Полный текст (856 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أياً طعنةَ ما شيخٍ ... كبيرٍ يفنٍ بالِ
ومصح الشيء مصوحاً: غاب في الأرض وغيرها. ومصح الكتاب: درس، ومصحت النار: همدت، وقال:
قفا نسألِ الدمنَ الماصحهْ ... وهلْ هيَ إنْ سئلتْ بائحهْ
ومصح بالشيء: ذهب به. وصح الظل: قصر.
وأنشد أبو علي في باب نعم وبئس.
(١٤)
فنعمَ صاحبُ قومٍ لا سلاحَ لهمْ ... وصاحبُ الرَّكبِ عثمانُ بنْ عفَّانا
نسب هذا البيت لجماعة، بسبه السيرافي في "أبيات الإصلاح" لكثير بن عبد الله بن العزيزة، وكذلك أبو الفرج الأصبهاني وذكر أن العزيزة أم عبد الله،
стр. 72
وكانت سبية من تغلب، وكثير هذا مخضرم.
ونسبه الفارسي في كتابه "البصريات" لحسان بن ثابت، من قصيدته التي يقول فيها:
لتسمعنَّ وشيكاً في ديارهم ... اللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عثمانا
ونسب إلى أوسِ بن مغراء.
الشاهد فيه
دخول "نعم" على اسم عار من الألف واللام، مضاف إلى ما لا ألف ولا لام فيه، وقد جاء مثله، أنشده الهجري في"نوادره".
فنعمَ مناخُ أزفلةٍ عجافٍ ... ملقى نستعينِ على رحيلِ
رجالٌ منْ خويلدِ آل عوفٍ ... حيالَ الشمسِ أو مجرى سهيلِ
وحسن حذف الألف واللام، من المضاف إليه في بيت "الإيضاح"، ثبوتها في المعطوف، إذ هما شريكان.
стр. 73
وزعم الأخفش أنها لغة قوم، يرفعون النكرة المضافة "بنعم وبئس"، تشبيهاً بما أضيف إلى ما فيه الألف واللام، وإليه أشار أبو علي في "الإيضاح بقوله: "وقد حكي أنه جاء فاعله مظهراً على غير هذين الوجهين".
وقال في "التذكرة": "قال بعض البصريين: اعلم أن العرب تجعل ما أضيف إلى ما ليس فيه ألف ولام، بمنزلة ما فيه ألف ولام، فترفعه كما ترفع ذلك، فتقول: نعم أخو قوم زيد "ولم تسمعه في كتابيه".
وقال أبو علي الفارسي: "ولا يجوز على قول سيبويه، نعم أبو رجل، ولا نعم غلام رجل، لأن فاعل هذا الضرب عنده، لا يكون واقعاً إلا على الجنس، ألا ترى أنك لو قلت: أهلك الناس شاة وبعير، على حد الشاة والبعير، لم يحسن. قال أبو علي الفارسي: إن قيل: لعله ينشد: "فنعم صاحب قوم"، بالنصب. قلت: لا يجوز ذلك، لأنك تعطف معرفة مرفوعة على نكرة منصوبة. فإن قيل: لم لا يكون "وصاحب الركب" معطوفاً على المضمر المرفوع في "نعم"؟.
فإن ذلك لا يجوز، لأنه مضمر مفسر، لا سبيل إلى إظهاره، ولا تأكيده، لأنه
стр. 74
غير مستغن بنفسه، لافتقاره إلى التفسير، فكأنه لم يعد يتم بعد، والعطف والتأكد والبدل، إنما يكون فيما تم، وإذا قبح العطف على المضمر المرفوع دون تأكيد، فالواجب ألا يجوز هنا ألبته، لما بينته من حال مضمر "نعم".
وقد نص أبو علي، وأبو بكر بن السراج، أن هذا العطف لا يجوز، قال أبو بكر ابن السراج: "لا يجوز نعم صاحباً والرجل زيد، من أجل أن "نعم" إذا نصبت، تضمنت مرفوعاً مضمراً فيها، وفي المسألة مرفوع ظاهر، فيستحيل هذا.
المعنى
قوله: "فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم".
إشارة إلى فضل عثمان ﵁، وأن شفاعته في القيامة تغني غناء من يدفع بسلاحه، عمن لا سلاح معه، ويحتمل أن يريد: أن بذله ماله، وتكرمه، وإطعامه، يقوم مقام السلاح الدافع عمن لا سلاح له.
ومقتله ﵁ مشهور في كتب التواريخ، روي أنه لما دخل عليه، والمصحف بين يديه، قال لأول داخل: بيني وبينك كتاب الله، فخرج وتركه، ثم دخل آخر، فقال له: مثل ذلك، فضربه بالسيف، فأبان يده، فقال: أما والله إنها لأول كف خطت المفضل، إلى أن دخل محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلاً،
стр. 75
فتعاونوا عليه، فقتلوه، ﵁، ودفن ليلاً وصلى عليه جبير بن مطعم وقتل معه يوم الدار المغيرة بن شريق، وعمر عثمان ﵁ ست وثمانون سنه.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٥)
فأمَّا الصُّدورُ لا صدورَ لجعفرٍ ... ولكنَّ أعجازاً شديداً ضربوها
هذا البيت ينسب لتوبة بن الحمير، ووقع في "نوادر" الهجري لرجل من الضباب يهجو جعفر بن كلاب.
