ذالك لأنه حتى من اعتقد المذهب الأشعري (مثلاً) من المحدثين في هذا العصر، فهو ـ غالباً إنما اعتقده لظنه أنه المنقذ أمام المد الاعتزالي، ولذلك كان بعضهم يزعم أن مذهبه الكلامي ذاك هو مذهب السلف، جهلاً منه بمذهب السلف. ومثل هذا الصنف من المحدثين، ممن عاش في القرن الرابع، لن يكون لاعتقاده الكلامي أثر ذو بالٍ على علوم السنة ومصطلحها، لأن تأثره في المعتقد، لم يبلغ إلى درجة أن يعمق فيه المنهج الكلامي، ليؤثر عليه ـ بعد ذلك ـ في علم الحديث، العلم السني ذي المناعة الذاتية من تلك العلوم الدخيلة (العوم العقلية)
غير أن أثر تلك المذاهب أخذ في الظهور خلال اقرون اللاحقة، كما ذكرناه سابقاً. فالقرن الخامس زاد فيه أثر تلك المذاهب على علوم السنة عن القرن الرابع، وهو ـ مع ذلك أقل تأثراً من القرن السادس ... وهكذا.
أما من لم يتبع مذهباً كلامياً، من علماء الحديث في القرن الرابع، وهم فئام كبير منهم = فهؤلاء بعيدون كل البعد عن التأثر بالعلوم العقلية، وبالمنهج الكلامي لتلك المذاهب، في تقرير قواعد علوم الحديث وشرح مصطلحاته وفي غير ذلك من العلوم الشرعية. وهؤلاء المحدثون في الحقيقة لم يزالوا على إرث سلفهم (علماء القرن الثالث) ، وكأنهم امتداد (وهم كذلك) لذلك الإرث ولألئك العلماء.
ومن أمثال هؤلاء: بعض أعلام نقاد الحديث في القرن الرابع، كأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) . الذي كان يقول: ((ما في الدنيا شيء أبغض إلي من الكلام)) (١) ،
فعلق
стр. 72
الإمام الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان، المتوفي سنة ٧٤٨هـ) على هذا بقوله: ((لم يدخل الرجل أبداً في علم الكلام، ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً (١) .
إذن فالأشعرية وغيرها من المذاهب الكلامية لم تؤثر في علم الحديث، خلال القرن الرابع، إلا على ذكل القدر المشروح آنفاً. من أن أثرها إنما ينحصر في منم اعتقد بأحد المذاهب الكلامية من المحدثين، دون غيرهم، هذا إن كان لاعتقادهم ذاك أثر عليها، كما تقدم ذكره.
وكان يمكن أن يستمر أثر المذاهب الكلامية محصوراً، على تلك الصورة المذكورة آنفاًَ، خلال القرون اللاحقة بعد القرن الرابع. إلا أن زيادة تعمق المذاهب الكلامية خلال القرون التالية للقرن الرابع، مع ما رافق ذلك من زيادة ضعف تلقي العلوم النقلية = أدى ذلك إلى ازدياد أثر المهج الكلامي على العلوم النقلية (ومنها علم الحديث) ، ازدياداً متدرجاً على مر القرون.
مع ذلك أيضاً، كان من الممكن أن يبقى أثر المذاهب الكلامية خلال القرون اللاحقة للقرن الرابع محصوراً فيمن اعتقد بها، خاصة وأن مسائل العقيدة، والأسماء والصفات بالأخص، ظلت عند علماء السنة وأتباع الأثر مسائل مصيرية، لا يتهاونون في الدفاع عن مذهب السلف فيها، وينابذون كل ما خالفها، عبر العوهد المتلاحقة.
أقول: كان من الممكن أن يبقى أثر المذاهب الكلامية على علوم السنة محصوراً في من اعتقد بها، لولا أن العلوم العقلية
стр. 73
والمنهج الكلامي فتح جبهةً جديدة للتأثير على علوم السنة. هذه الجبهة بعيدة كل البعد عن مسائل العقيدة ذا الحساسية البالغة عند المحدثين، إنها جبهة علم أصول الفقه
وهذا هو الفصل التالي:
стр. 74
الفصل الثاني:
أثر أصول الفقه على علوم السنة
المبحث الأول: كتب أصول الفقه ونافذتها
للتأثير على علوم السنة:
وفي هذا المبحث أجد أني مضطر لاستباق نتيجته، بإعلان: إن الباب الذي فتح لعلم الكلام المجال على مصراعيه للتأثير في علوم السنة، هو: علم أصول الفقه !!
ولتقرير هذا الأمر، ولإثبات هذه التهمة، ألقي بضوء سريع على نشأة أصول الققه، ومنهج التصنيف فيها.
فإنه لمن إحدى المسلمات ـ عند المنصفين ـ: أن الإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ) هو أول من صنف في أصول الفقه، من خلال كتابه (الرسالة) وغيره من مصنفاته الأصولية الأخرى.
و (الرسالة) للإمام الشافعي، كما أنه أحد أدلة إمامته وعبقريته في الفقه واصوله، فإنه أيضاً أحد أعظم أدلة إمامته في السنة وعلومها، وأنه علم من أعلامها.
وعلى هذا، فلو بقيت كتب أصول الفقه على منهج (الرسالة) ، لما كانت لتؤثر أثراً على علوم السنة أقول: لو
стр. 75
فإنه لا خلاف بين المؤرخين لعلم الأصول (١) ، أن أصول علم الأصول، وجل اعتماد المصنفات فيه بعد (الرسالة) للشافعي، على المصنفات التالية:
١ـ (العهد) : للقاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني المعتزلي (ت ٤١٥هـ) وهو شافعي المذهب في الفروع.
٢ـ (المعتمد) : لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي (ت ٤٣٦هـ) ، وهو ممن زعم أنه حنفي الفروع، ولا دليل على ذلك.
٣ـ (البرهان) : لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (ت ٤٧٨هـ) ، وهو من أئمة الشافعية في الفروع، والأشعرية في الأصول غالب حياته.
٤ـ (المستصفى) : لإبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت ٥٠٥هـ) ، وهو من أئمة الشافعية في الفروع، والأشعرية في الأصول إلى قبيل وفاته.
ثم جمع شتات مصنفات الأصول من بعد هؤلاء: فخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت ٦٠٦هـ) الشافعي الأشعري، في كتابه (المحصول في علم الأصول) .
وفعل نحوه أبو الحسن سيف الدين علي بن أبي علي محمد بن سالم الآمدي (ت ٦٣١هـ) ، وهو شافعي أشعري، في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) .
إن أول ما يستوقفك في هذه الأسماء، أنها لمعتزلةٍ أولأً، ثم لأشاعرة وقف عند هذه الملاحضة طويلاً
стр. 76
ولا تظن أن المعتقد لا أثر له على أصول الفقه، فهذا رأي فطير. وقد طبع مؤخراً كتاب بعنوان (آراء المعتزلة الأصولية) للدكتور علي بن سعد الضويحي، هو كفيل بتغير ذلك الرأي. ثم يستوقفك في ذلك السياق أيضاً، أن غالب من ذكروا فيه شافعية.
ومع أن الإمام الشافعي هو الذي افتتح علم الأصول كما تقدم، ومع أنه هو القائل: ((حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل ن ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الرأي)) (١) = إلا أن منهج من صنف في أصول الفقه، من أتباعه، مخالف لمنهجه فيه كل المخالفة حتى اصطلح على تسمية ذلك المنهج للتصنيف في أصول الفقه بـ (طريقة المتكلمين) . ولهذا الاسم: (طريقة المتكلمين) دلالته الواضحة على اختلاف منهج الشافعي (الذام لعلم الكلام) عن منهج أتباعه ممن سبق ذكرهم وكثير ممن جاء بعدهم
بل اشتهر الشافعية خاصة بـ (طريقة المتكلمين) ، في تصانيف أصول الفقه، وكانوا أكثر أصحاب المذاهب الفقهية تنظيراً لها، وإبداعاً فيها، وتصنيفاً عليها؛ حتى ربما سميت (طريقة المتكلمين) هذه بـ (طريقة الشافعية) ، مع أنها طريقة المالكية والحنابلة أيضاً في تآليفهم في أصول الفقه (٢) وما ذلك إلا لأن الشافعية هم الذين شرعوا باب
стр. 77
التصنيف في أصول الفقه على تلك الطريقة، وملؤوا المكتبة الإسلامية بالمصنفات الأصولية على ذلك المنهج، فسار أصحاب المذاهب الأخرى في الأصول من بعدهم على ذلك المنهج نفسه.
