Полный текст (323 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
٧٣_قولهم غَلٌّ قَمِل
قال الأصمعي: معناه أنهم، كانوا يُغلّون الأسير بالقِدّ وعليه الوبر، فإذا طال القِدُّ عليه قَمِلَ فيلقى منه جهداً. فضُرب مثلاً لكل ما ابتلي به ولقي منه شدة.
٧٤_قولهم ما له عنْهُ مَحيص
قال الأصمعي: هو المَحيد والمَعْدل. والمعنى: ما له عنه مفرٌّ. يقال منه: حاصَ يحيص حيصاً، وأنشد لأعرابي في ابنته:
يالَيْتَها قد لَبِسَتْ وَصْواصا ... وَعَلَّقَتْ حاجِبَها تَنْماصا
حَتَّى يَجيئوا عُصَباً حِراصَا ... ويُرقِصوا مَنْ حَوْلنا إرقاصا
فَيجدوني عَكِراً حَيَّاصا
أي أحيص عنهم.
стр. 37
٧٥_قولهم عبدٌ قِنٌّ
قال الأصمعي: القنّ الذي كان أبوه مملوكاً لمواليه، فإذا لم يكن كذلك فهو عبد مملكةٍ، وكأن القن مأخوذ من القنية وهي المِلْك. هذا على غير قياس.
٧٦_قولهم نادِمٌ سادِمٌ
فالسادم: المتغير العقل من الغم، وأصله من الماء السدم وهو المتغير. ومياه سُدُمٌ وأسدام. قال ذو الرُمَّة:
وَماءٍ كَلَوْنِ الغِسْلِ أَقْوَى فَبَعْضُهُ ... أَواجِنُ أَسْدَامٌ وبَعضٌ يُغَوَّرُ
أي متهدم.
وقال بعضهم: السادم: المتحير الذي لا يطيق ذهاباً ولا مجيئاً كأنه ممنوع من ذلك. وهو مأخوذ من قولهم: بعيرٌ سَدِمٌ إذا مُنع من الضِّرابِ. وقال مروان بن الحكم لمعاوية حين قُتل عثمان:
قَطَعْتَ الدَّهْرَ كالسَّدِمِ المُعَنَّى ... تُهَدِّرُ في دِمَشقَ ولا تَريمُ
فلو كُنْتَ المُصابَ وكان حيَّاً ... لَشَمَّرَ لا ألَفُّ ولا سَؤُومُ
стр. 38
٧٧_قولهم لا دَرَيْتَ ولا ائْتَلَيْت
قال الفرّاء: ائتليت افتعلت من ألَوْتُ إذا قصّرت، فيقول: لا دريت ولا قصّرت في الطلب ليكون أشقى لك، وأنشد لامرىء القيس.
وما المَرْؤُ مادامت حُشاشَةُ نَفْسِهِ ... بِمُدرِكْ أطَرافَ الخُوطوبِ ولا آلِي
أي ولا مقصّر. وقال الأصمعي: ائتليتُ افتعلتُ من ألوْتُ الشيء إذا استطعته فيقول: لا دريت ولا تلوتُ، أي لا أحسنت أن تتلو، قلبوا الواو ياء للازدواج.
٧٨_قولهم بَقيَ مُتَلَدِّداً
أي متحيِّراً ينظر يميناً وشمالاً. وهو مأخوذ من اللديدَيْن وهما صفحتا العنق، كأن المعنى يحول عنقه مرة إلى اللديد ومرة إلى ذا.
٧٩_قولهم لا يَقومُ بِطُنِّ نَفْسِه
قال الأصمعي: الطُّنُّ: الجسم. والمعنى أنه لا يقوم بقوت جسمه ومؤونة نفسه. وأنشد:
стр. 39
لما رَأَوْني واقِفاً كأَنِّي ... بَدْرٌ تَجَلَّى من دُجى الدُّجُنِّ
غَضْبانُ أَهْذي بِكَلامِ الجِنِّ ... فبعضُهُ مِنْهُم وَبَعْضٌ مِنِّي
بِجَبْهَةً جَبْهاءَ كالمِجَنِّ ... ضَخْمَ الذراعين عظيم الطُنِّ
أي الجسم.
٨٠_قولهم ما أُنْكِرُكَ مِنْ سُوءٍ
أي ليس إنكاري إياك من سوء بك ولكني لا أُثبتْك. وقال أبو عبيدة السوء: البَرَص، ومنه قول الله جل وعز: تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ. أي من غير برص.
٨١_قولهم شَوَّرْتُ بِفُلان
أي عِبته وأبديت عورته. وهو مشتق من الشَّوار. والشوار: فرج الرجل. يقال في الدعاء أبدى الله شواره. ويقال: معنى شَّورت به أي فعلت به فعلاً استحيا منه، كأنه بدت عورته.
٨٢_قولهم لا أَرْقَأَ اللهُ دَمْعَتَه
أي لا رفعها الله ومنه: رقأْت على الدرجة، ومن هذا سميت المرقأةُ. يقال: رقأت
стр. 40
ورَقَيْتُ وترك الهمز أكثر. وقال الأصمعي: وأصل ذلك في الدم إذا قَتَل رجل رجلاً فأخذ أهل المقتول الدية رقأ الدم، أي ارتفع فلا يطالب به أي دم المقتول. وقال مرة أخرى رقأ دم القاتل أي ارتفع ولو لم تأخذ الدية لهُريق دمه فانحدر. وكذلك قال المفضَّل الضبيّ، وأنشد لمُسلم بن مَعبد الوالبيّ يصف إبلاً:
مِن اللاَّئي يَزِدْنَ العَيْشَ طِيباً ... وتَرْقأُ في معاقِلها الدِّماءُ
قال: معاقل: مفاعل من العقل وهو الدية. وقال بعضهم: أرقأ الله دمعه أي قَطعهُ.
٨٣_قولهم ما لَهُ صامِتٌ ولا ناطِق
الصامتُ: الذهب والفضة. والناطق: الحيوان. وقال خالد: الناطق: كل ما كان له كبد قال الشاعر:
فما المالُ يُخْلِدُني صامِتاً ... هُبِلْتِ ولا ناطِقاً ذا كِبِدْ
ذَريني أُرَوِّي به هامَتي ... حَياتي وقَدْكِ من اللَّوْمِ قَدْ
٨٤_قولهم فلان نَسيجُ وَحْدِه
أي ليس له ثانٍ. كأنه ثوب نُسج على حِدَتهِ ليس معه غيره، قال الراجز:
стр. 41
جاءَتْ به مُعْتَجِراً بَبُرْدِه ... سَفْواءُ تَرْدي بِنَسيجِ وَحْدِه
وَحْدَه منصوبةٌ أبداً إلا في ثلاثة مواضع وهي: نسيجُ وحْدِه، وعُيير وحْدِه وجُحيش وحْدِه.
٨٥_قولهم يا لُكَع
قال أبو عمرو: هو اللئيم. وقال خالد: هو العبد. ويقال للأنثى لَكاع. وأنشد الكسائي:
فقُلْتُ لها لَكاعِ أَضَعْتِ أَمْري ... وما أنا بالمُهانِ ولا المُضاعِ
فقالت لي هَجٍ فضحكتُ منها ... وقُلْتُ أَلا هَجٍ لَكِ يا لَكاعِ
وقال الأصمعي: هو العييّ بأمره الذي لا يتجه لمنطق ولا عيره. فال: وهو مأخوذ من الملاكيع، وهو ما يخرج من السَّلى، وأنشد لابن ميّادة:
رَمَتِ الفَلاةَ بِمُعْجَلٍ مُتَسَرْبِل ... غِرْسَ السلى ومَلاكعِ الأَمْشاجِ
стр. 42
٨٦_أحسن من دبَّ ودرج
دبّ: مشى. ودرج: مات. وقال الأخطل:
قَبيلَةٌ كَشِراكِ النَّعْلِ دارِجَة ... إِنْ يَهْبِطُوا العَفْوَ لا يُوجَدْ لهم أَثَرُ
ودرج في غير هذا المثل: دَبَّ.
٨٧_قولهم ما يَنامُ ولا يُنيمُ
قال الأصمعي: يُنيم يكون منه ما يرفع السهر فينام معه. فكأنه يأتي بالنوم. وقال غيره: يُنيم يأتي بسرورٍ ينام معه.
