← Язык

Язык · id 9250

إيضاح شواهد الإيضاح

أبو علي القيسي

Полный текст (856 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قيل: يفسد هذا من قبل أن "صه" لفظ، قد انصرف إليه عن لفظ الفعل، الذي هو "اسكت"، وترك، ورفض من أجله، فلو ذهبت تعاوده، أو تتصور مصدره، لكانت تلك معاودة له، ورجوعاً إليه، بعد الإبعاد عنه، والتحامي للفظه. فإن قيل: فما الفائدة في تسمية هذه الأفعال، بهذ الأسماء؟ فالجواب عن ذلك، من ثلاثة أوجه: أحدها: الاتساع في اللغة، ألا تراك لو احتجت في قافية إلى قولك: قدنا إلى الشَّام جيادَ المصرين لأمكنك أن تجعل إحدى قوافيها "دهدرين"، ولو جعلت هناك ما هذا اسمه، لفسد، وهذا واضح. والثاني: للمبالغة وذلك أنك في المبالغة، لا بد أن تترك موضعاً لموضع، إما لفظاً إلى لفظ، وإما جنساً إلى جنس. فاللفظ "عراض"، فهذا قد تركت إليه لفظ "عريض"، فعراض أبلغ إذ من عريض، وكذلك، رجل حسان، ووضاء أبلغ إذن من حسن، ووضئ، فإذا أريد بالفعل المبالغة في معناه، اخرج عن لفظه، ومعتاد حاله، من التصرف، فمنعه، وذلك نعم وبئس، وفعل التعجب. والثالث: ما في ذلك من الاختصار، وذلك أنك تقول: للواحد صه، وللاثنين صه، وللجماعة صه، وللمؤنث صه، ولو أردت المثال نفسه، لوجب فيه، التثنية، والجمع، والتأنيث. فلما اجتمع في تسمية هذه الأفعال ما ذكرنا، من الاتساع، والاختصار

стр. 142

والمبالغة، عدلوا إليها، وأذكر في البيت الذي يلي هذا، الأسماء التي سميت بها الأفعال في الخبر إن شاء الله. معنى البيت قوله"قد ذاق القيون مرارتي" أي: شدة كلامي، وفظاعة هجائي، وقوة عارضتي، والقيون: رهط الفرزدق ألا ترى إل قول جرير أيضاً: تصفُ السُّيوفَ وغيركم يعصى بها ... يا بن القيونِ وذاكَ فعلُ الصَّقل ويحتمل أن يريد: بالقيون مهاجيه، ويدل عليه قوله: ولمَّا اتَّقى القينُ العراقيُّ بإستهِ ... فرغتُ إلى القينِ المقيَّدِ في الحجلِ يعني البعيث والفرزدقن، حين قيد نفسه، وحلف ألا يزول منه، أو يحفظ القرآن، وقصته مع عياش بن الزبر مشهورة. وقوله: "وأوقدت ناري"، أي: تهيأت للهجاء والقول، فاستعارها لغة في وصف كلامه. ثم قال: "فادن" فأمره بالدنو، ثم قال: "دونك" أي: خذه من قرب، فأمره بالتناول. وقيل: دونك "تأكيد لقوله: "فادن" أو بدل منه، ثم قال: "فاصطلي" أمر

стр. 143

ثالث بمباشرة النار، التي هي الهجاء، والياء التي في قوله: "فاصطلي" ياء الإطلاق التي تلحق القوافي، لأن لام الفعل قد سقطت للجزم. قال أبو عبيدة: لما بلغ عياش بن الزبرقان قول جرير هذا: إني إذن لمقرور. وعياش هذا، هو ابن عمة الفرزدق، وأمه هنيدة بنت صعصعة وتسمى"ذات الخمار" لقولها: من جاء من نساء العرب بأربعة، يحل لها تضع خمارها عندهم كأربعتي فلها صرمتي، أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع وزوجي الزبرقان. وهذا البيت من قصيدة أولها: أمنْ عهد ذي عهدٍ تفيضُ مدامعي ... كأنَّ قذى العينينِ حبُّ قرنفلِ منِ البيضِ لمْ تظعنْ بفيدَ، ولمْ تطأْ ... على الأرض إلا نيرَ مرطٍ مرجَّلِ

стр. 144

وأنشد أبو علي في الباب: (٣٦) فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهله ... وهيهات خلُّ بالعقيق نواصله هذا البيت لجرير، يهجو الفرزدق، ويمدح عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك بن مروان. الشاهد فيه "هيهات" وهو اسم لبعد، وهو أحد الأسماء التي يسمى بها الفعل في الخبر. وفيه لغات، هيهاةَ، هيهاةً، هيهاتِ، هيهاتٍ، أيهاتَ، أيهاتاً، أيهاتِ، أيهاتٍ، أيهاتَ، أيهى. فمن فتح كتبها بالهاء، لأنها واحدة، لأنها واحدة، كأرطأة، وعلقاة. ومن كسر كتبها بالتاء، لأنها جماعة"هيهات".

стр. 145

ومن نون، اعتقد تنكيرها، وتصور معنى المصدر النكرة، كأنه قال: بعداً بعداً، ومن لم ينون، اعتقد تعريفها، وتصور معنى المصدر المعرفة، كأنه قال: البعد، فجعل التنوين دليل التنكير، وعدمه دليل التعريف. و"هيهاة" من ذوات الأربعة المضعفة من الياء، من باب حاحيت، وصيصية، وأصلها بوزن "القلقلة" و"الحقحقة"، فانقلبت الياء ألفاً، لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصارت "هيهاة"، "كالسلقاة"، و"الجعباة"، وإن كانت الياء التي انقلبت عنها ألف "سلقاة"، و"جعباة"، زائدة وياء "هيهية" أصلاً، فلما جمعت، كان قياسها على قولهم: "أرطبات" "وعلقيات" أن "يقولوا فيها هيهات، إلا أنهم حذفوا هذه الألف، لالتقاء الساكنين، لما كانت في آخر اسم مبني، كما حذفوها في ذان، واللتان، وتان، ليفصلوا بين الألفات في أواخر المبنية، واللفات في أواخر المتمكنة، على هذا حذفوها في أولات، وذوات، لتخالف ياء "حصيات" "ونويات". والاسم بغدها يرتفع علة حد ارتفاع الفاعل بفعله، قال: هيهاتَ منزلنا بنعفِ سويقةٍ ... كانتْ مباركةً على الأيامِ وقال: هيهاتَ ناسُ منْ أناسِ ديارهم ... دفاقٌ ودارُ الآخرينَ الأوائنُ