ولست أريد من ذلك كله الاستدلال على أن كتب أصول الفقه، بعد (الرسالة) للشافعي، اعتمدت كثيراً على علم الكلام والمنطق اليوناني في تقرير مسائله وتقنين قواعده؛ فهذا أمر مسلم لا شك فيه = لكني أردت التنبيه على عناوي لذلك، والتذكير بها.. لا غير
ومن هنا أدخل في بيان أثر (أصول الفقه) على (علوم الحديث ومصطلحه) :
ولا يخفى أن أصول الفقه تدرس ـ فيما تدرس ـ السنة النبوية وكيراً من علومها، باعتبارها المصدر الثاني للتشريع.
وإذا درس (الكلاميون) علوم السنة، على (طريقة المتكلمين) ومنهجهم، وهم أبعد الناس عن الاختصاص وأهله: (المحدثين) = فماذا يتوقع من دارس ليس من أهل الاختصاص، يدرس العلم بمنهج غريب عنه، ويدرسه بقواعد نظرية: لا علاقة لها بالواقع العملي، ولا معرفة لها بالممارسة التطبيقية؟
وانظر في تلك الكتب التي ذكرناها لك في أصول الفقه، وهي أصول علم الأصول؛ من من مصنفيها من علماء السنة؟ أو عرف بالعناية بها؟ أو ـ حتى ـ حاول أن يدرسها في كتابه على غير (طريقة المتكلمين) ؟
لست أريد انتقاص أحدٍ من العلماء، وليس في وضع كل ذي فن مع أهل فنه انتقاص له. ولا أريد إهدار جهود أحدٍ من
стр. 78
العلماء أيضاً، لكن كان الواجب ترك الاختصاص لأهله؛ فإذا تكلم فيه غيرهم ـ كما وقع فعلاً ـ أن يقدر هذا الكلام بقدره، فلا ينصب كأنه كلام قرين لأهل الاختصاص؛ فضلاً عن أن يقدم على
كلامهم؛ أو أن يأول كلام أهل الاختصاص ليوافق كلام غيرهم إذا خالفهم! وهذا أخطر من الترجيح الصريح، لأنه يوهم أن ذلك الكلام الذي قرره غير أهل الاختصاص هو كلام أهله وتقريرهم أيضاً!!
والأخطر من ذلك كله، هو التأثير الذي عم الأوساط العلمية كلها ن ولم ينج منه كبير أحدٍ من العلماء، على تمايزٍ بينهم في درجة ذلك التأثير، بالمنهج الذي كتبت به أصول الفقه (طريقة المتكلمين) .
إن علم أصول الفقه لا شك أنه من جليل العلوم الإسلامية، ومن أنفعها. لا يجهل ذلك إلا جاهل به، مغرق في جهله. وكيف لا يكون كذلك؟! وموضوعه وغايته أشرف الموضوعات والغايات، وهو فهم مراد الله ورسوله، ومعرفة أحكام دين الله العظيم.
لذلك فقد كان العلماء ـ ومازالوا ـ يرون تعلمه وتعليمه واجباً لا يتم واجب العلم بدين الله تعالى إلا به، وإنه لعمري كذلك!
لكن شاء الله تعالى أن تكتب أصول علم الأصول (بعد أصل الأصول: الرسالة للشافعي) بعد النقص الذي اعترى تلقي العلوم النقلية، كما سبق شرحه، وعلى يد متكلمين، من أعرقهم في علم الكلام نسبياً، وأثبتهم بالمنطق اليوناني قدماً، وأكثرهم بالفلسفة تعلقاً!!!
فخرجت كتب أصول الفقه واضحة النسب، عتيقة العرق
стр. 79
غير هجينة: بنت المنطق، وحفيدة الفلسفة!
وهذا أمر واضح، لا يشكك فيه عارف بالأصول. وليس أدل على ذلك من أن كثيراً من كتب الأصول، غالباً ما تقدم بعلم المنطق (صرفاً) ، لتيسير الاستفادة من أصول الفقه بعده!
ومن هنا لم ينج من التأثير بالمنطق كبير أحدٍ، كما قلنا آنفاً. لأن أصول الفقه واجب لا يتم واجب العلم بالشرع إلا بتعلمه، ولذلك لم يرض عامة العلماء (أو قل: كافتهم) عدم التحلي به والانتساب إليه: (الأصولي ٩؛ وهذا العلم هو في الحقيقة تطبيق عملي لعلم المنطق، فالمنطق هو الأصل، وأصول الفقه هي الفرع!
ولا يظنن أني أعادي علم المنطق، لأنه علم المنطق. لكني سوف أبين قريباً ـ إن شاء الله تعالى ـ الأثر غير المرضي له، على بعض العلوم الإسلامية، خاصة علم الحديث ومصطلحه.
وبذلك كان لأصول الفقه أثرها على علوم الحديث ومصطلحه، من خلال نافذتين للتأثير:
الأولى (وهي مباشرة) : من خلال دراسة كتب أصول الفقه للسنة وعلومها، بمنهجها الكلامي. وقد بينا سابقاً القدر الذي يجب عليه الاستفادة من هذه الدراسة لعلوم السنة، وأشرنا إلى التفريط الواقع في هذا الصدد.
الثانية (وهي غير مباشرة) ك من خلال المنهج الذي بثته في الأوساط العلمية، وأثر المنطق اليوناني الذي شبعت به أساليب التفكير والتأليف لدى العلماء.
وسأضرب لك مثالاً كل نافذةٍ من هاتين النافذتين:
стр. 80
المبحث الثاني: مثال تأثر علوم السنة بأصول الفقه من خلال نافذتها الأولى، وهي: ما درسته كتب أصول الفقه من علوم السنة:
إن من أول ما يبدأ به الأصولين باب (السنة) ، هو تقسيم الأخبار إلى قسمين: (متواتر) و (آحاد) ، والكلام عن إفادة كل قسم ٍ منها، وحكم العمل بخبرهما.
ثم وجدنا هذا التقسيم ذاته، والكلام نفسه، في كتب علوم الحديث. بدءأً بـ (الكفاية) للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) ، وانتهاءً بالمصنفات المعاصرة في علوم الحديث.
والخطيب البغدادي عندما تكلم عن هذا التقسيم وأحكامه لم ينسب ما ذكره من ذلك إلى أهل الحديث، بل كلامه واضح أنه نقل عن كتب أصول الفقه!
حتى قال ابن الصلاح (أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، المتوفي سنة ٦٤٣هـ) في كتابه: (معرفة أنواع علم الحديث) : ((ومن المشهور: المتواتر، الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب قد ذكره، ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث. ولعل ذلك لكونه لا
стр. 81
تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم)) (١) .
بل قال ابن أبي الدم الشافعي (إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم الهمداني الحموي، المتوفي سنة ٦٤٢هـ) : ((اعلم أن الخبر المتواتر: إنما ذكره الأصوليون دون المحدثين، خلا الخطيب أبا بكر البغدادي، فإنه ذكره تباعاً للمذكورين. وإنما لم يذكره المحدثون لأنه لا يكاد يوجد في روايتهم، ولا يدخل في صناعتهم)) (٢)
وقد اعترض على ابن الصلاح، بما نقله الحافظ زين الدين العراقي (عبد الرحيم بن الحسين، المتوفى سنة ٨٠٦هـ) في (التقييد والإيضاح) ، حيث قال: ((وقد اعترض عليه بأنه قد ذكره: أبو عبد الله الحاكم، وأبو محمد ابن حزم، وأبو عمر ابن عبد البر، وغيرهم من أهل الحديث.
