلى قيس يطالب بالسبقفلم يصادفه، فقالت له امرأته هر بنت كعب: ما أحب أن تصادف قيساً. فرجع أبو قرفة إلى أبيه أخبره بما قالت. فقال: والله لتعودن إليه. ورجع قيس فأخبرته امرأته الخبر، فأخذته زفرات وأقبل متقلقلاً. ولم يلبث أبو قرفة أن رجع إلى قيس. فقال: يقول لك أبي أعطني سبقي. فتناول قيس الرمح فطعنه فدق صلبه، ورجعت فرسه عائرةً. فاجتمع الناس فاحتملوا دية أبي قرفة مائة عشراء، فقبضها حذيفة وسكن الناس. وأنزلها على النقرة حتى نتجها ما في بطونها. ثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة، وهي قريب من الحاجر

стр. 222

وكان نكح امرأةً من بني فزارة فأتاها فبنى بها. وأخبر حذيفة بمكانه فعدا عليه فقتله، وفي ذلك يقول عنترة: لله عينا من رأى مثل مالكٍ ... عقيرةَ قومٍ أن جرَى فرسانِ فليتَهُما لم يجرِيا نصفَ غلوةٍ ... وليتُهما لم يُرسَلاَ لرهانِ فأتت بنو جذيمة حذيفة فقالت: يبوءُ مالك بن زهير بأبي قرفة بن حذيفة، وردوا علينا مالنا. فأشار سنان بن أبي حارثة المرى أن لا ترد أولادها معها وأن ترد المائة بأعيانها. فقال حذيفة: أردُّ الإبل بأعيانها ولا أرد النشأ. فأبوا أن يقبلوا ذلك. فقال قيس بن زهير: يودُّ سنانٌ لو نحاربُ قومنا ... وفي الحربِ تفريقُ الجماعة والأزلُ يدبّ ولا يخفى ليفسدَ بيننَا ... دبيباً كما دبتْ إلى جحرِها النملُ فيا ابني بغيضٍ راجعاً السلم تسلَما ... ولا تُشمتُوا الأعداء يفترِقِ الشملُ فإن سبيلَ الحربِ وعرٌ مضلةٌ ... وإنَّ سبيلَ السلم آمنةٌ سهلُ قال: والربيع بن زياد يومئذ مجاور بني فزارة عند امرأته، وكان مشاحناً لقيس في درعه ذي النون التي كان الربيع لبسها، فقال: ما أجودها أنا أحق بها منك، وغلبه عليها. فأطرد قيس لبوناً لبني زياد، فعارض بها عبد الله بن جدعان التميمي بسلاحٍ. وفي ذلك يقول قيس بن زهير:

стр. 223

ألم يأتيك والأنباءُ تنمى ... بما لاقتْ بني زيادِ ومحبسُها لدى القرشي تُشرى ... بأدراعٍ وأسيافٍ حدادِ فلما قتلوا مالك بن زهير ورجعوا تواحوا بينهم. فقالوا: ما فعل حمارُكم؟ قالوا: صدناه. قال الربيع: ما هذا الوحي؟ إن هذا لأمرٌ ما أدرى ما هو. قالوا: قتلنا مالك بن زهير. قال: بئس ما فعلتم بقومكم. قبلتم الدية ورضيتم ثم عدوتم على ابن عمكم وصهركم وجاركم فقتلتموه وغدرتم. قالوا: لولا أنك جار لقتلناك. وكانت خفرة الجار ثلاثاً، فقالوا: لك ثلاثة أيام. فخرج وتبعوه فلم يدركوه حتى لحق بقومه. وأتاه قيس بن زهيرٍ فصالحه ونزل معه. ودرس أمةً يقال لها رعية إلى الربيع تنظر ما يعمل، فدخلت بين الكفاء والنضد لتنظر أمحاربٌ هو أم مسالم. فأتته امرأته تعرض له وهي على طهرٍ فزجرها، وقال لجاريته: اسقني. فلما شرب أنشأ يقول: منعَ الرقادَ فما أغمضُ حارِ ... جللٌ من النبأ المهمِّ الساري منْ كان مسروراً بمقتلِ مالكٍ ... فليأتِ نسوتَنَا بضوءٍ نهارِ يجدِ النساءَ حواسراً يندبْنَه ... يندبُنَ بين عوانسٍ وعذارى أفبعْد مقتلِ مالكِ بن زهيرٍ ... ترجو النساءُ عواقبَ الأطهارِ

стр. 224

فأتت رعية قيساً فأخبرته ما قال الربيع. فقال: أنتِ حرة فأعتقها وقال: وثقت بأبي منصور. وقال قيس: فإت تكُ حربُكُم أمست عواناً ... فإني لم أكُن ممنْ جناها ولكنْ ولدُ سودة أرثوها ... وحشوا نارها لمن اصْطَلاها فإني غيرُ خاذِلكم ولكنْ ... سأسعَى الآن إذْ بلغت إناها سودة هي أم بني بدرٍ ماخلا حمَلا. يومُ المريْقِب ثم قاد قيس بني عبس وحلفاءهم بني عبد الله بن غطفان يوم ذي المُريقب إلى بني فزارة، ورئيس بني فزارة حذيفة بن بدرٍ. فالتقوا بذي المريقب فاقتتلوه، فقتل أرطاة وهو أحد بني مخرزوم من بني عبس عوف بن بدر، وقتل عنترة ضمضماً ونفراً ممن لا يعرف اسمه. وفي ذلك يقول: ولقدْ حشيتُ بأنْ أموتَ ولم تكنْ ... للحرب دائرةٌ على ابنيْ ضَمْضَمِ الشاتمي عرضِي ولم أشتُمهُما ... والناذرينِ إذا لمَ ألقهُما دمي إنْ يفعَلا تركتُ أباهُما ... جزرَ السباع وكل نسرٍ قشعم وقال: ولقدْ علمتَ إذا التقتْ فُرسانُنا ... بِلوى المُريقب أنّ ظنَّكَ أحمَقَ