стр. 146

وقال آخر: هيهاتَ منْ منخرقٍ هيهاؤه وهذا مثل قولك: بعد بعده، وذلك أنه بنى من هذه الكلمة، "فعلالاً" فجاء به مجيء "القلقال، والزلزال". والألف في "هيهات" غير الألف في "هيهاؤه" وهي في "هيهات" لام الفعل الثانية، كقاف "الحقحقة" الثانية، وهي في "ههاؤه" ألف "الفعلال" الزائدة. ومن الأسماء التي سمي بها الفعل في الخبر، "أوتاه" وهو اسم أتألم. وفيها لغات: أوتاه، أوَّه، أوِّه، أَوَّه، قال: فأُوَّه لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومنْ بعدِ أرضٍ بيننا وسماءِ والصنعة في تصرفها طويلة. ومنها أيضاً: "أف" وهي اسم التضجر. فيها لغات، أُفٍّ، أُفٌّ، أُفًّا، أفًّ، أفٌّ، أفَّا ممالاً، أُفْ خفيفة، والحركة في جميعها لالتقاء الساكنين، فمن كسر فعلى أصل الباب، ومن ضم فللاتباع، ومن

стр. 147

فتح فللتخفيف، ومن لم ينون أراد التعريف، ومن نون أراد التنكير، فمعنى التعريف، التضجر، ومعنى التنكير: تضجراً، ومن أمال بناه على "فعلى"، وجاءت ألف التأنيث مع البناء، كما جاءت تاؤه معه، في ذية ولية، نعم، وقد جاءت ألفه أيضاً في قوله: هنَّا وهنَّا ومن هنَّا لهنَّ بنا ... ذاتَ الشّمائلِ والإيمانِ هينومُ أي: من هذا الموضع وهذا. ومنها قولهم: همهام، وهو اسم فني وفيها لغات: همهامِ، حمحام، محماح، بحباح، قال: أولمتَ يا خنُّوتُ شرَّ إيلامْ في يومِ نحسٍ، ذي عجاجٍ مطلامْ ما كانَ إلا كاصطفاقِ الأقدامْ حتَّى أتيناهم فقالوا همهامْ ومنها "دهدرين"، وهو اسم بطل، ةمن أمثالهم "دهدرين سعد القين" وهذه التثنية، لا يراد بها ما يشفع الواحد، وإنما الغرض فيه التوكيد، والتكرير لذلك المعنى، كقولك: بطل.

стр. 148

وكما قال الخليل في "لبيك" وسعديك: إن معناها: كلما كنت في أمر، فدعوتني إليك، أجبتك، وساعدتك عليه، وكذلك قوله: إذا شقَّ بردٌ شقَّ بالبردِ مثلهُ ... دواليكَ حتَّى ليسَ للبردِ لابسُ أي: مداولة بعد مداولة، على دولتين ثنتين، وكذلك قولهم: "دهدرين" أي: بطل بطلاً بعد بطل. ومنها "لبى" اسم أجبتك، ومنها "ويك" اسم أتعجب. وذهب الكسائي إلى أن "ويك" محذوفة من "ويلك" قال: ويكَ عنترَ قدِّمِ والكاف للخطاب عار من الاسمية، وأما قوله تعالى: (ويكأنَّ الله يبسط الرزق) . فذهب سيبويه، والخليل إلى أنه "وي" ثم قال كأن الله يبسط الرزق.

стр. 149

وذهب الأخفش إلى أنها ويك، كأنه قال عنده: أعجب لأن الله يبسط الرزق. ومن أبيات الكتاب: وي كأنْ منْ يكن لهُ نشبٌ يح ... بب ومن يفتقر يعش عيشَ ضرِّ ومنها سرعان: اسم سرع، ومن كلامهم "سرعان ذي إهالة". وأصل هذا: أن رجلاً، كان يحمق، اشترى شاة عجفاء، يسيل رغامها هزالاً، فظن أنه ودك، فقال: "سرعان ذي إهالة"، فدي فاعل، وإهالة تمييز. وأما أوائل الخيل فسرعان بفتح الراء، ويقال فيه: سرعان، وسُرعان، بفتح السين، وكسرها، وضمها، وسَرعان الناس، وسرعانهم: أوائلهم المستبقون إلى الأمر. قال أبو العباس: السرعان إذا كان وصفاً في الناس، قيل فيه: سرعان، وسَرعان، بفتح الراء، وسكونها، وإذا كان في غير الناس، ففتح الراء أفصح. ومنها "شتان" اسم شتت، مبني على الفتح، يجري مجرى شتّ في عمله. فيقال: شتان زيد وعمرو، فيرتفع الاسم به، كما يرتفع بالفعل الذي وضع موضعه، قال الطرماح:

стр. 150

شتَّ شملُ الحيِّ بعدَ التئام ويقال: شتّان ما زيد وعمرو، قال الأعشى: شتّانَ ما يومي على كورها ... ويومِ حيّانَ أخي جابرِ فأما قول الآخر: لشتّانَ ما بينَ اليزيدين في النّدى ... يزيدِ سليمٍ، والأغرِّ بن حاتمِ فليس بحجةٍ، لأن قائله مولد. وفيها "وشكان، وأشكان" اسم وشك، فأما وشك، فأما أشك، ففعل ماض، وليس باسم، وإنما كان أشك، فنقلت حركة عينه، كما قالوا: في حَسن، حُسن. قال: لا يمنعُ النّاسُ منّي ما أردتُ وما ... أعطيهمُ ما أرادوا حسنَ ذا أدبا ومنها "بطآن" اسم بطوء. ومنها حس: اسم أتوجع. ومنها "إلي" اسم أتنحى. ومنها أولى لك، هو اسم لدنوت من الهلكة، قال الأصمعي في قوله:

стр. 151

فأولى لنفسيَ أولى لها قال: أولى لها: قد دنت من الهلكة. وحكى أبو زيد، "هاه" الآن، و "اولاه" الآن، وهذا يدل على أنه اسم لا فعل، كما يظن، وهاه: اسم قاربت، وهي نحو أولى لك. وإنما بنيت هذه الأسماء، التي سمي بها الفعل في الخبر، حملاً على بناء الأسماء المسمى بها الفعل، في الأمر والنهي، ألا ترى أن الموضع في ذلك لها، لأن الأمر والنهي بالأفعال لا غير، والخبر قد يكون بالأسماء من غير اعتراض فعل فيه، نحو: أخوك زيد، فلما كان الموضع في ذلك، إنما هو لأفعال الأمر والنهي، وكانا لا يكونان إلا بحرفيهما، "اللام" و"لا" حمل ما سمي به الفعل في الخبر، على ما سمي به الأمر والنهي، كما حمل هذا الحسن الوجه، على الضارب. لغة البيت العقيق: واد بالحجاز، كأنه عق أي: شق، غلبت الصفة عليه، غلبة الاسم، ولزمته الألف واللام، لأنه جعل الشيء بعينه، على ما ذهب إليه الخليل في الأسماء الأعلام، التي أصلها الصفة، كالحارث والعباس. والعقيقان: بلدان في بلاد بني عامر، من ناحية اليمن. فإذا رأيت هذه اللفظة مثناة، فإنما يعنى بها ذانك البلدان. وإذا رأيتها مفردة، فقد يكون أن يعنى بها العقيق، الذي هو واد بالحجاز، وأن يعنى بها أحد هذين البلدين، لأن هذا قد يفرد "كأبانين" قال امرؤ القيس:

стр. 152

كأنَّ أباناً في أفانينِ ودقه وإن كانت التثنية في مثل هذا أكثر من الإفراد، أعني فيما تقع عليه التثنية من أسماء المواضع، لتساويهما في النبات، والخصب والقحط، وأنه لا يشار إلى أحدهما دون الآخر، ولهذا ثبت فيه التعريف، في حال تثنيتهما ولم يجعل "كزيدين" فقالوا: هذان أبانان. والخل: الصديق، يقال: خاللت الرجل خلة، وخلالاً فهو لي خل، وخلة والجمع: خلان. معنى البيت ظاهر بين وهو من قصيدة أولها: ألم ترَ أنَّ الجهلَ أقصرَ باطله ... وأمسى خلاءً قد تجلّت مخايله أجنُ الهوى أم طائرُ البين شفّني ... بوادٍ به تنعابه ومحاجله لعلّك محزونٌ لعرفانِ منزلٍ ... محيل بوادي القريتين منازله الإعراب قال أبو علي في "الحلبيات" في الكلمة الأولى، فيمن أعمل الثاني ذكر

стр. 153

العقيق، وأضمره قبل الذكر، ومن أعمل الأول، كان في الثانية ذكر من الفاعل ومن اعتقد التركيب فيهما، "فالعقيق" مرتفع بما يفيد من مجموعهما، والجملة التي هي "بالعقيق" في موضع الصفة لقوله: "خل"، والباء ظرفية. ويحتمل أن تكون الجملة، في موضع الحال من الضمير في قوله: تواصله أو في موضع الصفة "لخل" ويحتمل أن تكون في موضع نصب على الظرف. والعامل فيما ما في "هيهات" من معنى الفعل. وأنشد أبو علي في الباب: (٣٧) ما إنْ يمسُّ الأرضَ إلاَّ منكبٌ ... منهُ وحرفُ السَّاقِ طيَّ المحملِ هذا البيت لأبي كبير الهذلي، واسمه عامر بن الحليس. الشاهد فيه نصب "طي المحمل" على المصدر، وليس قبله فعل، وإنما دل عليه سياق الكلام لأنه لما قال: "ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق"، ذل على أنه نابي الجنب عن الأرض، فكأنه قال: طوي طياً مثل طي المحمل، فحذف المثل وأقام الطي مقامه في الإعراب.

стр. 154

معنى البيت يقول: هو مجدول الخلق، مطوي البطن، كطي المحمل، وهو حمالة السيف، فمتى اضطجع، جافى بطنه عن الأرض، فلا ينالها منه إلا منكبه، وحرف ساقه. وبعد البيت: فإذا رميتَ بهِ الفجاجَ رأيته ... يهوي مخارمها هويَّ الجدلِ وإذا نظرتَ إلى أسرَّةِ وجههِ ... برقتْ كبرقِ العارضِ المتهلّلِ وأنشد أبو علي في باب المفعول به: (٣٨) ديارُ التي كادت ونحنُ على منَّى ... تحلُّ بنا، لولا نجاءُ الرَّكائبِ هذا البيت لقيس بن الخطيم الأنصاري. الشاهد فيه قوله: "تحل بنا" بمعنى: تحلنا، لن الباء معاقبة "للهمزة"، ولأن ما نقل "بالهمزة"، بمعنى ما نقل بالباء، فلا فرق بين قولك: أذهبت زيداً، وذهبت به وأزللته، وزللت به، قال امرؤ القيس: كميتٍ يزلُّ اللَّبدَ عنْ حالِ متنهِ ... كما زلَّتِ الصَّفواءُ بالمتنزَّل

стр. 155

معناه: كما أزلت الصفواء المتنزل، والصفواء: الصخرة الملساء، ومثله قول أبي زبيد الطائي: كأنَّ أثوابَ نقَّادٍ قدرنَ لهُ ... يعلو بخملتها كهباءَ هدَّابا بمعنى: يعلى خملتها، ونصب "كهباء" على الحال من الضمير في "خملتها" العائد على الثياب، أنه قال: تعلو الخملة الثياب، أهب هدابها، يصف أسداً. لغة البيت "منى" معروف سمي بما يمنى فيه من الدم، أي: يقدر، يقال: منى الله الشيء منياً، قدره. والمنى: القدر، والمنية منه، وأمنى الحاج: نزلوا "بمنى". ويقال: حل من إحرامه حلا، واحل: خرج منه، ذكر ذلك أبو زيد، وقال زهير: وكمْ بالقنانِ منْ محلَّ ومحرمِ ويقال: حل بالمكان، وحل المكان حلولاً: نزل به، والمستقبل منه: يحل بضم الحاء.

