← Язык

Язык · id 9250

إيضاح شواهد الإيضاح

أبو علي القيسي

Полный текст (856 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الإعراب اعلم أن "ما" إذا دخلت على "أن" وأخوتها، جاز إعمال بعضها، وإلغاء جميعها. فالملغى منها "إنما" لا يجوز عند الخليل إعمالها. والمعمل منها، قد يجوز إلغاؤه "ليتما" وأما "لعلما وكأنما"، فالإلغاء فيهما أحسن، وقد يجوز إعمالها، "ولكنما" بمنزلة "إنما". والفرق بين بعضها وبعض، أن العرب تزيد"ما" على وجهين: أحدهما: أن تولي الشيء ما لا يليه، وتخرجه عن حكمه، كقولهم: ربما يقوم زيد، وقلما يجلس عمرو. والوجه الثاني: توكيد غير مغير الكلام عن حكمه كقوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم) و (فبما رحمة من الله) . فزادت "ما" في "إن" وأخواتها على الوجهين. وتعتبر زيادتها منها، بأن تنظر إلى ما يحسن اتصال الفل به، ويكثر استعماله معه، فتعلم أنه قد زال عن حكمه الأول، وصار من حروف الابتداء، فينبغي أن تلغيه، كقولك: إنما قام زيد و (إنما يخشى الله من عباده العلماء) . وما كان بخلاف هذا، فالأولى أن يجري على أصله من العمل، كقولك: ليتما

стр. 107

زيد منطلق، ألا ترى أنك لو قلت: ليتما قام زيد، لم يحس حسن إنما قام زيد، فإعمالها أحسن. وإما "لعلمَّا" فاستعمال الفعل بعدها أكثر شيء، فالإلغاء فيها أحسن من الإعمال. والفعل بعد "كأنما" مستعمل كثير، فإعمالها ضعيف جداً، ألا ترى أنك تقول: كأنم قال زيد، (كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلما) . و"لكنما" في حسن الفعل بعدها، بمنزلة "إنما" فأجراها مجراها في الإلغاء. وقوله: "أضاءت" فعل ماض، في موضع الحال، وتقديره: لعلما تضيء لك النار الحمار المقيدا، ومثله قول سلمة الجعفي: وكنتُ أرى كالموتِ منْ بينِ ليلةٍ ... فكيفَ ببينٍ كانَ ميعاده الحشرُ وضع "كان" موضع "يكون" ومثله كثير. قال أبو علي: سألت أبا بكر يوماً عن الأفعال، يقع بعضها موقع بعض، فقال: ينبغي للأفعال، أن تكون كلها مثالاً واحداً، لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها، لاختلاف أحوال أزمنتها، فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه من لفظ أو حال جاز وقوع بعضها موقع بعض".

стр. 108

قال أبو الفتح: "وهذا كلام من أبي بكر عال سديد، فاعرفه". وأنشد أبو علي في باب "ظننت" وأخواتها. (٢٣) فإنْ تزعميني كنتُ أجهلُ فيكمُ ... فإني شريتُ الحلمَ بعدكِ بالجهلِ هذا البيت لأبي الهذلي. الشاهد فيه وقوع: "كنت أجهل فيكم"، هذه الجملة موقع المفعول الثاني لتزعميني، كما تقول: زعمت زيداً أبوه منطلق. لغة البيت زعمت: بمعنى ظننت، وتكون بمعنى: الكذب، وفي التنزيل (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) . وفيه (فقالوا هذا لله بزعمهم) . وهذا مما يتعدى إلى مفعولين، فأما قول النابغة: زعم الغداف بأنَّ رحلتنا غداً

стр. 109

وقوله: زعم المهامُ بأنَّ فاها باردٌ فقد تكون الباء زائدة كقوله: سودُ المحاجر لا يقرأنَ بالسُّورِ ويحتمل أن تكون، "زعم"، هنا بمعنى: شهد، فعداه كما تتعدى شهد، كقوله تعالى: (وما شهدنا إلا بما علمنا) . ومصدره: زَعْمٌ، وزُعْمٌ، وزِعْمٌ، وزَعَمَ يزعم زعماً وزعامة: إذا ضمن. قال: تقول هلكنا إنْ هلكتَ وإنَّما ... على اللهِ أرزاقُ العباد كما زعمْ

стр. 110

وشريت: من الأضداد، يقال: سريت الشيء شراء: بمعنى بعته وبمعنى اشتريته، قال الله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) . أي: يبيعها، وقال تعالى: (وشره بثمن بخس) . أي: باعوه قال: إنَّا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ ... عنهُ ولا هو بالأبناءِ يشرينا يريد: بعن، وبرد: عبده. ومعنى البيت أنه خاطب محبوبته، يقول: إن زعمت أنني جهلت في حبكم، فصدقت، لأنني بعت حلمي، واشتريت الجهل، فلا أعلم سواكم، ولا أهوى (إلا) ما تهوين، وقال: فيكم: تعظماً لها، وإقامة الوزن.

стр. 111

وقبل البيت: وما أمُّ خشفٍ بالعلايةِ ترتعي ... وترمقُ أحياناً مخاتلةَ الحبلِ بأحسنَ منها يومَ قالتْ تذلُّلاً ... أتصرمُ حبلي، أمْ تدومُ على وصلي فإنْ تزعميني كنتُ أجهلُ فيكمُ ... فإنّي شريتُ الحلمَ بعدكِ بالجهلِ وقال صحابي قدْ غبنتَ وخلتني ... غبنتُ فما أدرى أشكلهم شكلي على أنَّها قالتْ: رأيتُ خويلداً ... تنكرَ حتَّى عادَ أسودَ كالجذلِ وأنشد أبو علي في الباب: (٢٤) أبا الأراجيز يا بن اللَّؤمِ توعدني ... وفي الأراجيزِ خلتُ اللُّؤمُ والخورُ هذا البيت للعين المنقري، واسمه منازل بن ربيعة. وقال صاحب"زهر الأدب": اسمه الحسين بن إبراهيم. يهجو رؤبة بن العجاج، وقيل: يهجو العجاج.