стр. 225

يوم ذي حُساً ثم إن بني ذبيان تجمعوا لما أصاب بنو عبسٍ منهم ما اصابوا، فغزوا ورئيسهم حذيفة بن بدر بني عبس وحلفاءهخم بني عبد الله بن غطفان ورئيسهم الربيع بن زياد فتوافوا بذي حساً وهو وادٍ الهباءة في أعلاه. فهربت بنو عبسٍ وأتبعتها بنو ذبيان حتى لحقتها بالمعيقة ويقال بغيقة، فقالوا: التفاني أو تقيدونا. فأشار قيس على الربيع ابن زياد أن يناكرهم، وخاف ن قاتلوهم لا يقوموا لهم. فقال: إنهم ليس في كل حين يجتمعون، وحذيفة لا يستنفر أحداً لاقتداره وعلوة، ولكن نعطيهم رهائن من أبنائنا فندفع حدهم عنا، فإنهم لن يقتلوا الوالدان ولن يصلوا إلى ذلك منهم مع الذي نضعهم على يديه، وإن هم قتلوا الصبيان فهو أهون من قتل الآباء. وكان رأى الربيع مناجزتهم. فقال: يا قيس انتفخ سحرك وامتلأ صدرك من جمعهم. وقال الربيع: أقولُ ولم أملِك لقيسٍ نصيحةً ... أرى ما تَرَى والله بالغيبِ أعلمُ أتُبقي على ذبيانَ من بعدِ مالكٍ ... وقد حشَّ جاني الحربِ ناراً تضرمُ وقال قيس: يا بني ذبيان خذوا منا رهانَ بما تطلبون ويُرضيكم إلى أن ننظر في هذا فقد أدعيتم ما نعلم ولا نعلم، ودعونا حتى تتبين دعواكم، ولا تعجلوا إلى الحرب فليس كل كثيرٍ غالباً، وضعوا الرهائن عند من ترضون به ونرضى. فقبلوا ذلك وتراضوا أن تكون الرهائن عند سبيع بن عمرو الثعلبي، فدفعوا إليه عدة من صبيانكم وتكافَّ الناس. فمكثوا عند سبيع حتى حضره الموتفقال لابنه مالك: إن عندك مكرمة لن تبيد إن احتفظت بهؤلاء الأغليمة، وكأني بك لو قد مت قد أتاك خالك حذيفة وكانت أم مالك أخت حذيفة يعصر عينيه وقال: هلك سيدنا ثم خدعك عنهم

стр. 226

حتى تدفعهم إليه فيقتلهم ثم لا تشرف بعدها أبداً، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم فلما ثقل سبيع جعل حذيفة يبكي ويقول: واسيداه هلك سيدنا. فلما مات سبيع أطاف حذيفة بمالك وأعظمه، ثم قال: أنا خالك واسنُّ منك فادفع إلى هؤلاء الصبيان يكونون عندي إلى أن تنظر في أمرنا، فإنه يقبح بك أن تملك على شيئاً. ولم يزل به حتى دفعهم إليه. فلما صارا عنده أتى بهم اليعمرية، وهي ماء بوادٍ من بطن نخل، وأحضر أهل الدين قتلوا، فجعل يبرز كل غلام منهم فينصبه غرضاً ويقول له: ناد أباك، فينادى أباه وهو يخرقه بالنبل، فإن مات من يومه وإلا تركة إلى الغد، ثم فعل به مثل ذلك حتى يموت. فلما بلغ ذلك بني عبسٍ أتوهم باليعمرية، فقتلت بنو عبسٍ من بني ذبيان اثني عشر رجلاً، منهم مالك ويزيد ابنا سبيع وعركي بن عميرة. وقال: عنترة في قتل عركي: سائلْ حذيفة حين أرَّشَ بيننَا ... حرباً ذوائبها بموتٍ تخفقُ واسألْ عميرةَ حين أجلَت خيلَها ... رقصاً عزينَ بأي حيٍ تلحقُ يومُ الهَباءَ ة ثم إنهم تجمعوا فالتقوا إلى جنب الهباءة في يوم قائط، فاقتتلوا من بُكرة حتى انتصف النهار، وحجز الحر بينهم، وكان حذيفة تحرق الخيل فخذيه، وكان ذا خفض. فلما تحاجزوا أقبل حذيفة ومن كان معه إلى جفر الهباءة ليتبردوا فيه. فال قيس لأصحابه: إن حذيفة رجل تحرق الخيل باديه، وإنه مستنقع الآن في جفر الهباءة وإخوته، فانهضوا فاتبعوهم. فنهضوا فأتوهم. ونظر حصن بن حذيفة إلى الخيل، ويقال عيينة بن حصن، فبعل وانحدر في الجفر، وانحدر في الجفر. فقال حمل بن بدر: من أبغض الناس إليكم أن

стр. 227

يقف على رؤوسكم؟ قالوا: قالوا: قيس والربيع. قال: فهذا قيس قد جاءكم. فلم ينقضِ كلامه حتى وقف قيس وأصحابه على شفير الجفر، وقيس يقول: لبيكم لبيكم، يعني الصبية. وفي الجفر حذيفة ومالك وحمل بنو بدر. فقال حمل: نشدتك الرحم يا قيس! فقال قيس: لبيكم. فقال حذيفة: لئن قتلتني يا قيس لا تصلح غطفان أبداً. قال قيس: أبعدك الله، قتلك خير لغطفان، سيربع على قدره كل سيدٍ ظلوم. وجاء قرواش بن هني من خلف حذيفة، فقال له بعض أصحابه: احذر قرواشاً، وكان قد رباه فظن أنه سيشكر ذاك له، فقال: خلوا بين قرواش وظهري. فنزع قرواش له بمعبلةٍ فقصم بها صلبه وابتدره الحارث بن زهير وعمرو بن الاسلع فضرباه بسيفيهما حتى دففا عليه. وأخذ الحارث بن زهيرٍ ذا النون سيف حذيفة، وقال إنه كان سيف مالك بن بدرٍ بسهم فقتله، وكان زيد بن مالك نذر ليقتلن بابنه رجلاً من بني بدرٍ، فأحل به نذره، وقتل مالك بن الأسلع الحارث بن عوف بن بدر بابنه. واستصغروا عيينة بن حصنٍ فخلوا سبيله. وقتل الربيع بن زيادٍ حمل بن بدرٍ فقال قيس بن زهيرٍ يرثيه: تعلَّمْ إنَّ خيرَ الناسِ طُراً ... على جفرِ الهباءة ما يريمُ ولولا ظلمُهُ ما زلتُ أبكي ... عليهِ الدهرَ ما طلعَ النجومُ ولكنَّ الفَتَى حملَ بنَ بدرٍ ... بغَى والبغْىُ مرتعُهُ وخيمُ أظنُّ الحلمَ دلَّ على قومي ... وقدْ يُستجهلَ الرجلُ الحليمُ