والجواب عن المصنف: أنه إنما نفى عن أهل الحديث ذكره باسمه المشعر بمعناه الخاص، وهؤلاء المذكورون لم يقع في كلامهم التعبير عنه بما فسره به الأصوليون، وإنما يقع في كلامهم: أنه يتواتر عنه ﷺ كذا وكذا، أو أن الحديث الفلاني متواتر، وكقول ابن عبد البر في حديث المسح على الخفين: إنه استفاض وتواتر (٣) . وقد يريدون بالتواتر: الاشتهار، لا المعنى الذي فسره به الأصوليون)) (٤) .
وذكر الإمام البلقيني (سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان الكناني المصري الشافعي، المتوفى سنة ٨٠٥هـ) في كتابه
стр. 82
(محاسن الاصطلاح) هذا الاعتراض الذي ذكره العراقي، فقال: ((فائدة: لا يقال: فقد ذكره الحاكم وكتابه مشحون به، وابن خحزم في المحلى. لأنا نقول: ليس ما ذكراه على الشرط المذكور، إن صح النقل عنهما. ولكن قد يوجد معنى التواتر في الأمور المقطوع بها، وإن كان الإسناد بالتحديث ونحوه يعسر فيه ذلك)) (١) .
قلت: ويجاب أيضاً عن هذا الاعتراض:
أما عن دعوى ذكر الحاكم لـ (المتواتر) : فدعوى غير صحيحة. فإنه لم يذكره في (معرفة علوم الحديث) في نوع من أنواع علومه، ولم يعرض له ببيانه أو ذكره بالمعنى المتعارف عليه عند الأصوليين. إنما كان يرد في
كلامه لفظ (التواتر) واشتقاقات هذا اللفظ على المعنى اللغوي للكلمة، كما يتضح من سياق كلامه الذثي ورد فيه ذلك اللفظ (٢) .
ومثل هذا الاستخدام لكلمة (المتواتر) ، على المعنى اللغوي، يرد أيضاً في كلام من قبل الحاكم؛ كأبي جعفر الطحاوي (أحمد بن محمد بن سلامه المصري الحنفي، المتوفى سنة ٣٢١هـ) (٣) ، وقبلهما وجدته في كلام الإمام البخاري (٤) ، والإمام مسلم (٥) ، وغيرهم.
стр. 83
وأما ابن حزم وابن عبد البر: فكلاهما من علماء القرن الخامس، مثل الخطيب البغدادي. فلا يصح التعقب بهما على ابن الصلاح، لأنه لا دليل على سبقهما للخطيب في ذلك. وإن سبقاه فلا فائدة من ذلك، لأن مقصود ابن الصلاح أن (المتواتر) ليس من مصطلحات سلف المحدثين.
ثم إن ابن حزم إنما ذكر (المتواتر) في (الإحكام في أصول الأحكام) (١) ، وهو كتاب في (أصول الفقه) لا في (علوم الحديث) . وابن الصلاح إنما ذكر أن الخطيب أول من أدخل هذا التقسيم في (علوم الحديث) ، فلا تعقب عليه من هذا الوجه أيضاً.
ونحوه ابن عبد البر، إذ ليس له كتاب مفرد في (علوم الحديث ٩ أصلاً!
فثبت بهذا أن من أوائل من أدخل هذا التقسيم في علوم الحديث هو الخطيب البغدادي!! ولا داعي للمشاحة في هذا القدر الثابت.
وقد نص الأئمة كما رأيت: أن الخطيب أخذ هذا التقسيم من كتب (أصول الفقه) ، وأنه تبع للأصوليين في ذلك.
أما من جاء بعد الخطيب، ممن صنف في علوم الحديث، فلا يكاد يخلو كتاب من ذكر هذا التقسيم (٢)
وزادوا على الخطيب في التأثير بأصول الفقه، كما يأتي بيانه.
فهذا أبو عمرو ابن الصلاح، مع أنه نص على أن
стр. 84
الخطيب أول من ذكر هذا التقسيم في علوم الحديث، إلا أنه أضاف إلى اتباعه الخطيب في ذلك أشياء:
أولاً: قال: ((وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص)) ، مما يشعر بأن لفظ (المتواتر) هو الذي لم يذكره أهل الحديث، وإن كان اعتبار معنى هذا اللفظ، بتقسيم الأخبار على أساسه، معروفاً عند المحدثين؛ هذا مفهوم عبارة ابن الصلاح.
وعلى هذا المفهوم جاء دفاع العراقي عن كلام ابن الصلاح، حيث قال ـ كما تقدم ـ: ((والجواب عن المصنف: أنه إنما نفى عن أهل الحديث ذكره باسمه المشعر بمعناه الخاص)) .
وهذا من ابن الصلاح والعراقي زيادة في تعميق أثر أصول الفقه على علوم الحديث، في هذه المسألة.
وثانياً: اضطراب عبارة ابن الصلاح في التعبير عن وجود مثالٍ لـ (المتواتر) بشروطه عند الأصوليين، مما يدل على احترامه البالغ لذلك التقسيم، وعدم احتمال رفضه عنده، وإن خرج عن علوم الحديث وصناعة المحدثين!
فانظر إليه وهو يقول ـ معبراً عن سبب عدم ذكر المحدثين لـ (المتواتر) ـ: ((ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم)) ، ثم يقول بعد ذكر شروط (المتواتر) : ((ومن سئل عن إبراز مثالٍ لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه)) ، ثم يقول أخيراً: ((نعم، حديث: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) نراه مثالاً لذلك)) (١)
стр. 85
فانظر إلى هذا التردد، واضطراب العبارات، وهي في موطنٍ واحد!!
وثالثاً: أن ابن الصلاح بعد ذكره لبعد صورة (المتواتر) عن واقع الروايات الحديثية، حاول أن يضرب لـ (المتواتر) مثالاً! فجاءت عبارته في مطابقة المثل لـ (المتواتر) ضعيفة الثقة بذلك، فانظر إليه وهو يقول: ((نراه مثالاً لذلك)) .
أما قول ابن الصلاح بعد ذكره للحديث: ((ولا يعرف حديث يروى عن أكثر من ستين نفساً من الصحابة عن رسول الله ﷺ ، إلا هذا الحديث الواحد. وبلغ بهم بعض أهل الحديث أكثر من هذا العدد، وفي بعض ذلك عدد التواتر. ثم لم يزل عدد رواته في ازدياد،
وهلم جراً على التوالي والاستمرار)) (١)
أما هذه العبارة، فهي أيضاً تشهد على أن ابن الصلاح لا يرى هذا المثل مطابقاً لـ (المتواتر) المعروف عند الأصوليين. فهو إنما طابق بين مثله و (المتواتر) من جهة العدد الكثير المشترط في (المتواتر) فقط، دون باقي شروطه، فهو يقول: ((وفي بعض ذلك عدد التواتر)) . ولم يجزم ولا بعبارة واحدة بأن لـ (المتواتر) مثالاً واقعياً من الأحاديث النبوية، اجتمعت في هذا المثل شروط (المتواتر) جميعها.
ولا يخفى أن حديث ((من كذب علي..)) ، ولو رواه مائة من الصحابة، إلا أن الأسانيد إلى كل واحدٍ من
стр. 86
هؤلاء الصحابة داخلة في خبر الآحاد، لأنها فقد شرط (استحالة التواطؤ على الكذب) عند الأصوليين
ولا يستطيع أحد أن يزعم أن حديث ((من كذب علي..)) : رواه جمع من الصحابة، وعن كل واحد من هؤلاء الصحابة رواه جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب ...