стр. 112

الشاهد فيه إلغاء خلت، لتوسطها، ورفع"اللؤم" بالابتداء، "وبالأراجيز" موضعه رفع، بأنه خبر المبتدأ. لغة البيت توعدني: تهددني، يقال: أوعدته بكذا إيعاداً في الشر. قال: أوعدني بالسِّجنِ والأداهمِ. وقل ابن الأعرابي: أوعدته خيراً، وهو نادر، وأنشد: يبسطني مرَّةً ويوعدني ... فضلاً طريفاً إلى أياديهِ وقال الفراء: وعدته خيراً ووعدته شراً، بغير ألف، فإذا أسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر أوعدته، وفي الخير الوعد والعدة، وفي الشر الإيعاد والوعيد. واللؤم: البخل ودناءة الخلق: خال الشيء، خيلاً وخيلاناً، وخال المال، وعلى الشيء خولاً، تعهده، وأصلحه.

стр. 113

والخور: الضعف والجبن، يقال: خار خوراً، وخار الثور خواراً، صلح. وخار البرد: انكسر. وخار الله لك خيراً: صنعه. والاسم: الخيرة، وخرته: غلبته في المخايرة. معنى البيت أنه يخاطب رؤبة بن العجاج، يقول له: أنت راجز، لا يحسن التقصيد، والتصرف في أنواع الشعر. جعل ذلك دلالة على لؤم طبعه، وخور نفسه، ونقصاه. ويروى هذا البيت: خلتُ اللؤمُ والفشلُ وبعده: إنِّي أنا جلا إنْ كنتَ تنكرني ... يا رؤبَ والحيَّةُ الصماءُ في الجبل ما في الدوائر من رجليَّ منْ عنتِ ... عندَ الرِّهانِ، ولا أكوى من العقلِ كذا أنشده الجاحظ، في كتاب الحيوان، على الإقواء ورواه غيره. وفي الأراجيزِ رأسُ النَّوكِ والفشلِ وأنشد أبو علي في باب أسماء الفاعلين والمفعولين:

стр. 114

(٢٥) سلَّ الهمومَ بكلِّ معطي رأسه ... ناجٍ مخالط صهبةٍ متعيِّسِ هذا البيت للمرار الأسدي. الشاهد فيه إضافة اسم الفاعل وجهة التخفيف، وإن كان بمعنى الاستقبال، مراعاة للاسمية التي هي أصله. ومعناه الانفصال والعمل، ولذلك بقي"معطي رأسه" على نكرته، فوصف بالنكرة التي بعده، والدليل على تنكيره أيضاً دخول"كل" عليه، إذ لا تدخل إلا على النكرات، وكذلك"رب". لغة البيت أراد: بكل بعير معطي رأسه، أي: ذلول، منقاد. والناجي: الريع، والنجاء: السرعة. والصهبة: سواد يضرب إلى الحمرة، وهو نجار الكرم، والعتق. والمتعيس والعيس: الأبيض، وهو أفضل ألوان الإبل.

стр. 115

والعيس: ماء الفحل، وقيل: ضرابه، وظبي أعيس: أي: أبيض وجمعه: عيس. وبعد البيت: مغتالِ أحبلهِ مبينٍ عتقه ... في منكبٍ زبنَ المطيِّ عرندس وأنشد أبو علي في الباب: (٢٦) يوماً تراها كشبهِ أرديةِ ال? ... عصبِ ويوماً أديمها نغلا هذا البيت للأعشى، ميمون بن قيس. الشاهد فيه فصله بين حرف العطف والمعطوف بالظرف ضرورة، فصل بقوله: "يوماً" بين الواو و"أديمها". لغة البيت العصب: من برود اليمن موشاة، يعصب غزلها، ثم يدرج، ثم يصبغ، ثم

стр. 116

يحاك. وليس من برود الرقم ولا يجمع، إنما يقال: برد عَصَبٌ وبرود عَصْبٌ. والعصب أيضاً: الطي والشد. والعصب: جفوف الريق بالفم، قال: يصلِّي على منْ ماتَ منَّا عريفنا ... ويقرأُ حتَّى يعصبَ الرِّيقُ بالفمِ وقال آخر: يعصبُ فاهُ الرِّيق أيَّ عصبِ ... عصبَ الجبابِ بشفاهِ الوطبِ والعصب أيضاً: جمع عصبة، وهو كل شجرة تلتوي على الشجر، ولها ورق ضعيف قال: إنَّ سليمى علّقتْ فؤادي ... تنشُّبَ العصبِ فروعَ الوادي وأديم الأرض، وأدمتها: وجهها. والنغل: الفساد، وأصله في الجلد، يقال: نغل الجلد في الدباغ ينغل، نغلاً، فهو نغل. ومعنى البيت مفهوم . يقول: يوماً ترى الأرض بالنور والنبات كأردية العصب، ويوماً تراها مختلفة سوداء مغبرة، كالجلد النغل.