الشاهد فيه
رفع "الصدور" بالابتداء، ولم يعد عليها من اللفظ شيء، ولكنه عاد من
стр. 76
المعنى، لكون "الصدور" الثانية غير الأولى، إذ هي أعم منها، فتكون "الصدور" الأولى دخلة تحت الثانية، كما كان زيد في قولك: "زيد نعم الرجل" داخلاً تحت الألف واللام، وهذا ظاهر قول أبي علي في "الإيضاح" لاستشهاده به على قوله"زيد نعم الرجل، ويحتمل أن يكون "الصدور" الثانية هي الأولى، إذ الأولى مستغرقة الجنس بالألف واللام، والثانية منفية نفياً عاماً، فأوقع الظاهر موقع المضمر، وكان الوجه أن يقول: "فأما الصدور فليس لجعفر"، ومثل هذا قول الجميح:
إذا المرءُ لم يغشَ الكريهةَ أو شكتْ ... حبالُ الهويني بالفتى أنْ تقطعا
وكان حقه، أن يأتي "بالفتى" مضمراً، إذ هو "المرء" وأما بيت الكتاب.
ألا ليتَ شعري هلْ إلى أمِّ مالكٍ ... سبيلٌ فأما الصبرَ عنها فلا صبرا
فإن "الصبر" الثاني فيه، هو الأول، قولاً واحد، لأنه لم يرد أن ينفي صبره كله، إنما نفاه عن هذه المرأة خاصة، وإنه لصبور عن أشياء غيرها، ولو نفى صبره عنها وعن غيرها، لكان ذاماً نفسه.
لغة البيت
عَجُزُ الشيء، وعَجِزُه، وعُجْزِه، وعجزه: آخره، يذكر ويؤنث، قال أبو
стр. 77
خراش يصف عقابأ:
بهيماً غيرَ أنَّ العَجْزَ منها ... تخالُ سراتهُ لبناً حليباً
وقال اللحياني: هي مؤنثة فقط، والجمع: أعجاز. لا يكسر على غير ذلك.
والعَجُزُ في العروض النون المحذوفة من فاعلاتن"، لمعاقبة ألف"فاعلن" وهو في شعر المديد وعجز البيت خلاف صدره.
والضرير: حرف الوادي، وأصل الضرر: المشقة.
معنى البيت
أنه هجا جعفر بن كلاب بن عامر بن صعصعة بن قيس عيلان، من أجل الحرب التي وقعت بين الضباب وجعفر، فأعانت بنو أمية بني جعفر بن كلاب"، لصهر كان بينهم، وذلك قطية بنت الحارث، كانت تحت بشر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فقال الشاعر:
стр. 78
تزاحمنا عندَ المكارمِ جعفرٌ ... بأعجازها إذْ أسلمتها صدورها
فأمَّا الصدورُ لا صدورَ لجعفرٍ ... ولكنَّ أعجازاً سديداً ضريرها
فالصدور على هذا يعني بها رجالهم والأعجاز كناية عن نسائهم، يعني أن شرفهم، وفضلهم، إنما هو من قبل مناكح نسائهم، لا من قبل أحساب رجالهم، ومثل هذا قول الآخر يهجو بني عبس:
فسادةُ عبسٍ في الحديثِ نساؤها ... وقادةُ عبسٍ في القديمِ عبيدها
فشرف عبس في القديم بعنترة، وكان هجيناً، وشرفهم في الحديث بمصاهرتهم لبني أمية، وذلك أن ولادة بنت العباس بن جزي لعبسي، كانت تحت عبد الملك بن مروان، وهي أم ولديه، سليمان، والوليد.
وقوله: "شديد ضريرها": معناه كثير ما يهونها بعلها ويكلفها ما يشق عليها، إذ ليست عنده بكريمة، ولا حظية، إذ ليست أيضاً مرعية لحسبها، ولا لكرم قومها، فهو يسومها الخسف، وتقيم عنده على أشد الهوان.
стр. 79
وقد وصف دغفل بني جعفر بن كلاب، لمعاوية حين سأل عنهم، وقال: "أعناق ظباء، وأعجاز نساء"، ولهذا وصفهم الشاعر، فقال: لا صدور لهم، أي: إنما لهم الأعجاز، أي؛ قوتهم في أعجازهم، لا في صدورهم.
الإعراب
وحذف "الفاء" من جواب "أما" ضرورة الشعر، لأن هذه "الفاء" هي التي في جواب الشرط، و"أما" حرف متضمن معنى الشرط، وتحرير قولك: "أما زيد فمنطلق" مهما يكن من شيء فزيد منطلق، إذ صرحت بلفظ الشرط، فتجد الفاء في الجواب مقدمة في صدر الجزأين، ولا تقول: أما زيد منطلق، كما تقول فيما هو في معناه، وإنما ذلك لإصلاح اللفظ.
ووجه إصلاحه، أن هذه الفاء، وإن كانت جواباً، ولم تكن عاطفة، فإنها على لفظ العاطفة، وبصورتها، فلو قالوا: "أما زيد منطلق"، كما قالوا: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، لوقعت الفاء الجارية مجرى فاء العطف، وبعدها اسم، وليس قبلها اسم، إنما قبلها في اللفظ حرف، وهو "أما" فتنكبوا ذلك لذلك، ووسطوه بين الجزأين، ليكون قبلها اسم وبعدها اسم، فتأتي على صورة العاطفة، فقالوا: "أما زيد فمنطلق"، كما تأتي عاطفة بين الاسمين، في نحو: "قام زيد فعمرو". و"أما" مركبة من "أن" الناصبة، ضمت إلها "ما" ولا يليها إلا الاسم. وحذف خبر "لكن"
стр. 80
اكتفاء بقوله: "لجعفر"، والتقدير: ولكن لها أعجازاً. والعرب تحذف خبر"إن" و"لكن"، إذا فهم المعنى، أنشد سيبويه قول الفرزدق:
فلوْ كنتَ ضبَّيّاً عرقتَ قرابتي ... ولكنَّ زنجيَّاً عظيم المشافرِ
أراد: ولكن زنجياً لا بعرف قرابتي. ومنهم من يرفع "زنجياً عظيم المشافر"، ويجوز الرفع، وتضمر الاسم كأنه قال: "ولكنك زنجي" ومثله:
وما كنتَ ضغَّاطاً ولكنَّ طالباً ... أناخَ قليلاً فوقَ ظهرِ سبيلِ
وقال طرفة:
وتبسمُ عنْ ألمى كأنَّ منوِّراً ... تخلَّلَ حرَّ الرملِ دعصٌ لهُ ندي
стр. 81
أراد: كأن فيه منوراً. فحذف الظرف الذي فيه، خبر "كأن".