وهكذا إلى آخر إسناده وفي جميع طبقاته، وأنه أفاد العلم بذلك؛ لا يستطيع أحد أن يزعم ذلك بدليله أبداً (١) وهذه هي صورة (المتواتر) المفيدة للعلم، لا غير. فكيف يكون حديث ((من كذب علي ... )) بعد ذلك مثالاً للحديث (المتواتر)
بزعمهم؟
ولذلك تردد ابن الصلاح ذلك التردد
لكنه بهذا المثال، الذي ذكره، فتح المجال لغيره، للتمثيل بنحو مثاله وللاعتراض عليه بكثرة (المتواتر) بعد ذلك
بل بلغ الاعتراض على ابن الصلاح قمة التأثر بأصول الفقه، عندما زعم ذلك المعترض، الذي نقلنا سابقاً رد العراقي والبلقيني عليه، أن (المتواتر) بشروطه ومعناه واسمه عند الأصوليين، من مصطلحات المحدثين أيضاً، ومن استخداماتهم
في ألقاب علمهم
وسوف نعود في موضع لاحق ـ إن شاء الله تعالى (٢) ـ إلى زيادة بيان تدرج هذا التقسيم (إلى متواتر وآحاد) في كتب علوم الحديث، وكيف أنه أصبح عند المتأخرين من أعظم ملامح أصول الحديث ومن أشهر تقسيماته
فإذا أردنا العودة إلى بدايات نشوء هذا التقسيم، وإلى معرفة موقف أئمة أهل الحديث منه = أقول:
أما أول من قسم الأخبار النبوية إلى مفيدٍ للعلم ومفيدٍ
стр. 87
للظن، فقد وقفت على نص لا حد الائمة، يذكر فيه اول من ابتدع هذا التقسيم
فيقول الا ما م النا قد عثمان بن سعيد الدار مي (ت ٢٨٠هـ) ،
في رده على بشير بن غياث المريسي الجهمي (ت ٢١٨هـ) :
((وادعيت أيضاً في دفع آثار رسول الله ﷺ ضحكةً لم يسبقك إلى مثلها عاقل من الأمة ولا جاهل فزعمت أنه لا تقوم الحجة من الآثار الصحيحة التي تروى عن رسول الله ﷺ ، إلا كل حديثٍ لو حلف رجل بطلاق امرأته أنه كذل لم تطلق امرأته (١) .
ثم قلت: ولو حلف رجل بهذه على حديثٍ لرسول الله ﷺ صحيح عنه أنه كذب، ما طلقت امرأته (٢) .
فيقال لهذا المعارض الناقض على نفسه: قد أبطلت بدعواك هذه جميع الآثار التي تروى عن النبي ﷺ : ما احتججت منها لظلالك، وما لم تحتج، ولو كنت ممن يلتفت إلى تأويله. لقد سننت للناس سنةً، وحددت لهم في الأخبار حداً، لم يستفيدوا مثلها من أحدٍ من العالمين قبلك. وأوجبت على كل مختارٍ من الأئمة ـ في دعواك ـ أن لا يختار منها شيئاً حتى يبدأ باليمين بطلاق امرأته، فيحلف أن هذا الحديث صدق أو كذب ألبته. فإن كان شيئاً طلقت به امرأته استعمله، وإن لم تطلق تركه.
ويلك إن العلماء لم يزالوا يختارون هذه الآثار
стр. 88
ويستعملونها، وهم يعلمون أنه لا يجوز لأحدٍ منهم أن يحلف على أصحها: أن النبي ﷺ قاله ألبته، وعلى أضعفها: أن النبي ﷺ لم يقله ألبته (١) . ولكنهم كانوا لا يألون الجهد في اختيار الأحفظ منها، والأمثل فالأمثل من رواتها في أنفسهم. ويرون أن الأيمان التي ألزمتهم فيها بطلاق نسائهم مرفوعة عنهم؛ حتى ابتدعتها أنت، من غير أن يسبقك إليها مسلم أو كافر.
ففي دعواك يجب على القضاة والحكام أن لا يحكموا بشهادة العدول منهم، إلا بشيءٍ يمكن القاضي أن يحلف عليه بطلاق امرأته أن الشاهد به قد صدق، أو أنه إن حلف عليها بطلاق امرأته أنه كذب لم تطلق امرأته
ويحكمن سبقك إلى هذا التأويل من أمة محمد ﷺ ، في اتباع الروايات واختيار ما يجب منها؟ إنما يجب على القاضي أن يفحص عن اشهود ويحتاط: فمن عدل منهم حكم بشهادته، وإن كان كاذباً في شهادته في علم الله بعد، ما لم يطلع القاضي منه على ذلك. وترد شهادة المجروح، وإن كان صادقاً في شهادته في علم الله بعد، ما لم يطلع القاضي على صدقه.
وكذلك المذهب في استعمال هذه الآثار وقبولها من رواتها، لا ما تأولت فيها، من هذه السخرية بنفسك والضحك (٢) )) (٣)
стр. 89
وهكذا يظهر أن هذا التقسيم للأحاديث إلى (متواتر) و (آحاد) ، إنما نشأ من فكرٍ أثيم، وعقليةٍ فاسدة، وبيد البدعة، وعلى عين أعداء السنة، الذين لا يسعون إلا لرفض السنن، واستعباد الناس لفلسفة اليونان، بدلاً من دين الرحمن.
ومن هذا يظهر أيضاً: أن هذا التقسيم إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بشر المريسي ومن على شاكلته من جهمية ومعتزلة.
وبذلك نفسر عدم استخدام المحدثين لهذا التقسيم وألقابه في القرن الثالث فما قبله، ونعرف سبب ذلك. أما ما قبل القرن الثالث، أعني غالب القرن الثاني فما قبله، فلأن هذا التقسيم لم يكن قد وجد أصلاً، لا عند أهل السنة ولا عند غيرهم. وأما في القرن الثالث، فلأن منشأ هذا التقسيم ومصدره هم الجهمية ومن شابههم، والعداء بين أهل السنة وهؤلاء، وبين علوم السنة وعلوم أولئك = كان بالغاً الغاية، محتدماً، لا مجال خلاله للتأثر بأي شيءٍ من جانب العدو، ولو كان أمراً شكلياً لا علاقة له بالمضمون (اقول: لو كان)
وقد سبق شرح هذا التنافر وأثره في الحفاظ على علوم السنة (١) .
ومن أجل ذلك بدأ الجدال وحميت المناظرات، من أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث إلى ما بعد ذل، حول مسألة حجية (خبر الآحاد) . حيث إن ذلك التقسيم أول ما نشأ كان يصرح بد (خبر الآحاد) بالكلية، وعدم قبول شيءٍ من الأخبار إلا ما اسماه بـ (المتواتر) .
стр. 90
ثم إن هذا التقسيم بقي عند أهل الكلام على ما هو عليه، وإن كانت أحكام أقسامه بدأت بالتأثر بأحكام أهل السنة، خلال القرن الثالث، وأوائل الرابع (١) . ولو قدر بقاء عوامل قوة علوم السنة، كما كانت عليه، لرجونا زوال
ذلك التقسيم بالكلية!!
لكن مع ظهور المذاهب الكلابية، من أشعريةٍ وما تريدية، وما كانت تكسبه بالرد على المعتزلة وغيرهم ـ مما سبق شرحه ـ من مؤهلات الاندساس في صفوف المدافعين عن السنة. مع ما انظم إلى ذل، من ضعف تلقي علوم السنة = بدأ ذلك التقسيم بالثبات والرسوخ، بعد أن أخذ مظهراً آخر، اقرب إلى مذهب المحدثين من مذهب اصحابه الحقيقيين الذين كانوا أول من ابتدعه، من جهمية ومعتزلة. ذلك القرب إلى مذهب المحدثين، ينحصر في حكم خبر الواحد، وهو الحكم المشهور: أنه يفيد الظن الموجب للعمل، ولا يحتج به في العقائد. وهذا القرب في هذه الجزئية، كان بذاته أحد عوامل ثبات ورسوخ فكرة ذلك التقسيم مع أحكام أقسامه، عبر العصور التالية للقرن الرابع الهجري.
والأعجب من ذلك كله، هو أن تلك المناظرات والمجادلات المشار إليها آنفاً، التي ابتدأت من أواخر القرن الثاني، بين أهل السنة وغيرهم من أصحاب ذلك التقسيم، حول حجية خبر الواحد = أصبحت فيما بعد حجةً من حجج صحة ذلك التقسيم عند القائلين به، معتبرين تلك المناظرات دليلاً على
стр. 91
أن أهل الحديث كانوا يعترفون بذلك التقسيم، بدليل اعتنائهم بذكر حجية خبر الواحد!!! إذ جعلوا مجرد ذكر (خبر الآحاد) إثباتاً لمقابله عندهم، وهو (الخبر المتواتر) !!!
ولذلك فإني مضطر إلى الوقوف وقفةً طويلةً، مع أجل تلك المناظرات وأقدمها، ومع أحد أقوى حجج أولئك فيما ذهبوا إليه. تلكم هي مناظرات الإمام الشافعي حول القضية، في كتبه الأصولية، كـ (الرسالة) و (جماع العلم) (١) .
