← Язык

Язык · id 9250

إيضاح شواهد الإيضاح

أبو علي القيسي

Полный текст (856 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ذهب به إلى معنى الذراع، لأنه بمعناه فكسره تكسيره، يقال: ذراع: واذرع والعرب تحمل الكلمة على الأخرى، إذا كانت في معناها، قالوا: نمرٌ، ونمرٌ فكسروا "فعلاً"، تكسير "فعلٍ" لما كان في معناه، لن نمراً في معنى أنمر. وقوله: "فدى لك من أخي ثقةٍ" مبتدأ، و"إزاري" خبره. ويجوز أن يرتفع "فدى" بالابتداء، و"إزاري"، فاعل يسد مسد الخبر. و"فدى": إذا كسر أوله يمد ويقصر، قال: فدى لبني ذهلِ بنِ شيبانَ ناقتي وقال آخر: مهلاً فداءٌ لكَ يا فضالةْ أجرَّهُ الرُّمحَ ولاَ تهاله وإذا فتح أوله، لم يكن إلا مقصوراً، فاعلمه. ويجوز "فداء" بكسر الهمزة والمد والتنوين، وإنما جاز لك ذلك لأنها كثرت في

стр. 177

الاستعمال، ووقعت موقع فعل الدعاء، فبنيت، ودخلها التنوين مع البناء، كما دخل "إيه" وما أشبهها فرقاً بين المعرفة والنكرة. وأنشد أبو علي في الباب. (٤٦) تروَّحي أجدرَ أنْ تقيلي ... غداً يجنبي باردٍ ظليلِ هذان الشطران لأبي النجم العجلي. اختلاف في موضع الشاهد فيه: فقيل: هو في قوله: "تروحي أجدر، أي، وقتاً أجدر، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه، وهو مفعول على السعة. وقيل: موضع الشاهد، "أن تقيلي فيه"، ثم حذف حرف الجر، فصار "تقيليه"، والتقدير: "تروحي في وقت، أجدر أن تقيليه"، فصار مثل قول الآخر: ربَّ يومٍ قمتهُ بمنصلِ أي: "قمت فيه"، ثم حذف "الهاء"، فصار "تقيلي". وقيل: تقديره: "تروحي مكاناً أجدر"، أي: ائتي مكاناً أجدر بأن تقيلي فيه، فحذف الفعل، الذي هو "ائتي"، لدلالة" تروحي" عليه، فصار "تروحي مكاناً أجدر بأن تقيلي فيه"، ثم حذف الموصوف، الذي هو "مكاناً"، فصار تقديره "أجدر بأن تقيلي فيه"، ثم حذف حرف الجر، فصار أجدر "أن تقيليه"، ثم حذف الضمير المنصوب، فصار أجدر "أن تقيلي"، ففيه خمسة أعمال: حذف الفعل الناصب، وحذف

стр. 178

الموصوف، وحذف "الباء"، وحذف "في"، وحذف الضمير، وهناك وجه، وهو أن تقديره: "إئتي مكاناً اجدر أن تقيلي فيه من غيره"، كما تقول: مررت برجل أحسن منه، وأنت أكرم علي من غيرك. وتحقيق موضع الشاهد قوله: "أن تقيليه"، أي، أن تقيلي ذلك المكان، كما قال الآخر: طبَّاخِ ساعاتِ الكرى وقد اتسع في هذه الظروف، فجاءت مسندة إليها الأفعال، التي وقعت فيها مجيء الفاعل، كقوله تعالى: والنهار مبصراً و (بل مكر الليل) فأضاف المكر إليهما، وإنما يمكر فيهما، والنهار يبصر فيه، وقال: فأظلمَ يومي، بعدَ ما كانَ مبصراً ... وفاضتْ دموعي ما ونينُ بأضرعا وقال جرير: وما ليلَ المطيَّ بنائمِ

стр. 179

وقال رؤبة: ونامَ ليلي وتجلَّى همَّي وقالوا: يوم ضاربٌ، أي: يضرب فيه كثيراً. وقد جاءت منتصبة نصب المفعول به، كقوله: ويوماً شهدناهُ سليماً وعامراً وقوله: في ساعةٍ يحبها الطَّعامُ وقد جاءت مسنداً إليها الفعل، إسناده إلى ما لم يسم فاعله، فقالوا: رب يوم مصامٍ فيه، وساعةٍ مضروبةٍ، على حد قولهم: صمت يوماً وضربت ساعة، قال: حملتْ بهِ في ليلةٍ مزؤودةً وقيل: لا شاهد لأبي علي في هذين الشطرين، ليس فيهما ما يشبه ما استشهد به عليه، وهو قوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار) ، فأضاف المكر إليهما، كما

стр. 180

تقدم. وقيل: إنما يليق الاستشهاد به على قوله: (انتهوا خيراً لكم) و (أمنوا خيراً لكم) ، على رأي صاحب الكتاب، لأن "خيراً" ينتصب عنده بفعل محذوف، صار هذا الظاهر بدلاً منه، لنه لما قال: "انتهوا" فغنما يريد أن يخرجه من أمر، ويدخله في آخر، ويقويه، أنه إذا أمره بالانتهاء، فقد أمره بترك شيء، وتارك شيء آتٍ ضده، فكأنه أمره أن يكف عن الشر والباطل، ويأتي الخير والحق، فقول أبي النجم: "تروحي أجدر" يشبه قوله تعالى: (انتهوا خيراً لكم) ، لأنه لما قال: "تروحي"، فكأنه قال: ائتي مكاناً أجدر. وقال الكسائي في قوله تعالى: (انتهوا خيراً لكم) ، أنه منتصب على تقدير: يكن الانتهاء خير لكم. وينتصب عند الفراء، على انه صفة لمصدر مقدرٍ، كأنه قال: انتهوا انتهاء خيراً لكم. معنى البيت يخاطب ناقته، والرواح: من وقت الزوال إلى الليل، ومعنى: أجدرَ، وأحقَّ، وحقيقٌ، وقمنٌ، وقمنٌ، سواءٌ. وأراد: بجنبي جبلٍ باردٍ ظليلٍ، أو مكانٍ. وأنشد أبو علي في الباب.