وأنشد أبو علي في الباب:
(١٦)
فأمَّا القتالُ لا قتالَ لديكمُ ... ولكنَّ سيراً في عراضِ المواكبِ
هذا البيت للوليد بن نهيك، أحد بني ربيعة بن مالك بن حنظلة منن بني تميم، ويكنى أب حزاقة، وينسب للكميت بن زيد بن الكميت بن معروف بن الكميت.
الشاهد فيه
كالشاهد في البيت الذي قبله، من كون "القتال" الأول في ضمن القتال الثاني، أو يكون "القتال" الأول هو الثاني، على نحو ما تقدم.
стр. 82
لغة البيت
العراض: جمع عرض، خلاف الطول، قال
أمنكَ برقٌ أبيتُ اللَّيلَ أرقبه ... كأَّنَّهُ في عراضِ الشَّامِ مصباحُ
وعروض: من جمعه الكثير أيضاً، وأما جمعه القليل، فأعراض، عن ابن الأعرابي وأنشد:
يطوونَ أعراضَ الفجاجِ الغبرِ ... طيَّ أخي التَّجرِ برودَ التَّجرِ
ويقال: عرض عرضا، وعراضة: إذا صار عريضاً، قال كثير عزة:
إذا ابتدرَ الناسُ المكارمَ بذَّهمْ ... عراضةُ أخلاقِ ابن ليلى وطولها
والجمع: عرضان، والأنثى: عريضة وعراضة.
معنى البيت
يعير بني عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، بالفرار من الزحف وقبل البيت:
فأربعُ راياتٍ بهنَّ فررتمُ ... من الموتِ تلكمْ سبّةُ ملعجائبِ
стр. 83
فأمّا القتالُ لا قتال لديكم..... البيت
فضحتمْ قريشاً بالفرارِ وأنتمْ ... قمدّون سودانٌ عظامُ المناكبِ
وقد هجا الفرزدق خالد بن عبد الله حين قدم البصرة إلى الشام فقال:
وقلْ لبني السَّوداءِ قدْ فرَّ فرَّةً ... فلم تبقَ إلاَّ فرَّةٌ في استِ خالدِ
فضحتمْ أميرَ المؤمنينَ وأنتمُ ... قمدُّونَ سودانٌ جلادُ السَّواعدِ
وهجا عبيد الله بن قيس الرقيات أمية بن عبد الله، أخا خالد، إذ سار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام فاراً.
وهجا كعب الأشقري عبد العزيز بن عبد الله بن خالد، حين فر من
стр. 84
الأزارقة، وأسلم امرأته، أم حفص بنت المنذر بن الجارود العبدي، وهي التي بلغت مائة ألف، وكانت من أجمل النساء، فأنقذها عمرو العبدي، فأتى بها أخاها، الحكم بن الجارود، فأعطاه الحكم عشرة آلاف دينار، وقال له: ما غسل العار عنا أحد غيرك.
الإعراب
حذف الفاء هنا ضرورة، وحذف خبر "لكن" على تقدير: ولكن لكم سيراً، ويجوز النصب في "القتال" لأنه مصدر ينتصب على المفعول له، كما انتصب ذلك من قول ابن ميادة:
ألا ليتَ شعري هلْ إلى أمِّ مالكٍ ... سبيلٌ فأمَّا الصَّبرَ عنها فلا صبرا
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٧)
تزوّدْ مثلَ زادِ أبيكَ فينا ... فنعمَ الزَّادُ زادُ أبيكَ زادا
هذا البيت لجرير، يمدح عمر بن عبد العزيز.
الشاهد فيه
اجتماع التمييز والمميز على جهة التأكيد.
стр. 85
وأجازه أبو بكر بن السراج، وأبو العباس المبرد، وجماعة من النحويين، على جهة التأكيد، وكلهم احتج ببيت جرير هذا، ومنعه جماعة. وسيبويه ﵀، لا يجوز عنده. إظهار هذا المضمر، لأن المفسر يغني عن إظهاره، فإذا لم يذكر المفسر، أظهر الفاعل.
قال أبو علي الفارسي: "إذا قلت: نعم الرجل رجلاً" فقولك: "رجلاً" توكيد، لأنه مستغنى عنه بذكر الرجل أولاً، وهو بمنزلة قولك: عندي من الدراهم عشرون درهما، وقيل: إن هذا من ضرورة الشعر.
والسيرافي لا يجيز الجمع بينهما، وقال أبو الفتح بن جني: "الرجل" في قولك: نعم الرجل زيد، غير الرجل المضمر في "نعم" من نحو قولك: نعم رجلاً زيد، لأن المضمر على شريطة التفسير، لا يظهر ولا يستعمل ملفوظاً به، ولذلك قال سيبويه: "هذا باب مالا يعمل في المعروف إلا مضمراً" أي: إذا فسر بالنكرة، في نحو: نعم رجلاً زيد، فإنه لا يظهر أبداً، وإذا كان كذلك، علمت زيادة "الزاد" في بيت جرير، وذلك أن فاعل "نعم" مظهر، فلا حاجة به إلى التفسير، ومثله "اللام" في قولنا: "الآن حد الزمانين"، غير اللام في قوله سبحانه: (قالوا الآن جئت بالحق) ، لأن "الآن" من قولهم: الآن حد الزمانين "بمنزلة الرجل أفضل من
стр. 86
المرأة والملك أفضل من الإنسان، أي: هذا الجنس أفضل من هذا، وهي في قوله تعالى: (الآن جئت بالحق) زائدة".