стр. 117

الإعراب قد تقدم موضع الشاهد من البيت، وقد جاء في الكتاب العزيز، (فبشرناها باسحق، ومن وراء اسحق يعقوب) . في قراءة من جعل "يعقوب" في موضع جر، وعليه تلقاه القوم، من أنه مجرور الموضع، والآية أصعب مأخذاً من البيت، من قبل أن حرف العطف في الآية ناب عن الجار الذي هو الباء في قوله: "بإسحاق" وأقوى أحوال حرف العطف، أن يكون في قوة العامل قبله، وأن يلي من العمل ما كان الأول يليه. والجار لا يجوز فصله من مجروره. وهو في الآية، قد فصل بين الواو ويعقوب، بقوله: (ومن وراء إسحاق) . وقلنا إن الفصل بين الجار والمجرور لا يجوز، وهو أقبح منه بين المضاف والمضاف إليه، وقال الشاعر:

стр. 118

فلو كنتَ في خلقاءَ أو رأسِ شاهقٍ ... وليسَ إلى منها النزول سبيلُ ففصل بين الجار والمجرور بالظرف، الذي هو"منها" وليس كذلك حرف العطف في قوله: "ويوماً أديمها نغلا"، لأنه عطف على الناصب، الذي هو "ترى" فكأن "الواو" أيضاً ناصبة، والفصل بين الناصب ومنصوبه، ليس كالفصل بين الجار ومجروره، وإذا جاء بين لجار ومجروره، كان بين الناصب ومنصوبه أسهل. ويحتمل في الآية، أن يكون "يعقوب" في موضع نصب، بفعل مضمر، دل عليه قوله: (فبشرناها بإسحق) ، والمعنى: آتيناها يعقوب، فإذا كان هذا، لم يكن فيه فصل. وقد جاء في الشعر، الفصل بين المعطوف، والمعطوف عليه، فمن ذلك قول لبيد: فصلقنا في مرادٍ صلقةً ... وصداءٍ ألحقتهمْ باالثَّللْ ففصل "بصلقة" بين "مراد" وصداء، وفصل" بصداء" بين "صلقة" وصفتها، وقال الآخر: ولقدْ نهيتكَ أنْ تكلِّفَ نائباً ... منْ دونه فوتٌ إليكَ ومطلبُ ففصل "بإليك" بين"فوت ومطلب". قال أبو الفتح، عثمان بن جني: "وإذا جاز الفصل بين المفردين، كان بين

стр. 119

الجملتين أجود، لاستقلال كل واحد منهما بنفسها، وحاجة المفرد إلى غيره". وقبل البيت: الأرضُ حمَّالةٌ لما حملَ الل ... له فما إن يردّ ما حملا والهاء في"تراها" راجعة إلى الأرض، فاعلمه. وأنشد أبو علي في الباب: (٢٧) الحافظو عورةَ العشيرةِ لا ... يأتيهم منْ ورائنا وكفُ هذا البيت لقيس بن الخطيم، ويقال: لعمرو بن امرؤ القيس بن ثعلبة الخزرجي. الشاهد فيه حذف النون من "الحافظين" تخفيفاً، لطول الاسم، ونصب ما بعده، على تقدير: ثبات النون، والخفض جيد، وكلاهما عربي.

стр. 120

ومما حذفت فيه النون تخفيفاً، بطول الاسم بالصلة، قول غياث بن غوث: أبني كليبٍ إنَّ عمَّي اللَّذا ... قتلا الملوكَ وفككا الأغلالا وقال الأشهب بن رميلة: إنَّ الذي حانتْ بفلجٍ دماؤهمْ ... همُ القومُ كلُ القومِ يا أمَّ خالد أراد: الذين، فحذف النون. لغة البيت العورة هنا: المكان الذي يخاف منه العدو. والعورة: كل أمر يستحيا منه، والعورة: الخلل في الثغر ونحوه، وقد يوصف به منكوراً، فيكون للواحد، والاثنين، والجميع، بلفظ واحد وفي التنزيل: (إن بيتنا عورة) فأفرد الوصف، والموصوف جمع. والعورة أيضاً: كل ممكن للستر، والعورة: الساعة التي هي قمن من ظهور العورة (فيها) وهي ثلاث ساعات، ساعة قبل طلوع الفجر، وساعة عند نصف النهار، وساعة بعد العشاء الآخر. وفي التنزيل (ثلاث عورات لكم) أمر الله تعالى الولدان، والخدم ألا

стр. 121

يدخلوا في هذه الساعات، إلا بتسليم منهم، واستئذان. والعشيرة: القبيلة، وقيل: عشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون. والجمع: عشائر. قال أبو علي: قال أبو الحسن: ولم يجمع جمع سلامة، لم يقولوا: عشيرات. وقرأ أبو بكر، عن عاصم في السبع (وعشيراتكم) في سورة براءة وهو مما يرد قول أبي الحسن. والوكف: الإثم، وقيل: العيب، ويروى: "نطف": وهو الذنب، وقيل: النطف: اللطخ بالعيب. والنطف: اللؤلؤ الصافي. معنى البيت وصف بأنهم يحفظون عورة عشرتهم، إذا انهزموا، وبحمونها من عدوهم. وقبل البيت: أبلعْ بني جحجبى وقومهم ... خطمةَ أنَّا وراءهم أنفُ وأنَّنا دونَ ما يسومهم الأع ... داءُ منْ ضيمِ خطَّةٍ نكفُ

стр. 122

وبعده: إنَّ سميراً أبتْ عشيرته ... أن يغرموا فوق حق ما يطفُ نحنُ بما عندنا وأنتَ بما ... عندك راضٍ والرَّأيُ مختلفُ وأنشد أبو علي في باب المصادر التي أعملت عمل الفعل. (٢٨) فولا رجاءُ النَّصرِ منكَ ورهبةٌ ... عقابكَ قدْ صاروا لنا كالمواردِ قائل هذا البيت مجهول. الشاهد فيه إعمال المصدر منوناً فيما بعده، وهو قوله: "ورهبة عقابك" على معنى: وأن نرهب عقابك، ومثله قول الآخر: أخذتُ بسجلهم فنفختُ فيه ... محافظةً لهنَّ أخا الذِّمامِ وقول الآخر: بضربٍ بالسَّيوفِ رؤوسَ قومٍ ... أزلنا هامهنَّ عنِ المقيلِ