فقد عقد الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) فصلاً كبيراً، جاء في أوله سؤال لسائل عن حجية (خبر الواحد) . فبدأ الإمام الشافعي مع هذا السائل مناظرةً طويلةً جداً، عن هذه القضية وما له علاقة بها (٢) .
وأما كتاب (جماع العلم) ، فغالبه يحكي مناظراتٍ للشافعي حول حجية (خبر الواحد) .
وسنقف مع كلام الإمام الشافعي في مواطنه المتفرقة، مقسمين وقفنا على قسمين: الأول: إثبات أن الإمام الشافعي لم يقسم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، مع بيان التقسيم الذي كان يرضاه الإمام الشافعي. والثاني: حكم (خبر الآحاد) عند أهل الحديث، وفيهم الإمام الشافعي.
ولإثبات أن الإمام الشافعي لم يقسم الأخبار تقسيم أهل الكلام إلى (متواتر) و (آحاد) ، ولبيان التقسيم الذي ورد
стр. 92
في كلامه على أنه التقسيم الذي يرضاه، هو والمحدثون من أهل القرن الثالث فما قبله = أقول لإثبات وبيان ذلك:
أولاً: إن الإمام الشافعي لم يصرح بذلك التقسيم، وعندي أنه لم يلمح إليه أيضاً ولم يرضه، كما سأثبته لك من بعد. أما أنه ذكر خبر الواحد، أو كما يسميه هو بـ (خبر الخاصة) في كتابه (الرسالة) ، لا بلفظه، ولا بمعناه.
أما أنه لم يذكره بلفظه، فهذا قد يظنه بعضهم أمراً هيناً. وليس بهين، كما سيأتي بيانه عند كلامنا عما جاء في (جماع العلم) للشافعي (١) .
وأما أنه لم يذكره بمعناه، فهذا هو التالي:
وثانياً: أن افمام الشافعي لم يتفوه بما يذكره الأصوليون في تعريفهم للحديث المتواتر، بذكر شروطه المعلومة عندهم؛ فمن أين لمن نسب للشافعي ذلك التقسيم دليل نسبته إليه بعد ذلك؟!
إن كل ما حصل، هو أنهم نزلوا ألفاظاً أخرى للشافعي أطلقها على مايقابل (خبر الواحد) منزلة (المتواتر) عند الأصوليين. وهذا يكون له وجه، لو أن الشافعي بين من معاني تلك الألفاظ ما يوافق معنى (المتواتر) عند الأصوليين؛ لكن الشافعي لم يفعل ذلك! أما استنباط أنه أراد بتلك الألفاظ معنى (المتواتر) من ذكرها في مقابل (خبر الخاصة) ، فلا وجه له، لما تقدم بيانه آنفاً.
стр. 93
وثالثاً: أما الألفاظ التي ذكرها الإمام الشافعي فيما يقابل (خبر الواحد) ، فهي: (السنة المجتمع عليها) ، و (خبر العامة عن العامة) (١) . وما عبارتان بمعنى واحدٍ، يطلقهما الإمام الشافعي في مقابل (خبر الخاصة) .
فهل يلزم من هذه الألفاظ أنها تعني (المتواتر) عند الأصوليين؟! هذه دعوى لا دليل عليها كما سبق.
ثم هذان اللفظان، بذاتهما، وبمعناهما اللغوي، يدلان على أن المراد منهما غير (المتواتر) عند الأصوليين. فإن معناهما هو: الأمر الذي أجمعت الأمة على نقله، مما لم يرد في كتاب الله، أمةً بعد أمة، لا يختلف في الإجماع به اثنان؛ مثل: أن صلاة الظهر أربع. وهذا أمر فوق (متواتر الأصوليين) ، أو هو أعلى أنواعه عندهم. لأن من (المتواتر) ما قد يخفى على الخاصة، فضلاً عن العامة؛ يخفى العلم به، فضلاً عن العلم بتواتره. كما تجده في أمثلة (المتواتر) التي يذكرونها، وكما في كتب (الأحاديث المتواترة) (٢) .
والذي نخرج به من هذا، أن ما يقابل (خبر الآحاد) عند الشافعي، من تلك الألفاظ التي استخدمها فيما يقابله = ليس هو (المتواتر) عند الأصوليين بكل ما يحويه معناه عندهم. لأن ـ وانتبه لما بعد لأن ـ الذي يقابل (السنة المجتمع عليها) و (خبر العامة عن العامة) ليس هو (خبر الآحاد) وحده، بل هو (خبر الآحاد) وبعض من (المتواتر) أو (المتواتر) جله!!!
стр. 94
نعم.. ولا تعجل بالرد من قبل أن يقضى إليك بالحجة!
لكن بعد أن نثبت لك معاني تلك الألفاظ التي ذكرها الشافعي فيما يقابل (خبر الآحاد) ، لا من دلالة الألفاظ نفسها (وهي كافية) كما سبق ذكره، بل من كلام الشافعي نفسه.
فقد بوب الإمام الشافعي في كتابه (جماع العلم) باباً بعنوان: (حكاية قول من رد خبر الخاصة) ، قال فيه بعد مقدمةٍ يسيرة، حاكياً مناظرته في ذلك: ((قال ـ يعني الشافعي ـ: فكانت جملة قولهم أن قالوا: لا يسع أحادً من الحكام ولا من المفتين أن يفتي ولا يحكم إلا من جهة (الإحاطة) (١) . و (الإحاطة) : كل ما علم أنه حق في الظاهر والباطن، يشهد به على الله. وذلك: الكتاب، والسنة والمجتمع عليها، وكل ما اجتمع الناس ولم يتفرقوا فيه. فالحكم كله واحد، يلزمنا أن لا نقبل منهم إلا ما قلنا؛ مثل: أن الظهر أربع. لن ذلك لا ينازع فيه، ولا دافع له من المسلمين، ولا يسع احداً يشك فيه.
(قال الشافعي:) قلت له: لست أحسبه يخفى عليك، ولا على أحدٍ حضرك، أنه لا يوجد في علم الخاصة ما يوجد في علم العامة.
قال: وكيف؟
(قال الشافعي:) قلت: علم العامة على ما وصفت، لا
стр. 95
تلقى أحداً من المسلمين إلا وجدت علمه عنده، ولا يرد أحد شيئاً على أحدٍ فيه، كما وصفت في جمل الفرائض وعدد الصلوات وما أشبهها ... )) (١) .
فهذا ـ كما ترى كلام صريح، فسر به الإمام الشافعي المقصود من (السنة المجتمع عليها) و (خبر العامة) الذي يقابل (خبر الآحاد) ؛ فإذا به ليس هو (المتواتر) ، بل هو معنى قسيم لمعنى (المتواتر) .
قال الإمام الشافعي في (جماع العلم) أيضاً: ((قلت: أفرأيت سنة رسول الله ﷺ ، بأي شيءٍ تثبت؟
قال: أقول القول الأول الذي قاله لك صاحبنا.
فقلت له: ما هو؟
قال: زعم أنها تثبت من أحد ثلاثة وجوه.
قلت: فاذكر الأول منها؟
قال: (خبر العامة عن العامة) .
قلت: أكقولكم الأول، مثل أن الظهر أربع؟
قال: نعم.
стр. 96
فقلت: هذا مما لا يخالك فيه أحد علمته. فما الوجه الثاني؟
قال: (تواتر الأخبار)
فقلت له: حدد لي (تواتر الأخبار) بأقل مما يثبت الخبر، واجعله له مثالاً، لنعلم ما يقول وتقول؟
قال: نعم، إذا وجدت هؤلاء النفر، للأربعة الذين جعلتهم مثالاً (١) ، يروون، فتتفق رواياتهم، أن رسول الله ﷺ حرم شيئاً أو أحل = استدللت على أنهم: بتباين بلدانهم، وأن كل واحدٍ منهم قبل العلم عن غير الذي قبله عنه صاحبه، وقبله عنه من أداه إلينا، ممن لم يقبل عن صاحبه = أن روايتهم إذا كانت هكذا تتفق عن رسول الله ﷺ فالغلط لا يمكن فيها ... )) (٢) .