ومثل بيت جرير، قول أبي بكر بن الأسود:
ذريني أصطبحْ يا بكرَ إنِّي ... رأيتُ الموتَ نقَّبَ عن هشامِ
تخيَّرهُ ولم يعدلْ سواهُ ... ونعمَ المرءُ منْ رجلٍ تهامِ
وهذا أبين من بيت جرير، لأن "زاداً" في بيت جرير يحتمل وجهين غير ما أدخله عليه أبو علي: الأول: أن يكون مفعولاً بقوله: "تزودْ" وتنصب "مثل" على الحال، لأنها صفة نكرة مقدمة عليها، فيكون مثل قوله:
وبالجسمِ منِّي بيّناً ... شحوبٌ وإنْ تستشهدي العينَ تشهدِ
الثاني: أن ينتصب على التمييز من "مثل"، على حد قولك: "ما رأيت مثله رجلاً" فإن قلت: كيف يصح أن يكون "زاداً" مفعولاً"بتزود" أو تمييزاً "لمثل" وهو
стр. 87
في حيز المعطوف، و"مثل" في حيز المعطوف عليه؟!.
فالجواب: أن هذه الجمل قد اتصلت، فهي مثل: "ضربت وضربني زيداً" وهذا متفق عليه، مجمع على جوازه، ولم يعتقده أحد فضلاً بالأجنبي، وهو في الفاء أحسن لشدة الاتصال.
وبعد بيت جرير:
فما كعبُ بن مامةَ وابنُ سعدى ... بأجودَ منكَ يا عمر الجوادا
يعودُ الفضلُ منكَ على قريشٍ ... وتفرجُ عنهم الكربَ الشِّدادا
وقدْ أمَّنتَ وحشهم برفق ... وأعيا الناس وحشكَ أنْ يصادا
وتبني المجدَ يا عمرَ بن ليلى ... وتكفي الممحلَ السَّنةَ الجمادا
وتدعو الله مجتهداً ليرضى ... وتذكرُ في رعيتكَ المعادا
وأنشد أبو علي في باب العوامل الداخلة على الابتداء والخبر.
(١٨)
منْ كانَ مرعى عزمه وهمومه ... روضُ الأماني لمْ يزلْ مهزولا
هذا البيت لأبي تمام، حبيب بن أوس الطائي.
стр. 88
الشاهد فيه
رفع قوله: "مرعى" بالابتداء، و"روض الأماني" خبره، والجملة خبر "كان"، واسم "كان" مضمر فيها، عائد إلى المبتدأ الذي هو "من"، كما تقول: زيد كان أبوه منطلق "يحتمل أن يرتفع "مرعى" بكان و"روض الأماني" خبرها، وتكون الجملة من اسم كان وخبرها، في موضع خبر المبتدأ، الذي هو "من" كما تقول: زيد كان أبوه منطلقاً".
وقد أخذ على أبي علي في الاستشهاد بهن واعتذر له، فقيل: إنما استشهد به لمكان حبيب من الأدب والعلم، فأراد التنويه به والتعظيم لشأنه، وقيل: إن عضد الدولة كان مغرماً بشعره، مفتوناً به، فأدخله في هذا الموضع تصنعاً لعضد الدولة، وإنما يليق بهذا المكان بيت الكتاب:
إذا ما المرءُ كانَ أبوهُ عبسٌ ... فحسبك ما تريدُ إلى الكلامِ
استشهد به سيبويه: على إضمار اسم "كان" فيها.
وبعد البيت:
لو جازَ سلطانُ القنوعِ وحكمه ... في الخلقِ ما كانَ القليلُ قليلا
الرزق لا تكمدْ عليهِ فإنَّه ... يأتي، ولمْ تبعثْ إليه رسولا
يمدح نوح بن عمرو بن حوي السكسكي:
стр. 89
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩)
ولا أنبأنَّ أنَّ وجهكِ شأنهُ ... خموشٌ وإن كانَ الحميمُ حميمُ
هذا البيت لعبد قيس بن خفاف البرجمي، يكنى أبا جهل وقيل: أبا جبيل.
الشاهد فيه
إضمار الأمر والشأن في "كان" و"الحميم حميم" مبتدأ وخبر، في موضع خبر "كان".
لغة البيت
النبأ: الخبر. والخموش: الخدش، والخموش: البعوض. والخماشة: الجناية والجراحة. والخوامش: مسيل الماء: واحدتها: خامشة. والحميم: القريب، والحميم في غير هذا: العرق، وهو أيضاً الماء الحار.
معنى البيت
يخاطب زوجه، ويحضها على الصبر، إن نزلت بها مصيبة، من فقد حميم أو غيره.
وقبل البيت:
أفاطمَ إنِّي ذاهبٌ فتبيَّني ... ولا تجزعي كلُّ النساء يئيمُ
стр. 90
يقال: آمت المرأة، تئيم، أئمة، وأيوماً، إذا مات زوجها، وهي أيم والجمع: أيامى، كسر "أيم" على القلب، وأيم "فيعل" من الأيمة، كلين، وأصل تكسيرها: "أيائم، بالهمز على قياس قول صاحب الكتاب، وأيايم، غير مهموز على قياس قول أبي الحسن، وعلى الخلاف المشهور بينهما في ذلك.
ووزن "أيائم" "فياعل" ثم قدمت اللام على العين، فصار التقدير بها إلى "أيام"، "فيالع"، ثم أبدلت الكسرة فتحة، وانقلبت الياء ألفاً، لانفتاح ما قبلها، فصارت "أيامى" كقولهم: في مدار وصحار: مدارى وصحارى.