стр. 123

لغة البيت العقاب: مصدر عاقبته بذنبه معاقبة، وعقاباً، إذا أخذته به، والاسم: العقوبة. معنى البيت يقول: لولا رجاؤنا نصرك، إيانا عليهم، ولولا رهبتنا لعابك، إن انتصفنا منهم بأيدينا، لأذللناهم، ووطئناهم كما توطأ الموارد، وهي الطرق إلى المياه، وخصها لأنها أعم الطرق. وأنشد أبو علي في الباب: (٢٩) أمنْ رسمِ دارٍ مربعٌ مصيفُ ... لعينيكَ منْ ماءِ الشؤونِ وكيفُ هذا البيت للحطيئة، واسمه جرول، ويكنى أبا ملكية. الشاهد فيه إضافة المصدر، الذي هو"رسم" إلى المفعول ومعه الفاعل، وتقديره: أمن أجل أن رسم داراً مربع ومصيف. لغة البيت الرسم هنا: بقية الأثر، والرسم: الركية، تحفرها، ثم تدعها، فتندفن من قبل أن تستنبطها، وجمعها: الرسام.

стр. 124

والمربع: زمن الربيع، والمصيف: المنزل في الصيف والمصيف: زمن الصيف. ويحتمل أن يكون المصدر من صاف، يصيف، والمربع أيضاً: الموضع الذي يرتبع فيه. والشؤون هنا: عروق الدمع. والشؤون أيضاً: تمائم في الجمجمة، واحدها: شأن. والشؤون أيضاً: الأمور، واحدها: شأن. قال: أخو خمسينَ مجتمع أشدِّي ... ونجَّذني مداورة الشؤون وقوله"وكيف" أي: سائل، يقال: وكف المطر والدمع والبيت، وكوفاً، ووكيفاً، ووكافاً، وأوكف أيضاً. وبعده: تذكَّرتُ فيها أهلها فتبادرتْ ... دموعٌ وأصحابي عليَّ وقوفُ رشاشٌ كغربيْ هاجريٍّ كلاهما ... له داجنٌ بالكرَّتينِ عليفُ يمدح بهذه القصيدة سعيد بن العاصي، لما ولي الكوفة، وفي مدحه يقول: إليكَ سعيدَ الخيرِ مهامهاً ... يقابلني آلٌ بها وتنوفُ

стр. 125

وأنشد أبو علي في الباب: (٣٠) قدْ كنتُ داينتُ بها حسَّانا مخافةَ الإفلاسِ واللَّيانا يحسنُ بيع الأصل والقيانا هي لزياد العنبري، ورويت لرؤبة. الشاهد فيه نصب "الليانا" حملاً على موضع "الأصل" لأن المصدر إذا أضيف إلى المفعول، جاز في المعطوف الحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى، والتقدير فيه: داينت لأجل أن خفت الإفلاس والليانا، والتقدير في الثاني: يحسن أن يبيع الأصل والقيانا. ويجوز أن ينتصب "الليانا" على وجهين غير الأول. ويجوز أن ينتصب على تقدير: ومخافة الليان، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. ويجوز أن ينتصب على تقدير: ولليان، فلما أسقط الخافض انتصب بالفعل، فيكون مفعولاً.

стр. 126

لغة البيت داينت: بعت بالدين هنا، ودان الرجل ديناً: أخذ بالدين. ودان أيضاً: كثر دينه، قال: قالتْ أمامهُ ما لجسمكَ شاحباً ... وأراكَ ذا همٍّ ولستَ بدائنِ ودنته: أقرضته، وأيضاً: استقرضت منه، وأدان الرجل: عامل بالدائن. وقال أبو ذؤيب: أدانَ وأنبأهُ الأولونَ ... بأنّ المدان مليُ وفي والليان: مصدر لويته بالدين ليا، وليانا، إذا مطلته، وهذا مثال قليل في المصادر، لم يأت إلا في هذا، وفي قولهم: شنئته، شنآناً فيمن اسكن النون. والقيان: جمع قينة، وهي الأمة مغنية، وقيل: القينة: المغنية خاصة، وقيل: القينة من النساء: البيضاء الوضيئة، والقينة أيضاً: فقرة بين الوركين. وأنشد أبو علي في الباب: (٣١) حتَّى تهجَّرَ في الَّرواحِ وهاجهُ ... طلبُ المعقِّبِ حقَّه المظلومُ

стр. 127

هذا البيت للبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر، وكنيته أبو عقيل. الشاهد فيه وصف "المعقب" على الموضع، بقوله: "المظلوم" لما كان "المعقب" في المعنى فاعلاً، ومثله قول بعض الهذليين. السَّالكُ الثُّغرةَ اليقظان كالئها ... مشيَ الهلوكِ عليهِ الخيعلُ الفضلُ فا "لفضل" صفة "للهلوك" على الموضع، لأن "الهلوك" فاعل. لغة البيت تهجر: دخل في الهاجرة وهو نصف النهار. والرواح: من لدن زوال الشمس إلى الليل. والمعقب: الذي يتبع عقب الإنسان في حق، وهو الذي يرجع في حقه بعدما تركه. معنى البيت يصف حماراً وأتانا تقدمها إلى الماء، شبه به ناقته. وقبل البيت: لولا تسلِّيكَ اللَّبانةَ حرةٌ ... حرجٌ كأحناءِ الغبيطِ عقيمُ