стр. 228

ألاقي منْ رجالٍ منكراتٍ ... فأنكرها وما أنا بالظلُومِ ومارستُ الرجالَ ومارسوني ... فمُعْوجٌ علىَّ ومستقيمُ وقال زبان بن سيارٍ يذكر حذيفة وكان يحسده سؤدده: فإنّ قتيلاً في الهباءة في أستِه ... صحيفتُه إنْ عادَ للظلمِ ظالمُ متى تقرؤها تهدكم من ضلالِكُم ... وتُقرأ إذا ما فُضَّ عنها الخواتمُ فإنْ تسألوا عنها فوارسَ داحسٍ ... يُنبئك عنها من رواحةَ عالمُ ونعى عقيل بن عُلَّفة على عويف القوافي حين هاجاه، فقال: ويوقدُ عوفٌ للعشيرة نارَها ... فهلاَّ على جفرِ الهباءة أوقَدَا فإنَّ على جفرِ الهباءة هامةً ... تُنادى بني بدرٍ وعاراً مُخلداً وإن أبا وردٍ حذيفة مثغرٌ ... بأَيْرٍ على جفرِ الهباءة أسودَا وقالت بنت مالك بن بدر ترثي اباها: إذا هتَفَتْ بالرقمتيْن حمامةٌ ... أو الرسِّ فابكى فارسَ الكتِفَان أحلَّ به أمس الجُنيدبُ نذرهُ ... وأيَّ قتيلٍ كان في غطفانِ يوم الفرُوقُ فلما أُصيبَ أهلُ الهباءة استعظمت غطفان قتل حذيفة وكبُر ذلك عندها فتجمعوا. وعرفت عبسٌ أن لا مقام لها بأرض غطفان، فخرجت متوجهةً نحو اليمامة

стр. 229

يطلبون أخوالهم. وكانت عبلة بنت الدول بن حنيفة أم رواحة. فأتوا قتادة بن مسلمة فنزلوا اليمامة زمنياً. فمر قيس ذات يوم مع قتادة فرأى قحفاً فضربه رجله وقال: كم من ضيمٍ قد أقررت به مخافة هذا المصرع ثم لم تئل منه. فلما سمعها قتادة كرهها وأوجس منه، فقال: ارتحلوا عنا. فارتحلوا حتى نزلوا لو أهجر بيني سعد بن زيد مناة بن تميم فمكثوا فيهم زمنياً. ثم إن بني سعد أتوا الجون ملك هجر فقالوا: هل لك في مهرةٍ شوهاء، وناقة حمراء، وفتاة عذراء؟ قال: نعم. قالوا: بنو عبسٍ غارون نُغير عليهم مع جندك وتسهم لنا من غنائمهم. فأجابهم. وفي بني عبسٍ امرأة من بني سعد ناكحٌ فيهم، فأتاها أهلها ليضموها وأخبر وها الخبر، فأخبرت به زوجها، فأتى قيساً فأخبره، فأجمعوا على أن يرحلوا الظعائن وما قوى من الأموال من أول الليل، ويتركوا النار في الرثة فلا يُستنكر عنهم عن منزلهم، وتقدم الفرسان إلى الفروق فوقفوا دون الظعن. وبين الفروق وسوق هجر نصف يومٍ، فإن تبعوهم قاتلوهم وشغلوهم حتى تُعجز الظعن ففعلوا ذلك. فأغارت عليهم جنود الملك مع بني سعدٍ في وجه الصبح فوجدوا الظعن قد أسرين ليلتهنَّ، ووجدوا المنزل خلاء، فأتبعوا القوم حتى انتهوا إلى الخيل بالفروق فقاتلوهم حتى خلوا سربهم. فمضوا حتى لحقوا الظعن فساروا ثلاث ليالٍ وأيامهن حتى قالت بنت قيس لقيس: يا أبتاه أنسبر الأرض؟! فعلم أن قد جهدت فقال: أنيخوا. فأناخوا ثم ارتحل، ففي ذلك يقول عنترة: ونحنُ منعنا بالفروق نساءَنا ... نطرفُ عنها مُشعلاتٍ غواشيَا حفتُ والخيلُ تدمَى نُحورُها ... نفارقكم حتى تهزوا العواليَا

стр. 230

ألمْ تعلموا أنّ الأسنَّة أحرزَتْ ... بقيتَنَا لو أنَّ للدهرِ باقيَا ونحفَظ عوراتِ النساءِ ونتَّقى ... عليهنَّ أنْ يلقين يوماً مخازِياً فلحقوا ببني ضية ويزعمون أن مالك بن بكر بن سعد وعبساً أخوان لأم ويقال لهم ابنا ضجام فكانوا فيهم زمنياً. وأغارت ضبة، وكانت تميم تأكلهم قبل أن يترببوا، فأغاروا على بني حنظلة، فاستاق رجل من بني عبس امرأةً من بني حنظلة في يوم قائظ حتى بهرها ولهثت. فقال رجل من بني ضبة: ارفق بها. فقال العبسي: إنك بهالرحيم؟ فقال الضبي: وما يمنعني ذلك. فأهوى العبسي لعجزها بطرف السنان فنادت: يال حنظلة. فشد الضبي على العبسي فقتله. وتنادى الحيان ففارقتهم عبس، فمرت تريد الشام. وبلغ بني عامرٍ ارتفاعهم نحو الشام فخافوا انقطاعهم من قيس. فخرجت وفود بني عامرٍ حتى لحقتهم، فدعتهم إلى أن يرجعوا ويحالفوهم. فقال قيس: يا بني عبس! حالفوا قوماً في صيابة بني عامر ليس لهم عدد فيبغوا عليكم بعددهم، فإن احتجتم أن يقوموا بنصرتكم قامت بنو عامر. فحالفوا معاوية بن شكل، فمكثوا فيهم. ثم إن شاعراً يقال إنه بن همارق أحد بني عبد الله بن غطفان، ويقال إنه النابغة الذبياني قال: جزَى الله عبساً ابن بغيضٍ ... جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقدْ فعَل بما انتهكوا من ربِّ عدنانَ جهرة ... وعوفٌ يُناجيهم وذلكُمُ جللْ فأصبحتُمُ واللهُ يفعلُ ذاكُم ... يعزٌّ كم مولَى موالِيكُم شَكَلْ