٨٨_قولهم لئيم راضِعٌ
قال الطائي: الراضع الذي يأخذ الخُلالة من الخِلال فيأكلها من اللؤم لئلا يفوته شيء. وقال أبو عمرو: الراضع الذي يرضع الشاة أو الناقة قبل أن يحلبها من جشعه، وأنشد:
إِنِّي إذا ما القوْم كانوا ثلاثةً ... كَريماً ومُسْتَحْياً وكَلْباً مُجَشَّعاَ
стр. 43
كَفَفْتُ يَدي من أنْ تَنال أَكُفَّهُم ... إذا نحنُ أَهْوَيْنا وَمطْعَمنا معا
وقال أبي سَلَمة بن عاصم ﵀: الراضع: هو الراعي لا يُمسك معه محلباً فإذا سأله أحدٌ القِرى اعتلَّ بأنه ليس معه مِحلبٌ. وإذا أراد هو الشرب رضع من الناقة أو الشاة، وأظنه حكاه عن الفرّاء. وقال اليمامي: الراضعُ الذي رضع اللؤم من ثدي أمه، يريد أنه وُلد في اللؤم. والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الراضع هو الذي يرضع من الناقة ولا يحلب في إناء لئلا يسمع الصوت فتأتي الضيفانُ.
٨٩_قولهم ما يَعْرِفُ هِرّاً من بِرٍّ
قال خالد: الهرّ: السِنَّوْر، والبرّ: الجُرذ. وقال ابن الأعرابي: ما يعرف هارا من بارا لو كُتبت له. قال أبو عبيدة: معناه ما يعرف الهرْهَرة من البرْبَرة. والهرهرة: صوت الضأن. والبربرة صوت المعز. وقال الفرازي: البر: اللُطف. والهر: العُقوق وهو من الهرير، أي ما يعرف لطفاً من عقوق.
٩٠_قولهم آهَةٌ وميهَةٌ
قال الأصمعي وغيره: الآهة التأوّه وهو التوجع وقال مُثَقِّبٌ العبدي:
إذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهَ آهَةَ الرجُلِ الحَزينِ
стр. 44
وقال بعضهم: الآهة الحصبة، والميهة: جدري الغنم. وقال الفرّاء: هي أَميهة أُسقطت همزتها لكثرة استعمالهم إياها، كما أسقطوا همزة هو خيرٌ منه وشرٌ منه وكان الأصل هو أخْيَرُ وأشَرُّ، ويقال من ذلك أُميهت الغنم وهي مأْموهة، وقال غيره: ميهة وأميهة. وقال الشاعر يصف فصيلاً:
طَبيخُ نُحازٍ أو طَبيخُ أَمِيهَةٍ ... صَغيرُ العِظام سَيّءُ القَسْم أَمْلَطُ
يقول: كان في بطن أمه، وبها نُحازٌ أو أميهةٌ فجاء ضاوياً.
٩١_قولهم لا قَبِلَ اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدْلاً
قال الأصمعي: الصَّرفُ التطوُّع، والعدل: الفريضة. وقال أبو عبيدة: الصرف: الحيلة، والعدل: الفداء، ومنه قول الله ﵎: وَإِنْ تَعْدِل كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها.
٩٢_قولهم لا أَطْلَبُ أثراً بَعْدَ عَيْن
العَين: المُعايَنَة. والمعنى: أنهه ترك الشيء وهو يراه تبع أثره حين فاته. وقال الباهلي: العينُ: الشيء نفسه، فيعني أنه ترك الشيء نفسه وهو يراه وطلب أثره. فأما قولهم: هو دِرهَمي بعينه فالمعنى نفسه. وعينُ الشيء: نفسه، قال أبو ذُؤَيْب الهذلي:
ولو أنني استودَعْتُهُ الشمْسَ لارتَقَتْ ... إليه المَنايا عَيْنها ورَسولُها
стр. 45
وأول من قال لا أطلب أثراً بعد عين: مالك بن عمرو العامليّ. وكان من حديث ذلك أن بعض ملوك غسان كان يطلب في بطن عاملة ذَحْلاً، فأخذ منهم رجلين يقال لهما مالك بن عمرو وسِماكٌ أخوه، فاحتبسهما عنده زماناً، ثم دعا بهما فقال لهما: إني قاتل أحدكما فأيكما أقتلُ فجعل كل واحد منهما يقول: اقتلني مكان أخي. فلما رأى ذلك قتل سِماكاً وخلَّى سبيل مالك، فقال سِماكٌ حين ظن أنه مقتول:
أَلا مَن شَجَتْ لَيْلَةٌ عامِدَهْ ... كما أبداً لَيْلَةٌ وَاحِدهْ
فَأبْلِغ قُضاعَة إِنْ جِئْتَها ... وخُصَّ سَراةَ بني سَاعِدَهْ
وأَبْلِغْ نِزاراً على نأْيِها ... بِاَنَّ الرِّماحَ هي العائِدَهْ
فأُقْسِمُ لو قَتَلوا مالِكاً ... لَكُنْتُ لهم حَيَّةً راصِدَهْ
برأْسِ سَبيلٍ على مَرْقَبٍ ... ويوماً على طُرُقٍ وارِدَهْ
فَأُمَّ سِماكٍ فلا تَجْزَعي ... فَلِلْمَوْتَ ما تَلِدُ الوالِدَهْ
فانصرف مالك إلى قومه فلبث فيهم زماناً. ثم إن ركباً مروا وأحدهم يتغنَّى:
فأُقْسِمُ لو قَتَلوا مالِكاً ... لَكُنْتُ لهم حَيَّةً راصِدَهْ
فسمعت ذلك أم سماك فقالت: يا مالك قبَّح الله الحياة بعد سماك. اخرج في الطلب. فلقي قاتل أخيه يسير في ناس من قومه. فقال: من أحَسَّ ليَ الجَمَلَ الأحمر؟ فقالوا له وعرفوه: يا مالك لك مائة من الإبل وكُفَّ. فقال: لا أطلب أثراً بعد عين. فذهب قوله مثلاً. ثم حمل على قاتل أخيه فقتَلَه، وكان من غسان من بني قُمَيْر في ذلك:
стр. 46
يا راكِباً بَلِّغاً ولا تَدَعاً ... بني قُمَيْرٍ وإنْ هُمُ جَزِعُوا
فِلْيَجِدوُا مثلَ ما وَجَدْتَ فقَدْ ... كنتُ حزيناً قد مَسَّنِي وَجَعُ
لا أَسْمَعُ اللَّهَْوَ في الحَديثِ ولا ... يَنْفَعُني في الفِراش مُضْطَجَعُ
لا وَجْدُ ثَكْلى كما وَجَدْتُ ولا ... وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّها رُبَعُ
ولا كَبير أَضَلَّ ناقَتَهُ ... يَوْمَ تَوافَى الحجيجُ فاجْتَمَعُوا
يَنْظرُ في أَوْجُهِ الرِّكابِ فلا ... يعرِفُ شيئاً فالوَجْهُ مُلْتَمَعُ
جَللّتُه صارِمَ الحَدِيدة كال ... مِلحَةِ فِيهِ سَفاسِقٌ لُمَعُ
يقال: التمع لونه وامتقع إذا تغير. وسفاسق: وشي السيف.
بَيْنَ ضُمَيْرٍ وباب جِلّقَ في ... أثْوابهِ من دَمائِه دُفَعُ
أَضْرِبُه بادِياً نَوَاجِذُه ... يَدْعُو صَداهُ والرأسُ مُنْصَدِعُ
بني قُمِيْرٍ قَتَلْتُ سَيِّدَكم ... فاليومَ لا رَنَّةٌ ولا جَزَعُ
فاليوم قُمْنَا على السواء فإنْ ... تُجْرُوا فَدهْرِي وَدَهْرُكم جَذَعُ
٩٣_قولهم حِدَا حِدَا وراءِكِ بُنْدُقة
قال ابن الكلبي: حِدا وبُندقة: قبيلتان من قبائل اليمن. وكانت بُندقة أوقعت بحدا وقعةً اجتاحتها، فكانت تُفزَّعُ بها ثم صار مثلاً. وقال أبو عبيدة: يراد بذلك الحِدأ
стр. 47
الذي يطير وهو جمع حِدأة أسقطوا الهمزة، وإنما هو من لعِبِ الصبيان. قال الشرقيّ ابن القطاميّ: حِدا بن نَمِرة بن سعد العشيرة، وهم بالكوفة، وبُندقة من مَظَّة وهو سُفيان بن سِلْهم بن الحكَم بن سعد العشيرة وهم باليمن، أغارت حِدا على بُندقة فقتلت منهم، ثم أغارت بُندقة عليهم فأبادتهم.