стр. 128

حرفٌ أَضرَّ بها السّفارُ كأنها ... بعدَ الكلالِ مسدَّمٌ محجومُ أو مسحلٌ شنجٌ عضادةَ سمحجٍ ... بسراتها ندب له وكلومُ جونٌ بصارةَ أقفرتْ لمرادهِ ... وخلالهُ السُّوبانُ فالبرعومُ وتصيّفا بعدَ الرَّبيعِ وأحنقا ... وعلاهما موقودهُ المسمومُ منْ كلِّ أبطحَ يخفيان غميرهُ ... أو يرتعانِ فبارضٌ وجميمُ حتَّى إذا انجردَ النَّسيلُ كأنَّهُ ... زغبٌ يطيرُ وكرسفٌ مجلومُ ظلَّتْ تخالجهُ، وظلَّ يحوطها ... طوراً ويربأُ حولها ويحومُ يوفي ويرتقبُ النَّحادَ كأنَّهُ ... ذو إربةٍ كلَّ المرامِ يرومُ حتَّى تهجَّرَ في الرَّواح وهاجهُ ... طلبُ المعقّبِ حقَّهُ المظلومُ الإعراب نصب "طلب المعقب"، على المصدر المشبه بهن أي: يطلب الماء طلباً، مثل طلب المعقب حقه.

стр. 129

ويجوز أن ينتصب على المفعول له. أي: وهاجها لطلب الماء. ومن رفع جعله فاعلاً "لهاجه"على الاتساع والتشبيه، أي: وهاجه طلب الماء، كطلب المعقب، والنصب الوجه. ويجوز عند أبي علي، أن يرتفع "المظلوم" بقوله "حقه"، جعله فعلاً ماضياً، والضمير فيه، مفعول. وقيل: "المظلوم"بدل من الضمير في المعقب. ويروى: "وهاجها" أي، وهاج العير الأتان، ويروي: "وهاجه" أي: هاج العير طلب الماء. وأنشد أبو علي في الباب: (٣١) ضعيفُ النِّكاية أعداءهُ ... يخالُ الفرارَ يراخي الأجل قائل هذا البيت مجهول، وذكر أنه مصنوع. الشاهد فيه إعمال المصدر، وفيه الألف واللام، وهو قوله: "النكاية" نصب به"أعداءه" لمنع الألف واللام من الإضافة، ومعاقبتهما التنوين، ومثله قول الآخر: ولا تحسبنَّ القتلَ محضاً شريتهُ ... نزاراً ولا أنَّ النفوس استقرتِ

стр. 130

أي: ولا تحسبن القتل نزاراً محضاً شريته، ففيه التقديم والتأخير، ولا يفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي، وهو المفعول الثاني، "لتحسبن" ويحتمل أن ينتصب قوله: "نزاراً" بفعل مضمر يدل عليه "القتل"، أي قتلت نزاراً، ولا شاهد فيه على هذا. لغة البيت النكاية: الإيقاع بالعدو، ويقال: نكاه، ينكيه، نكاية. والأعداء: جمع عدو، الذي هو ضد الصديق، ويقع للواحد، والاثنين، والجميع، والأنثى والذكر، بلفظ واحد، وفي التنزيل: (فإنهم عدو لي) . قال سيبويه: عدو وصف، ولكنه ضارع الاسم، وقد يثنى ويجمع قال سيبويه: "ولم يكسر على "فُعُلٍ" وإن كان كصبور، كراهية الاعتلال والإخلال. ولم يكسر على "فِعْلانٍ" كراهية الكسر قبل الواو، لأن الساكن ليس بحاجز حصين". والأعادي: جمع الجمع، والعِدى، والعُدى: اسمان للجمع. وقالو: في جمع عدوة: عدايا، ولم يسمع في الشعر. والضعيف: خلاف القوي، ويقال: ضعف ضعفاً، وضَعَفَ، الفتح عن اللحياني، فهو ضعيف، والجمع: ضعفاء، وضعفى، وضعاف، وضعفة وضعافى، قال: ترى الشيوخَ الضعافى حولَ جفنتهِ ... وتحتهمْ منْ جحاني دردقٍ شرعهْ ونسوة: ضعيفات، وضعائف، وضعاف، قال:

стр. 131

لقدْ زادَ الحياةَ إليّ حبّاً ... بناتيَ إنهَّنَّ من الضِّعافِ ويخال: يظن، خيلاً، وخيلاناً، وهو"فَعِلُ يَفْعَلُ". والتراخي: التأخير. معنى البيت يهجو رجلاً ويصفه بالضعف، عن نكاية أعدائه، وأنه يلجأ إلى الفرار ويظنه يؤخر أجله. الإعراب من النحويين من ينكر إعمال المصدر وفيه الألف واللام، لخروجه عن شبه الفعل، فينتصب ما بعده بإضمار مصدر منكور منون، ويقدره ضعيف النكاية، نكاية إعداءه، وهذا يلزمه مع التنوبن المصدر، لأن الفعل لا ينون، فقد خرج المصدر عن شبهه بالتنوين، فينبغي على هذا المذهب ألا يضعف عمله. قال أبو علي: "إنما ضعف عمله، لأنه عرف تعريفاً لا ينوي به الانفصال،