الإعراب
قوله: "ولا أنبأن" مثل قولهم: لا أرينك ها هنا، فالنهي في اللفظ للمتكلم، كأنه ينهى نفسه، وهو للمخاطب في المعنى، وتأويله، لاينبئني أحد أنك خمشت وجهك، أي لا تفعلي ذلك، فأنبأ به.
وقوله: "وإن كان الحميم حميم" يريد: حميماً. كريماً عزيزاً عليك فقده، فحذف الصفة لعلم السامع.
وأنشد أبو علي في باب إن وأخواتها.
(٢٠)
إنَّ منْ لامَ بني بنتِ حسَّا ... ن ألمهُ وأعصهِ في الخطوبِ
هذا البيت للأعشى، ميمون بن قيس البكري، ويكنى أبا بصير.
стр. 91
قال أبو عبيد البكري: قال ابن دريد: العشو من الشعراء ثمانية، وتتبعتهم أنا فوجدتهم خمسة عشر أعشى، وهم أعشى بني بكر، أعشى بني تغلب، أعشى بني ربيعة، أعشى همدان، أعشى شيبان، أعشى باهلة، أعشى بني الجرماز، أعشى عكل، أعشى عنزة، أعشى طرود، أعشى بني أسد، أعشى بني عقيل، أعشى بني مالك، أعشى بني تميم، أعشى بني سليم.
стр. 92
الشاهد فيه
إضمار القصة والحديث في"إن" ثم حذف ذلك الضمير فكأنه قال: إنه من لام في بني بنت حسان، ثم حذف الضمير على هذا الترتيب للضرورة، وهذا إنما يكون في الشعر، ومثله قول الراعي:
فلو أنَّ حقَّ اليوم منكم إقامةٌ ... وإنْ كانَ سرعٌ قدْ مضى فتسرَّعا
أراد: فلو أنه، ثم حذف الضمير، وقال أمية بن أبي الصلت:
ولكنَّ منْ لا يلقَ أمراً ينوبه ... بعدتهِ ينزلْ بهِ وهوَ أعزلُ
يريد: ولكنه، فحذف، وقال آخر:
إنَّ منْ يدخلِ الكنيسةَ يوماً ... يلقَ فيها جآذراً وظباءَ
أراد: أنه فحذف، ومثله آخر:
فليتَ دفعتَ اله عنِّيَ ساعةً ... فبتنا على ما خيَّلتْ ناعميْ بالِ
стр. 93
ولولا اعتقاد حذف الضمير، ما جاز أن تكون "من" شرطاً، والدليل عل أنه شرط جزمه "ألمه" ثم عطف عليه و"أعصبه في الخطوب"، ولو لم يكن في "إن" ضمير، لما جاز أن يكون شرطاً، لأن الشرط له مصدر الكلام، فلو عمل فيه عامل، خرج عن أن يكون متقدماً، وصار حشواً، وإذا كان ذلك كذلك، بطل أن يكون شرطاً.
معنى البيت
يقول: إنه من لامني في تولي هؤلاء القوم، والتعويل عليهم في الخطوب، ألمه وأعصبه في كل أمر يصيبني، وينزل بي، ويروي:
منْ يلمني على بني بنت حسان
فلا شاهد فيه حينئذٍ على هذه الرواية.
وبعده:
إنَّ قيساً قيسَ الفعالِ أبا الأش? ... عثِ أمستْ أصداؤه لشعوبِ
كلَّ عام يمدني بجموم ... عندَ وضعِ العنان أو بنجيبِ
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢١)
فليتَ كفافاً كان خيركَ كلَّهُ ... وشركَ عني ما ارتوى الماءَ مرتوي
стр. 94
هذا البيت ليزيد بن الحكم بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، يمنى أبا خالد، هذا قول ابن الأعرابي.
وقال غيره: هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص، وعثمان بن عفان ﵁ عمه.
الشاهد فيه
حذف تمنى أن يطول عنه شره، ويكف عنه أذاه، يخاطب أخاه، ويعاتبه عند ربه. ويبين معنى البيت ما قبله.
لسانكَ ماذيٌّ وعينيكَ علقمٌ ... وشرُّكَ مبسوطٌ وخيركَ منطوي
فليت كفافاً........البيت
стр. 95
الإعراب
"كفافاً" خبر "كان" مقدماً، و"خيرك" اسم "كان"، و"شرك" معطوف عليه وتقديره: كان خيرك كفافاً، وكان شرك منتهياً، أي مقلعاً، ما ارتوى أصحاب الماء.
وقوله: "ما ارتوى الماء مرتوٍ" (ما) مع الفعل بتأويل المصدر، ظرفية، أي: أبد الدهر و"مرتو" فاعل ارتوى، و"الماء" مفعوله.
و"كفافاً" مصدر، ولهذا وقع موقع التثنية، بمعنى: مكفوفين، لا علي ولا لي ويتعلق "عني" بكاف، لكونه مصدراً، وهو العامل في الظرف، الذي هو "ما ارتوى الماء" وهذا ظاهر بين لا غبار عليه.
قال أبو علي: "إن حملت العطف على "كان"، كان "مرتو" في موضع نصب على خبر"كان" كما قال طرفة:
أيها الفتيانُ في مجلسنا ... جردوا منها وراداً وشقرْ
وكما قال الآخر:
كفى بالنأيِ منْ أسماءَ كافِ
أي: كافياً.