стр. 231

فلما بلغت قيساً قال: ما له قاتله الله أفسد علينا حلفنا!؟ فخرجوا حتى أتوا بني جعفر بن كلاب. فقالوا: نكره أن تسامع العرب أنَّا حالفناكم بعد الذي كان بيننا وبينكم، ولكنكم حلفاء بني كلاب. فكانوا فيهم حتى كان يوم جبلة فتهايجوا في شأن قتل ابن الجون، قتله رجل من بني عبسٍ بعد ما أعتقه عوف بن الأحوص. فقال عوف: يا بني جعفر إن بني عبسٍ أدنى عدوكم إليكم، إنما يجمون كراعهم ويحدون سلاحههم، ويأسون قرحهم فيكم، فأطيعوني وشدوا عليهم قبل أن يندملوا، وقال: إنّى وقيساً كالمسمِّن كلبَه ... فخدَّشهُ أنيابُه وأظافرُه فلما بلغ ذلك بني عبس أتوا ربيعة بن قرط أحد بني أبي بكر بن كلاب فحالفوه. فقال في ذلك قيس: أحاولُ ما أحاول ثم آوى ... إلى جارٍ كجارِ أبي دُؤاد منيعٍ وسطِ عكرمَة بنِ قيسٍ ... وهُوبٍ للطريفِ وللتلادِ كفاني ما خشيتُ أبو هلالٍ ... بذاتِ الرِّمثِ كالحِدَاءِ الغوادي يومُ شَعْوَاء ثم إن بني ذبيان غزوا بني عامر وفيهم بنو عبس يوم شعواء وفي يوم آخر، فأسر طلحة بن سيارٍ قرواش فنسبه فكنَى عن نفسه، وقال: أنا ثورُ ابن عاصمٍ البكائي. فخرج به إلى أهله. فلما انتهى به إلى أدنى البيوت عرفته امرأةٌ من أشجع أمها عبسية، كانت تحت رجلٍ من فزارة، فقالت لزوجها: إني لأرى

стр. 232

أبا شريح. قال ومن أبو شريح؟ قالت: قرواش بن هنيٍ، نعم أبو الأضياف، مع طلحة بن سيار. قال: ومن أين تعرفينه؟ قالت: يتمتُ أنا وهو من أبوينا فربانا حذيفة في أيتام غطفان. فخرج زوجها حتى أتى خريم بن سيار، فقال: أخبرتني امرأتي أن أسير طلحة أخيك قرواش بن هني. فأتى خريم طلحة فأخبره بذلك. فقال: لا تعزى على أسيري لتسلبه مني. قال خريم: لم أرد ذلك، وإنما عرفته امرأة فلان فاسمع كلامها. فأتوها. فقال لها طلحة: ما علمك أنه قرواش؟ قالت: هو هو وبه شامةٌ في موضع كذا. فرجعوا إليه ففتشوه فوجدوا الأمر على ما ذكرت. فقال قرواش: من عرفني؟ قالوا: فلانة الأشجعية وأمها عبسية. فقال: ربَّ شرٍ قد حملته عبسية. فذهبت مثلاً. ودُفع إلى حصنٍ فقتله. فقال النابغة الذبياني في ذلك: صبراً قُطيعَ بن عبسٍ إنَّها رحمٌ ... خُنْتُمْ بها فأناختكُم بجعجاعِ فما أشطَّت سُميٌ إنْ همُ قتلوا ... بني أسيدٍ ومروان بن زنباعِ كانت قروضَ رجالٍ يطلُبون بها ... بني رواحة كيل الصاعِ بالصاعِ يوم شواحط ولم تزل عبسٌ في بني عامر حتى غزا غزيٌ من بني عامر يوم شواحط بني ذبيان فأسر منهم ناس: أحدهم أخو حنبصٍ الضبابي أسره رجل من بني ذبيان. فلما أفدت أيام عكاظ استودعه يهودياً خماراً من تيماء، فوجده اليهودي يخلفه في أهله

стр. 233

فاجتبَّ مذ كيره فمات. فوثب حنبص على بني عبس فقال: عن غطفان قتلت أخي فدوه فقال قيس: والله إن يدي مع أيديكم على غطفان ومع هذا فإنما وجده اليهودي مع امرأته. فقال حنبصُ: والله لو قتلته الريح لوديتموه. فقال قيس لبني عبس: دُوه والحقوا بقومكم، فالموت في غطفان خير من الحياة في بني عامر، وقال قيس: لحَا الله قوماً أرشُوا الحربَ بيننَا ... سقوْنا بها كأساً من الماءِ آجنَا أكلَّفُ ذَا الخُصييْن إن كان ظالماً ... وإن كانَ مظلوماً وإن كان شاطِنَا فهلاَّ بني ذبيان أمك هابلٌ ... رهنْتَ بفيفِ الريحِ إن كنت راحنَا فلما ودت عبسٌ أخا حنبص خرجت حتى نزلت بالحارث بن عوف بن أبي حارثة وهو عند حصن بن حذيفة، فجاء بعد ساعة من الليل. فقيل هؤلاء أضيافك ينتظرونك. قال: بل أنا ضيفهم. فحياهم وهش إليهم وقال: من القوم؟ قالوا: إخوتك بنو عبس، وذكروا ما لقوا وأقروا بالذنب. فقال: نعم وكرامة لكم، أُكلِّم حصناً. فرجع إليه. فقيل لحصن هذا أبو أسماء. قال: مارده إلا أمرٌ. فدخل الحارث فقال: طرقت بي حاجة يا أبا قيس. قال: أعطيتها. قال: بنو عبسٍ وجدتُ وفودهم في منزلي. فقال حصن: صالحوا قومكم، أما أنا فلا أدى ولا أتدى، قد قتلت بأبي وعمومتي عشرين من بني عيس فما أدركت دماءهم. ويقال: انطلق الربيع وقيس إلى يزيد بن سنان بن أبي حارثة، وكان فارسي بني ذبيان، فقالا: أنعم ظلاماً أبا ضَمْرَة. قال: نعم ظلامكما! فمن أنتما؟ قالا: الربيع وقيس. قال: مرحبا. قالا: أردنا أن نأتي أباك فتعيننا عليه لعله يلم الشعث ويرأب