стр. 132

ولم يتصل باسم يقوم مقام الفاعل، كاتصال المصدر المضاف، فقد باين الفعل، ألا ترى أن المصدر المعرف بالإضافة، قد ينوي بإضافته الانفصال، كما ينوي باسم الفاعل في نحو: هذا ضارب زيد غداً، فصار المصدر المضاف إليه شبيهاً ونظيراً يحمل عليه، ولا نظر لمصدر عرف بالألف واللام، يحمل عليه في شبهه، ويرد إليه" وأنشد أبو علي في الباب: (٣٣) لقدْ علمتْ أولي المغيرةِ أنَّني ... لحقتُ، فلمْ أنكلْ عن الضَّربِ مسمعا هذا البيت للمرار الأسدي، ونسبه الجرمي إلى مالك بن زغبة الباهلي. الشاهد فيه نصب"مسمع" بالضرب كالبيت الذي قبله. ويجوز أن ينتصب "بلحقت" على إعمال الأول، ويكون التقدير: لحقت مسمعاً، فلم أنكل عن الضرب إياه، لكنه حذفه، لأن المصادر يحذفها الفاعل والمفعول، ولا يجوز الحذف في الأفعال. والسيرافي أجاز حذف مثل هذا من الأفعال، ول يجز أبو علي في رواية

стр. 133

من روى "ككرت" أن يكون "مسمعاً" نصباً "بكررت" بإسقاط حرف الجر، لوجود المندوحة دونه، ولفقدان الضرورة الداعية إليه. لغة البيت المغيرة: الخيل المغيرة، يقال: أغارت الخيل على العدو، إغارة بمعنى: أسرعت. معنى البيت يقول: لقد علمت أولى الخيل، أنني تقدمت، حتى لحقت، فلم أجبن عن الضرب مسمعاً، وهذا هو مسمع بن مالك الشيباني، سيد ربيعة بالعراق. وبعد البيت: وإنِّي لأعدي الخيلَ تعثرُ بالقنا ... حفاظاً على المولى الحريز ليمنعا ونحنُ جلبنا الخيلَ منْ سروِ حميرٍ ... إلى أنْ وطئنا أرضَ حميرَ نزَّعا وأنشد أبو علي في الباب: (٣٤) كأنَّهُ واضحُ الأقربِ في لقحٍ ... أسمى بهنَّ وعزَّته الأناصيلُ

стр. 134

هذا البيت للأخطل، واسمه غياث بن غوث، ويكنى أبا مالك. الشاهد فيه قوله "وعزته" أراد: وعزت عليه، فحذف حرف الجر، فوصل الفعل، فنصب، ومثله قوله تعالى: (لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم) وقول الشاعر: تحنُ فتبدي ما بها من صبابةِ ... وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني أي، لقضى علي، وهو كثير. ويجوز أن يكون معنى"عزته" غلبته، كقول زهير: وعزَّته يداه وكاهله فعلى هذا لا شاهد له في البيت. لغة البيت واضح الأقراب: حمار أبيض الأخصار. واللقح: جمع لقوح، وهي الحلوب، واللقح: جمع لقحة ككسرة وكسر وهي

стр. 135

والأناصيل: جمع أنصل، وأنصل: جمع نصال، فهو جمع الجمع، وأدخل الياء ضرورة. وقيل: هي جمع أنصول، وهو شلوك البهمى، والبهمى للواحد والجميع. وأسمى: أتى السماوة، وهي سماوة كلب، وهو ماء بالبادية. معنى البيت وصف بعيراًن فقال: كأنه في نشاطه، وقوته، حمار واضح الأقراب غلبه رعي السقا، لأنه كالنصل، يوجع أنفه، ومشافره. وقال: أسمى، كما يقال: أمنى الرجل، إذا أتى مني، وأنجد وأغار، إذا أتى نجداً والغور. قال الأعشى: نبيٌّ يرى ما لا ترونَ وذكرهُ ... (أغار لعمري) في البلادِ وأنجدا وكما يقال: أجلس الرجل، إذا أتى الجلس، وهو ما ارتفع عن الغور، قال الشاعر: إذا ما جلسنا لا تزالُ ترومنا ... سليمٌ لدى أبياتنا وهوازنُ وقال آخر: إذا أمُّ سرياحٍ غدتْ في ظعائنٍ ... جوالسَ نجداً كادت العينُ تدمعُ وقيل: إنه يصف ناقته.

стр. 136

وقيل البيت ما يدل عليه: فسلَّها بأمونٍ اللَّيلِ ناجيةٍ ... فيها هبابٌ إذا كلَّ المراسيلُ قنواءَ نضاخةِ الذفرى مفرَّجةٍ ... مرفقها عن ضلوعِ الزّورِ مفتولُ تسمو كأنَّ شراراً بينَ أذرعها ... منْ ناسفِ المروِ منضوحٌ ومنجولُ كأنَّه واضح......... البيت وأنشد أبو علي في باب الأسماء التي سميت بها الأفعال. (٣٥) أعيَّاش قدْ ذاقَ القيونُ مرارتي ... وأوقدتْ ناري فادنُ دونكَ فاصطلي هذا البيت لجرير يهجو الفرزدق، وعياش بن الزبرقان، وهو ابن عمة الفرزدق. الشاهد فيه قوله: "دونك" وهي من الأسماء التي سميت بها الأفعال وموضع هذه الأسماء في الكلام الأمر والنهي، وهي على أربعة أضرب: مفردة، ومضافة، وحروف جر، ومعرفة بالألف والام. فما كان منها معنى فعل متعد، فهو يتعدى، وما كان منها في معنى ما لا يتعدى فهو غير متعد.