стр. 96
وقال آخر:
شئزٌ جنبي كأنِّي مهدأٌ ... جعلَ القينُ على الدفِّ إبرْ
وقال الأعشى:
وآخذُ منْ كلِّ حيٍّ عصمْ
وأهل هذه اللغة يقولون: رأيت فرج، يقفون على حرف الإعراب ساكناً، كالمرفوع والمجرور، ولم يحك هذه اللغة سيبويه، لكن حكاها الجماعة أبو عبيدة وأبو الحسن، وأكثر الكوفيين.
ومعنى "مرتو" ها هنا: مقلع أو منته، و"الماء" مرتفع "بارتوى" على حذف مضاف، كأنه قال: ما ارتوى أصحاب الماء، أو شارب الماء".
يقال: ارتويت عن كذا، أي: انصرفت عنه، كما يقلع المرتوي عن شربه، ويتعلق قوله: "عني" "بمرتو" وهو العامل في الظرف.
قال أبو علي: وإن حملته على "ليت" نصبت و"شرك"، "مرتو": مرفوع، يريد: تنصب "وشرك" "بليت" مقدرة و"مرتو" مرفوع على خبر "ليت"
стр. 97
و"الماء" مرفوع على التقدير الأول، ويكون معنى"مرتو" مقلعاً أو منتهياً.
وهذان الوجهان بينان، وإن كان فيهما تكلف، ولا يجوز نصب"الماء" في هذي الوجهين، لبقاء "كان" و"ليت" بلا خبر.
ولا يجوز أن يكون "ما ارتوى" خبر "كان" ولا خبر "ليت"، لانقلاب المعنى، وهو تمنى الشر.
قد أخذ على أبي علي في قوله بعد البيت في"الإيضاح" لانقلاب: وإن حملت المعطوف علة "ليت" نصبت قوله "وشرك"، و"مرتو" في موضع رفع، مع قوله وقول غيره من المحققين: إن هذا الاسم المضمر "ليت" لا يجوز العطف عليه، ولا يجوز تأكيده، ولا وصفه، لأنه مضمر على شريطة التفسير.
وهذا لا لزم أبا علي، لأنه لم يقل: إن حملت العطف عل الضمير الذي هو اسم "ليت" وقد بين هذا ق مواضع من كلامه، فقال في هذا البيت إثر قوله: وتنصب "شرك" بالعطف على "ليت" فتقيم العاطف مقام العامل المعطوف عليه، لا مقام المعمول فيه، لأن ذلك المضمر، لا يجوز أن يعطف عليه، ولا أن يؤكد، ولكن تعطف على "ليت"، يريد: تحمل الجملة بعدها عليها، ولا يجوز أن ينتصب قوله "كفافاً" "بليت" وكان مع ما بعدها في موضع خبرها لأمرين: أحدهما: الابتداء بالنكرة.
والثاني: أن "كان خيرك" ليس هو "كفافاً"، ولا يعود منه ذكر إلى المبتدأ، فبطل، ولم يبق إلا أن يكون كان واسمها وخبرها، خبر "ليت" واسم "ليت" ضمير الأمر. قال أبو الفتح: والتقدير: فليته، أو فليتك فاعلمه.
وأنشد أبو علي في الباب:
стр. 98
(٢٢)
أعدْ نظراً يا عبدَ قيسٍ لعلَّما ... أضاءتْ لكَ النارُ الحمارَ المقيدا
هذا البيت للفرزدق.
الشاهد فيه
إلغاء "لعل" عن العمل، لما دخلت عليها "ما" كفتها عن العمل، ووطأتها للجمل الفعلية، وأزالت اختصاصها بالجمل المبتدئية، ومثله قول الأسود بن كراع:
تحلَّلْ وعالجْ ذاتَ نفسكَ وانظرنْ ... أبا جعلٍ لملَّما أنتَ حالمُ
لغة البيت
"لعل" كلمة معناها: الطمع والإشفاق، وقد جاءت"عل" بغير لام، قال الراجز:
يا أبتا علك أو عساكا
стр. 99
واللام عند بعض النحويين زائدة مؤكدة، وسيبويه يجعلها حرفاً واحداً غير مزيد، وحكى أبو زيد: أن لغة عقيل، "لعل" زيدد منطلق، بكسر اللام الأخيرة، وجر "زيد" قال كعب بن سعد الغنوي:
فقلتُ ادعُ أخرى وارفعِ الصوتَ ثانياً ... لعلِّ أبي المغوارِ منكَ قريبُ
وقال أبو الحسن الأخفش: ذكر أبو عبيدة أنه سمع"لعل" مفتوحة، في لغة من يجريها في قول الشاعر:
لعلَّ الله يمكنني عليها ... جهاراً منْ زهيرٍ أوْ أسيدِ
وقالوا: لعلت، فأنثوا "لعل" بالتاء، ولم يبدلوها "هاء" في الوقف، كما لم يبدلوها في "ربت" وثمت، ولات، لأنه ليس للحرف قوة الاسم، وتصرفه.
وقالوا: لعنك، ورعنك، ولغنك، كل ذلك على البدل.
стр. 100
قال يعقوب: "قال عيسى بن عمر: سمعت أبا النجم يقول:
أغدُ لغنَّا في الرهانِ نرسلهْ
أراد: لعلنا، وكذلك لأننا، قال يعقوب سمعت أبا الصقر ينشد:
أريني جواداً مات هزلاً لأنَّني ... أرى ما ترينَ أو بخيلاً مخلدا
أراد: لعلني، وقال امرؤ القيس:
عوجا على الطَّلل المحيل لأنَّنا
أراد: لعلنا، و"لعل" كلمة للعاثر، كلعاً، قال الهذلي:
وإذا يعثرِ في تجمازهِ ... أقبلت تعسٌ وبدَّته لعل
ويقال: أضاء الشيء الشيء: أناره، قال الشاعر:
стр. 101
أضاءتْ لهمْ أحسابهم ووجوههم ... دجا اللَّيلِ حتَّى نظَّمَ الجزع ثاقبهُ
ويقال: ضاءت النار، تضوء ضوءاً وضياء، وأضاءت: ضد أظلمت، وكذلك غير النار، وقال العباس في رسول الله ﷺ :
وأنتَ لمَّا ظهرتَ أشرقت الأ ... رضُ وضاءتْ بنوركَ الأفقُ
قال الله تعالى: (كلَّما أضاء لهم مشوا فيه) .