стр. 181

(٤٧) ربَّ ابن عمَّ لسليمى مشمعلْ طبَّاخِ ساعاتِ الكرى زادَ الكسلْ هذان الشطران للشماخ. و الشاهد فيه "طباخ ساعات الكرى" أضاف "طباخٍ" إلى "الساعات" على تشبيه الظرف من الزمان بالمفعول به، لا لأن "الساعات" ظرف، ولو أراد بها الظرف لم تجز الإضافة إليها، وهي على أصلها من الظرفية، لأنه يقدر معها حرف الجر، وهو "في" التي معناها: الوعاء، والإضافة إلى الحرف غير جائزة، وإنما يضاف إلى الأسماء. لغة البيت المشمعل: الجاد في المر السريع، والمشمعلة: الناقة الخفيفة، واشمعلت الإبل: تفرقت، وأسرعت، وشمعلة اليهود: قراءتهم. والكرى: النوم، يقال: كري يكرى كرى، وكري: دقت ساقه. والكسل: الفاتر الواني، ضد المشمعل، وفعله: كسل يكسل كسلاً.

стр. 182

معنى البيت وصفه بالنشاط والتجلد، يقول: إنه إذا كسل أصحابه عن طبخ زادهم، وقت نزولهم، وغلبة الكرى عليهم، قام مقامهم في ذلك، وتشمر لخدمة أصحابه، وتاب منابهم. والعرب تفخر بمثل هذا، ألا ترى على قول هذا الآخر: وإنَّي لعبدُ الضّّيفِ ما دامَ نازلاً ... وما شيمةٌ لي غيرها تشبهُ العبدا وقال بعضهم: إنما يريد أن حديثه، وحسن أدبه، يقوم مقام زادهم، كما قال الآخر: صادفَ زاداً وحديثاً ما اشتهلا إنَّ الحديثَ جانبٌ من القرى ومن هذا الرجز: أروع في السَّفرِ وفي الحيِّ غزلْ وبعده: أحوسَ في الظَّلماءِ بالرَّمحِ الخطلْ يحمدهُ القومُ وتلحاهُ الإبلْ

стр. 183

الإعراب صحة الإنشاد، بنصب "الزاد" تنصبه على وجهين: الأول: أن ينصب بفعل مضمر، دل عليه "طباخ" تقديره: يطبخ زاد الكسل". والثاني: أن يكون مفعولاً أول، و"الساعات" مفعول ثانٍ، كما تقول: هذا معطي درهم زيداً، ومثله بيت الكتاب. ترى الثَّور فيها مدخلَ الظلَّ رأسهُ ويروى: "زاد الكسل"، بخفض "الزاد"، جعل "الساعات" ظرفاً خالصاً، وفصل بها بين المضاف والمضاف إليه، أعني "طباخ"، و"زاد الكسل"، كما قال أبو حية النميري: كما خطَّ الكتابُ بكفَّ يوماً ... يهوديًّ يقاربُ أوْ يزيلُ وقال عمرو بن قمئة اليشكري: لمَّا رأتْ ساتيدما استعبرتْ ... للَّه درُّ اليومَ منْ لامها

стр. 184

وقال الآخر: فرشني بخيرس، لا أكوننْ ومدحتي ... كناحتِ يوماً صخرةٍ بعسيلِ وقال ذو الرمة، ففصل بالمجرور. كأنَّ أصواتَ منْ إيغالهنَّ بنا ... أواخرِ الميسِ أصواتُ الفراريجِ ومثل هذا قول الآخر: هما أخواَ في الحربِ منْ لاَ أخالهُ ... إذا خافَ يوماً نبوةً فدعاهما وأنشد أبو علي في الباب. (٤٨) فغدتْ كلاَ الفرجينِ تحسبُ أنَّهُ ... مولى المخافةِ خلفها وأمامها هذا البيت لبيد بن ربيعة.

стр. 185

الشاهد فيه استعمال "خلفها وأمامها" اسماً، اتساعاً ومجازاً، والمستعمل فيهما الظرف. لغة البيت غدا، يغدو غدواً، قصد الشيء بالصباح، وغدا يفعل كذا: فعله بالصباح. والفرج: مثل الثغر، وثناه، لأنه أراد ما تخاف منه، خلفها وأمامها، ومولى المخافة: مستقرها وموضعها والأولى بها، كما قال الله تعالى: (مأواكم النار هي مولاكم) وأي: مستقركم الولي بكم. معنى البيت يصف بقرة وحشية، فقدت ولدها، فغدت خائفة حذرة، لأنها أحست بصائد، فتحسب أن كلا طريقيها، من خلفها وأمامها، ممكن له أن يعترها منه، وهذا البيت من قصيدته المشهورة عنه. عفتِ الدَّيارُ محلَّها فمقامها ... بمنى تأبَّدَ غولها فرجامها الإعراب في "غدت": ضمير الوحشية، وقد جرى ذكرها، "وكلا الفرجين": موضعه رفع

стр. 186

بالابتداء، و"كلا" وما بعده إلى آخر البيت، في موضع الحال، وكان الكلام: فغدت تحسب أن كلا الفرجين مولى المخافة، فقدم "كلا" قبل "أن" وأضمره في "أن" وهو اسم واحد في معنى التثنية فحمل ضميره على لفظه. "ومولى المخافة": خبر "أن" ومعناه: موضع المخافة. "وخلفها وأمامها": بدل من خبر "أن" الذي هو "مولى المخافة" وهو رأي أبي علي، قال: "وإن كان على لفظ الإفراد، فإنه في المعنى لاثنين"، ويجوز أن يكون بدلاً من "كلا" ويجوز أن يكون "خلفها وأمامها"، خبر ابتداء مضمر ولا يجوز نصب "كلا" على الظرف، لأنه مخصوص، وهو قول أبي علي الفارسي في "التعاليق". وأنشد أبو علي في الباب. (٤٩) صددتِ الكأسَ عنَّا أمَّ عمرو ... وكانَ الكأسُ مجراها اليمينا وقع هذا البيت لعمرو بن كلثوم التغلبي، في قصدته المشهورة: ألا هبَّي بصحنكِ فاصبحينا