стр. 156

ورواية أبي علي الفارسي في الكتاب تحل بنا، من حل يحل، ومعناه: تحلنا أي: تجعلنا حلالاً غير محرمين بالحج. ورواه بعضهم: "تحل بنا" بضم الحاء، من حل بالمكان يحل. والمعنى كادت أن تنزلنا عليها، يقال: أحللت الرجل: أنزلته ونزلت به. ومن الناس من منع هذه الرواية، وأباها، وقال: هو خلاف المعنى الذي قصده. ونجاء الركائب: سرعتها، والركائب: ما تركب من الإبل، واحدتها: ركوبة، وقيل: الركائب: جمع ركاب. ومعنى البيت أنهم لما رأوها بمنى، أرادوا النزول عليها، والحلول بالموضع الذي رأوها فيه، للاستمتاع برؤيتها وحديثها، فتحلهم من إحرامهم، فمنع من ذلك سرعة ركائبها، أو ركائبهم. وهذه عمرة، أخت عبد اله بن رواحة، أم النعمان بن بشير، وكانت امرأة

стр. 157

حسان بن ثابت، شبب بها قيس، لأن حسان شبب بأخت قيس، وأول شعر قيس: أتعرفُ رسماً كأطرادِ المذاهبِ ... لعمرةَ وحشاً، غيرَ موقفِ راكبِ تبدَّتْ لنا كالشمسِ يوم غمامةٍ ... بدا حاجبٌ منها، وصننَّتْ بحاجبِ ولمْ أرها إلاَّ ثلاثاً على منىً ... وعهدي بها في الحيَّ ذاتَ ذوائبِ ديار الَّتي كادتْ ونحنُ على منىً ... تحلُّ بما لولا نجاءُ الرَّكائب ويروى: "فتلك التي كادت". ومثلكِ قدْ أحبيتُ ليستْ بكنَّةِ ... ولاَ جارةٍ، ولاَ حليلةِ صاحبِ الإعراب قوله: "ديار التي": روى رفعاً ونصباً، أما الرفع: فعلى تقدير مبتدأ، كأنه لما قال: أتعرف رسماً؟ قال: هو رسم ديار التي، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وأما المصب: فكأنه قال: أتعرف رسم ديار التي كادت؟ فأبدله من قوله: "رسماً"، ثم حذف الرسم المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.

стр. 158

ويجوز أن تنصب "ديار" بمعنى أعني، ولا يجوز أن تنصب "ديار" على البدل من قوله: "رسماً"، لأن "الديار" أكثر من الرسم، فاعلمه. وقد كان أبو العباس المبرد، يذهب إلى أن: ذهبت بزيد، غير معنى أذهبت زيداً. قال: وذلك أن قولك: أذهبت زيداً، معناه: أزلته، ويجوز أن تكون أنت باقياً بمكانك، لم تبرح. وإذا قلت: ذهبت به، فمعناه: ذهبت معه". وأنكر عليه هذا القول، والصحيح أن معناهما سواء، لأن الله تعالى قال: (لذهب بسمعهم وأبصارهم) ، والله غير ذاهب، و"الصفواء" في بيت امرئ القيس، غير زالةٍ. وللمحتج عن أبي العباس أن يقول في الآية: إن الله تعالى قد وصف نفسه في مواضع من كتابه بالمجيء والإتيان، وهو أعلم بحقيقة ذلك، فقال: (وجاء ربك والملك صفاً صفاً) وقال: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وهذا الاحتجاج عن المبرد، ليس بقوي، قال النابغة:

стр. 159

كأنَّ رجلي وقدْ زالَ النَّهارُ بنا ... يومَ الجليلِ على مستأنسٍ وحدِ معناه: أزالهم من مكان كانوا فيه، إلى مكان صاروا إليه، وقيل: معناه: غابت الشمس، وذهب النَّهارُ، وهمْ ما زالوا وبيت قيس بن الخطيم، يرد ما ذهب إليه أبو العباس. وأنشد أبو علي في باب الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين. (٣٩) قدْ أوبيتْ كلَّ ماءٍ فهيَ ضاويةٌ ... مهما تصبْ أفقاً منْ بارق تشمِ هذا البيت لساعدة بن حؤبة الهذلي. الشاهد فيه قوله: قد أوبيت كل ماء"، عدى "أبي" إلى مفعولين لما نقله بالهمزة، فالمفعول الأول مضمر في الفعل، والثاني: "كل ماء" أي قد جعلت تأباه، كما تقول: زيدٌ أضربَ عمراً، أي: جعل يضربه، ومثله قوله: متقاربٌ أنسابهمُ وأعزَّةٌ ... بوبى بمثلهمُ الظَّلامُ ويرهبُ جمع: ظلامةٍ.