٩٤_قولهم وَافَقَ شَنٌّ طَبَقَه
قال ابن الكلبي: طبقة قبيلة من إياد كانت لا تطاق، فوقعت بها شنّ، وهو شنّ بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دُعمي بن جَديلَة بن أسد بن ربيعة بن نزار فانتصفت منها وأصابت فيها، فضربتا مثلاً للمتفقين في الشدة وغيرها، قال الشاعر:
لَقِيَتُ شَنٌّ إياداً بالقَنَا ... طَبَقاً وافَقَ شَنٌ طَبَقَهْ
وقال الشرقيّ بن القطاميّ: كان رجل من دُهاة العرب وعُقلائهم يقال له شنٌّ فقال: والله لأطوفنَّ حتى أجد امرأة مثلي فأتزوجها. فبينا هو في بعض مسيره إذ وافقه رجل في الطريق. فسأله شنٌّ أين تريد؟ فقال: موضع كذا، يريد القرية التي يقصد لها شنٌّ، فرافقه. فلما أخذا في مسيرهما قال له شنٌّ: أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل، أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟! فسكت عنه شنٌّ وسارا، حتى إذا قربا من القرية إذا هما بزرع قد استحصد. فقال له
стр. 48
شنٌّ: أترى هذا الزرع أُكل أم لا؟ فقال له الرجل: يا جاهل ترى نبتاً مستحصداً فتقول أتُراه أُكل أم لا؟! فسكت عنه، حتى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة، فقال شنٌّ: أتُرى صاحب هذا النعش حيّاً أم ميّتاً؟ فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك ترى جنازة فتسأل عنها أميت صاحبها أم حي؟! فسكت عنه شنٌّ وأراد مفارقته فأبى الرجل أن يتركه حتى يصير به إلى منزله فمضى معه. وكانت للرجل ابنة يقال لها طَبَقَةُ. فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه فأخبرها بمرافقته إياه وشكا إليها جهله وحدثها بحديثه. فقالت: يا أبه ما هذا بجاهل. أما قوله: أتحملني أم أحملك فأراد أتحدّثني أم أحدّثك حتى نقطع طريقنا. وأما قوله: أتُرى هذا الزرع أُكل أم لا. فإنما أراد أَباعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا. وأما قوله: في الجنازة فأراد هل ترك عَقِباً يحيا بهم ذكره أم لا. فخرج الرجل فقعد مع شنٍّ فحادثه ساعة ثم قال له: أتحب أن أفسر لك ما سألتني عنه؟ فقال: نعم. ففسره. فقال شنٌّ: ما هذا كلامك. فأخبرني مَن صاحبه. فقال: ابنة لي. فخطبها إليه فزوجه إياها وحملها إلى أهله. فلما رأوهما قالوا: وافق شنٌّ طَبَقَه. فذهبت مثلاً.
٩٥_أُفٌّ وتُفٌّ وأفَّةٌ وتُفَّةٌ
قال الأصمعي: الأُفُّ: وسخ الأُذن، والتُفُّ: وسخ الأظفار، كان يقال ذلك عند الشيء يُستقذر ثم كثر حتى صاروا يستعملونه عند كل ما يتأذّون منه. وقال غيره: أفّ: معناه قِلَّة لك، وتفّ إتباع مأخوذ من الأَفَف وهو الشيء القليل. قال الفرّاء: يقال أُفٌّ لك وأُفّاً لك وأُفٍّ لك وأُفِّ لك وأُفَّ لك. ولا يقال في أُفَّة إلا الرفع والنصب.
стр. 49
٩٦_قولهم أَنْتَن من العَذِرة
يعني الخُرْءَ. قال الأصمعي: وإنما العَذِرة فناء الدار، وكانوا يطرحون ذلك بأفنيتهم، ثم كثر حتى سُمي الخُرء بعينه عَذِرة، وأنشد للحطيئة:
لعَمْري لقد جَرَّبْتُكم فوجَدْتُكم ... قِبَاحَ الوجُوهِ سَيِّء العَذِرات
يريد الأفنية. قال: وكذلك سموه غائطاً وإنما الغائط المطمئن من الأرض. وكان أحدهم إذا أراد أن يقضي حاجته أتى الغائط، ثم كثر حتى سموه غائطاً. قال: وكذلك الكنيف إنما هو حظيرة تُعمل للإبل من البرد، ثم كان أحدهم ربما كنَّف في ناحية بيته حظيرة لقضاء حاجته، فكثر حتى سُمي البيت الذي يُتَّخذ لهذا كنيفاً. وكذلك الحش إنما هو النخل المجتمع، وكان الرجل يأتي ذلك النخل لقضاء حاجته يستتر به. ثم كثر حتى سمي الموضع المُتخذ لقضاء الحاجة حشّاً.
٩٧_قولهم فلانٌ مُبْرِمٌ
قال الأصمعي: هو الذي لا خير عنده إنما هو كَلٌّ لا يُنتفع به. قال: وهو مأخوذ من البَرَم وهو الرجل الذي لا يحضر مع القوم الميسر ولا يُقامر فإذا نُحِرت الجزور وقامروا عليها أكل من لحمها. وأنشد لمتَمِّم بن نُوَيْرَة:
أَخِي ما أَخِي لا فا حشاً عند بَيْته ... ولا بَرَماً عند الشَّتاء مُدفَّعَا
стр. 50
ثم جعلوا كل مُضجر مُبرماً وسموا الضجر البَرم، قال نُصَيْب:
وما زال بِي ما يُحدِث الدهر بيننا ... من الهَجْرِ حتَّى كدتُ بالعَيْشِ أَبْرَم
وقال أبو عبيدة: المُبرم: الذي يأتي القوم بما لا يوافقهم من الحديث وغير ذلك بمنزلة الذي يجني البرم من الثمر وهو ثمر الأراك وذلك لا يُنتفع به. وقال بعضهم: المبرم الثقيل الذي كأنه يقتطع ممن يُجالسه شيئاً من استثقالهم إياه، بمنزلة المُبرم الذي يقطع حجارة البِرام من جبلها.
٩٨_قولهم المُخَنَّث
سمي مخنثاً لتكسُّرِه، والتخنُّث: التكسُّر، ويقال: طويت الثوب على أخناثه أي على كسوره. حكى ذلك كله ابن الأعرابي.
٩٩_قولهم أَمْرٌ مُبْهَم
قال الأصمعي: هو الذي لا يُدرى كيف يُتجه له ولا أين سبيله. وهو مأخوذ من قولهم: حائط مُبهم إذا لم يكن فيه باب ولا كوّة. والبهيم: الذي ليس فيه بياض. ومنه ليل بهيم: لا قمر فيه. ولا ضوء قال بُقَيْلَةَ الأشجعي:
كأنِّي مِن تَذَكُّرِ ما أُلاقِي ... إذا ما أَظْلَمَ اللَّيْلُ البَهِيم
ويقال للفارس الشجاه بُهمة، إذا لم يدر قَرنه كيف يحتال له.
стр. 51
١٠٠_قولهم دقه دَقَّاً نَعِمَّا
أردا دقاً بالغاً يزيد على مقدار ما يُحتاج إليه. فقال الشاعر:
فيا عَجَباً من عَبْدِ عَمْروٍ وبَغْيِه ... لقد رَامَ ظُلْمي عَبْدُ عَمْروٍ وأَنْعَما
أي بالغ وزاد. وقال آخر:
سَمِن الضَّواحِي لم تُؤَرِّقْه لَيْلَه ... وأَنْعَمَ أَبْكَارُ الهُمُومِ وعُونُها
أي وزاد على هذه الصفة.
١٠١_قولهم استراحَ مَنْ لا عَقْلَ له
قال الأصمعي: معناه أن العاقل كثير الهموم والفكر في الأمور ولا يكاد يتهنأ بشيء. والأحمق لا يفكر في شيء فيهتم له، وأنشد للراعي:
أَلِفَ الهُمُوم وَساده وتَجَنَّبَتْ ... كَسْلانَ يُصبِحُ في المنَامِ ثَقِيلا
стр. 52
وقال: ومثلهُ قول امرىء القيْس:
وهل يَنْعَمْنَ إِلاَّ سَعيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَليلُ الهُموم لا يَبيتُ بأوْجال
يقول: إنما ينْعَمُ الأحمق الذي لا يُفكر ولا يهتم بشيء. ويقال: إن أول من قال استراح من لا عقل له عمرو بن العاص لابنه. قال: يابني! والٍ عادِلٌ خير من مطرٍ وابل، وأسد حَطوم خير من والٍ ظَلوم، ووالٍ ظَلوم غشوم خير فتنة تدوم. يا بني عَثْرة الرِّجْل عظمٌ يُجبر، وعَثْرة اللسان لا تُبقي ولا تَذِر، وقد استراح من لا عقل له. يقول: إنما ينعم الأحمق الذي لا يفكر ولا يهتم بشيء.