стр. 234

الصدع. فانطلق معهما فقال لأبيه: هذه عبسٌ قد عصبت بك رجاء أن تلائم بين أبني بغيض قال: مرحباً قد آن للأحلام أن تثوب والأرحام أن تئط. إني لا أقدر على ذلك إلا بحصن بن حذيفة، وهو سيدٌ حليم فأتوه. فأتوا حصناً فقال: من القوم؟ قالوا: ركبان الموت. فعرفهم. فقال: بل رُكبان السلم. مرحبا بكم، إن تكونوا اختللتم إلى قومكم لقد اختل قومكم إليكم. ثم خرج معهم حتى أتى سناناً فقال له حصن: قم بأمر عشيرتك، وارب بينهم فإني أعينك. فاجتمعت بنو مرة وكان أول من سعى في الحمالة حرملة بن الأشعر ثم مات، فسعى فيها ابنه هاشم بن حرملة الذي يقول له القائل: أحيا أباهُ هاشمُ بن حرملَهْ ... يومَ الهباتيْن ويومَ اليعمَلَهْ ترى الملوكَ حوْلَه مُغربلَهْ ... يقتلُ ذا الذنبِ ومنْ لا ذنبَ لهْ يَوْمُ قَطَن ولما تحمل الحاملان وتراضى ابن بغيض اجتمعت عبس وذبيان بقطَن وهو من الشربة. فخرج حصين بن ضمضم يُحلئ فرسه وهو آخذ بمرسنها. فقال الربيع ابن زاد: مالي عهد بحصين بن ضمضم مذ عشرون سنة. وإني لأحسبه هذا. قم يابيجان فادنُ منه وناطقه فإني في لسانه حبسة. فقام فكلمه فجعل حصين يدنو منه ولا يكلمه، حتى إذا أمكنه جال في متن فرسه ثم وجهها نحوه، فلحقه قبل أن يأتي القوم فقتله بأبيه ضمضم، وكان عنترة قتله، وكان حصين آلي لا يمس رأسه غسل حتى

стр. 235

يقتل بأبيه، فقتل بيحان. فامازت عبس وحلفاؤهم وقالوا: لا الحكم ما بلَّ بحرٌ صوفة. وقد غدرت بنا بنو مرة، فتناهض الحيان. ودعا الربيع بن زياد من يبارز؟ فقال سنان: وكان يومئذ واجداً على ابنه يزيد ادعوا لي ابني، فأتاه هرم بن سنان. فقال: لا. فأتاه ابنه خارجة، فقال: لا. وكان يزيد يحزم فرسه ويقول: إنَّ أبا ضَمْرَةَ غيرُ غافِل ثم أتاه فبرز للربيع. وسفرت بينهم السفراء فأتى خارجة بن سنان أبا بيجان بابنه فدفعه إليه، وقال: في هذا وفاءٌ من ابنك؟ قال: اللهم نعم. فكان عنده أياماً. ثم حمل خارجة لأبي بيجان مائتي بعير، فأدى إليه مائة وحط عنه الإسلام مائة. واصطلحوا وتعاقدوا. وي ذلك يقول خارجة بن سنان: أغنيت عن آل الربيع قتيلهُم ... وكنتُ أدعَى إلى الخيراتِ أطوارَاً أغنيتُ عنهم أبا بيجانَ آرشُه ... ودِّي ودُهماً كمثلِ النخلِ أبْكاراً وكان الذي وليَ الصلح عوفٌ ومعقلٌ ابنا سبيعٍ من بني ثعلبة. فقال عوف ابن خارجة بن سنان: أما إذ سبقني هذان الشيخان إلى الحمالة فهلم إلى الظل والطعام والحملان، فحمل وأطعم. وكان أحد الثلاثة يومئذ، فصروا على الصلح. ٣٦١ قولهم البلاءُ مُوَكَّل بالمَنطِق يقال إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق ﵀. وكان من خبره فيما ذكر ابن عباس قال: حدثني علي بن أبي طالب ﵄، قال: لما أمر النبي ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر،

стр. 236

فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب. فتقدم أبو بكر وكان رجلاً نسابة فسلَّم فردوا ﵇. فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: أمن هامها أو من لهازمها. قالوا: بل من هامتها العظمى. قال: وأي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهلٌ الأكبر. قال: أفمنكم عوف الذي كان يقال: لا حرَّ بوادي عوفٍ؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم بسطامٌ ذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم أصهار الملوك من لخمٍ؟ قالوا: لا. قال: فلستم ذهلاً الأكبر بل أنتم ذهلٌ الأصغر. فقام إليه غلامٌ من شيبان حين بقل وجهه يقال له دغفل، فقال: إنَّ على سائلنا أنْ نسألهْ ... والعبءُ لا تعرفُه أوْ تحملَهْ ثم قال: يا هذا إنك سألتنا فلم نكتُمك شيئاً. فمن الرجل أنت؟ قال: رجل من قريش. قال: بَخٍ بَخٍ أهلُ الشرف والرياسة. فمنْ أي قريش أنت؟ قال: من تيمِ بن مرة. قال: مكنت والله الرامي من صفاء الثغرة. أفمنكم قصيٌ بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فكان يدعى مجمعاً؟ قال: لا. قال: أفمنكم هاشم:

стр. 237

الذي هشمَ الثريدَ لقومهِ ... ورجالُ مكةَ مسنتُون عجافُ؟ قال: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء، الذي كان وجهه قمراً يضيء ليل الظلام الداجي؟ قال: لا. قال: أفمن المفضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: فاجتذب أبو بكر زمام ناقته فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال دغفلٌ: صادفَ درءُ السيلِ دراءَ يدفعُهْ ... بهيضُه طوراً وطوراً يصدعُهْ أما والله لو ثبت لأخبرتك أنك من زمعات قريش أو ما أنا بدغفل. فتبسم رسول الله ﷺ . قال علي: فقلت لأبي بكر: لقد وقعت من الأعرابي على باقعةٍ قال: أجل. إن لكل طامةٍ طامة، وإن البلاء موَكلٌ بالمنطق. قال ثم دفعنا إلى مجلس آخر عله السكينة والوقار. فتقدم أبو بكر فسلم فردوا ﵇. قال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء عز في قومهم. وكان في القوم