стр. 160

لغة البيت أبى يأبى إلباء، وإباية: بمعنى: كره، وجاء على "فعل" يفعل شاذاً، إذ لا يكون هذا المثال، إلا فينا عينه، أو لامه حرف حلق. وقد جاء أيضاً على هذا المثال قلى يقلى، وقد قيل: يقلي، وجاء أيضاً جبى يجبى، وجاء يجبي، شبهوه: يقرأ يقرأ، وقيل: بل جاء على أصله، لأن الألف من حروف الحلق. ويروى طاوية، وضاربة، وصاوية. فطاوية: من الطوى، وهو الجوع، وخمص البطن، قال الكسائي: رجل طيان إذا لم يأكل شيئاً، وقد طوي يطوى طوى، وإذا تعهد ذلك قيل: طوى يطوي، قال عنترة: ولقدْ أبيتُ على الطَّوى وأظلُّهُ ... حتى أنالَ بهِ كريمَ المأكلِ وضاوية: من الضوى، وهو الهزال، والضوى أيضاً: ضعف الخلق وصغره، يقال: غلام ضاوي، والعرب تقول: "القرائب

стр. 161

أضوى، والغرائب أنجب" وينشد: فتى لمْ تلدهُ بنتُ عمَّ قريبةٌ ... فيضوى وقدْ يضوى نجيبُ القرائبِ وأضوى القوم، إذا ولدوا المهازيل، ويقال: "اغتربوا لا تضووا". والضوى أيضا: جمع ضواة، وهي السلعة قال ذو الرمة: قذيفةُ شيطانٍ رجيمٍ رمى بها ... فصارتْ ضواةً في لهازمِ ضرزمِ وصاوية: يابسة من العطش، وصويت النخلة: يبست، تصوى صوى، وقد صوي النخل، ولا يقال: صوت النخلة، كذا قال ابن الأنباري. وقال الأحمر: فإذا أيبست النخلة، قيل: صوت تصوي، فهي صاوية. قال الأصمعي: أصل التصوية، أن تترك الناقة من الحلب، حتى يجف لبنها، ثم صار كل شيء مودع، مصوى. والبارق: السحاب الذي فيه البرق من أفق السماء، والبارق أيضاً: البرق نفسه، وتشمه: تقدر أين موقعه. معنى البيت يصف حميراً قد جهدها العطش، فيبست أجوافها، وهي لا تقدم على ماء

стр. 162

الأنهار والعيون، فزعاً من الصائد، فهي تشم البرق، وترتقب نزول المطر، لترده. وقبل البيت: ظلَّتْ صوافنَ بالأرزانِ ضاويةً ... في ماحقٍ منْ نهارِ الصَّيفِ محتدمِ قدْ أوييتْ كلَّ ماءٍ...... البيت حتَّى شآها كليلٌ موهناً عملٌ ... باتت طراباً، وباتَ اللَّيلَ لمْ ينمِ الإعراب هذا البيت من المقلوب، والتقدير: مهما تصب، بارقاً من أفق، وتأوله قوم تأويلاً، يسلم فيه من القلب، وهو أن ينتصب "أفقاً" على الظرف، و"من" زائدة في قوله: "من بارق" والتقدير: مهما تصب في الأفق بارقاً تشم، فإن قيل: فإن "من" لا تزاد في الواجب. فالجواب أن الشرط ليس بواجب محض، فالزيادة فيه: غير ممتنعة، وروى الجمحي: مهما يصبْ بارقٌ آفاقها تشمِ

стр. 163

وأنشد أبو علي في باب المفعول فيه: (٤٠) تناذرها الرَّاقونَ منْ سوءِ سمَّها ... تطلقَّه حيناً وحيناً تراجعُ هذا البيت للنابغة الذبياني. الشهد فيه قوله: "حيناً" والحين: وقت غير محدود، وغاية من الزمان، قال الله تعالى: (ولكم في الأرض، مستقر ومتاع إلى حين) . قيل: غاية من الزمان، وقيل: فناء الآجال، وقيل: يوم القيامة. وقال أبو علي، يقع على ستة أشهر، ويقع على أربعين عاماً. وقيل: يقع على عامٍ، وشاهده قوله تعالى: (تؤتي كلها كل حين) . وقيل: كل غدوة، وكل عشية، وقيل: كل وقت. وقيل: في قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) أربعون سنة، لأن آدم ﵇ لم ينفخ فيه الروح بعد خلقه من طين إلا بعد أربعين سنة. وجمعه: أحيان، وأحايين.

стр. 164

ويقال فلان: يأكل الحينة، والحينة، أي: يأكل الوجبة مرة واحدة في اليوم: والحينة: وقت حلب الناقة. وحينئذ: تبعد الآن. وفي بيت النابغة دليل على أنه يقع على القليل من الزمان، لأنه قال: "تطلقه حيناً وحيناً تراجع". لأن حال السليم كذا، تارة يأخذه الوجع، وتارة يتركه، يؤكد ذلك رواية من روى "طوراً، وطوراً"، والطور: التارة، ومنه "الناس أطواراً" أي: على حالات شتى. ومعنى البيت أنه وصف حية. وقبله ما يدل عليه: فبتُّ كأنّي ساورتني ضيئلةٌ ... من الرقشِ في أنيابها السُّمُ ناقعُ يسهّدُ منْ ليلِ التَّمامِ سليمها ... لحلي النَّساءِ في يديهِ قعاقعُ ومعنى تناذرها، انذر بعضهم بعضاً، ليجتمعوا عليها، لنكارتها، وشرها، وسوء سمها. وأنشد أبو علي في باب الظروف من المكان. (٤١) لدنٌ بهزَّ الكفِ يعسلُ متنهُ ... فيهِ كما عسلَ الطَّريقَ الثَّعلبُ

стр. 165

هذا البيت لساعدة بن جؤبة الهذلي. الشاهد فيه وصول الفعل الذي هو "عسل" إلى "الطريق" اتساعاً، وتشبيهاً بالمكان المبهم، لأن الطريق مكان، والطريق: اسم خاص للموضع المستطرق وكان ينبغي أن يقول: كما عسل في الطريق الثعلب. لغة البيت اللدان: اللين، وقد لدن لدونة، ومعناه: الناعم، اللين، والمتثني وإذا تثنى الرمح، كان أصلب له، وآمن من الكسر، وفيه قال الطائي: لانتْ مهزَّتهُ فعزَّ وإنَّما ... يشتدُّ بأسُ الرُّمحِ حينَ يلينُ ويروى "لذ" ومعناه: لذليذ، ولدن بمعنى: عند. ويعسل: يضطرب في هزه، "كما عسل الثعلب"، أي: اضطرب في عدوه وأسرع. قال ابن دريد: شكا عمرو بن معد يكرب إلى عمر بن الخطاب، ﵁، المعص وهو التواء مفصل الرجل. فقال له: "كذب عليه العسل"، أي: المشيَّ السريع.