١٠٢_قولهم تَجَبَّرَ الرَّجُل
معناه تعظَّم. وهو مأخوذ من جبَّار النَّخْل، وهو الذي ارتفع عن أن تناله اليد. ومنه تجبَّر الصبيّ إذا شبَّ.
١٠٣_قولهم للرجل مَأْبُون
قال أبو عبيدة: معناه معيب. والأُبْنَةُ: العيب. ويقال أبَنَهُ يأبُنُه إذا عابَه. والأصل في الأُبنَة العُقدة تكون في العود، فيقال: عود مأبون. وأنشد للأعشى في صفة سهام وفؤوس:
سلاجِمُ كالنَّحْلِ أَنْحَى لها ... قضيبَ سراءٍ قليلَ الأُبَنْ
стр. 53
١٠٤_قولهم أَبادَ الله خَضْراءَهُم
قال الأصمعي: أي أذهب الله نعيمهم وخِصبهم. قال: ومنه قول النابغة:
يَصونونَ أَبْداناً قَديماً نَعيمُها ... بخالِصةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَنَاكِبِ
قال: يعني بخضر المناكب خصبهم وسعة ما هم فيه. وليست هناك خضرة، قال: ومنه قول الفضل بن العباس بن عُتبه بن أبي لهب، وهو الأخضر:
وأنا الأخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُني ... أَخْضَرُ الجلْدَةِ في بَيْتِ العَرَبْ
قال: يريد بأخضر الجلدة الخِصب وسعَة الأمر. قال: ومنهم من يقول أباد الله غضراءهم أي خصبهم وخيرهم، ويقال أنْبَ في غضْراءَ، أي في أرضٍ سهلةٍ طيبة التربة عذبة الماء. ومعنى أنبط: استخرج الماء، ومنه قولهم استنبط، وهو مأخوذ من الغضارة وهي البهجة والحسن، ومنه قول الشاعر:
احْثُوا التُرابَ على محاسنِه ... وعلى غَضارةِ وَجهِهِ النَّضْرِ
وقال ابن الأعرابي: معنى أباد الله خضراؤهم أي سوادهم، قال: والخضرة عند العرب السواد، وأنشد القطامي:
стр. 54
يا نَاقُ سِيرِي خَبَاً زِوَرَّا ... وعارِضي اللَّيْلَ إذا ما اخْضَرَّا
١٠٥_قولهم دغَرَ منّي وهو دَغَّارٌ
قال الأصمعي: الدغْر: الاختلاس في سرعةٍ، وقال ابن الأعرابي أو غيره: الدغْرة: الغمْزة والدفعة بسرعة.
١٠٦_قولهم هو أَنْوَكُ
قال الأصمعي: النَّوك العجْز والجهل وأنشد:
تَضْحَكُ مِنّي شَيْخَة ضَحوكُ ... واسْتَنْوَكَتْ وللشَبابِ النُّوكُ
وقد يَشِيبُ الشَعَرُ السُّحْكُوكُ
وقال غيره: النوك: العيّ، وأنشد:
فَكُنْ أَنْوَكَ النَّوْكَى إذا ما لَقِتَهُم ... وَمِدْرَهَةً إٍمَّا لَقِيتَ ذوي العَقْل
стр. 55
١٠٧_قولهم هو كَيِّسٌ
قال الفرّاء: معناه عاقل. والكيّس: العقل وأنشد:
وكُنْ أكْيَس الكَيْسَى إذا ما لَقِيتَهم ... وكُنْ جاهلاً إِمَّا لَقيت ذوي الجَهْلِ
١٠٨_قولهم هو أَرْعَنٌ
الأصل في الرُعونة الاسترخاء والتقكك، وأنشد الفرّاء:
فَرَحَّلوها رِحْلَةً فيها رَعَنْ ... حتَّى أَنَخْنَاها إلى مَنْ ثُمَّ مَنْ
قال غيره: الرعَنُ الاسترخاء من العَجلة.
١٠٩_قولهم لله دَرُّك
قال الأصمعي وغيره: أصل ذلك أنه كان إذا حُمِد فعل الرجل وما يجيء منه. قيل: لله درُّك، أي ما يجيء منك بمنزلة درّ الناقة والشاة. ثم كثر في كلامهم حتى جعلوه لكل ما يتعجب منه، وأنشد لابن أحْمَرَ:
بانَ الشبابُ وأفنَى ضِعْفَهُ العُمُرُ ... للهِ دَرِّي فأيَّ العَيْشِ أَنْتَظِر
стр. 56
قال يتعجب من نفسه، أي عيش ينتظر. قال الفراء: وقد تتكلم العرب بها بغير الله فيقال: درّ درُّك عند الشيء يُمدح. وأنشد:
دّرَّ دَرُّ الشبابِ والشَّعَرِ الأَسْ ... وَدِ والضامِزاتِ تَحْتَ الرِّحال
١١٠_قولهم هو يَنْجُش عَلَيْه. ونَجَّاشُوا سُوقِ الرقيق
قال الأصمعي: النجْش مدحُ الشيء وإطراؤه. وأنشد للنابغة في صفة الخمر:
وَتُرَخِّي بالَ من يَشْرَبُها ... وَيُفَدَّى كَرْمُها عند النَّجَشْ
وقال ابن الأعرابي: النجش: أن ينفر الناس عن الشيء إلى غيره. قال: وأصل النجش تنفير الوحش من مكانٍ إلى مكان. قال: ومنه قول الشاعر:
فما لَها الليلةَ من إنفاشِ ... غيرُ الُّسرى والسائِق النَجَّاشِ
أي المُنفِّر من موضع إلى موضع.
١١١_قولهم ضَرَب نَغانِغَه
قال الأصمعي وغيره: النغانغ اللحمات التي في أعلى الحلق بقرب اللهاة. قال: وهي التي تغمزها القابلة إذا حنَّكت الصبي، وتُغمَز إذا سقط الحلق وأُريد رفعه
стр. 57
وأنشد لجرير:
غَمَزَ ابنُ مُرَّةَ يَا فَرَزْدَقُ كَيْنَهَا ... غَمْزَ الطبيب نَغَانِغَ المَعْذُورِ
المعذور: الذي قد سقط حلقه. يقال من ذلك: قد عُذر الصبي. ويقال لتلك اللحمات: اللغاديد واحدها لُغدود. ولم يُعرف واحدُ النغانغ.
١١٢_أَخذنا في الدَّوْس
قال الأصمعي: معناه تسوية الخديعة وترتيبها، وهو مأخوذ من دياس السيف وهو صقله وجلاؤه يقال: داس الصيقل السيف يدوسه دوساً ودياساً، وأنشد في صفة السيف:
صافي الحَديدَة قد أَضَّرَ بصَقْلِه ... طُولُ الدِّياس وبَطْنُ طَيْرٍ جائعُ
ويقال للحجر يصقل به مدوسٌ. وقال أبو ذُؤَيْب يصف حماراً:
وكأَنَّمَا هُو مِدْوَسٌ مُتَقَلِّبٌ ... بالكَفِّ إِلاَّ أَنَّه هُوَ أَضْلَعُ
١١٣_قولهم تَوَحَّشَ للدَّواءِ
قال الأصمعي: معناه تجوع، والوحش: الجوع، وقد أوحش القوم إذا فنى زادهم قال الشاعر: يصف عِياله:
стр. 58
قد أَكَلُوا الوَحْشَ فَلَمْ يُشبِعْهُمُ ... وَشَرِبُوا الماءَ فطال شُرْبُهُم
أي لم يجدوا مأكلاً غير الجوع. ويقال: بات الرجل وحشاً إذا بات جائعاً وبات القوم وحشاً وقال حُمَيْد:
وإن بات وَحْشاً ليلةً لم يَضِقْ بها ... ذِراعاً ولم يُصْبِحْ لها وهْوَ ضَارِعُ
١١٤_قولهم زكَّنَ عليه وأَخَذْنا في التَّزْكِين
قال الأصمعي: التزكين التشبيه يقال قد زكّن عليه وزكّم إذا شبّه عليه، وكذلك الظنُّ وما يُضمره الإنسان يجري هذا المجرى. وقال ابن امِّ صاحب:
وَلَنْ يُراجِع قلبي حُبَّهُمْ أَبَداً ... زَكِنْتُ من أَمْرِهِم مِثْلَ الذي زَكِنوا
أي أضمرتُ وانطويت عليه. وظننت أيضاً. وقال الفراء: زكنتُ من أمرهِ شيئاً علمته، وأزكنتُه غيري. وأنشد غيره في الظن والإضمار:
يا أَيُّهَذَا الكاشِرُ المُزَكِّنُ ... أعْلِنْ بما تُخْفِي فإنّي مُعْلِنُ
١١٥_قولهم طامِرُ بن طامِر
قال الفراء: هو البُرغوث، سمي بذلك لطموره وهو نَزْوُه ومن ذلك قد طمر
стр. 59
الجرح إذا ارتفع. وإنما يعني به الذي يطفر ويثب على الناس وليس له أصل ولا قديم، قال الأصمعي: طمر ارتفع، وطمر سفُل، وهو من الأضداد، قال: ومنه قولهم قد طمرتُ الشيء أي سترتُهُ ودفنته.