стр. 187

وذكر أبو الفرج الأصبهاني، أنه لعمرو بن عدي بن أخت جذيمة الأبرش. الشاهد فيه قوله: "اليمينا"، يحتمل أن يكون اسماً، وأن يكون ظرفاً فمن رفع "مجراها" بالابتداء، كان "اليمين" ظرفاً في موضع "الخبر"، كما تقول: "زيد أمامك، أو عندك". وإن جعلت "مجراها" بدلاً من "الكأس"، جاز أن تنصب "اليمين" على وجهين: أحدهما: أن يكون "المجريى" هو "اليمين" اتساعاً، فيكون "اليمين" خبر "كان"، أو يكون التقدير: "وكان الكأس مجراها ذات اليمين"، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والثاني: أن ينتصب على الظرف فيكون في موضع نصب، بأنه خبر "لكان" و"الكأس" مؤنثة: قال الله تعالى: (بكأسٍ منْ معينٍ، بيضاءَ) ومجراها: جريها أو تصرفها. وأم عمرو: جارية لمالك وعقيل.

стр. 188

زعموا ان "رقاش" أخت "جذيمة" تزوجها عدي، في خبر طويل، فولدت له غلاماً، فسمته عمراً، وربته حتى ترعرع، وألبسته ثياباً، ثم أزارته خاله، فأعجب به، وسوده، وأكرمه وحباه، وقربه. ثم إن الجن استطارعه فيما زعموا، فلم يزل جذيمة يرسل في الآفاق في طلبه، فلم يسمع له خبراً. فأقبل رجلان، يقال لأحدهما: مالك، وللآخر عقيل، ابنا فالج، وهما يريدان الملك جذيمة بهدية، فنزلا على ماء، ومعهما قينة يقال لها: أم عمرو فنصبت لهما قدراً، وأصلحت لهما طعاماً، فبينا يأكلان، إذا أقبل رجل أشعث أغبر، قد طالت أظفاره، وساءت حاله، حتى جلس مزجر الكلب، فمد يده، فناولته شيئاً، فأكله، ثم مد يده، فقالت "إن يعط العبد كراعاً يبتغ ذراعاً"، فأرسلتها مثلاً، ثم ناولت صاحبها، من شرابها، وأوكت زقها، فقال عمرو بن عدي هذا الشعر: صددتِ الكأسَ عنَّا أمَّ عمرو ... وكانَ الكأسُ مجراها اليمينا وما شرُّ الثَّلاثةِ أم عمرو ... بصاحبكِ الَّذي لا تصحبينا فقال له الرجلان: من أنت.؟ فقال: إنْ تنكراني أو تنكرا حسبي ... فأنا عمروٌ وعديٌّ أبي

стр. 189

فقاما إليه، ولثماه، وغسلا رأسه، وقلما أظفاره، وقصرا من لمته وألبساه من طرائف ثيابهما، وقالا: ما كنا لنهدي للملك هدية، أنفس عنده من ابن أخته. فخرجا به حتى وصلا إلى الملك، فشراه به، فصرفه إلى أمه، فألبسته من ثياب الملوك، وجعلت في عنقه طوقاً، كانت تلبسه إياه، وهو صغير، وأمرته بالدخول على خاله، فلما رآه، قال: "شب عمرو عن الطوق" فأرسلها مثلاً. وقال للرجلين اللذين قدما به: احتكما، فلكما حكمكما. فقالا: منادمتك، ما بقيت وبقينا. فقال: ذلك لكما. فهما ندمانا جذيمة، وهما اللذان عنى الشاعر: ألمْ تعلمني أنْ قدْ تفرَّقَ قبلنا ... خيلاً صفاءٍ مالكٌ وعقلُ وأنشد أبو علي في الباب. (٥٠) كأنَّ مجرَّ الرَّامسات ذيولها ... عليهِ حصيرٌ نمقتهُ الصَّوانعُ هذا البيت للنابغة الذبياني.

стр. 190

الشاهد فيه "كان موضع مجر"، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو مصدر مضاف إلى "الرامسات" وهي فاعلة في المعنى. و"ذيولها": منتصبة بالمصدر الذي هو "مجرٌ"، و"حصيرٌ": خبر "كأنَّ" ولا يجوز أن ينتصب المصدر بكان، و"حصير" خبره، من طريق أن "مجر" عرض، و"الحصير" جوهر، والجوهر لا يكون خبراً عن العرض. فإذا أردت به ما تقدم، من تقدير: "الموضع"، والموضع جوهر، استقام تشبيه الجوهر بالجوهر، وانتصاب "الذيول" بالمصدر. ويجوز أن تجعل "مجر" ظرفاً، وتنصب "الذيول" بفعل مضمر، فيكون التقدير: كأن مجر الرامسات جرت ذيولها عليه حصير. لغة البيت الرامسات: الرياح التي تحمل التراب، فترمس به الآثار، أي: تدفنها والرمس: التراب، ورمس القبر: ما حشي فيه، يقال: أرمسناه بالتراب، والرمس: القبر نفسه، والرمس أيضاً: الصوت الخفي. ويروى، قضيم، والقضيم هاهنا: الحصير المنسوج، والقضيم أيضاً: جمع قضيمة، وهي الصحيفة البيضاء، والقضيم: الفضة والقضيم: اسم ما قضمت الدابة. ومعنى "نمقته" زينته، والصوانع: جمع صانعة، على القياس.