إذن فهذا هو (المتواتر) بلفظه ومعناه عند الأصوليين، هو غير (خبر العامة) و (السنة المجتمع عليها) ، كما ينص عليه هذا النقل!!!
وأيضاً فهذا يعني أن الإمام الشافعي عندما ترك لفظ (المتواتر) أثناء كلامه في كتابه (الرسالة) عن خبر الواحد، لم يكن تركه إياه لأنه لم يكن معروفاً بهذا اللفظ عنده، ولا لأنه استبدله بما يرادف معناه (فهذا ما أبطلناه الآن) ؛ ولكن لأنه قسم لم يرض الإمام الشافعي تقسيم الخبار على اعتباره، كما في كلام خصمه الذي نقلناه هنا.
وإلا فلم هجر الإمام الشافعي هذا اللفظ ومعناه:
стр. 97
(المتواتر) ؟! ولم أغلفه تماماً في كتابه (الرسالة) ؟!
وزيادة الاستدلال على ذلك، في التالي:
وخامساً: ومما يقطع بأن الإمام الشافعي لا يقول بقسم (المتواتر) قسماً من اقسام الأخبار، هو أنه كان يرد على الأصوليين شروطه التي اشترطوها له!!
فالإمام الشافعي لا يرى أن في شروط (المتواتر) المذكورة عند الأصوليين ما يفي باستحالة وقوع الغلط وباستحالة التواطؤ على الكذب، على أصولهم وعلى منهجهم في قبول الأخبار وردها.
وتنبه هنا غاية التنبه: أنه ليس معنى ذلك أن الشافعي لا يقول بإفادة (المتواتر) للعلم، بلى هو عنده مفيد للعلم!! ككثيرٍ من (أخبار الخاصة) غيره. لكن إفادتها
للعلم من جهةٍ غير الجهة التي يزعمها المتكلمون، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى (١)
وهذه قاصمة الظهر!! أن يكون الإمام الشافعي لا يرى شروط الحديث (المتواتر) شروطاً صالحة لإفادة (العلم) ، فكيف يكون بعد ذلك ممن يقول بـ (التواتر) على تلك الشروط؟!!!
وهذا كله في بقية مناظرة الإمام الشافعي لخصمه، التي سبق نقل طرفٍ منها آنفاً. حيث أكمل الشافعي مناظرته بقوله لذاك الخصم: ((وقلت له: لا يكون تواتر الأخبار عندك عن أربعةٍ في بلد؟ ولا إن قبل عنهم أهل بلدهم (٢) !! حتى يكون المدني يروي عن مدني، والمكي يروي عن مكي، والبصري يروي عن بصري، والكوفي يروي عن كوفي، حتى ينتهي كل واحدٍ منهم
стр. 98
بحديثه عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ غير الذي روى عنه صاحبه، ويجمعوا جميعاً عن النبي ﷺ = للعلة التي وصفت؟
قال: نعم، لأنهم إذا كانوا في بلدٍ واحدٍ أمكن فيهم التواطؤ على الخبر، ولا يمكن فيهم إذا كانوا في بلدان مختلفة.
(قال الشافعي:) فقلت له: لبئس ما نبثت (١) به على من جعلته إماماً في دينك، إذا ابتدأت وتعقبت!!)) (٢) .
هذا أول ردود الشافعي على أحد شروط (المتواتر) التي يشترطها الأصوليون، وهو شرط: استحالة التواطؤ على الكذب.
فيرى الإمام الشافعي أن اشتراط هذا الشرط، واعتبار أن تحققه يتم بأن يكون كل راوٍ من بلدٍ بعيدٍ عن الآخر= فيه حط شديد على أئمة الدين، وثقات الأمة وعدولها، إذ جعلها ذلك الشرط وكأنهم لا يحول بينهم وبين التواطؤ على الكذب إلا عدم القدرة على التواطؤ، لمثل بعد البلدان!!!
سبحانك! هذا بهتان عظيم!!
ثم أقول (من عند نفسي) : إن استحالة التواطؤ على الكذب، لا تتم ـ مع ذلك ـ ببعد البلدان بين الرواة، لاحتمال الرحلة واللقاء، ولاحتمال المراسلة! لكن تلك الاستحالة إنما تستفاد مما عرفناه (بالنقل المتواتر) من أحوال أولئك الأئمة، الدالة على: شدة التدين، وتعظيم الحرمات، والدفع عن حياض الشريعة، وجميل
صفاتهم، وحسن سيرتهم في كل أمرهم. وهذا
стр. 99
ليس فقط من الأئمة الكبار، بل حتى مع ثقات النقلة وعدول الرواة، لما عرفناه (بالنقل المتواتر أيضاً) من شدة الأئمة في توثيقهم، وبالغ تحريمهم في تعديلهم، واحتياطهم في احتياطهم لسنة نبيهم ﷺ في كل ذلك!!
ثم بين لي الفرق في درجة اليقين بين: رواية عشرة من التابعين من بلدان مختلفة لحديث واحد، ورواية فقهاء المدينة السبعة لحديث واحدٍ أيضاً؟!
فإذا رجعنا إلى أن استحالة التواطؤ على الكذب راجعة إلى مافي كل واحدٍ من الرواة من الصفات الداعية إلى قبول خبره، رجعنا ـ إذن إلى أن المعتبر هو وجود هذه الصفات، دون ما سواها من الشروط التي لا معنى لا شتراطها، لأنه لا علاقة لها بإفادة تلك الاستحالة.
فإن قال صاحب تلك الشروط: أنا لا أشترط العدالة أصلاً في رواة (المتواتر) .
قلنا: ذلك أدعى إلى أن لا يفيد خبرهم العلم عندك! لأنه إذا كان الخبر ـ عندك ـ لا يفيد العلم إلا باستحالة التواطؤ على الكذب ببعد البلدان، وبينا لك أن بعد البلدان ليس هو بالذي يدل على تلك الاستحالة في رواية الثقات العدول؛ فمن (باب أولى) أن لا يدل بعد البلدان على تلك الاستحالة في رواية غير العدول!!
فإن قال: إنما ذكرت (بعد البلدان) مثلاً لما يدل على استحالة التواطؤ على الكذب، وإلا فمرادي تحقق هذه الاستحالة، كيفما تحققت.
قلت: فبينا لك بطلان ذلك المثل، فهات غيره؟!
стр. 100
فإنه لا مفر لك من أن تزعم: أن استحالة التواطؤ على الكذب لا تتحقق إلا بالخبر الصريح: بأن فلاناً لم ير فلاناً ولا فلان لقي فلاناً، ولا تراسلوا أيضاً!! ومتى تقع على مثل هذا الخبر، وأنى تقف عليه، ليثبت بذلك خبر عندك؟!!!
ولا بد بعد ذلك أيضاً ـ على مذهبك في قبول الأخبارـ أن لا تقبل ذلك الخبر بنفي اللقاء والمراسلة، إلا أن يكون خبراً متواتراً على الشروط التي ذكرتها (على ما فيها) ، ليتم عندك اليقين بصدق ذلك الخبر!!!
وأقول أخيراً: إن شرط (استحالة التواطؤ على الكذب) بمثل بعد البلدان، دليل على أن مشترطه الأول (ومن على شاكلته) في عزمه رد السنن كلها، حتى ما سماه بـ (المتواتر) ! لأن تلك الاستحالة لا تستفاد مما زعم أنها تستفاد منه، كما قدمنا!!!
وذلك هو ما صرح به الإمام الدارمي، من نية وعزم صاحب ذلك التقسيم (إلى متواتر وآحاد) ، كما سبق نقله عنه (١) .
وهو ما صرح به أيضاً الحافظ ابن حبان البستي، كما سيأتي نقل كلامه (إن شاء الله تعالى) (٢) .
стр. 101
أما ثاني ردود الإمام الشافعي على ثاني شروط (المتواتر) ، هو اشترط أن يرويه عدد كثير؛ فأنا أذكر مضمون رد الشافعي، وأحيل عليه. حتى لا أطيل بنقله، ثم بشرحه.