стр. 166

والعسل والعسلان واحد قال: عسلانُ الذَّئبِ أمسى قارباً ... بردَ اللَّيلُ عليهِ فنسلْ قوله: "كذب عليك العسل" معناه: عليك به، وهي كلمة يغرى بها في المعنى، فمن الناس من يرفع بها، وهم مضر، ومنهم من ينصب وهم اليمن. ويروى قول عمر، ﵁، "كذب عليك الحج" على لغته ومنهم من ينصبه على ما ذكرته. وقيل: معناه: وجب، قال عنترة. كذبَ العتيقُ وماءُ شنَّ باردٌ ... إنْ كنتِ سائلتي غبوقا فاذهبي وقال ابن الإعرابي: كان الأصل في قولهم: "كذب عليكم الحج". أن رجلاً قال: لا حج. فقال آخر: كذب، ثم قال: "عليكم الحج" فاستعملته العرب في موضع وجب. ومعنى البيت أنه وصف رمحاً لين الهز، فشبه اضطرابه في نفسه، بعسلان الثعلب في سيره. وقبله:

стр. 167

منْ كلَّ أظمى عائرٍ لا شانهُ ... قصرٌ ولا راشَ الكعوبَ معلَّبُ خرقٌ من الخطَّيَّ أغمضَ حدُّهُ ... مثل الشَّهابِ رفعتهُ يتهلَّبُ مَّا يترُّصُ في الثَّقافِ يزينه ... أخذى كخافيةِ الغرباِ محرَّبُ وأنشد أبو علي في الباب. (٤٢) فلأبغينكمُ قناً وعوارضا ... ولأقبلنَّ الخيلَ لابةَ ضرغدِ هذا البيت لطفيل الغنوي، ويروى لعامر بن الطفيل. الشاهد فيه فلأبغينكم "قناً وعوارضاً" نصب بإسقاط حرف الجر، وهما من المكنة المختصة، اتساعاً، وتشبيهاً بالمكان المبهم، وكذلك: "ولأقبلن الخيل لابة ضرغد" لغة البيت قناً وعوارض: مكانان في بني وضرغد: في ناحية غطفان.

стр. 168

وقيل: قناً: اسم جبلٍ يكتب بالألف، لأنه يقال في تثنيته: قنوان. أنشد الأصمعي: كأنَّها وقدْ بدا عوارضُ واللَّيلُ بينَ قنوينِ رابضُ بكفَّة الرَّملِ قطاً نواهضُ وكذا حكى ابن الأنباري. وقال غيره: "قنوين" موضع يقال: صدنا بقنوين، وصدنا وحش قنوين. وكذا فسر في هذه الأبيات، وهي للشماخ وهو الصحيح. وقال ابن القوطية: لا اعرف "قناً" في المكنة، وإنما هو: قباً بالباء. واللابة: الحرة: وهي أرض ذات حجارة سود وجمعها: لابٌ، ولوبٌ. ومعنى البيت أنه يخاطب قوماً، يتوعدهم يقول: لأطلبنكم حيث كنتم، وحيث حللتم من هذه المواضع.

стр. 169

وبعد البيت: والخيلُ تردي بالمكاةِ كأنَّها ... حدأٌ تتابعَ في الطريق الأقصدِ في ناشئٍ من عامرٍ ومجرَّبٍ ... ماضٍ إذا انفلتَ العنانُ من اليدِ فلأثأرنَّ بمالكٍ وبمالكٍ ... وأخي المروراةِ الذي لمْ يسندِ وقتيل مرَّةَ أثأرنَّ فإنَّه ... فرعٌ وإنَّ أخاهمُ لمْ يقصدِ وأنشد أبو علي في الباب. (٤٣) كانَ منَّا بحيثُ يعكى الإزارُ الشاهد في قوله "بحيث يعكى"، يريد قرب المنزلة، ومعنى يعكى: يشد، ويلوى، ويقعد،

стр. 170

يقال: عكاه عكواً: شده ويقال عكى بإزاره عكياً: أغلظ معقده، وعكى بإزاره عكياً: اغلظ معقده، وعكى الضب بذنبه: لواه. يقال فيه: "فعل يفعل" من ذوات الياء، و"فعل يفعل" من ذوات الواو. قال أبو علي: وفسر أبو عمر الجومي الإزار هاهنا: المرأة. فكأنه يريد أن قربه منه قرب المرأة، وإنما يعكي المرء إزاره على جسمه، فالشاعر على هذا، إنما يريد أن قربه منه، قرب الثوب من جسمه. وأنشد أبو علي في الباب. (٤٤) كانا مكانَ الثَّوبِ منْ حقويّهْ هذا الشطر لأبي جندبٍ الهذلي. الشاهد فيه ما أراداه من قرب المنزلة والحقو: الخصر. لغة البيت الحقو: الكشح، وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع.