стр. 137

فالضرب الأول: المفرد ينقسم قسمين: متعد، وغير متعد. فالمتعدي: نحو"هلم"زيداً، اسم ائت زيداً. وقال الخليل: هي مركبة، وأصلها عنده: "ها" للتنبيه، ثم قال: "لم" أي: لم بناء، ثم ذكر كثر استعمالها، فحذفت الألف تخفيفاً، و"اللام" بعدها، وإن كانت متحركة، فإنها في حكم السكون، ألا ترى أن الأصل، وأقوى اللغتين، وهي الحجازية، إنما تقول: "إلمم"، فلما كانت "لام" "هلم" في تقدير السكون، حفت ألف "ها" كما تحذف لالتقاء الساكنين، فصارت "هلم". وقال الفراء: أصلها "هل" زجر وحث، ودخلت عليها "أم"، كأنها كانت هل أم، أي: اعجل وأقصد. وأنكر أبو علي الفارسي ذلك وقال: لا مدخل هنا للاستفهام. قال أبو الفتح: هذا لا يلزم الفراء، لأنه لم يدع أن "هل" ها هنا حرف استفهام وإنما هي عنده زجر وهي التي في قوله: ولقدْ يسمعُ قولي حيَّ هلْ قال الفراء: فألزمت: حذف الهمزة في "أم"، للتخفيف، فقيل: (هلم) . فالحجازيون يدعونها على حالة واحدة، للواحد والاثنين، والجماعة، قال الله تعالى:

стр. 138

(والقائلين لإخوانهم هل إلينا) . وقال الراجز: يا أيُّها النَّاس ألا هلمَّه وبنو تميم يقولون: هلم لواحد، وللاثنين هلما، وللجميع هلموا، وللمؤنث هلمي، وللنساء هلممن. ومنها "رويدك" زيداً، اسم لأمهل، وأرود، والكاف لا موضع لها من الإعراب، إنما هي حرف خطاب ورويد زيداً، قال: رويدَ عليّاً جدُّ ما ثديُ أمهم ... إلينا ولكن بغضهم متماينُ ومنها "حيهل" اسم للاستدعاء وتستعمل متعدية، وغير متعدية، مثل"هلم" تقول: حيهل الثريد، بمعنى إئت الثريد، وبمعنى: تعال، فلا تعدية، ويستعمل"هل" بغير "حي" قال النابغة الجعدي: ألا حيَّيا ليلى وقولا لها هلا وتستعمل "حي" بغير "هل" في الأذان، وتعدى "بعلى"، كقولهم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وبعضهم يقول: حي هلا الصلاة. ومثلها "تراكها ومناعها" بمعنى أتركها، ومنعها قال الراجز:

стр. 139

تركها منْ إبلٍ تراكها وقال: مناعها منْ إبلٍ مناعها والقسم الثاني: الذي لا يتعدى، نحو: "صه صهْ" اسم: اسكت و"صه صه": اسم: اكفف، و"إيه" وأخواتها. الضرب الثاني: وهي الأسماء المضافة، وهي أيضاً تنقسم قسمين: متعدية، وغير متعدية. فأما متعدية: فنحو: "دونك" زيداً، اسم لخذه، و"عندك" زيداً، و"حذرك" زيداً، اسم لا تقرب زيداً، فهي نهي، وكذلك، "حذارك" زيداً. وأما ما لا يتعدى: فنحو: "مكانك" اسم لا ثبت. قال: مكانكِ تحمدى أو تستريحى و"بعدك" زيداً، اسم تأخر، فهذا أمر، و"فرطك" زيداً، اسم تقدم، و"أمامك" و"وراءك". الضرب الثالث: ما جاء مع حرف الجر، نحو"عليك" زيداً، اسم خذه، و"إليك": اسم تنح.

стр. 140

الضرب الرابع: نحو: ما عرف بالألف واللام، تحو: "النجاءك" اسم أنج. وإنما بنيت هذه الأسماء، لتضمنها معنى لام الأمر. ألا ترى أن "صه" بمعنى: اسكت، وأن أصل: اسكت: لتسكت كما أن أصل قم: لتقم. فلما تضمنت هذه معنى لام الأمر شابهت الحرف، فبنيت. واعلم أنه لا يجوز أن تقول "صه" فتسلم، واكفف فتستريح، وذلك أنك إذا جئت بالفاء، فإنما تنصب، لتصورك في الأول معنى المصدر، وإنما يصح لك ذلك، باستدلالك عليهن بلفظ فعله، ألا ترى أنك لو قلت: زرني فأكرمك، فإنك إنما تنصبه، لأنك إنما تصورت فيه معنى، لتكن منك زيارة، فإكرام مني، فزرني دل على الزيارة، لأه من لفظه. فدل الفعل على مصدره. وليس كذلك "صه"، لأنه ليس من الفعل في قبيل ولا دبير، وإنما هو صوت واقع موقع حروف الفعل. فلما لم تكن "صه" فعلاً ولا من لفظه، قبح أن تستنبط منه معنى المصدر. فإن قيل: فقد تقول: أين بيتك فأزورك؟ فتعطف بالفعل المنصوب، وليس قبله فعل، ولا مصدر. قيل هذا محمول على معناه، لأن معنى: أين بيتك؟ أخبرني، أي: ليكن منك تعريف فزيارة مني. فإن قيل: فهلا جاز: صه فتسلم لأنه محمول على معناه، أي: ليكن منك سكوت فاستراحة.