стр. 191

معنى البيت ظاهر: شبه آثار الديار، بنقش على مبناة، وكانوا ينقشون النطع بالقضيم، وهي الصحف البيض تقطع وتنقش بها الأدم، تلزق عليه وتخرز، كما تنقش على المساور، وكانوا يتخذون المبناة، كالخذر للعروس، والقبة والبناء واحد، واللطيمة: سوق يباع فيها الطيب، عن أبي عمرو. وأنشد أبو علي في الباب. (٥١) وظلَّتْ بملقى وأحفٍ جرعَ المعى ... قياماً تفالى مصلخمَّا أميرها هذا البيت لذي الرمة. الشاهد فيه كالشاهد في الذي قبله، أراد: بموضع "ملقى"، ثم حذف موضع، وأقام المصدر مقامه، ومثلهما قول أبي خراش الهذلي: وإنَّكَ لوْ أبصرتَ مصرعَ خالدٍ ... بجنبِ السَّتارِ بينَ أظلمَ فالحزمِ فهو على حذف مضاف، التقدير: مكان أو موضع مصرع خالد، ألا ترى أن "المصرع" مصدر، والمصدر لا يجوز أن يرى وإنما يرى مكان الفعل لا الفعل،

стр. 192

ويؤكد ذلك أنه قال: "بجنب الستار" فعلق به المجرور، كما قال الآخر: تمَّتْ نعيمةُ إلاَّ في ملاحتها ... فالحسنُ منها بحيثُ الشَّمسُ والقمرُ لغة البيت واحف: موضع بعينه، والجرع أرض ذات حزونة، تشاكل الرمل، وقيل: الجرع: الرملة السهلة، وقيل: الدعص لا ينبت. وجمعه: أجراع وجراعٌ، وهو أيضاً الجرعة، وجمعها جراع. وهو أيضاً: الجرعة، وجمعها جرعٌ، وهو أيضاً الجرعاء، وجمعها جرعاوات. والمعى موضع من الرمل معروف، والمعي: كل موضع بالحضيض. وقال أبو حنيفة: المعى: سهل بين صلبين، قال ذو الرمة: بصلبِ المعى أو برقةِ الثَّورِ لمْ يدع ... لها جدَّةً مرُّ الصَّبا والجنائبِ وقيل: المعى: مسيل الماء في الانحدار. وتفالى: يفلي بعضها بعضاً، وهو حك بعضها بعضاً، فجعله فلياً، تجوزاً. والمصلخم: العظيم في نفسه، المستكبر لا يحركها، ولا ينظر إليها، وقيل: المصلخم: الساكن لا يتحرك. معنى البيت يصف حماراً وأتناً.

стр. 193

وبعد البيت: فما زالَ فوقَ الأكومِ الفردِ واقفاً ... عليهنَّ حتَّى فارقَ الأرضَ نورها وراحتْ لإدلاجٍ عليها ملاءةٌ ... صهابيةٌ منْ كلَّ نقعٍ يثيرها فما أفجرتْ حتَّى أهبَّ بسدفةٍ ... علاجيمَ عينِ أبنيْ صباح نثيرها الإعراب أضاف المصدر: الذي هو "ملقى" غلى الفاعل، الذي هو "واحف" و"جرع المعى" مفعول، أي: بموضع لقي "واحفٌ جرع المعي"، أو واجهه. ونصف "قياما" على خبر "ظلت" وعلق به "بملقى"، و"تفالى": في موضع نصب نعت "لقياماً"، ومثله "مصلخما". ويروى بفتح الميم وضمها من ملقى. وروى أبو علي هذا البيت، "فظل" على التذكير، وقال "قياما" على المعنى، وكان ينبغي أن يقول "قائماً" لكن حمل على المعنى، لأن القطيع مفرد مذكر في اللفظ. وأنشد أبو علي في باب المفعول معه. (٥٢) فأليتُ لا أنفكُّ أحدو قصيدةً ... تكونُ وإيَّاها بها مثلاً بعدي هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي.

стр. 194

الشاهد فيه قوله: "تكون وإياها" نصب على المفعول معه. لغة البيت معنى آليت: حلفت، إيلاء وألية، ومعنى لا أنفك: لا أنفصلُ ولا أنزل، وأحدوا: أغني وأنشد، ومن رواه بالذل المعجمة فمعناه: أصنع وأحكم ألفاظها، وأتقن معانيها، من قولك: حذوت النعل، إذا سويتها على مثال واحد. معنى البيت أن أبا ذؤيب خاطب ابن عم له اسمه خالد بن زهير، وكان أو ذؤيب قد بعثه إلى أم عمرو امرأة كان أبو ذؤيب يحبها، وهي التي يشبب بها فأرادت خالد بن زهير على نفسه، فطاوعها، وكان أبو ذؤيب أخذها (من) عويمر بن مالك، فلما بلغ أبا ذؤيب فعل ابن عمه خالد بن زيهر، قال شعره الذي فيه: خليل الَّذي دلَّى لغيَّ خليلتي ... جهاراً فكلاَّ قدْ أصابَ عرورها فشانكها، إنَّي أمينٌ وإنَّني ... إذا ما تحالى مثلها لاَ أطورها فأجابه خالد بن زيهر، فقال شعره الذي فيه: فلاَ تجزعنْ منْ سيرةٍ أنتَ سرتها ... وأوَّلُ راضٍ سيرةً منْ يسيرها

стр. 195

ثم أرسلت أم عمرو إلى أبي ذؤيب تترضاه، فقال: تريدينَ كيما تجمعيني وخالداً ... وهلْ يجمعُ السَّيفانِ ويحكِ في غمدِ أخالدُ ما راعيتَ منْ ذي قرابةٍ ... فتحفظني بالغيب، أو بعضِ ما تبدي دعاكَ إليها مقلتاها وجيدها ... فملتَ كما مالَ المحبُّ على عمدِ وكنتُ كرقراقِ السَّرابِ، إذا جرى ... لقومٍ وقدْ باتَ المطيَّ بهم يخدي فأليتُ لاَ أنفكُّ أحدو قصيدةً ... تكونُ وإيَّاها بها مثلاً بعدي الإعراب اعلم أن المفعول معه، لم يخلص أن يكون فاعلاً، ولا مفعولاً، على الحقيقة، ولذلك جيء معه بحرف الشركة، المتضمن معنى "مع" دون عمله، وذلك أنه يتابع الفاعل على فعله، ويصاحبه فيه، فهو لا كالشريك، فجيء معه بحرف الشركة. ولما لم يصح أن يكون "فاعلاً"، إذ ليس له داعية غلى الفعل من قبل نفسه، صار "كالمفعول"، إذا هو محمول على أمر ليس من عند نفسه، ولم تكن له صفة مطلقة، على صفتين مختلفتين، إذا لم تكن معناه في إحدى الجهتين. وخص الواو، دون غيرها، لأنها الأصل في باب الشركة، مع اقتضائها الاجتماع في زمن الفعل، في أغلب أحوالها، دون سائر أخواتها. وذهب أبو الحسن على أن انتصاب المفعول معه، انتصاب الظرف، لما وقعت الواو موقع "مع" إذا قلت: "قمت مع زيد"، "ومع" منتصبة على الظرف، وأقمت