стр. 171

والجمع: أحق، وأحقاء، والحقو أيضا: الإزار من كل ناحية. يقال: اخذ فلان بحقوي فلان. قال جميل: قناةٌ من المرَّانِ ما فوقَ حقوها ... وما تحتهُ منها نقاً يتهيَّلُ وألحقو أيضا: داء يأخذ في البطن، يقال: حقي الرجل يحقى حقى شديداً، فهو محقو، إذا أصابه ذلك. وقيل يقال: حقي الرجل يحقى حقى، إذا اشتكى حقوه، وهذا واضح في الاشتقاق، فاعلمه. سبب هذا الرجز أن أبا جندب فيما زعموا، كان اشتكى شكوى شديدة، وكان له جار من خزاعة، يقال له: حاطم بن هاجر، فوقعت به بنو لحيان، فقتلوه، قبل استبلال أبي جندب من وجعه، واستاقوا ماله، وقتلوا امرأته. فلما أفاق، قدم مكة، ثم جاء يسعى، حتى استلم الركن، وقد شق ثوبه، وكشف عن أسته، ثم طاف بالكعبة، فعرف من رآه، أنه أتى بشر، ثم صاح، وطفق يقول: إنَّي امرؤ أبكي على جاريَّهْ أبكي على الكعبيَّ والكعبيَّهْ ولوْ هلكتُ بكيا عليَّهْ كانا مكانَ الثَّوبِ منْ حقويَّه

стр. 172

جمع هذا الرجز بين الياء المفتوح ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها، في قوله: "الكعبية" مع "جارية" و"عليه"، و"حقويه"، وإنما جاز ذلك من قبل أن الياء الولى في "الكعبية" ليست ردفاً، من حيث كانت مدغمة وإذا أدغمت الياء والواو خرجتا عن أن تكونا ردفاً، وجاز معهما غيرهما، وإنما كان ذلك من قبل أن أصل الردف، إنما هو للألف، ثم ألحقت الياء والواو فيه بها، ما دامتا على وصفها، أو قريبتين من وصفها. فأما كونهما على وصفها، فإن يكونا ساكنين، تابعين لما قبلهما، نحو: ياء "سعيد"، واو "عمود". وأما كونهما قريبتين منها، فأن يسكنا، ويفتح ما قبل كل واحد منهما، وذلك نحو "ثوب وبيت". فأما إذا أدغمتا، أو تحركتا، فإنهما قد فارقتا المد، فلا يجوز الإرداف بهما، وقد جاء ذلك مجموعاً في شعر واحد، قال: أتتكَ عير تحملُ المشيَّا ماءً من الطّثرةِ أحوذيَّا يعجبُ ذا القباضةِ الوحيَّا أنْ يرفعَ المئزرَ عنهُ شيَّا

стр. 173

إلا إذا كان ما قبل المدغم مكسوراً، فلام يستهلك الإدغام جميع مده، ألا ترى أنه لا يجوز مع "الكعبية"، الفدية، ولا الفتية، بل يجوز معها، إذا انفتح ما قبلها، نحو لياً، وطياً، نحيا وظبيا، وذلك لما انضم إلى الإدغام انفتاح ما قبلها زال المد. وأما امتناع من امتنع من الجمع بين لياً وظبياً، فليس ذلك شيء يرجع إلى حرف اللين، إنما هو، لأنه لا يجمع بين المد وغيره في الروي. وأنشد أبو علي في الباب. (٤٥) ألاَ أبلغْ أبا حفصٍ رسولاً ... فدىً لكَ منْ أخي ثقةٍ إزاري استشهد بهذا البيت، على أن "الإزار" في البيت قبله: المرأة، كما هو في هذا البيت. ذكر ابن قتيبة، في شرح حديث عمر، ﵁، أنه قدم عليه رجل من بعض الفروج، فنثر كنانته بين يده، فإذا فيها صحيفة، فيها أبيات، وهي:

стр. 174

ألاَ أبلغْ أبا حفصٍ رسولاً ... فدى لكَ منْ أخي ثقةٍ إزاري قلائصنا هداكَ الله إنَّا ... شغلنا عنكم زمنَ الحصارِ قلائصُ منْ بني سعدِ بنْ بكرٍ ... وأسلمَ أو جهينةَ أو غفارِ فما قلصٌ يبتنَ معقَّلاتٍ ... قفا سلعِ بمختلف النجارِ يعقَّلهنَ جعدٌ شيظميٌّ ... وبئسَ معقَّلُ الذَّودِ الظؤارِ يعقَّلهنّ جعدة منْ سليمٍ ... معيداً يبتغي سقطَ العذاري قال: فقال عمر، ﵁، أدعو لي جعدة، فدعي له، فناجاه طويلاً، ثم أمر به، فضرب مئة معقولاً، ونهاه أن يدخل على امرأة مغيبةٍ. قوله: قلائصنا: كناية عن النساء، ومعقلات، مغيبات، ويعقلهن معيداً: أي: يروم غرتهن طمعاً في الضراب، كما تعقل الناقة لذلك. الإعراب "الرسول" هنا: بمعنى الرسالة، وهو مفعول ثانٍ، وإذا كان بمعنى الرسالة، لم يثن، ولم يجمع لأنه مصدر، وقوله تعالى: (إنا رسولا ربك) أي: ذوا رسالة، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه قال:

стр. 175

ألاَ منْ مبلغُ الكعبيّ عنَّي ... رسولاً أصلها عندي ثبيتُ يريد: رسالة. ويجمع إذا كان اسماً على "رسلٍ" قال الله تعالى: (إنا رسل ربك) وقد جاء على "أرسلٍ" قال الهذلي: وجليلة الأنسابِ ليسَ كمثلها ... ممَّنْ تمنَّعُ قدْ أتتها أرسلي وكان قياسه: "رسلي". وهذا البيت يحتج به على تأنيث المذكر، ووجه الدلالة منه، أنه جمع رسولاً الذي هو مذكر، على "أفعلٍ"، و"أفعلٌ" في الجمع مما يختص بالمؤنث، نحو قولهم: عناق وأعنقٌ، واتانٌ واتنٌ، وعقابٌ، وأعقبٌ، وإنما سوغ ذلك له، إرادته "بالأرسلِ": النساء، فكسره على المعنى، وقال آخر: لوْ كانِ في قلبي كغورِ قلامةٍ ... فضلاً لغيركِ قدْ أتتها أرسلي وقد كسر جناح على اجنح، وقياسه أجنحة، قال عمر بن لجإ: يذرينَ هاماً واجنحا