стр. 141

قيل: يفسد هذا من قبل أن "صه" لفظ، قد انصرف إليه عن لفظ الفعل، الذي هو "اسكت"، وترك، ورفض من أجله، فلو ذهبت تعاوده، أو تتصور مصدره، لكانت تلك معاودة له، ورجوعاً إليه، بعد الإبعاد عنه، والتحامي للفظه. فإن قيل: فما الفائدة في تسمية هذه الأفعال، بهذ الأسماء؟ فالجواب عن ذلك، من ثلاثة أوجه: أحدها: الاتساع في اللغة، ألا تراك لو احتجت في قافية إلى قولك: قدنا إلى الشَّام جيادَ المصرين لأمكنك أن تجعل إحدى قوافيها "دهدرين"، ولو جعلت هناك ما هذا اسمه، لفسد، وهذا واضح. والثاني: للمبالغة وذلك أنك في المبالغة، لا بد أن تترك موضعاً لموضع، إما لفظاً إلى لفظ، وإما جنساً إلى جنس. فاللفظ "عراض"، فهذا قد تركت إليه لفظ "عريض"، فعراض أبلغ إذ من عريض، وكذلك، رجل حسان، ووضاء أبلغ إذن من حسن، ووضئ، فإذا أريد بالفعل المبالغة في معناه، اخرج عن لفظه، ومعتاد حاله، من التصرف، فمنعه، وذلك نعم وبئس، وفعل التعجب. والثالث: ما في ذلك من الاختصار، وذلك أنك تقول: للواحد صه، وللاثنين صه، وللجماعة صه، وللمؤنث صه، ولو أردت المثال نفسه، لوجب فيه، التثنية، والجمع، والتأنيث. فلما اجتمع في تسمية هذه الأفعال ما ذكرنا، من الاتساع، والاختصار

стр. 142

والمبالغة، عدلوا إليها، وأذكر في البيت الذي يلي هذا، الأسماء التي سميت بها الأفعال في الخبر إن شاء الله. معنى البيت قوله"قد ذاق القيون مرارتي" أي: شدة كلامي، وفظاعة هجائي، وقوة عارضتي، والقيون: رهط الفرزدق ألا ترى إل قول جرير أيضاً: تصفُ السُّيوفَ وغيركم يعصى بها ... يا بن القيونِ وذاكَ فعلُ الصَّقل ويحتمل أن يريد: بالقيون مهاجيه، ويدل عليه قوله: ولمَّا اتَّقى القينُ العراقيُّ بإستهِ ... فرغتُ إلى القينِ المقيَّدِ في الحجلِ يعني البعيث والفرزدقن، حين قيد نفسه، وحلف ألا يزول منه، أو يحفظ القرآن، وقصته مع عياش بن الزبر مشهورة. وقوله: "وأوقدت ناري"، أي: تهيأت للهجاء والقول، فاستعارها لغة في وصف كلامه. ثم قال: "فادن" فأمره بالدنو، ثم قال: "دونك" أي: خذه من قرب، فأمره بالتناول. وقيل: دونك "تأكيد لقوله: "فادن" أو بدل منه، ثم قال: "فاصطلي" أمر

стр. 143

ثالث بمباشرة النار، التي هي الهجاء، والياء التي في قوله: "فاصطلي" ياء الإطلاق التي تلحق القوافي، لأن لام الفعل قد سقطت للجزم. قال أبو عبيدة: لما بلغ عياش بن الزبرقان قول جرير هذا: إني إذن لمقرور. وعياش هذا، هو ابن عمة الفرزدق، وأمه هنيدة بنت صعصعة وتسمى"ذات الخمار" لقولها: من جاء من نساء العرب بأربعة، يحل لها تضع خمارها عندهم كأربعتي فلها صرمتي، أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع وزوجي الزبرقان. وهذا البيت من قصيدة أولها: أمنْ عهد ذي عهدٍ تفيضُ مدامعي ... كأنَّ قذى العينينِ حبُّ قرنفلِ منِ البيضِ لمْ تظعنْ بفيدَ، ولمْ تطأْ ... على الأرض إلا نيرَ مرطٍ مرجَّلِ

стр. 144

وأنشد أبو علي في الباب: (٣٦) فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهله ... وهيهات خلُّ بالعقيق نواصله هذا البيت لجرير، يهجو الفرزدق، ويمدح عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك بن مروان. الشاهد فيه "هيهات" وهو اسم لبعد، وهو أحد الأسماء التي يسمى بها الفعل في الخبر. وفيه لغات، هيهاةَ، هيهاةً، هيهاتِ، هيهاتٍ، أيهاتَ، أيهاتاً، أيهاتِ، أيهاتٍ، أيهاتَ، أيهى. فمن فتح كتبها بالهاء، لأنها واحدة، لأنها واحدة، كأرطأة، وعلقاة. ومن كسر كتبها بالتاء، لأنها جماعة"هيهات".

стр. 145

ومن نون، اعتقد تنكيرها، وتصور معنى المصدر النكرة، كأنه قال: بعداً بعداً، ومن لم ينون، اعتقد تعريفها، وتصور معنى المصدر المعرفة، كأنه قال: البعد، فجعل التنوين دليل التنكير، وعدمه دليل التعريف. و"هيهاة" من ذوات الأربعة المضعفة من الياء، من باب حاحيت، وصيصية، وأصلها بوزن "القلقلة" و"الحقحقة"، فانقلبت الياء ألفاً، لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصارت "هيهاة"، "كالسلقاة"، و"الجعباة"، وإن كانت الياء التي انقلبت عنها ألف "سلقاة"، و"جعباة"، زائدة وياء "هيهية" أصلاً، فلما جمعت، كان قياسها على قولهم: "أرطبات" "وعلقيات" أن "يقولوا فيها هيهات، إلا أنهم حذفوا هذه الألف، لالتقاء الساكنين، لما كانت في آخر اسم مبني، كما حذفوها في ذان، واللتان، وتان، ليفصلوا بين الألفات في أواخر المبنية، واللفات في أواخر المتمكنة، على هذا حذفوها في أولات، وذوات، لتخالف ياء "حصيات" "ونويات". والاسم بغدها يرتفع علة حد ارتفاع الفاعل بفعله، قال: هيهاتَ منزلنا بنعفِ سويقةٍ ... كانتْ مباركةً على الأيامِ وقال: هيهاتَ ناسُ منْ أناسِ ديارهم ... دفاقٌ ودارُ الآخرينَ الأوائنُ
следующие страницы →