فأول ما بدأ الإمام الشافعي مناظرته مع ذلك الخصم، أراد أن يقرره بسبب اشتراط (العدد الكثير) أبين تقرير. فسأله الشافعي عما لو سمع هذا الخصم نفسه حديثاً من رجلٍ من أصحاب بدر، وهم المقدمون ومن أثنى الله تعالى عليهم في كتابه؛ فعلى مذهبه: لا يكون هذا الخبر حجة، لأنه خبر واحدٍ يمكن أن يتطرق إليه الغلط، ويرد عليه احتمال وقوع الخطأ.
إذن فـ (احتمال وقوع الغلط) من القوة، إلى درجة أن مشترط (العدد الكثير) لا ينتفي عنده هذا الاحتمال، حتى ولو سمع الخبر من أحد البدريين!! بل الذي يناظره الشافعي لا يحتج بذلك الخبر مطلقاً، لاحتمال وقوع الغلط فيه!!!
فبعد أن قرر الشافعي هذه القوة في ملاحظة (احتمال وقوع الغلط) عند خصمه، قال له: أليس من بعد البدريين وأصحاب محمد ﷺ أولى أن لا يكون خبر الواحد منهم مقبولاً، لنقصهم عنهم في كل فضل، وأنه يمكن فيهم الغلط ما أمكن فيمن هو خير منهم، وأكثر منه؟!
فقال له خصمه: بلى (١) .
ثم حصر الإمام الشافعي وخصمه أيضاً صورة (العدد الكثير) في (المتواتر) في صورتين:
الأولى: أن يروى الحديث بأسانيد مختلفة عن عددٍ من
стр. 102
الصحابة، كل إسنادٍ منها منفرداً داخل في حد (خبر الواحد) ، وبمجموعها داخلة في حد (المتواتر) عند الخصم.
والصورة الثانية: أن يروي أربعة (مثلاً) من الصحابة عن النبي ﷺ ، ثم يروي عن كل واحدٍ منهم جماعة، ثم يرويه عن كل واحدٍ من هذه الجماعة جماعة أخرى.. وهكذا إلى أن يصل إلينا.
ثم بدأ يرد الشافعي على دعوى خصمه: استفادته العلم من هاتين الصورتين، لعدم احتمال وقوع الغلط فيهما عنده.
فبيان بطلان هذه الدعوى في الصورة الأولى هو:
أن الإمام الشافعي سأل خصمه: ألا يمكن أن يقع الغلط في أفراد تلك الأسانيد متفرقة، فيهم المدني في نقله عن المدني، والكوفي في نقله عن الكوفي، وهكذا؟
فإن أجاب الخصم باحتمال وقوع الغلط في أفراد تلك الأسانيد، لأنه من المحتمل أن يهم تابع التابعي على التابعي، والتابعي على الصحابي، والصحابي على النبي ﷺ .
إن أجاب بإمكان الغلط في أفراد تلك الأسانيد، لزمه أن يقبل ويستفيد العلم من (خبر الآحاد) ! لأنه استفاد العلم من خبرٍ يمكن في أسانيده أن يغلط كل راوٍ عمن فوقه، ومن فوقه عمن فوقه أيضاً، إلى أن يبلغ النبي ﷺ ؛ ولم يقبل خبر الواحد من أصحاب النبي ﷺ ، وهم خير ممن بعدهم.
قال الشافعي: فترد الخبر بأن يمكن فيه الغلط عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم خير الناس؟ وتقبله عمن لا يعدلهم في الفضل!! مع إمكان الغلط أيضاً في روايتهم (١) ؟!!!
стр. 103
فإن قال الخصم: لكن الصورة المجموعة لتلك الأسانيد أبعدت احتمال الغلط.
قلت: استبعادك الغلط في تلك الأسانيد المجموعة، إنما جاء لاعتقادك أن الجماعة الذي رووا تلك الأسانيد، لا يمكن أن يتوارد خطؤهم على لفظٍ واحد. فأنت تقصد بـ (المتواتر) هنا (المتواتر اللفظي) ، فهذا الذي تظن أن احتمال الغلط لا يتطرق إليه.
لكن أليس من المحتمل أن تكون تلك الأسانيد المتفرقة إسناداً واحداً، أو إسنادين، أو أكثر من ذلك مما لا يبلغ درجة إفادة العلم عندك؟
فإن قلت: لا
قلنا: لم؟! ألا يمكن أن يبدل أحد الرواة، راوياً بآخر، أو شيخاً بشيخ غلطاً، أو وصل مرسلاً مآله إلى موصولٍ لآخر، أو أسقط الراوي ـ سهواً أو عمداً (بالتدليس) ـ ضعيفاً، وهذا الضعيف كان قد ركب إسناداً على متن ... أو غير ذلك احتمالات الوهم.
ثم هل نسيت أن (استحالة التواطؤ على الكذب) ببعد البلدان: قد بينا لك أنها استحالة لا تستفاد من ذلك. إذن فيمكن في كل إسنادٍ من تلك الأسانيد أن يرد إليه احتمال الكذب المتعمد أيضاً، على مذهبك أنت!!
هذا كله فيما لو كان التواتر (لفظياً) ، أما إذا كان (معنوياً) ؛ فترد عليه الاحتمالات السابقة كلها، ويزاد عليها: احتمال الغلط في فهم الحديث، وفي سوء روايته بالمعنى، حتى أوهم توافق الأحاديث، وهي في الحقيقة أحاديث مختلفة، بمعانٍ لا يشهد بعضها لبعض!
стр. 104
فإن قلت: هذه الاحتمالات مع ورودها فهي بعيدة لاتفاق تلك الأسانيد مجموعة على الخبر، ومن ذلك استفدت العلم.
قلنا: إذن فاستفدت العلم مع ورود احتمال الغلط!! وإن زعمت بعده. لكن أبعد منه في احتمال الغلط، أن يروي لك الصديق أو الفاروق حديثاً، ثم تقول: لا أستفيد العلم لاحتمال الغلط!!!
فإن رجعت، والرجوع بك أحمد، فقلت: أستثني أصحاب النبي ﷺ .
قلنا فرجعت إلى اعتبار الصفات في الرواة، فاطرد في اعتبار الصفات إذن!!
ثم نحن لا نخالف في أن الحديث المتعدد الأسانيد قد يكون أقوى ن الحديث الغريب الذي ليس له إلا إسناد واحد، لكن عدم احتمال الغلط هو الذي جعلك استفدت اليقين بزعمك من الحديث المعدد الأسانيد؛ فها قد بينا لك أن احتمال وقوع الغلط وارد عليك فيما استفدت منه العلم أيضاً.
أما الصورة الثانية للمتواتر: وهي أن يروي جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، وعن كل واحدٍ من هذا الجمع جمع مثله أيضاً.. وهكذا.
قال الإمام الشافعي لخصمه عند ذكره الصورة: ((فهذا يلزمك، أفتقول به؟
قال: إذا نقول به، لا يوجد هذا أبداً.
(قال الشافعي:) فقلت: أجل!! (١) .
نعم هذه الصورة عديمة الوجود!!
стр. 105
وهذه الصورة الخيالية هي التي عناها مبتدع (المتواتر) الأول من ابتداعه له، لأنها ـ بزعمه ـ الطريق الوحيد لليقين بصدق الخبر دون النظر في عدالة ناقليه. لكن هذه الصورة خيال عقلي، بعيد كل البعد عن الوقع، وتحكم بحصر طريق اليقين في تلك الصورة، وغض للنظر دون عدالة الناقلين، مع أنها هي الطريق المتيسر الصحيح لليقين بصدق الأخبار.
لكن ذلك المبتدع تلقى تلك الصورة الخيالية عن أسياده من فلاسفة اليونان، وترجمها عن أساتذته في معاداة الوحي الإلهي، ثم أراد أن يحكمها في أسانيد السنن النبوية!!!
ولم تنته ـ بعد ـ مناظرة الإمام الشافعي مع خصمه، في إبطال شرط (العدد الكثير) من شروط (المتواتر) .
وقد كان خصم الشافعي قد ضرب مثلاً لتلك الصورة الخيالية لـ (المتواتر) ، برواية أربعة، وعن كل واحد من هؤلاء الأربعة أربعة آخرون.. وهكذا.
فقال له الإمام الشافعي: ((وقلت له: من قال اقبل من أربعة دون ثلاثة؟ أرأيت إن قال لك رجل: لا أقبل إلا من خمسة؟ أو قال آخر: من سبعين! ما حجتك عليه؟ ومن وقت لك الأربعة؟!