стр. 238

مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان مفروق بن عمروٍ بارعاً جمالاً ولساناً. وكانت له غديرتان، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مجلساً. فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة. قال: كيف المنعة فيكم؟ قال: علينا الجهد ولكل قوم جد. قال: وكيف الحرب فيما بينكم وبين عدوكم؟ قال: إنا أشد ما نكون لقاءً حين نغضب، وأشد ما نكون غضباً حين نلقى، وإنا لنؤثر جيادنا على أولادنا، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله جل وعز، بديل لنا وبديل علينا. لعلك: أخو قريش. قال: إن كان بلغكم أنه رسول الله فهاهو هذا. قال: قد بلغنا أنه يقول ذاك. فإلى مَ تدعو يا أخا قريش؟ قال رسول الله ﷺ : إن الله أرسلني إلى خلقه. وإني أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني، فإن قريشاً ظاهرت عن أمر الله وكذبت أيضاً؟ فتلا (قلْ تعالوا أتلُ ما حرمَ ربكُمْ عليكمْ ألا تشرِكوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) . قال: وإلى ما تدعو أيضاً؟ فتلا عليهم (إن الله يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكُم تذكرونَ) . فقال مفروق بن عمروٍ: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. ولقد أفك قوم ظاهروا عليك وكذبوك. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فتكلم

стр. 239

هانئ. فقال: يا أخا قريش، قد سمعت مقالتك، وإنا نرى ترك ديننا واتباعك على دينك بمجلس واحد جلسته منا لم ننظر في أمرك ولم نتثبت في عاقبة ما تدعونا إليه زلة في الرأي وإعجالاً في النظر، والزلة تكون مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، قال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وكبيرنا وصاحب حربنا. فتكلم المثنى بن حارثة فقال: يا أخا قريش، قد سمعت مقالتك فأما الجواب في تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك فهو جواب هانئ بن قبيصة، وأما أن نؤويك وننصرك فإنا نزلنا بين صيرين من اليمامة والسمامة. فقال رسول الله ﷺ : وما هذان الصيران؟ فقال: مياه العرب وأنهار كسرى. فأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول. وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ألا نحدث حدثاً ولا نؤوى محدثاً، ولسنا نأمن أن يكون الأمر الذي تدعونا إليه مما يكرهه الملوك. فإن أحببت أن نؤويك مما يلي مياه العرب أويناك ونصرناك. فقال رسول الله ﷺ : ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. وليس يقوم بدين الله جل وعز إلا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله أموالهم ويورثكم ديارهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذاك. قال فتلا رسول الله ﷺ (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً) (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) .

стр. 240

ثم نهض رسول الله ﷺ وأحذ بيدي وقال: يا علي! أي أحلام في الجاهلية بها يكف الله بأس بعضهم عن بعض ويتحاجزون في هذه الحياة الدنيا! ٣٦٢ قولهم ما عند خيرٌ ولا مَيْر الخير على وجوه. فالخير: المال ومنه قول الله جل وعز (وإنه لحبِّ الخيرِ لشديدٌ) فسره المفسرون: لحب المال لبخيل. والخير: الخيل، ومنه قوله جل وعز: (إني أحببتُ حبَّ الخيرِ عن ذكرِ ربي) أي الخيل. والخير: كل ما رزقه الله جل وعز الناس من متاع الدنيا، وهو الذي يراد في المثل. والميْرُ: ما جلب من الميرة وهو ما يتقوت ويتزود، فيراد أنه ليس عنده خير عاجل ولا يرجى منه أن يأتى بخير. ويقال: خرج فلان يمير أهله، وخرج يمتار لهم، إذا خرج يجلب لهم ما يحتاجون إليه. قال: الراجز: قد يخلُف الميارَ ذا الجُوالقِ ... في أهلِه بأفلقِ الفلائقِ صاحبُ إدهانٍ وألقٍ آلقِ ٣٦٣ قولهم دوَّخْتُ البلاد أي وطئتُها وذللتُها. ومنه قولهم: دوخني الحر أي كسرني وغلبني. ويقال: دخت للأمر أي ذللت له. وقال المسيب بن علس الضبعي: فدوخوا عبيداً لأربابِكُم ... وإن ساءَكم ذاكُمُ فاغضبُوا

стр. 241

٣٦٤ قولهم دعْه يَخيسُ معناه: يفسد حتى لا يُنتفع به. وهو مأخوذ من قولهم: قد خاست الجيفة إذا بدأت تروحُ وتنِن. ٣٦٥ قولهم قدْ حدسْتُ الأمر وأنا أحدِسُ معناه: أظن ظناً أبلغ به غاية الشيء في عدد ووزنٍ. وهو مأخوذ من قولهم: بلغت الحداس، وهو الموضع الذي يُعدى إليه ويطلب لحاقه. وقال الفراء: حدستُ وعكلتُ بمعنىً واحد، أحدس وأعكل إذا قلت برأيك. وحكى: حدس الرجل صاحبه إذا صرعه. وأنشد: بمُعتركٍ شطَّ الحبيَّا ترَى بِه ... من القومِ محدوساً وآخرَ حادسَاً فيكون على هذا معنى حدست: أصبت. ٣٦٦ قولهم القابِسُ العَجْلاَنُ يراد به الذي لا يعرف. والقابس الذي يريد ناراً يشعلها في شيء معه. يقال: اقتبست من فلانٍ ناراً، وقبست منه، وأقبست فلاناً ناراً، وقبسته إذا أعطيته.

стр. 242

وكذلك أقبسته العلم بالألف أكثر ما يقال إذا أفدته إياه. والعجلان: المستعجل وقال النابغة: أمنَ ألِ ميةَ رائحٌ أو مُغتدى ... عجلانَ ذا زادٍ وغيرَ مزودِ فيقول: هو غريب ولم يتلبث فأتفرس فيه فلم أعرفه ولم اقارب ذلك. ٣٦٧ قولهم هو أجلُّ من الحرشِ يضرب مثلاً في الآمر المستعظم الذي يكون أعظم مما يتخوف منه. وأصل ذلك فيما تتحدث به العرب أن الضب قال لابنه: يا بني أحذر الحرش. فبينما هما في جحرهما إذا صوت فأسٍ يحفر به عنهم. يا أبه هذا الحرش؟ قال: يا بني هذا أجل من الحرش. والحرش: هو أن يؤتى إلى باب جحر الضب بأسود من الحيات فيحرك عند فم الجحر، فإذا سمع الضب حس الأسود خرج إليه ليقاتله فيصاد. ٣٦٨ قولهم هو آيةٌ الآية: العلامة التي تدل على الشيء. فيراد أنه علامة فيما يوصف به يستدل بها عليه. وقال الله جل وعز في الآية، بمعنى العلامة: (قال ربِّ اجعل لي آيةً قال آيتكَ أنْ لا تكلمَ الناس) . فالمعنى والله أعلم اجعل لي آية أستدل بها على أنه يولد لي. قال: علامتك في ذلك أنك لا تقدر على أن تكلم الناس من غير خرس. وقال عمر بن أبي ربيعة:

стр. 243

بآيةِ أحجارٍ وخطٍ خططته ... لنا بطريق الغورِ والمتنجدِ والآية أيضاً: المثل. فيراد به أنه يتمثل به في الشيء الذي ينسب إليه من خيرٍ أو شرٍ. وقال الله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آيةً) ، فكون المعنى والله أعلم أنهما مثل في كل ما يتعجب منه. وتكون أيضاً بمعنى العلامة، أي هما علامة ندل على قدرة الله جل وعز. ٣٦٩ قولهم للشيء فتنةٌ من الفِتَن الفتنة في هذا الموضع: النعمة واللذة. ومنه قول الله جل وعز: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجرٌ عظيمٌ) . أي نعمةٌ تسرون بها وتلتذون بها ويكون أيضاً معنى الفتنة. المحنة والبلوى، أي تمتحنون بذلك ليعلم شكركم. ٣٧٠ قولهم يمنعُ الماَعُونَ الماعون في أشياء. فالماعون: الزكاة. ومنه قول الراعي: قومٌ على الإسلامِ لمَّا يمنعُوا ... ما عُونَهُم ويكذِّبُوا التنزيلا والماعون: ما يُنتفع به كالدلو والقدر وما أشبه ذلك. والماعون: الماء بعينه. وأنشد الفراء نصف بيت: يمجُّ صبيرُهُ الماعُونَ صبَّا

стр. 244

٣٧١ قولهم قدْ أجازَهُ السلْطَان أصل الجائزة أن يعطى الرجل ما يجيزه ليذهب لوجهه. وكان الرجل إذا ورد الماء قال لقيمة: أجزني. أي أعطني ماء حتى أمضى لوجهي وأجوز عنك. ثم كثر ذلك حتى جُعلت الجائزة عطية، قال الراجز: أقيِّمَ الماءِ فدتْكَ نفسي ... أحسِن جوازي وأقلَّ حبسي وقال القطامي: وقالوا فقيمٌ قيمُ الماءِ فاستجزْ ... عبادَةَ إنَّ المُستجيزَ على قُتْرِ ٣٧٢ قولهم أقامُوا على فُلانٍ مأتماً أصل المأتم: مجتمع النساء والرجال على كل حزنٍ أو فرحٍ. ثم كثر حتى صيروه في الموت خاصة، وقال ابن أحمر: وكوماءَ تحبُوما تشايع ساقَها ... لدى مزهرٍ ضارٍ أجشَّ ومأتمِ وقال ابنُ مقبل: ومأتمٍ كالدُّمى حورٌ مدامعُها ... لمْ تبأَسِ العيش أبكاراً ولا عوناً

стр. 245

٣٧٣ قولهم بيننا وبينك مسافةٌ قال الأصمعي وغيره: أصل المسافة: أن الطريق كان إذا أشكل وأرادوا أن يعرفوا قدره وبعده شموا تربته، فعرف العالم بالطريق المعاود للسفر بعده من قربه. ويقال: ساف يسوف سوفاً، واستاف استيافاً: إذا شم. وقال امرؤ القيس: على لاحبٍ لا يُهتدى بمنارِه ... إذا سافَهُ العودُ الديافي جرْجَرا والعود: الجميل المسن. ضغا خوفاً من بعده، وإنما جعله عوداً لأنه أعلم بالطريق. وقال رؤبة: إذا الدليلُ استأف أخلاقَ الطُرُق ٣٧٤ قولهم ضغَا منِّي وهُوَ ضَغَّاءٌ أصل الضغو في الكلب والثعلب إذا اشتد عليه أمرٌ عوى عواء ضعيفاً، فيقال: لذلك العُواء الضغو والضغاء. يقال: ضغا يضغو ضغواً وضغاء، ثم كثر ذلك حتى جعل لكل من عجز عن شيء. ٣٧٥ قولهم الشحيحُ أعذرُ من الظالم يقال: إن أول من قال ذلك عامر بن صعصعة. وكان جمع بنيه عند موته ليوصيهم فمكث طويلاً لا يتكلم، فاستحثه بعضهم، فقال: إليك يساقُ الحديث.

стр. 246

ثم قال: يا بني! جودوا ولا تسألوا الناس واعلموا أن الشحيح أعذر من الظالم، وأطعموا الطعام، ولا يستذلن لكم جارٌ. ٣٧٦ قولهم جاء يضرب بأصدَرَيْه هذا مما تغلط فيه العامة، لأن العرب إنما تقول: جاء يضرب أزدريه، إذا جاء فارغاً. ٣٧٧ قولهم دخلَ في غُمارِ الناسِ هذا أيضاً مما يغلطون فيه. والعرب تقول: دخل في خمارِ الناس، أي فيما يواريه ويستره منهم حتى لا يبين. وهو مأخوذٌ من خمر الوادي. وخمره: ما وارى من جرف أو شجرٍ أو غيره. ويقال: مكان خمر، إذا كان ذا خمر.

стр. 247

٣٧٨ قولهم أكثِرْ من الصديقِ فإنك على العدوِّ قادرٌ وقولهم: لا تكُنْ حُلواً فتزدرد ولا مُراً من افتُلْفَظ أول من قال هذين المثلين فيما زعم ابن الكلبي أبجر بن جابرٍ لعجلي. وكان من خبر ذلك: أن حجار بن أبجر كان نصرانياً فرغب في الإسلام، فأتى أباه فقال: يا أبه إني أرى أقواماً قد دخلوا في هذا الدين ليس لهم مثل قدمي ولا مثل آبائي فشرفوا، فأحب أن تأذن لي فيه. قال: يا بني إذا أزمعت على هذا فلا تعجل حتى أقدم معك على عمر فأوصيه بك. وإن كنت لابد فاعلاً فخذ مني ما أقول لك: إياك أن تكون لك همة دون الغاية القصوى. وإياك والسآمة، فإنك إن سئمت قذفتك الرجال خلف أعقابها. وإذا دخلت مصراً فأكثر من الصديق فإنك على العدو قادر. وإذا حضرت باب السلطان فلا تنازعن بوابه على بابه، فإن أيسر ما لقاك منه أن يعلقك اسماً يسبك به الناس، فإذا وصلت إلى أميرك فبوئ لنفسك منزلاً يجمل بك. وإياك أن تجلس مجلساً تقام منه، أو أن تجلس مجلساً يقصر بك. فإن أنت جالست أميرك فلا تجالسه بخلاف هواه، فإنك إن فعلت ذلك لم آمن عليك إن لم يعجل عقوبتك أن ينفر قلبه عنك، فلا يزال منك منقبضاً. وإياك والخطب فإنها مشوارٌ كثير العثار، وإياك أن تكون حلواً فتزدرد، ولا مراً فتلفظ واعلم أن أمثل القوم بقيةً الصابر عند نزول الحقائق، الذائد عن الحرم.