١١٦_قولهم الحَديِثُ ذو شُجُون
أي ذو فنونٍ وتشبُّثٍ بعضه ببعض. وأول من تكلم به ضبَّة بن أدِّ بن طابِخة بن الياس بن مضر. وكان من حديث ذلك فيما ذكره المفضل الضبّي أن ضبّة كان له ابنان يقال لأحدهما سعْد وللآخر سعيد. فنفرت إبل ضبة تحت الليل وهما معها فخرجا يطلبانها فتفرقا في طلبها، فوجدها سعد وأما سُعَيد فذهب ولم يرجع، فجعل ضبّة يقول بعد ذلك إذا رأى سواداً تحت الليل: أسعْدٌ أم سُعَيد. فذهب قوله مثلاً. ثم أتى على ذلك ما شاء الله لا يجيء سُعيد ولا يُعلم له بخبر. ثم أن ضبّة بعد ذلك بينا هو يسير والحارث بن كعب في الأشهر الحُرم وهما يتحدثان إذ مرّا على سَرحةٍ بمكان، فقال له الحارث: أترى هذا المكان، فإني قد لقيت فيه شاباً من هيئته كذا وكذا - ووصف صفة سعيد، فقتله وأخذت بُرْداً كان عليه من صفة البُرْد كذا فوصف صفة البُرد، وسيفاً كان عليه. فقال له ضبّة: ما صفة السيف؟ قال: هاهو ذا عليّ قال فأرنيه، فأراه إياه فعرفه ضبّة، ثم قال: إن الحديث لذو شجون. فذهبت مثلاً، فضربه به حتى قتله. فلامه الناس فقالوا: أَقَتلتَ رجلاً في الأشهر الحُرم؟! فقال ضبّة: سبق السيف العَذلَ. فأرسلها مثلاً. وقال الفرزدق:
стр. 60
أَأَسْلَمْتَنِي في القَوْمِ أُمُّكَ هَابِل ... وأنت دَلَنظى المَنْكِبَيْنِ بَطِينُ
خَميصٌ من الودِّ المُقَرِّبِ بينَنَا ... من الشِّنْءِ رَابِي القُصْرَ بِيْنَ سَمِينُ
فإن تَكُ قد سالَمْتَ دُونِي فلا تَكُنْ ... بِدارٍ بها بِيْتُ الذَّليل يَكُونُ
فلا تَأْمَنَنَّ الحَرْبَ إِنّ استعارَها ... كَضَبَّةَ إذ قال الحَدِيثُ شُجُونُ
١١٧_قولهم أَسْرَعُ من نِكاحِ أُمِّ خَارِجة
هي أم خارجة بنت سعد بن عبد الله بن قُداد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن أنمار البَجَليَّة، اسمها عَمْرة، وهي أم عُدُس، كانت تحت رجل من إياد وكان أبا عُذرها. وكانت من أجمل أهل زمانها فخلعها منه دَعْجُ بن عبد الله بن سعد بن قداد وهو ابن أخيها، فتزوجها بعده عمرو بن تميم فولدت له أُسَيْد بن عمرو والعنبر بن عمرو والهُجَيْم بن عمرو. ثم خلف عليها مالك بن ثعلبة بن داوود بن أسد فولدت له غاضرة بن مالك وعمرو بن مالك. وولدت قبائل العرب. وكان الخاطب يأتيها فيقول خِطبٌ فتقول نِكْحٌ. فقيل: أسرع من نكاح أم خارجة، فصار مثلاً. وزعموا أن بعض ولدها كان يسوق بها يوماً فرُفع لها راكب فقالت: ما هذا؟ فقال ابنها: إِخاله خاطباً. فقالت أخاف أن يُعجِلَنا أن نحُلَّ.
стр. 61
١١٨_قولهم أَنْجَزَ حُرٌّ ما وَعَد
أول من قالها الحارث بن عمرو بن آكل المُرار الكندي لصخر بن نهشل بن دارم. وكان من حديث ذلك أن الحارث قال لصخر: هل أدلك على غنيمة على أنَّ لي خُمسها؟ فقال له صخر: نعم. فدله على ناس من أهل اليمن فأغار عليهم بقومه فظفروا وغنموا وملأ يديه وأيدي أصحابه من الغنائم. فلما انصرف قال له الحارث: أنجز حرٌ ما وعد. فأرسلها مثلاً فأراد صخر قومه على أن يعطوا الحارث ما كان ضمن له فأبَوْأ ذلك عليه. وفي طريقهم ثنيَّة متضايقة يُقال لها شَجَعات، فلما دنا القوم منها سار صخر حتى وقف على رأس الثنيّة وقال: أزَمت شجعات بما فيها. فقال جمرة بن ثعلبة بن جعفر بن يربوع: والله لا نعطيه شيئاً من غنيمتنا، ثم مضى في الثنية فحمل عليه صخر فقتله. فلما رأى ذلك الجيشُ أعطوه الخُمس، فدفعه إلى الحارث، فقال في ذلك نَهْشل بن حَرِّيّ:
نحنُ مَنَعْنا الجَيْشَ أنْ يتأَوَّبوا ... على شَجَعات والجيادُ بنا تَجرِي
حَبَسْناهُم حَتَّى أَقَرُّوا بِحُكْمِنا ... وأُدِّيَ أَنْفَالُ الخَمِيس إلى صَخْرِ
١١٩_قولهم رَمَتْني بدائها وَانْسَلَّتْ
كان سبب هذا المثل أن سعد بن زيد مناة كان تزوج رُهمَ ابنة الخزرج
стр. 62
بن تيم الله بن رُفيدة بن كلب بن وَبَرَة، وكانت من أجمل النساء، فولدت له مالك بن سعد، وكان ضرائرها إذا سابَبْنها يقلن لها: يا عَفْلاء. فشكت ذلك إلى أمها، فقالت لها أمها: إذا ساببنك فابدئيهن بعفال سُببْتِ فأرسلتها مثلاً. قال فسابّتها بعد ذلك امرأة من ضرائرها، فقالت لها رُهم: يا عَفْلاء، فقالت ضرتها: رمتني بدائها وانسلت. وبنو مالك بن سعد رهط العجّاج كان يقال لهم بنو العُفَيْل. فقال اللعين وهو يُعرِّض بهم:
ما في الدَّوائر مِنْ رِجْلَيَّ من عَقَلٍ ... عند الرِّهان وما أُكْوى من العَفَلِ
١٢٠
الْبَسْ لكلّ حالةٍ لَبُوسَها ... إِمَّا نَعِيمَها وإِمِّا بُوسَها
ومُكْرَهٌ أَخُوكَ لا بَطَل
أول من قال ذلك بَيْهَس، وهو رجل من بني غُراب بن فزارة بن ذُبيان بن بَغيض، وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم ناس من بني أشجع وهم في إبلهم فقتلوا منهم ستة، وبقي بَيْهَس وكان يُحمَّق وكان أصغرهم، فأرادوا قتله، ثم قالوا: ما تريدون من قتل هذا، يُحسب عليكم برجل ولا خير فيه؟ فتركوه. فقال: دعوني أتوصّل معكم إلى أهلي، فإنكم إن تركتموني أكلتني السباع أو قتلني العطش. ففعلوا. فأقبل معهم، فلما كان من الغد نزلوا فنحروا جَزوراً في يوم شديد الحر. فقالوا: أظِلّوا لحمكم لا يفسد، فقال بَيْهَس: لكن بالأثَلاث لحمٌ لا يُظَلُّ. فقالوا: إنه لمنكر.