стр. 196

الواو مقامها، انتصب "زيد" بعدها على معنى انتصاب "مع". قال أبو الفتح: فيكون منصوباً على هذا القول بنفس الفعل، دون واسطة، كما انتصب "مع" بنفس الفعل دون واسطة. وهذا خلاف ما عليه الجماعة، من أن العامل فيه، الفعل بتوسط "الواو"، و"الواو غير خارجة عن معنى العطف، وعطف ما بعدها على ما قبلها جائز فيه، وبهذا المعنى افترقت من حروف الجر، في أنه لم تعمل الجر بتوسطها، كعمل الحروف الجارة الجر، لتوسطها بين الفعل والاسم. و"إياها": يعني المرأة، والضمير في "بها" ضمير القصيدة، ونصب "مثلاً"، لأنه خبر "كان" وقع موقع التثنية، كما قال الله تعالى: (وجعلنا ابن مريم، وأمه آية) . ويقع "المثل" للجمع، لاقتضائه معنى الكثرة. و"إياها": عند الخليل، اسم مضمر، يضاف إلى ما بعده، للبيان، لا للتعريف، وحكى عن العرب: "إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وإيا الشواب"، وهو عند أبي العباس، محمد بن زيد: اسم مبهم، يضاف للتخصيص، لا للتعريف. وقال الزجاج: هو اسم مظهر، خص به المضمرات، فيضاف إلى سائرها، وللكوفيين ثلاثة أقوال:

стр. 197

الأول: أن إياك وإياه، وأخواتها بكمالها اسم مضمر. الثاني: أن "إيا" اسم مضمر، يكنى به عن المنصوب، زيدت عليه هذه الحروف علامات، يعرف بها الغائب والمتكلم والمخاطب. الثالث: أن "الكاف" وما حل محلها، ضمائر لم يقم بأنفسها، إذا لا تنفرد ولا تكون إلا متصلة بالأفعال، فجعلت لها "إيا" عماداً. وأنشد أبو علي في الباب. (٥٣) ياليتَ زوجكِ قدْ غدا ... متقلَّدَّا سيفاً ورمحاً هذا البيت لعبد اله بن الزبعري. الشاهد فيه قوله "ورمحاً"، إذا لا يجوز هنا عطف "الرمح" على "السيف"، لما كان "الرمح" لا يتقلد، ومثله قول علقمة: تراهُ كأنَّ الله يجدعُ أنفهُ ... وعينيهِ إنْ مولاهُ ثابَ لهُ وفرُ

стр. 198

أراد: يفقأ عينيه، وقال آخر: تسمعُ للأجوافِ منها صردا وفي اليدينِ جسأةً وبددا أي: وتتبينُ في اليدين، وقال آخر: إذا ما الغانياتُ برزنَ يوماً ... وزججنَ الحواجبَ والعيونا أي: وكحلن العيونا، ومثله كثير. وفيه دليل على أن العامل في المعطوف غير العامل في المعطوف عليه، ألا ترى انه لا بد له، أن ينصبه بغير العامل الأول، إذ لا يقال: تقلدت الرمح، ولا جدعت العين. وإذا ثبت هذا في المختلفين، كان حكماً مرجوعاً إليه في المتفقين، وكان أبو علي، يرى أن العامل في المعطوف، هو العامل في المعطوف عليه. وأنشد أبو علي في باب المفعول له. (٥٤) يركبُ كلَّ عاقرٍ جمهورِ مخافةً وزعلَ المحبورِ والهولَ منْ تهوُّلِ القبورِ

стр. 199

هذه الأشطار للعجاج. الشاهد فيه نصب "مخافة، وزعل، والهول" على "المفعول له"، والتقدير: "للمخافة وللزعل وللهول"، فحذف الجار، ووصل "الفعل" فنصب. ولا يجوز مثل هذا: حتى يكون المصدر من معنى الفعل المذكور قبله، فيضارع المصدر المؤكد لفعله، كقولك: "تخوفت بركوبي كل عاقرٍ تخوفاً، وكذا ما بعده، وقال الآخر: وأغفرُ عوراءَ الكريمِ ادخارهُ ... وأعرضُ عنْ شتمِ اللئيمِ تكرُّما والتقدير: أدخرتك لمغفرتي ذنبك أدخاراً، وتكرمت عن شتمك بصفحي تكرماً، وكذلك قصدتك ابتغاء الخير، تقديره: ابتغيت ما عندك بقصدي لكم ابتغاء فإن كان لغير الأول لم يجز حذف حرف الجر، لأنه لا يشبه المصدر المؤكد لفعله، كقولك: قصدت لرغبة زيد في ذلك، لأن الراغب غير القاصد، فلا يجوز حذف حرف الجر هنا، فتقول: قصدتك رغبة زيد.

стр. 200

وسيبويه يجوز كون "المفعول له" معرفة، ونكرة. وزعم بعضهم أن "المفعول له" لا يكون إلا نكرة، كالحال والتمييز، ومما يجيء فيه، "المفعول له"، معرفة ونكرة، غير ما تقدم، قوله: لكِ الخيرُ إنْ أزمعتِ صرمي وأصبحتْ ... قوى الحبلِ بتراً جدَّها الصُّرمَ حاذفُ فنصب "الصرم" على المفعول له، وهو معرفة، ومثله: لمَّا رأى نعمانَ حلَّ بكرفيء ... عكرِ كما لبجَ النُّزولَ الأركبُ فنصب "النزول" على "المفعول له" وهو معرفة. لغة البيت العاقر من الرمل: ما لا ينبت، والجمهور: الرمل الكثير المتراكم، والمحبور: المسرور، والزعل: النشاط. المعنى يصف ثوراً وحشياًن، خائفاً صائداً، أو سبعاً، يركب لقوته كل عاقر، وأكثر فزعه من "الهبور" لأنها مكمن الصائد و"الهبور": جمع هبر، وهو المطمئن من الأرض، ويقال: هبير، وجمعها هبر، و"الهول": الفزع ويروى "الهبور".