قال إنما مثلتهم.
(قال الشافعي:) قلت: أفتحد من يقبل منه؟
قال: لا
(قال الشافعي:) قلت: أو تعرفه فلا تظهره، لما يدخل عليك؟!
стр. 106
(قال الشافعي:) فتبين انكساره)) (١)
أي لعمري! يتبين انكساره، وانكسار عامة الأصوليين، بل والمحققين منهم، الذين ردحوا أن (العدد الكثير) في (المتواتر) لا يحد بعدد معين، وردوا على كل من اشترط عدداً معيناً! فهذا الإمام الشافعي يرد عليهم أيضاً، فيتبين انكاسرهم!!
وهذا ذكرني بعبارةٍ لأحد أئمة الحديث وأئمة الشافعية أيضاً، هو أبو بكر محمد بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤هـ) ، حيث قال في كتابه (شروط الأئمة الخمسة) : ((وإثبات التواتر في الأحاديث عسر جداً، سيما على مذهب من لم يعتبر العدد في تحديده)) (٢) .
وأما قول الإمام الشافعي لخصمه: ((أو تعرفه فلا تظهره، لما يدخل عليك)) ، ففيه إيماء إلى أن (المتواتر) الذي يفيد العلم بتلك الشروط، لا ما رواه أربعة، ولا أربعون! بل ما رواه جيل عن جيل، هذا هو الذي يفيد العلم باستحالة وقوع الكذب ولغلط من نقلته! وهذا هو (خبر العامة عن العامة) الذي زعم قائل (المتواتر) أنه سواه!!
ولما كان (المتواتر) بتلك الصورة لا وجود له في الأحاديث النبوية، سكت ذلك الخصم عن إظهار ما يخفيه، لأن مآل مقالته حينها: أنه لا يحتج بشيءٍ من الأحاديث النبوية، لأنه ليس فيها شيء يفيد العلم بزعمه وعلى شروطه!!!
وهكذا يرد الإمام الشافعي على القائل بـ (المتواتر) شروطه التي وضعها له، قائلاً له: إنها بين شرطٍ لا فائدة في اشتراطه،
стр. 107
وشرطٍ لا وجود لخبرٍ تحقق فيه، فكيف تقسم الأخبار باعبتاره؟!
فلا يقال بعد هذا: إن الإمام الشافعي ممن قسم الأ؛ اديث إلى (متواتر و (آحاد) ! أو أنه كان راضياً عن (المتواتر) بشروطه عن الأصوليين!!
كيف؟! وهو الهاجر لاسمه، الناقض لشروطه، المجانب لاعتباره!!!
وهنا أكون قد انتهيت من ذكر الأدلة القواطع والبراهين السواطع على أن الإمام الشافعي ليس ممن قسم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، بل إنه كان يرد هذا التقسيم ويعيبه كما رأيت.
وعلى هذا فما جاء في كلام الشافعي، مما سيأتي ذكر بعضه إن شاء الله تعالى (١) ، من تقسيم السنن إلى: (خبر عامةٍ عن عامة) أو (سنةٍ مجتمع عليها) ، ويقابل هذا القسم (خبر الخاصة = فإنه لا يعني به التقسيم المشهور عن الأصوليين، يس القسم الأول عنده هو (المتواتر) ، ولا الثاني هو (الآحاد) عندهم.
ومن ثم فليس حكم (خبر العامة عن العامة) هو حكم (المواتر) ، ولا حم (خبر الخاصة) هو حكم (خبر الآحاد) نفسه عن الأصوليين!
لكن الحكم سوف نعود إليه مستقبلاً بالتفصيل، ويهمنا هنا معرفة التقسيم الذي كان يرد في كلام الشافعي، ما هو؟ لأنه هو التقسيم الذي كان معتبراً عند علماء الأمة في أزهى عصورها وأقواها تمسكاً بسنة النبي ﷺ .
стр. 108
لكن تأكيداً لما سبق، من أن تقسم الإمام الشافعي ليس هو تقسيم الأصوليين، ومدخلاً لبيان تقسيم الشافعي وشرحه =
أقول:
إنه إن بقي من يزعم أن (خبر العامة) عند الشافعي هو (المتواتر) ، بعد هذا كله، فما عليه إن أتم النظر فيما يلي:
هذا الإمام أحمد بن أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨هـ) ، الذي نصر المذهب الشافعي بما لم ينصره أحد مثله، حتى قيل: ((ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منه، إلا البيهقي؛ فإنه له على الشافعي منه، لتصانيفه في نصرته لمذهبه واقاويله)) (١) .
هذا الإمام الذي هو أولى الناس بمعرفة أقوال الشافعي وفهماها، نقل عن إمامه (الشافعي) تقسيمه الأخبار إلى (خبر عامة) و (خبر خاصة) ، وذلك في مقدمة كتابه (دلائل النبوة) (٢) .
وبعد هذال النقل، وفي هذه المقدمة ذاتها، يقول البيهقي: ((ومما يجب معرفته في هذا الباب: أن تعلم أن (الأخبار الخاصة) المروية على ثلاثة أنواع:
نوع اتفق أهل العلم بالحديث على صحته، وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون مروياً من أوجهٍ كثيرةٍ، وطرق شتى، حتى دخل في حد الاشتهار، وبعد من توهم الخطأ فيه، أو تواطؤ الرواية على الكذب فيه.
стр. 109
فهذا الضرب من الحديث يحصل به العلم المكتسب، وذلك مثل الأحاديث التي رويت في القدر والرؤية والحوض ...
(إلى أن قال:) والضرب الثاني: أن يكون مروياً من جهة (الآحاد) ، ويكون مستعملاً في الدعوات والترغيب والترهيب والأحكام..)) (١) .
فانظر ـ حفظك الله ـ كيف قسم (أخبار الخاصة) : إلى ما يسمى بـ (المتواتر) ، وما سماه هو بـ (الآحاد) ؛ فـ (خبر الخاصة) عنده شامل لكلا القسمين
ولن أدخل في مناقشة هذا التقسيم الآن، وبيان منزعه القائد إليه، فهذا مما سيأتي ـ إن شاء ربي ـ ذكره (٢) . لكن الغرض من ذكر هذا النقل عن البيهقي، حتى تعلم كيف فهم أئمة الشافعية كلام إمامهم.
ولم يتفرد البيهقي دون بقية الشافعية بهذا الفهم لكلام إمامه، بل هو مسبوق إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير
حيث إن تقسيم الشافعي (دون البيهقي) هو التقسيم الحديثي الحقيقي للسنن، وهو التقسيم الذي يوافقه عليه كل من له ممارسة لعلم الحديث، ممن لم يتأثر بذلك التقسيم الغريب على علوم السنة، النابع منت علمٍ دخيل على معارف الأمة وحضارتها.
ولذلك تجد حافظاً من كبار أئمة الحديث ونقادهم، وهو شافعي معتز بشافعيته (٣)
أيضاً، وله علم واسع كذلك بـ (علم
стр. 110
الكلام) (١) وهو ابن حبان (ت ٣٥٤هـ) = يقول في مقدمة (صحيحه) : ((فأما الأخبار، فإنها كلها أخبار آحاد. لأنه ليس يوجد عن النبي ﷺ خبر من رواية عدلين، روى أحدهما عن عدلين، وكل واحد منهما عن عدلين، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ . فلما استحال هذا، وبطل، ثبت أن الأخبار كلها أخبار آحاد. وأن من تنكب عن قبول أخبار الأحاد، فقد عمد إلى ترك السنن كلها، لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد)) (٢) .
ويوافق ابن حبان على ذلك إمام آخر، هو أيضاً من أئمة الحديث، ومن أئمة الشافعية، وهو أبو بكر محمد بين موسى الحازمي (ت٥٨٤هـ) . حيث قال عقب نقله لكلام ابن حبان، في كتابه (شروط الأئمة الخمسة) : ((ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان أقرب إلى الصواب)) (٣) . ثم قال بعد ذلك: ((ثم الحديث الواحد لا يخلو إما أن يكون من قبيل التواتر، أو من قبيل الآحاد. وإثبات التواتر في الآحاد عسر