معنى البيت
إنه يخاطب عبد قيس بن جعفر بن ثعلبة اليربوعي، فيقول له: انظر وأعد نظرك، لئلا يذهب عنك حمارك المقيد، يهزأ به، يشير إلى أن ناره ضعيفة يسيرة، ليس لها م الضياء إلا مقدار ما يبصر به حماره، إذا أعاد النظر وأنعمه.
وأشار بتقييده حماره إلى ذلته وخموله، فيرقبه لئلا يذهب فيرعى ما ليس له، ويشير إلى أنه لا مال له، ولا هو من أهل الخيل والإبل.
وقيل: إنما يخاطب البعيث، وأنه شبهه بالحمار، لقلة ما عنده من الغنى وأنه أمر بالنظر إلى نفسه في النار، فهو أقوى لنظره، وأشد.
وهذا البيت من قصيدة أولها:
стр. 102
رأى عبدُ قيسٍ خفقةً شوَّرتْ له ... يدا قابسٍ ألوى بها ثمًّ اخمدا
إعدْ نظراً........... البيت
حمارَ كليبيينِ لم يذكروا لهم ... رماحاً ولمْ يلفوا على الخيلِ روَّدا
فما شهدوا يوم النسارِ ولم تعد ... نشاؤهمُ منهم كمياً موسَّدا
ويروى أن جريراً، لما قال كلمته التي أولها:
غداً باجتماعِ الحيِّ نقضي لبانةً ... وأقسمُ لا تقضى لبانتها غدا
إذا صدعَ البينُ الخليطَ وحاولتْ ... بقوٍّ شهاليل النَّوى أن تبدَّدا
وفي هذه القصيدة يقول:
أقولُ له: يا عبدَ قيسٍ صبابةً ... بأيٍّ ترى مستوقدَ النارِ أوقدا
فقال: أرى ناراً يشبُّ وقودها ... بحيثُ استفاضَ الجزعُ شيحا وغرقدا
أعجب الناس بها، وتناشدوها، فقال جربر: كأنكم بابن القين قد قال:
أعدْ نظراً يا عبدَ قيسٍ لعلَّما ... أضاؤتْ لكَ النَّارُ الحمارَ المقيَّدا
فلم يلبثوا أن جاءهم الفرزدق بهذا البيت، فتناشد الناس القصيدة، فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة قد قال:
وما عبتَ منْ نارٍ أضاءَ وقودها ... فراساً وبسطامَ بنْ قيسٍ مقيَّدا
стр. 103
فإذا هي قد جاءت لجرير، وفيها هذا البيت، وهذا من المواردة.
ومثله ما يروى: أن الفرزدق وجريراً خرجا مرتدفين إلى هشام بن عبد الملك، فتزل جرير يبول، فجعلت الناقة تتلفت، فضربها الفرزدق وقال:
علامَ تلفّتينَ وأنتِ تحتي ... وخير الناس كلِّهمُ أمامي
متى تردي الرُّصافةَ تستريحي ... من التهجيرِ والدَّبرِ الدَّوامي
فقال: الآن يجيء جرير، فأنشده هذين البيتين، فيرد علي، ويقول
تلفَّتْ أنَّها تحتَ ابنِ قينٍ ... إلى الكيرينِ والفاسِ الكهامِ
متى ترد الرُّصافةَ تخزَ فيها ... كخزيكَ في المواسم كلَّ عامِ
قال: فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقال: ما يضحكك يا أبا فراس؟ ?! فأنشد البيتين. فقال جرير:
تلفَّتُ أنَّها تحتَ ابنِ قينٍ
وأنشده البيتين بأعيانهما، كما قال الفرزدق سواء.
فقال الفرزدق: والله لقد قلت هذا! فقال له جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد؟! ومن طريف تواردهما أيضاً، أن الفرزدق مر عليه راكب، وهو بالبصرة، فقال له: من أين وجهك؟ فقال: من اليمامة.
стр. 104
فقال: هل لك عهد بابن المراغة؟ فقال: نعم.
قال: فهل أحدث شعراً علقت منه شيئاً؟ قال: نعم.
قال: فهات منه فأنشده:
هاج الهوى لفؤادكَ المهتاجِ
قال الفرزدق:
فانظرْ بتوضحَ باكرَ الأحداجِ
قال فقلت:
هذا هوى شغفَ الفؤادَ مبرِّحُ
فقال الفرزدق:
ونوىً تقاذفُ غيرُ ذاتِ خلج
قال ثم قلت:
ليتَ الغرابَ غداةَ ينعبُ دائياً
فقال الفرزدق:
كانَ الغرابُ مقطَّع الأوداجِ
стр. 105
فما زلت أقول: صدراً، ويقول عجزاً، حتى ظننت أنه قال القصيدة، وسرقها جرير منه.
ثم قال: ويحك! دعنا من هذا، أذكر الحجاج فيها؟! قلت: نعم، قال: إياه أراد.
ومثله ما يحكى أن سليمان بن عبد الملك، أتي بأسرى من الروم، نحواً من أربع مئة، فجعل يدفع الأسرى إلى وجوه من معه فيقتلونهم، حتى دفع إلى جرير رجلاً، فدست إليه بنو عبس سيفاً قاطعاً، فضرب به، فأبا رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسير، ودفع إليه سليمان سيفاً، وقال: اقتله به.