стр. 63
فهمّوا بقتله ثم تركوه. ففارقهم حين انشعب له طريق أهله فأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت: ما جاءني بك من بين إخوتك؟ فقال: لو خيّرك القوم لاخترت. فأرسلها مثلاً. ثم إن أمه عطفت عليه ورقّت له. فقال الناس: أحبّت أم بَيْهَس بيهساً ورقّت له. فقال بَيْهَس: ثُكلٌ أرْأَمَها ولداً. فأرسلها مثلاً. ثم جعلت تعطيه ثياب إخوته يلبسها ومتاعهم. فقال: يا حبذا التراث لولا الذلّة. فأرسلها مثلاً. ثم إنه مرّ بنسوة من قومه يُصلحن امرأةً منهن يُردن أن يُهدينها لبعض القوم الذين قتلوا إخوته، فكشف ثوبه عن استه وغطى به رأسه. فقلن: ويحك أي شيء تصنع؟ قال:
الْبَسْ لكلّ حالةٍ لَبُوسَها ... إِمَّا نَعِيمَها وإِمِّا بُوسَها
فأرسلها مثلاً. فلما أتى على ذلك ما شاء الله جعل يتتبع قَتَلَة إخوته ويتفصّاهم حتى قتل منهم ناساً، فقال بَيْهَس:
يا لهَا نَفْساً لَهَا ... أَنَّى لها الطُّعْمُ والسَّلاَمَهْ
قد قَتَّلَ القومُ إخوتِي ... بكلِّ وادٍ زُقاءُ هامَهْ
فَلأَطْرُقَنَّهُمُ نِياماً ... ولأَبْرُكَنَّ بِركَةَ النَّعامَهْ
قَبْضَةَ رِجلٍ وبَسْط أُخرَى ... والسَّيْفَ أقْدَمْتُهُ أمامَهْ
ثم أخبر ناساً من أشجع في غارٍ يشربون فيه، فانطلق بخالٍ له يُكنى أبا حشرٍ، حتى إذا قام على باب الغار دغع أبا حشرٍ في الغار. فقال: ضرباً أبا حشرٍ. فقال بعضهم: إن أبا حشرٍ لَبطل. فقال أبو حشرٍ: مُكرهٌ أخوك لا بطل. فأرسلها مثلاً. فقال المتلمّس:
стр. 64
ومن حَذَرِ الأيَّامِ ما حَزَّ أَنْفَه ... قَصِيرٌ وخَاضَ المَوْتَ بالسَّيْفِ بَيْهِسُ
نَعَامَةُ لمَّا صَرَّعَ القومُ رَهْطَهُ ... تَبَيَّنَ في أثوابهِ كيف يَلْبَسُ
١٢١_قولهم مَرْعىً ولا كالسَّعْدَانِ
كان سبب هذا المثل أن امرأ القيس كان مُفرَّكاً لا يكاد يحظى عند امرأة، فتزوج امرأة ثيِّباً فجعلت لا تُقبل عليه ولا تُريه من نفسها شيئاً مما يُحب. فقال لها ذات يوم: أين أنا من زوجك الذي قبلي؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان. فأرسلتها مثلاً. والسعدان نبْتٌ تَسمَنُ الإبل عليه وليس في كل ما يُرعَى مثله.
١٢٢_قولهم إِذا عَزَّ أَخُوكَ فَهُن
أول من قال ذلك الهُذيل بن هُبيْرة أخو ثعلبة بن حُبيْب بن عمرو بن غَنْم بن تغلب بن وائل. وكان أغار على ناسٍ من بن ضبّة فغَنِمَ ثم انصرف
стр. 65
فخاف الطلب فأسرع السير. فقال له أصحابه: اقسِمْ بيننا غنيمتنا. قال: إني أخاف أن تشغلكم القسمة فيدرككم الطلب فتهلكوا. فأعادوا ذلك عليه مراراً، فلما رآهم لا يفعلون قال: إذا عزّ أخوك فهُنْ. فأرسلها مثلاً. وتابعهم على القِسمة.
١٢٣_قولهم عِشْ رَجَباً تَرَ عَجَباً
أول من قال ذلك الحارث بن عباد بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة. وكان طلَّق بعض نسائه من بعد ما أسنَّ. فخلف عليها من بعده رجل، فكانت تُظهر له من الوَجْد به ما لم تكن تُظهر للحارث. فلقي زوجها الحارث فأخبره بمنزلته منها. فقال له الحارث: عِش رجباً ترَ عجباً. كأنه قال: عش رجباً بعد رجب. حكى ذلك أبو الحسن الطوسيّ.
١٢٤_قولهم تَسْمَع بالمُعَيْديّ لا أَنْ تَراه
أول من قال ذلك المنذر بن ماء السماء. وكان حديثه أنّ كُبيْش بن جابر بن قَطَن بن نهشل بن دارِم بن مالك بن حنظلة كان عرض لأمةٍ لِزُرارة
стр. 66
بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم يقال لها رُشيَّة، كانت سبيَّة أصابها زُرارة من الرُفيدات، فولدت له عمراً وذُئيباً وبَرغوثاً، فمات كُبيش وترعرعت الغلمةُ، فقال لقيط بن زرارة: يارُشيّة مَن أبو بنيك؟ قالت: كُبيش بن جابر. وكان لقيط عدوّاً لضَمْرة بن جاب أخي كُبيش. قال: فاذهبي بهؤلاء الغِلْمة فعَبِّسي بهم وجه ضَمْرة. فأخبريه من هم. فانظلقت بهم إلى ضمْرة فقال: ما هؤلاء؟ قالت: بنو أخيك كُبيش بن جابر. فانتزع منها الغِلْمة، وقال: الحقي بأهلكِ. فرجعت فأخبرت أهلها الخبر. فركب زرارة، وكان رجلاً حليماً، حتى أتى بني نهشل فقال: ردوا عليّ غلمتي. فشتمه بنو نهشل وأهجروا له. فلما رأى ذلك انصرف فقال له قومه: ما صنعت؟ قال خيراً. ما أحسن ما لقيني به قومي. فمكث حولاً ثم أتاهم فأعادوا عليه أسوأ ما كانوا قالوا له. فانصرف فقال له قومه: ما صنعت؟ قال: خيراً قد أحسن بنو عمي وأجملوا. فمكث بذلك سبع سنين يأتيهم في كل سنة فيردونه بأسوأ الردّ. فبينما بنو نهشل يسيرون ضُحىً لحقهم لاحق فأخبرهم أن زُرارة قد مات. قال ضَمْرة: يا بني نهشل قد مات حِلمُ إخوتكم اليوم فاتّقوهم بحقّهم. ثم قال ضمرة لنسائه: قِفْنَ أقسم بينكن الثُكل. وكانت عنده هند بنت كرِب بن صفوان بن شجنة بن عُطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة، وامرأة يقال لها خُليْدة من بني عِجل، وسبيَّة من عبد القيس، وسبيّة من الأزد من طَمَثان، وكان لهنّ أولادٌ غير خُليدة. فقالت لهند وكانت لها مُصافية، وَلَّي الثُكل بنت غيركِ! فأرسلتها مثلاً. فأخذ ضَمْرة شِقَّة بن ضمرة وأمه هند، وشهاب بن ضمرة وأمه العبدية، وعَنْوَة بن ضمرة وأمه الطمثانية، فأرسل بهم إلى لقيط بن زُرارة. وقال: هؤلاء رهنٌ بغلمتكَ حتى أُرضيك
стр. 67
منهم. فلما وقعوا في يديْ لقيط أساء ولايتهم وجفاهم وأهانهم. فقال في ذلك ضَمْرَة بن جابر:
صَرَمْتُ إِخاءَ شِقَّةَ يوْم غَوْلٍ ... وإِخْوَتِه فلا حُلَّت حِلالي
كأَنِّي إِذْ رَهَنْتُ بَنِيَّ قَوْمِي ... دَفَعْتُهم إلى الصُّهْبِ السِّبالِ
فَلمْ أَرْهَنْهُم بِدَمٍ ولَكِنْ ... رَهَنْتُهم بِصُلْحٍ أو بمَالِ
صَرَمْتُ إِخاءَ شِقَّةَ يوْم غَوْلٍ ... وحُقَّ إِخاءُ شِقَّةَ بالوِصَالِ
فأجابه لقيط بن زُرارة:
أبا قَطَنٍ إِنِّي أراك حَزِينَا ... وإِنَّ العَجُولَ لا تُبِالِي الحَنِينا
أَفِي أَنْ صَبَرْتُم نصفَ عامٍ لَحقَّنَا ... ونحنُ صَبَرْنا قبلُ سبعَ سنينا
وقال ضمرة بن جابر:
لعمرُك إنَّني وطِلابَ حُبِّي ... وتَرْكَ بَنِيَّ في الشُّطُر الأعادِي
لَمِنْ نَوْكَى الشُّيوخِ وكان مِثْلِي ... إذا ما ضَلَّ لمْ يُنْعَشْ بهادِي
ثم أن بني نهشل طلبوا إلى المنذر بن ماء السماء أن يطلبهم من لقيط، فقال لهم المنذر: نحُّوا عني وجوهكم. ثم أمر بخمرٍ وطعامٍ ودعا لقيطاً فأكلا وشربا، حتى أخذت الخمرة فيهما قال المنذر للقيط: يا خير الفتيان ما تقول في رجل اختارك الليلة من نُدماء مُضر؟ قال: وما أقول فيه! أقول: إنه لا يسألني شيئاً إلا أعطيته إياه غير الغِلْمة. قال له المنذر: وما الغِلْمة، أما إذا استثنيت فلست قابلاً منك شيئاً حتى تعطيني كل ما سألتك. قال: فذلك لك. قال فإني أسألك الغِلْمة أن تهبهم لي. قال: سلني غيرهم. فأرسل لقيط إليهم فدفعهم المنذر. فلما أصبح لقيط لامَه قومه فندم فقال في المنذر:
стр. 68
إِنَّك لو غَطِّيْتَ أرْجَاءَ هُوَّةٍ ... مُغَمَّسةً لا يُسْتبان تُرابُها
بِثَوْبِك في الظَّلْماءِ ثم دَعَوْتَني ... لجِئْتُ إليها سادِراً لا أهابُها
فأصبحتُ موجوداً عليَّ مُلَوَّماً ... كأنْ نُضِّيتْ عن حائضٍ لي ثيابُها
وأرسل المنذر إلى الغلمة وقد مات ضمرة. وكان ضمرة صديقاً للمنذر. فلما دخل عليه الغلمة وكان يسمع بشقّة ويُعجبه ما يبلغه عنه. فلما رآه المنذر قال: تسمع بالمُعَيدي لا أن تراه. فأرسلها مثلاً. فقال شِقّة: أبيت اللعن وأسعَدك إلهك، إن القوم ليسوا بجُزُرٍ، يعني الشاءَ، إنما يعيش الرجل بأصغريه: لسانه وقلبه. فأعجب المنذر كلامه وسرّه كل ما رأى منه. فسماه ضمرة باسم أبيه. فهو ضمرة بن ضمرة بن جابر. وذهب قوله: إنما يعيش الرجل بأصغريه، مثلاً.