стр. 248

٣٧٩ قولهم غافَصْتُ فلاناً في المغافصة قولان: قال بعضهم: هي المواثبة. وقال بعضهم: المغافصة كالمفاجأة. وقال أبو دؤاد الإيادي يصف جيشاً: ولنا مُغاقصةٌ تُوا ... لي بين منقصِد ورمحاً يعني: كتيبةً. أي توالى بين رجلٍ مصروعٍ وهو المنقصدِ، ورمحاً أي ترمح رمحاً. ٣٨٠ قلهم أمنَعُ من عقابِ الجوِّ أول من قال ذلك عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وهو ابن أخت جذيمة الأبرش. ويقال ابن ابنته، وهو الذي يضرب به المثل، فيقال: كبر عمروٌ عن الطوق. وكان قصير مولى جذيمة الأبرش لما قتلت الزباء جذيمة أتى عمراً فأخبره خبر جذيمة وقتل الزباء إياه. ثم قال له: اطلب بثأرك. فقال عمروٌ: كيف وهي أمنع من عقاب الجو. فأرسلها مثلاً. فقال له قصيرٌ: لا تأبين علي في شيء فإني سوف أحتالك لك، فأعنى وخلاك ذمٌ. ثم طلب بثأره حتى أدركه. ٣٨١ قولهم ويلٌ للشحبيِّ من الخليِّ الشجي: الحزين. والشجا، والشجو: الحزن. يقال: شجاه الهم يشجوه شجواً. وقال كثير عزة:

стр. 249

شجا أظعانُ غاضرة الغوادي ... بغيرِ مشيئة عرضاً فؤادي ويقال: إن أصل الشجا: عظيم يعترى الحلق فيغص صاحبه بالطعام والشراب. وربما قتله. يقال: شجي الرجل يشجى شجاً: إذا أصابه ذلك. ثم كثر حتى صار الحزن شجاً، وقال سويد بن أبي كاهلٍ اليشكري: ويراني كالشجَا في حلقِه ... عسراً مخرجُه ما يُنتزَعْ والخلي: الذي ليس به حزن. فهو يعذل الشجي ويلومه فيؤذيه. ويقال: إن أول من قال ذلك فيما ذكر المدائني ومحمد بن سلام الجمحي: أكثم بن صيفي التميمي. وكان من حديث ذلك أنه لما ظهر النبي ﷺ بمكة ودعا إلى الإسلام بعث أكثم بن صيفي ابنه حبيشاً فأتاه بخبره، فجمع بني تميم وقال: يا بني تميم لا تُحضروني سفيهاً، فإنه من يسمع يخل؛ إن السفيه يوهن من فوقه ويثبط من دونه. ولا خير في من لا عقل له. يا بني تميم: كبرت سني ودخلتني ذلة، فإذا رأيتم مني حسناً فأقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك فقوموني أستقم. إن ابني شافه هذا الرجل " ﷺ " مشافهة، وأتاني بخبره وكتابه، يأمر فيه بالمعروف، وينهي عن المنكر ويأخذ بمحاسن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، ويخلع الأوثان ويترك لحلف بالنيران. وقد عرف ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو غليه، وأن الرأي ترك ما ينهي عنه. إن أحق الناس بمعونة محمد ﷺ ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقاً فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلاً كنتم أحق الناس بالكف عنه والستر عليه، وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته،

стр. 250

وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبلة، وسمى ابنه محمداً. فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا آخراً. طائعين قبل أن تأتوا كارهين. إن الذي يدعو غليه محمد لو لم يكن ديناً كان في أخلاق الناس حسناً. أطيعوني واتبعوا امرى اسأل لكم أشياء لا تنتزع منكم أبداً. إنكم أصبحتم أعز حي في العرب، أكثرهم عدداً وأوسعهم داراً، وإني أرى أمراً لا يجتنبه عزيز إلا ذل، ولا يلزمه ذليلٌ إلا عز، إن الأول لم يدع للآخر شيئاً، وهذا أمرٌ له ما بعده. من سبق إليه غمر لعالي، واقتدى به التالي، والعزيمة حزم، والاحتلاط عجز. قال مالك بن نويرة: قد خرف شيخكم. فقال أكثم: ويلٌ للشجي من الخلي، والهفي على أمرٍ لم أشهده ولم يسبقني!! وقال المفضل بن محمد الضبي أو غيره: الشجي والخلي: رجلان. وأوا من قال ذلك لقمان بن عاد. وكان نزل بقبيلةٍ فأبصر ذات يوم امرأة قد انتبذت من بيوت الحي، فانبرى لها رجل، فمضيا جميعاً حتى انفردا، وذلك بحيث يرى لقمان ويسمع. فقالت المرأة للرجل: إني أتماوت على أهلي فإذا أسندوني في رحمي جئت فأخرجتني، وتنكرت فلم يعرفني أحدٌ. فقال الرجل: افعلي. وكان اسم الزوج الشجي، واسم الصديق الخلي، فقال لقمان: ويلٌ للشجي من الخلي. فأرسلها مثلاً. ٣٨٢ قولهم حال الجرِيصُ دون القَرِيضُ أول من قال ذلك عبيد بن الأبرص الأسدي. وكان للنعمان بن المنذر يومان: يوم بؤس لا يلقي فيه أحداً إلا قتله، ويوم سعدٍ لا يلقي فيه أحداً إلا حباه، فمر به عبيد في يوم بؤسه فابتدرته الخيل فعرفوه. فقالوا له: ما كنت تصنع يا عبيدها هنا اليوم؟
следующие страницы →