فقال: لا: بل أضربه بسيف مجاشع، واخترط سيفه، فضربه به، فلم يغن شيئاً.
فقال له سليمان: والله لقد بقي عليك عارها وشنارها.
فذكر أن الفرزدق، قال لرواته وأصحابه، كأني بابن المراغة قد قال:
بسيفِ أبي رغوانَ سيفِ مجاشعٍ ... ضربتَ ولمْ تضربْ بسيف ابنِ ظالمِ
ضربتَ بهِ عند الإمامِ فأرعشتْ ... يداكَ وقالوا: محدث غيرُ صارمِ
قال: فما لبث إلا يسيراً، حتى جاءت القصيدة، وفيها هذان البيتان، فعجبنا من فطنة الفرزدق.
стр. 106
الإعراب
اعلم أن "ما" إذا دخلت على "أن" وأخوتها، جاز إعمال بعضها، وإلغاء جميعها.
فالملغى منها "إنما" لا يجوز عند الخليل إعمالها.
والمعمل منها، قد يجوز إلغاؤه "ليتما" وأما "لعلما وكأنما"، فالإلغاء فيهما أحسن، وقد يجوز إعمالها، "ولكنما" بمنزلة "إنما".
والفرق بين بعضها وبعض، أن العرب تزيد"ما" على وجهين: أحدهما: أن تولي الشيء ما لا يليه، وتخرجه عن حكمه، كقولهم: ربما يقوم زيد، وقلما يجلس عمرو.
والوجه الثاني: توكيد غير مغير الكلام عن حكمه كقوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم) و (فبما رحمة من الله) .
فزادت "ما" في "إن" وأخواتها على الوجهين.
وتعتبر زيادتها منها، بأن تنظر إلى ما يحسن اتصال الفل به، ويكثر استعماله معه، فتعلم أنه قد زال عن حكمه الأول، وصار من حروف الابتداء، فينبغي أن تلغيه، كقولك: إنما قام زيد و (إنما يخشى الله من عباده العلماء) .
وما كان بخلاف هذا، فالأولى أن يجري على أصله من العمل، كقولك: ليتما
стр. 107
زيد منطلق، ألا ترى أنك لو قلت: ليتما قام زيد، لم يحس حسن إنما قام زيد، فإعمالها أحسن.
وإما "لعلمَّا" فاستعمال الفعل بعدها أكثر شيء، فالإلغاء فيها أحسن من الإعمال.
والفعل بعد "كأنما" مستعمل كثير، فإعمالها ضعيف جداً، ألا ترى أنك تقول: كأنم قال زيد، (كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلما) .
و"لكنما" في حسن الفعل بعدها، بمنزلة "إنما" فأجراها مجراها في الإلغاء.
وقوله: "أضاءت" فعل ماض، في موضع الحال، وتقديره: لعلما تضيء لك النار الحمار المقيدا، ومثله قول سلمة الجعفي:
وكنتُ أرى كالموتِ منْ بينِ ليلةٍ ... فكيفَ ببينٍ كانَ ميعاده الحشرُ
وضع "كان" موضع "يكون" ومثله كثير.
قال أبو علي: سألت أبا بكر يوماً عن الأفعال، يقع بعضها موقع بعض، فقال: ينبغي للأفعال، أن تكون كلها مثالاً واحداً، لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها، لاختلاف أحوال أزمنتها، فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه من لفظ أو حال جاز وقوع بعضها موقع بعض".
стр. 108
قال أبو الفتح: "وهذا كلام من أبي بكر عال سديد، فاعرفه".
وأنشد أبو علي في باب "ظننت" وأخواتها.
(٢٣)
فإنْ تزعميني كنتُ أجهلُ فيكمُ ... فإني شريتُ الحلمَ بعدكِ بالجهلِ
هذا البيت لأبي الهذلي.
الشاهد فيه
وقوع: "كنت أجهل فيكم"، هذه الجملة موقع المفعول الثاني لتزعميني، كما تقول: زعمت زيداً أبوه منطلق.
لغة البيت
زعمت: بمعنى ظننت، وتكون بمعنى: الكذب، وفي التنزيل (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) . وفيه (فقالوا هذا لله بزعمهم) .
وهذا مما يتعدى إلى مفعولين، فأما قول النابغة:
زعم الغداف بأنَّ رحلتنا غداً
стр. 109
وقوله:
زعم المهامُ بأنَّ فاها باردٌ
فقد تكون الباء زائدة كقوله:
سودُ المحاجر لا يقرأنَ بالسُّورِ
ويحتمل أن تكون، "زعم"، هنا بمعنى: شهد، فعداه كما تتعدى شهد، كقوله تعالى: (وما شهدنا إلا بما علمنا) .
ومصدره: زَعْمٌ، وزُعْمٌ، وزِعْمٌ، وزَعَمَ يزعم زعماً وزعامة: إذا ضمن. قال:
تقول هلكنا إنْ هلكتَ وإنَّما ... على اللهِ أرزاقُ العباد كما زعمْ
стр. 110
وشريت: من الأضداد، يقال: سريت الشيء شراء: بمعنى بعته وبمعنى اشتريته، قال الله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) .
أي: يبيعها، وقال تعالى: (وشره بثمن بخس) . أي: باعوه قال:
إنَّا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ ... عنهُ ولا هو بالأبناءِ يشرينا
يريد: بعن، وبرد: عبده.
ومعنى البيت
أنه خاطب محبوبته، يقول: إن زعمت أنني جهلت في حبكم، فصدقت، لأنني بعت حلمي، واشتريت الجهل، فلا أعلم سواكم، ولا أهوى (إلا) ما تهوين، وقال: فيكم: تعظماً لها، وإقامة الوزن.
следующие страницы →