стр. 201

وقبل البيت: عاليتُ أنساعي وجلبَ كوري على سراةِ رائحٍ ممطورِ من الدّبيلِ ناشطاً للكورِ وأنشد أبو علي في باب التمييز. (٥٥) أتهجرُ ليلى للفراقِ حبيبها ... وما كان نفساً بالفراقِ تطيبُ الشاهد فيه تقديم التمييز على الفعل، وهو "تطيبُ".

стр. 202

وهذا على مذهب المازني، والمبرد، لن قياسه عندهما قياس الحال. فيجيزان "عرقاً تصببت" و"نفساً طبت"، و"شحماً نفقأت" واحتجا على ذلك، بأن قالا: "العامل" في التمييز شيئان: أحدهما: اسم جامد، والآخر: فعل متصرف. فالاسم الجامد، نحو عشرين درهماً، وأفضل منك أباً. وهذا الضرب لا يجوز تقديم التمييز فيه على الاسم الميز. والضرب الثاني: وهو ما كان العامل فيه، فعلاً متصرفاً، وذلك "نفقأت شحماً" قالا: هذان الضربان في التمييز، يشبهان الحال، وذلك أن العامل في الحال على ضربين. عامل متصرف. وشيء في معنى فعل غير متصرف. فما كان فعلاً متصرفاً، فإن التقديم فيه والتأخير سائغ، كقولك قام زيد ضاحكاً، و"ضاحكاً قام زيد". وما كان العامل فيه معنى فعل، لم يجز تقديم الحال عليه، وذلك قولك "هذا زيدٌ قائماً"، و"خلفك زيدٌ قائماً"، لا يجوز "قائماً هذا زيد" ولا قائماً خلفك زيدٌ، واحتجا أيضاً ببيت المخبل. وسيبويه لا يجيز أن يتقدم "التمييز"، وإن كان العامل فعلاً، لأنه منقول عن "الفاعل، والفاعل لا يتقدم على فعله، وذلك أن قولك: "تفقأت شحماً، معناه:

стр. 203

تفقأ شحمي، "وتصببت عرقاً"، تصبب عرقي، و (اشتعلَ الرَّأسُ شيباً) اشتعل شيب الرأس. فنقل الفعل عن الثاني إلى الأول فارتفع الأول بالفعل المنقول إليه، وصار فاعلاً في اللفظ، فمنع الفعل أن يعمل في فاعله على الحقيقة، لأنه لا يرتفع به أكثر من وأحد وتوابعه، وانتصب المنقول عنه الفعل، والإضافة لا تصح فيه فلم يبق إلا النصب فنصب. وقال أبو علي في "التذكرة": إنما لم يجز تقديم التمييز، لأنه مفسر ومرتبة المفسر أن يقع بعد المفسر. وأيضاً فقد أشبه "عشرين درهماً". وأما "الحال" فهي مفعول فيها، كالظرف، فجاز فيها من التقديم ما جاز فيه. وقال بعضهم: إن "نفساً" في البيت، ينتصب بإضمار "أعني". وعلى هذا لا شاهد للمازني فيه. فكيف والرواية الصحيحة: وما كان نفسي بالفراق تطيب "فالنفس" على هذه الرواية رفع "بكان"، و"تطيب" جملة في موضع خبر "كان"، وعلى رواية المازني، اسم "كان" مضمر فيها، عائد على "الحبيب" و"يطيب" في موضع خبر "كان". و"نفساً" تمييز. ومعنى البيت مفهوم. وأنشد أبو علي في باب الاستثناء المنقطع.

стр. 204

(٥٦) وقفتُ فيها أصيلاناً أسائلها ... عيَّتْ جواباً، وما بالرَّبعِ منْ أحدِ إلاَّ الأواريَّ لأياً ما أبيِّنها ... والنُّؤيَ كالحوضِ بالمظلومةِ الجلدِ هذان البيتان للنابغة الذبياني. الشاهد فيه ما نصب "الأواري" في النفي، وهو الوجه الجيد، لأن "الأواري" من غير جنس الأحدين، فالبدل فيه ضعيف. لغة البيت "أصيلان": تصغير أصل، وأصل جمع أصيل، والأصيل: العشي. وإنما صغره؛ ليدل على قصر الوقت. وقوله: "عيت جواباً": بمعنى عجزت، يقال: عي بالأمر عياً، وعيي وتعايا، واستعيا، هذه عن الزجاج، وهو عي، وعيي، وعيان. قال سيبويه: جمع العيي، أعيياء، وأعياء، التصحيح من جهة أنه ليس على وزن الفعل.

стр. 205

والإعلال، لاستثقال اجتماع الياءين. وقد أعياه الأمر، وأعيا، إذا كل. والربع: منزل القوم، وكأنه سمي بذلك، لإقامتهم فيه زمن الربيع. والأواري: محابس الخيل، ومرابطها، واحدها آري، وتقديره: "فاعول"، وهو من تأريت بالمكان، إذا أقمت به. والنؤي: حاجز من تراب، حول الخباء، لئلا يدخل الخباء السيل. والمظلومة: الأرض التي لم تمطر، فجاءها السيل، فملأها. والجلد: الأرض الصلبة. معنى البيتين وصف أنه مر بالديار عشياً قصيراً، فوقف فيها، وسألها عن أهلها، توجعاً منه، وتذكراً، وأنه لشدة حزنه، وتوجعه، لم يمنعه ضيق الوقت، وقصره من الوقوف بالدار، والسؤال عن أهلها، ووصف أنها خالية من الأنيس، فليس بها إلا مرابط الخيل، ومحابسها، لأنها درست فخفي أثرها، فلا يتبينها إلا بعد بطءٍ، وليس بها أيضاً إلا النؤي، وشبهه بالحوض لاستدارته. الإعراب "أسائلها": في موضع الحال، من ضمير المتكلم. "وجواباً" نصب على التمييز، ويجوز أن يكون مفعولاً بإسقاط حرف الجر. ويجوز رفع "الأواري" و"النؤي" على البدل من موضع أحد.