١٢٥_قولهم آكُل لَحْمِي ولا أَدَعُه لآِكِلٍ
أول من قال ذلك العيَّار بن عبد الله الضبّي ثم أحد بني السيّد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبّة. وكان من حديثه فيما ذكر المفضّل الضبّي، أن العيّار وَفَد هو وحُبيش بن دُلفٍ وضرار بن عمرو الضبّيّان على النعمان بن المنذر، فأكرمهم وأجرى عليهم نُزُلاً. وكان العيّار رجلاً بطَّالاً يقول الشعر ويُضحك الملوك. وكان قد قال:
لا أَذْبَحُ النَّازِيَ الشَّبُوبَ ولا ... أَسْلُخ يومَ المُقَامَةِ العُنُقَا
стр. 69
وكان منزلهم واحداً. وكان النعمان بادياً فأرسل إليهم بجُزُرٍ فيهن تيسٌ فأكلوهن غير التيس. فقال ضرار للعيّار وهو أحدثهم سناً ليس لنا من يسلخ هذا التيس فلو ذبحته وسلخته وكفيتنا ذلك. فقال العيّار: فما أبالي أن أفعل. فذبح التيس وسلخه. فانطلق ضرار إلى النعمان فقال: أبيتَ اللعنَ. هل لك في العيّار يسلخ تيساً فقال: أبعد ما قال؟ قال: نعم. فأرسل إليه النعمان فوجده الرسول يسلخ التيس فأُتي به فضحك به ساعةً. وعرف العيّار أن ضراراً هو الذي أخبر النعمان بما صنع. وكان النعمان يجلس بالهاجرة في ظل سُرادقة وكان كسا ضراراً حُلّة من حُلله وكان ضرار شيخاً أعرج بادناً كثير اللحم. فسكت العيّار حتى إذا كانت ساعة النعمان التي يجلس فيها في ظل سُرادقه ويؤتى بالطعام، عمد العيّار إلى حلة ضرار فلبسها ثم خرج يتعارج حتى إذا كان بحيال النعمان وعليه حُلة ضرار كشف عنه فخرئ. فقال النعمان: ما لضرار قاتله الله لا يهابني عند طعامي!؟ فغضب على ضرار. فحلف ضرار ما فعل. قال: ولكني أرى العيّار فعل هذا من أجل أني كنت ذكرت سلخه التيس. فوقع بينهما كلام حتى تشاتما عند النعمان. فلما كان بعد ذلك ووقع بين ضرار وبين أبي مَرحَبٍ أخي بني يَربوع ما وقع قاوَل أبو مَرْحب ضراراً عند النعمان والعيّار شاهد. فشتم العيّار أبا مَرْحب وزجره. فقال النعمان: أتشتم أبا مَرْحب في ضرار وقد سمعتك تقول له شراً مما قال أبو مَرْحب؟! قال العيّار: أبَيْتَ اللعن وأسعدك إلهك، إني آكل لحمي ولا أدعه لآكل. فأرسلها مثلاً. فقال النعمان: لا يملك مولىً لمولىً نصيراً.
стр. 70
١٢٦_قولهم سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ
أول ما قيل ذلك لرجل من طَسْم، وكان له كلب، وكان يسقيه اللبن ويُطعمه اللحم ويُسمّنه. يرجو أن يُصيب به خيراً أو يحرسه. وبعضهم يقول: أن يصيد به أو يحرسه. فأتاه ذات يوم وهو جائع فوثب عليه الكلب فأكله. فقيل: سمّن كلبك يأكلك. فذهبت مثلاً. وقال بعض الشعراء:
كَكَلْبِ طَسْمٍ وقد تَربَّبَهُ ... يَعُلُّه بالحَلِيبِ في الغَلَسِ
ظَلَّ عليه يوماً يُفَرْفِرُهُ ... إنْ لا يَلَغْ في الدِّماءِ يَنْتَهِسِ
وقال مالك بن أسماء:
هُمُ سَمَّنُوا كَلْبَاً ليأْكُلَ بَعضَهُم ... ولو فَعَلُوا بالحَزْمِ مَا سَمَّنُوا كَلْباً
وقال عَوف بن الأحوص:
أرانِي وقَيْساً كالمُسَمِّن كلْبَهُ ... فَخَدَّشَهُ أنيابُه وأظافِرُهُ
١٢٧_قولهم بأَبِي وُجوهُ اليَتامَى
أول من قاله أخ للنعمان من الرضاعة يقال له سعدُ القَرْقَرة، من أهل هَجَر. وكان أضحكَ الناس وأبطَلهم. وكان يُضحِك النعمان ويعجبه. وسعد القرقرة الذي يقول:
стр. 71
ليْتَ شِعْرِي متى تَخُبّ بِي النَّا ... قَةُ نحو العُذيبِ فالصنِّينِ
مُحْقِباً زُكْرَةً وخبزَ رُقاقٍ ... وحَباقَى وقطعةً مِنْ نُونِ
فزعموا أن النعمان قعد ذات يوم في مجلسه ضاحكاً فأنى بحمار وحشٍ، فدعا بفرسه اليَحموم فقال احملوا سعداً على اليحموم وأعطوه مِطْرَداً وخلّوا عن هذا الحمار حتى يطلبه سعد فيصرعه. فقال سعد: إني إذاً أُصرعُ عن الفرس. فقال النعمان: والله لتحْمِلنَّهُ. فُحمل على اليحموم ودُفع إليه المطرد وخُلّى الحمار، فنظر سعد إلى بعض بنيه قائماً في النظَّارة فقال: بأبي وجوه اليتامي. فأرسلها مثلاً. فألقى الرُمح وتعلّق بمعْرَفة الفرس: فضحك النعمان، ثم أُدرِك فأُنزِل. فقال سعد القرقرة:
نَحنُ بغَرْسِ الوَدِيِّ أَعْلَمُنا ... مِنَّا بجَرْيِ الجِياد في السَّلَفِ
يا لَهْفَ أُمِّي فكيف أطْعَنُه ... مُستمسِكاً واليدان في العُرُفِ
قد كنتُ أدركتُه فأَدْركَنِي ... للصَّيْدِ جَدٌّ من مَعْشَرٍ عُنُفِ
١٢٨_قولهم قد يَضرطُ العَيْرُ والمِكواةُ في النَّارِ
أول من قال ذلك: مسافِرُ بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس. وكان أتى النعمان بن المنذر يستميحه فأنزله وأكرمه. وكانت هند بنت عتبة قالت له: إذا رجعت بجائزة النعمان تزوجتك. فبينا هو ذات يوم إذ قدم عليه قادم من مكة فسأله
стр. 72
عن هند فأخبره أن أبا سفيان تزوجها، فمرض فاستُسقي، فداواه عباديّ وأحمى مكاويه. فلما جعلها على بطنه ورجل قريب منه ينظر إليه فجعل ذلك الرجل يضرط فقال مسافر: قد يضرطُ العَير والمكواةُ في النار. فأرسلها مثلاً.