стр. 176

ذهب به إلى معنى الذراع، لأنه بمعناه فكسره تكسيره، يقال: ذراع: واذرع والعرب تحمل الكلمة على الأخرى، إذا كانت في معناها، قالوا: نمرٌ، ونمرٌ فكسروا "فعلاً"، تكسير "فعلٍ" لما كان في معناه، لن نمراً في معنى أنمر. وقوله: "فدى لك من أخي ثقةٍ" مبتدأ، و"إزاري" خبره. ويجوز أن يرتفع "فدى" بالابتداء، و"إزاري"، فاعل يسد مسد الخبر. و"فدى": إذا كسر أوله يمد ويقصر، قال: فدى لبني ذهلِ بنِ شيبانَ ناقتي وقال آخر: مهلاً فداءٌ لكَ يا فضالةْ أجرَّهُ الرُّمحَ ولاَ تهاله وإذا فتح أوله، لم يكن إلا مقصوراً، فاعلمه. ويجوز "فداء" بكسر الهمزة والمد والتنوين، وإنما جاز لك ذلك لأنها كثرت في

стр. 177

الاستعمال، ووقعت موقع فعل الدعاء، فبنيت، ودخلها التنوين مع البناء، كما دخل "إيه" وما أشبهها فرقاً بين المعرفة والنكرة. وأنشد أبو علي في الباب. (٤٦) تروَّحي أجدرَ أنْ تقيلي ... غداً يجنبي باردٍ ظليلِ هذان الشطران لأبي النجم العجلي. اختلاف في موضع الشاهد فيه: فقيل: هو في قوله: "تروحي أجدر، أي، وقتاً أجدر، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه، وهو مفعول على السعة. وقيل: موضع الشاهد، "أن تقيلي فيه"، ثم حذف حرف الجر، فصار "تقيليه"، والتقدير: "تروحي في وقت، أجدر أن تقيليه"، فصار مثل قول الآخر: ربَّ يومٍ قمتهُ بمنصلِ أي: "قمت فيه"، ثم حذف "الهاء"، فصار "تقيلي". وقيل: تقديره: "تروحي مكاناً أجدر"، أي: ائتي مكاناً أجدر بأن تقيلي فيه، فحذف الفعل، الذي هو "ائتي"، لدلالة" تروحي" عليه، فصار "تروحي مكاناً أجدر بأن تقيلي فيه"، ثم حذف الموصوف، الذي هو "مكاناً"، فصار تقديره "أجدر بأن تقيلي فيه"، ثم حذف حرف الجر، فصار أجدر "أن تقيليه"، ثم حذف الضمير المنصوب، فصار أجدر "أن تقيلي"، ففيه خمسة أعمال: حذف الفعل الناصب، وحذف

стр. 178

الموصوف، وحذف "الباء"، وحذف "في"، وحذف الضمير، وهناك وجه، وهو أن تقديره: "إئتي مكاناً اجدر أن تقيلي فيه من غيره"، كما تقول: مررت برجل أحسن منه، وأنت أكرم علي من غيرك. وتحقيق موضع الشاهد قوله: "أن تقيليه"، أي، أن تقيلي ذلك المكان، كما قال الآخر: طبَّاخِ ساعاتِ الكرى وقد اتسع في هذه الظروف، فجاءت مسندة إليها الأفعال، التي وقعت فيها مجيء الفاعل، كقوله تعالى: والنهار مبصراً و (بل مكر الليل) فأضاف المكر إليهما، وإنما يمكر فيهما، والنهار يبصر فيه، وقال: فأظلمَ يومي، بعدَ ما كانَ مبصراً ... وفاضتْ دموعي ما ونينُ بأضرعا وقال جرير: وما ليلَ المطيَّ بنائمِ

стр. 179

وقال رؤبة: ونامَ ليلي وتجلَّى همَّي وقالوا: يوم ضاربٌ، أي: يضرب فيه كثيراً. وقد جاءت منتصبة نصب المفعول به، كقوله: ويوماً شهدناهُ سليماً وعامراً وقوله: في ساعةٍ يحبها الطَّعامُ وقد جاءت مسنداً إليها الفعل، إسناده إلى ما لم يسم فاعله، فقالوا: رب يوم مصامٍ فيه، وساعةٍ مضروبةٍ، على حد قولهم: صمت يوماً وضربت ساعة، قال: حملتْ بهِ في ليلةٍ مزؤودةً وقيل: لا شاهد لأبي علي في هذين الشطرين، ليس فيهما ما يشبه ما استشهد به عليه، وهو قوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار) ، فأضاف المكر إليهما، كما

стр. 180

تقدم. وقيل: إنما يليق الاستشهاد به على قوله: (انتهوا خيراً لكم) و (أمنوا خيراً لكم) ، على رأي صاحب الكتاب، لأن "خيراً" ينتصب عنده بفعل محذوف، صار هذا الظاهر بدلاً منه، لنه لما قال: "انتهوا" فغنما يريد أن يخرجه من أمر، ويدخله في آخر، ويقويه، أنه إذا أمره بالانتهاء، فقد أمره بترك شيء، وتارك شيء آتٍ ضده، فكأنه أمره أن يكف عن الشر والباطل، ويأتي الخير والحق، فقول أبي النجم: "تروحي أجدر" يشبه قوله تعالى: (انتهوا خيراً لكم) ، لأنه لما قال: "تروحي"، فكأنه قال: ائتي مكاناً أجدر. وقال الكسائي في قوله تعالى: (انتهوا خيراً لكم) ، أنه منتصب على تقدير: يكن الانتهاء خير لكم. وينتصب عند الفراء، على انه صفة لمصدر مقدرٍ، كأنه قال: انتهوا انتهاء خيراً لكم. معنى البيت يخاطب ناقته، والرواح: من وقت الزوال إلى الليل، ومعنى: أجدرَ، وأحقَّ، وحقيقٌ، وقمنٌ، وقمنٌ، سواءٌ. وأراد: بجنبي جبلٍ باردٍ ظليلٍ، أو مكانٍ. وأنشد أبو علي في الباب.
следующие страницы →