стр. 206

"ولأياً": مصدر في موضع الحال، و"ما" زائدة. وأنشد أبو علي في باب الضرب الثاني من التمييز. (٥٧) يا جارتا ما أنتِ جارهْ صدره: بانتْ لتحزننا عفارهْ هذا البيت للأعشى "ميمون بن قيس"، استشهد أبو علي بعجزه. الشاهد فيه جواز دخول "من" على قوله "جاره"، فهو في موضع نصب على التمييز، أو نصب على الحال، على ما أجازه من الوجهين. الإعراب قوله: "يا جارتا": هو منادى مضاف، أبدل من كسرة التاء فتحة، فانقلبت الياء ألفاً. وقوله: "ما أنت": "ما" مبتدأ، و"أنت" خبره، وفيه معنى التعظيم، وهو العامل في التمييز.

стр. 207

ومثله قول الهذلي: لعمري لأنتَ البيتُ أكرمَ أهلهُ ... وأقعدُ في أفيائهِ بالأصائلِ فقوله: "أكرم أهله" جملة في موضع الحال، والعامل في هذه الحال، ما في قوله: "لأنت البيت" من معنى التعظيم، كما كان في بيت الأعشى. وأما الكوفيون، فيجعلون هذا ونظائره، لا موضع له من الإعراب؛ لأنهم يعتقدون في مثل هذه الجملة، أنها صلة للألف واللام، تقديرها عندهم. لأنتَ البيتُ الَّذي أنا أكرمُ أهلهُ. ولا يجيز البصريون أن يوصل الألف واللام إلا إذا كانتا داخلتين على اسم الفاعل، كالضارب، والقائم، أو على اسم المفعول، كالمضروب، والمقتول. و"جارة" تمييز، كأنه قال: ما أحسنك جارة، أو ما أنبلك جارة، مثل قولهم: لله دره فارساً، وسبحان الله رجلاً، قال امرؤ القيس: فيا لكَ منْ ليلٍ كأنَّ نجومهُ ... بكلِّ مغارِ الفتلِ شدَّ بيذبلِ والتقدير: يا لك ليلاً. ويروى "ما كنت جاره" ومعناه كمعنى الأول، وتقديره: أي جارة كنت. وبعد البيت:

стр. 208

ترضيكَ منْ دلٍّ ومنْ ... حسنٍ مخالطهُ غرارهْ بيضاءُ ضحوتها وصف ... راءُ العشيَّةِ كالعرارهْ وأنشد أبو علي في الباب. (٥٨) يا سيِّداً ما أنتَ منْ سيِّدٍ ... موطَّأِ الأكنافِ رحبِ الذِّراعْ هذا البيت للسفاح بن بكير اليربوعي، واسمه معدان، ونسب لرجل من قريع. الشاهد فيه قوله: "ما أنت من سيد" على أن موضعه تمييز يدل على ذلك، دخول "من" عليه، كما قالوا: لله دره من فارس، قالوا: لله دره فارساً. "وما أنت" هنا تعجب أيضاً، مبتدأ وخبر. المعنى يرثي يحيى بن شداد، وكان قتل مع مصعب بن الزبير، بالكوفة. يقول: أكنافه يتمكن فيها من لجأ إليه، غير موذى، ولا ناب به موضعه، من قولهم: دابة وطيئ، ذلول، لا تحرك راكبها، ومنه فراش وطيئ، إذا كان وثيراً، لا يؤذي جنب النائم عليه. ومعنى رحب: متسع الخلق، على المثل، والرحب: الواسع. ومنه قولهم: "ضاق به ذرعاً"، أي قلت طاقته عنه.

стр. 209

وأول الشعر: صلَّى على يحيى وأشياعهِ ... ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مطاعْ أمُّ عبيدِ اللهِ ملهوفةٌ ... ما نومها بعدكَ إلاَّ رواعْ يا سيِّداً ما أنتَ منْ سيِّدٍ ... موطَّأِ الأكنافِ رحبِ الذِّراعْ قوَّالِ معروفٍ وفعَّالهِ ... عقَّارِ مثنى أمَّهاتِ الرِّباعْ والمالئِ الشِّيزى لأضيافهِ ... كأنَّها أعضادُ حوضٍ بقاعْ يعدو فلا تكذبُ شدَّاتهُ ... كما عدا الليثُ بوادي السِّباعْ وأنشد أبو علي في باب "كم". (٥٩) تؤمُّ سناناً وكمْ دونهُ ... منَ الأرضِ محدوباً غارها هذا البيت لزهير بن أبي سلمى، وينسب للأعشى. الشاهد فيه فصله بين "كم" وبين المجرور بها، فانتصب على التمييز، لقبح الفصل بين الجار وبين المجرور وقد جاء مثله، قال: كمْ بجودٍ مقرفٍ نالَ العلى ... وكريمٍ بخلهُ قدْ وضعهْ

стр. 210

ويجوز في قوله: "محدودبا" ما جاز في "مقرف". لغة البيت أم: قصد، أم الشيء والطريق أما قصده. وأم القوم: تقدم أمامهم، وأم الرجل إمامة، صار إماماً، وأم الرجل مأمومةً: شجه شجة تبلغ أم الدماغ. وسنان هذا الممدوح، هو سنان بن حارثة. والغار: ما انخفض من الأرض، وغور كل شيء، قعره. وجعل الغائر محدودباً، لما يتصل به من الأكام، ومتون الأرض. ومعنى البيت ظاهر. الإعراب "كم" هاهنا خبرية، مرفوعة بالابتداء، و"غارها": بمعنى غائرها، وقال: غار، كما قيل في السائر: سار، وفي الشائك: شاك، وفي الهائر: هار، قال الله تعالى: (جرفٌ هارٍ) . وقال أبو ذؤيب: وسوُّدِ ماءُ المردِ فاها فلونهُ ... كلونِ النَّؤورِ وهي أدماءُ سارها