١٢٩_قولهم ساءَ سَمْعاً فأَساءَ إِجابَةً
أول من قال ذلك سهيل بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي. وكان تزوج صفية بنت أبي جهل بن هشام، فولدت له أنس بن سهيل، فخرج معه ذات يوم وقد خرج وجهه، فوقفا بحَزَوَّرَةَ مكة، وأقبل الأخنس بن شَريقٍ الثقفي فقال: من هذا؟ فقال سهيل: ابني. قال الأخنس: حيّاك الله يا فتى، قال: لا والله ما أُمِّي ثَمَّ، انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقاً. قال أبوه: ساء سمعاً فأساء إجابةً. فأرسلها مثلاً. فلما رجعا قال أبوه: فَضَحني ابنك اليوم عند الأخنس، قال: كذا وكذا. قالت: إنما ابني صبيّ. قال: أشبَه أمرؤ بَعْضَ بَزِّهِ. فأرسلها مثلاً.
١٣٠_قولهم إِلِيْكَ يُساقُ الحَدِيثُ
قال المفضل الضبيّ: زعموا أن رجلاً أتى امرأة يخطبها فأنعَظَ وهي تكلمه فجعل كلما ازداد إنعاظاً، وجعل يستحي ممن حضر من أهلها. فقال ووضع يده على ذَكَره: إليك يُساق الحديث. فأرسلها مثلاً. وقال ابن الكلبي: قاله عامر
стр. 73
بن صعصعة، وكان جَمَع بنيه عند موته ليُوصيهم فمكث طويلاً لا يتكلم فاستحثه بعضهم فقال: إليك يُساق الحديث.
١٣١_قولهم كَبِرَ عَمروٌ عن الطَّوْق
أول من قال ذلك جَذيمة الأبرش. وكان عمرو بن عدي بن نصر اللخْميّ ابن أخته أجمل الناس فاستُطير ففُقِدَ زماناً من الدهر، وضُرب له في الآفاق فلم يوجد، وأتى على ذلك ما شاء الله، ثم وجده رجلان يقال لأحدهما مالك وللآخر عقيل. فأتيا به جذيمة الأبرش وهو يومئذٍ ملك الحيرة فأكرمهما وأحسن إليهما. وقال: لكما حكمكما. فسألاه أن يكونا أبداً نديمَيْه ففعل. فلم يزالا نديمَيْه زماناً من الدهر حتى فرّق بينهما الموت. وأعجب جذيمة ما رأى من أسباب عمروٍ وهيئته، فأرسل إلى أمه فألبسته وجعلت في عنقه طَوقاً، فقال جذيمة: كبر عمروٌ عن الطوق. فأرسها مثلاً. وقال متمِّم بن نُويرة:
وكُنَّا كَنَدْمانَيْ جَذيمَةَ حِقْبَةً ... من الدَّهْرِ حّتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا
وقال أبو خِراش يذكرهما:
أَلَمْ تَعْلَمِي أنْ قد تفَرَّق قَبْلَنا ... خَلِيلاَ صفاءٍ مَلِكٌ وعَقِيلُ
١٣٢_قولهم صَحِيفَةُ المُتَلَمِّس
كان من حديثهما أن عمرو بن المنذر بن امرئ القيس كان يرشِّح أخاه قابوس
стр. 74
بن المنذر، وهما لهند بنت الحارث بن عمرو الكندي آكل الُمرار، ليملك بعده. فقدم عليه المتلمس وطرفَة فجعلهما في صحابة قابوس وأمرهما بلزومه. وكان قابوس شابّاً يُعجبه اللهو، وكان يركب يوماً في الصيد فيركض يتصيّد وهما معه يركضان حتى يرجعا عشيّة وقد لَغِبا، فيكون من قابوس من الغد في الشراب فيقفان بباب سُرادقه إلى العشيّ. فكان قابوس يوماً على الشراب فوقفا ببابه النهار كله ولم يصلا إليه، فضجِر طَرَفة فقال:
لَيْتَ لنا مكانَ المَلْكِ عَمْروٍ ... رَغُوثاً حول قُبَّتِنا تَخُورُ
مِنَ الزَّمِراتِ أَسْبَلَ قادِماهَا ... وضَرَّتُهَا مُرَكَّنَةٌ دَرُورُ
يُشَارِكُنَا لَنَا رَخِلان فيها ... وَتَعْلُوها الكِباشُ وما تَثُورُ
لَعَمْرُكَ إنّ قابوسَ بنَ هِنْدٍ ... لَيَخْلِطَ مُلْكَه نَوْكٌ كَثِيرُ
قسمتَ الدَّهْرَ في زَمَنٍ رَخِيٍّ ... كذاك الحُكْمُ يَقصِدُ أوْ يَجُورُ
لَنَا يَوْمٌ وللكِرْوَانِ يَوْمٌ ... تَطيرُ البائِساتُ ولا نَطيِرُ
فأمَّا يومُهُنَّ سُوءٌ ... تُطارِدُهُنَّ بالحَدَبِ الصُّقُورُ
وأمَّا يَوْمُنا فَنَظَلُّ رَكْباً ... وُقوفاً ما نَحُلُّ ولا نَسِيرُ
وكان طرفة عدوّاً لابن عمه عبد عمرو بن بشر بن مرثد. وكان عبد عمرو كريما على عمرو بن هند وكان سميناً فدخل مع عمرو الحمَّام. فلما تجرّد قال عمرو بن هند: لقد كان ابن عمك طرفة رآك حين قال ما قال. وكان طرفةُ هَجا عبد عمرو فقال:
стр. 75
لاخَيْرَ فيه غير أَنَّ له غِنىً ... وأنَّ له كَشْحاً إذا قام أَهْضَمَا
تَظَلُّ نِساءُ الحَيِّ يَعْكُفْنَ حَوْلَه ... يَقُلْنَ عَسِيبٌ من سَرارَةِ مَلْهَمَا
له شَرْبَتان بالعَشِيِّ وشَرْبةٌ ... من اللَّيْلِ حتى آضَ جِبْساً مُوَرِّما
كأنَّ السِّلاح فوقَ شُعْبَةِ بانَةٍ ... تَرَى نَفَخاً وَرْدَ الأَسِرَّةِ أَصْحَما
ويَشْرَبُ حتَّى يَغْمُرَ المَحْضُ قَلْبَه ... وإنْ أُعْطَهُ أترك لقلبِيَ مَجْثَما
قال: فلما قال ذلك، قال عبد عمرو: ما قال لك شرٌ مما قال لي. ثم أنشده:
لَيْتَ لنا مَكَانَ المَلْك عَمْروٍ
فقال عمرو: ما أُصدقك عليه. وقد صدقه ولكنه خاف أن يُنذره وتُدركه الرَّحِم. فمكث غير كثير. ثم دعا المتلّمس وطرفة فقال: لعلكما قد اشتقتما إلى أهلكما وسرّكما أن تنصرفا. قالا: نعم. فكتب لهما إلى عامله على هَجَر أن يقتلهُما. وأخبرهما أنه كتب لهما بحِباءٍ ومعروف. وأعطى كل واحد منهما شيئاً فخرجا. وكان المتلمّس قد أسنَّ. فمرا بنهر الحيرة على غلمان يلعبون. فقال المتلمّس: هل لك في أن تنظر في كتابينا فإن كان فيهما خيرٌ مضينا له وإن كان شراً ألقيناهما؟ فأبى عليه طرفة. فأعطى المتلمّس كتابه بعض الغلمان فقرأه عليه، فإذا فيه السَوءة فألقى كتابه في الماء. وقال لطرفة: أطعني وألقِ كتابك، فأبى طرفة، ومضى بكتابه إلى العامل فقتله. ومضى المتلمس حتى لحق بملوك بني جفنة بالشام. فقال المتلمس في ذلك:
следующие страницы →