стр. 211

أراد: سائرها، وأنشد سيبويه: بادتْ وغيَّرَ آيهنَّ معَ البلى ... إلاَّ رواكدَ جمرهنَّ هباءُ ومشجَّجٌ أمَّا سوادُ قذالهِ ... فبدا وغيَّرَ سارهُ المعزاءُ أراد: سائره. وأبو العباس محمد بن يزيد، يأخذه من السؤر، وهو البقية. وأنكر أبو علي ذلك عليه. من طريق المعنى، واللفظ. وقال: أما المعنى: فلأن السؤر هو البقية، والبقية دون ما سواها من الشق الآخر، كاثنين من عشرة، وواحد من أربعة ونحو ذلك. أما أن تكون البقية أكثر مما مضى فلا، كما أن السؤر الذي هو البقية في الإناء ونحوه دون ما خرج عنه، وقد قال: "سواد قذاله"، وفي بيت أبي ذؤيب، "وسود ماء المرد فاها". وجعل ما ليس بفيها آدم، وما ليس بسواد قذاله، من جميع الجملة سائراً، وكذلك أيضاً بيت والكتاب. ترى الثَّورَ فيها مدخلَ الظِّلِّ رأسهُ ... وسائره بادٍ إلى الشَّمسِ أجمعُ فجعل ما عدا رأسه، وهو أضعافه، سائراً، ولو كان من "السؤر" الذي هو البقية، لتدافع المعنيان، فهذا فساد المعنى. وأما فساد اللفظ؛ فلأن عين "فاعل"، إنما تحذف متى كانت مبدلة عن حرف

стр. 212

لين نحو: "هائر"، لأنه بدل من "واو"، تهور، و"ياء" تهير، وكذلك "شائك" لأنه بدل من "واو" الشوكة، وكذلك "لائث" لأنها بدل من واو لوث، فكذلك حذفت في شاك، ولاث، وهار، وإنما كان كذلك، لأنها اعتلت بالقلب، فلما اعتلت بالقلب، اعتلت أيضاً بالحذف. كما أن فاء "اتقى"، لما اعتلت بالقلب، اعتلت أيضاً بالحذف في قولهم: تقاه يتقيه. وليس كذلك همزة سائل وثائر من الثأر، لأنها كما لم تعل بالقلب، لم تعل بالحذف. وأنشد أبو علي في الباب. (٦٠) على أنَّني بعدَ ما قدْ مضى ... ثلاثونَ للهجرِ حولاً كميلا يذكِّرنيكِ حنينُ العجولِ ... ونوحُ الحمامةِ تدعو هديلا هذان البيتان لعباس بن مرداس. الشاهد فيه ما فصله بين "الثلاثين" وبين "الحول"، بالمجرور ضرورة.

стр. 213

وهو في "كم" يجوز جوازاً حسناً، لأنه صار عوضاً من تمكنها، لأنها لا تكون إلا مقدمة، ولا يجوز تأخيرها، لا تقول: رأيت كم رجلاً، وإنما تقول: كم رأيت رجلاً. والعداد ليست كذلك، لأنها لا تمتنع من التقديم والتأخير، لأنها لم تتضمن معنى يجب لها به التقديم، مثل ما تضمنت "كم" من معنى الاستفهام، فعملت في التمييز، كما يجب متصلاً بها، فالفصل بينها وبين مميزها قبيح على هذا. لغة البيت الهجر: المصارمة والقطع، يقال: هجر صاحبه هجراً وهجراناً، ومنه هجرة المهاجرين، لأنهم هجروا قبائلهم وعشائرهم. والحول: السنة. يقال: حال الحول حولاً، وحؤولاً، والحول أيضاً: الحيلة. والحول: ما دار بالشيء، يقال هم حولك وحواليك. والكميل والكمل والكامل: واحد، ويجمع كميلاً على كمال، بكسر الكاف، وقد يكون "كمالاً" جمع كامل، وهما لغتان، أعني كميلاً وكاملاً، وأما "كمال"، بفتح الكاف، فهو مصدر. ويروى بيت للبيد على وجهين: لوردٍ تقلصُ الغيطانُ عنهُ ... يبذُّ مفازةَ الخمس الكمالِ هذا على من روى "الخمس" بفتح "الخاء" وأما من كسر "الخاء"، فيقول: "الكمال" بفتح الكاف لا غير.

стр. 214

والعجول: الواله من النساء، والإبل، قيل لها ذلك؛ لعجلتها في جيئها وذهابها جزعاً، والجمع: عجل وعجائل، ومعاجيل. والعجول: المنية، لأنها تعجل من نزلت به عن إدراك أجله، قال المرار: ونرجو أنْ تخطَّاكَ المنايا ... ونخشى أنْ تعجِّلكَ العجولُ والعجول: تمر يعجن بسويق، فيتعجل أكله، والعجول: ما استعجل به قبل الغداء، كاللهنة. والهديل: يحتمل هنا أن يكون صوت الحمامة، فيكون مصدراً، والعامل فيه "تدعو" وتقديره: تهدل هديلاً. ويحتمل أن يكون فرخ الحمامة، الذي تزعم الأعراب أن جارحاً صاده، في سفينة نوح، فالحمام تبكي عليه، قال طرفة: فلا أعرفنِّي إنْ نشدتُّكَ ذمَّتي ... كداعي هديلٍ لا يجابُ، ولا يملّْ فالهديل هنا: الفرخ؛ لأن الحمام تدعوه، نائحة عليه، فلا هو يجيبها، ولا هي تمل دعاءه. وأنشد أبو علي في الباب. (٦١) وكائنْ بالأباطحِ منْ صديقٍ ... يراني لوْ أصبتُ هوَ المصابا

стр. 215

هذا البيت لجرير، من قصيدة يمدح بها الحجاج بن يوسف. الشاهد فيه "وكائن بالأباطح" ومعنى "كائن"معنى "كم"، ومثله: وكائنْ رددنا عنكمُ منْ مدجَّجٍ ... يجيءُ أمامَ الحيِّ يردي مقنَّعا لغة البيت بهذه اللغة قرأ عبد الله بن كثير المكي، في قوله: (وكائنْ منْ نبيٍّ قتلَ معهُ) و (كائنْ منْ قريةٍ) . والقراءة الكثيرة، "وكأين" بالتشديد، وهمزة مفتوحة قبلها. وفيها لغات: "كائن" على وزن فاعل، من المنقوص، على وزن نأي، وداع و"كيءٍ" على وزن كيع، و"كأيٍ" على وزن كعي، "وكإٍ" على وزن كع. والأصل في ذلك كله، "كأي" وهي "أي" دخلت عليها كاف التشبيه، فحدث لها من بعد معنى "كم".
следующие страницы →