← Язык

Язык · id 9250

إيضاح شواهد الإيضاح

أبو علي القيسي

Полный текст (856 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أراد: سائرها، وأنشد سيبويه: بادتْ وغيَّرَ آيهنَّ معَ البلى ... إلاَّ رواكدَ جمرهنَّ هباءُ ومشجَّجٌ أمَّا سوادُ قذالهِ ... فبدا وغيَّرَ سارهُ المعزاءُ أراد: سائره. وأبو العباس محمد بن يزيد، يأخذه من السؤر، وهو البقية. وأنكر أبو علي ذلك عليه. من طريق المعنى، واللفظ. وقال: أما المعنى: فلأن السؤر هو البقية، والبقية دون ما سواها من الشق الآخر، كاثنين من عشرة، وواحد من أربعة ونحو ذلك. أما أن تكون البقية أكثر مما مضى فلا، كما أن السؤر الذي هو البقية في الإناء ونحوه دون ما خرج عنه، وقد قال: "سواد قذاله"، وفي بيت أبي ذؤيب، "وسود ماء المرد فاها". وجعل ما ليس بفيها آدم، وما ليس بسواد قذاله، من جميع الجملة سائراً، وكذلك أيضاً بيت والكتاب. ترى الثَّورَ فيها مدخلَ الظِّلِّ رأسهُ ... وسائره بادٍ إلى الشَّمسِ أجمعُ فجعل ما عدا رأسه، وهو أضعافه، سائراً، ولو كان من "السؤر" الذي هو البقية، لتدافع المعنيان، فهذا فساد المعنى. وأما فساد اللفظ؛ فلأن عين "فاعل"، إنما تحذف متى كانت مبدلة عن حرف

стр. 212

لين نحو: "هائر"، لأنه بدل من "واو"، تهور، و"ياء" تهير، وكذلك "شائك" لأنه بدل من "واو" الشوكة، وكذلك "لائث" لأنها بدل من واو لوث، فكذلك حذفت في شاك، ولاث، وهار، وإنما كان كذلك، لأنها اعتلت بالقلب، فلما اعتلت بالقلب، اعتلت أيضاً بالحذف. كما أن فاء "اتقى"، لما اعتلت بالقلب، اعتلت أيضاً بالحذف في قولهم: تقاه يتقيه. وليس كذلك همزة سائل وثائر من الثأر، لأنها كما لم تعل بالقلب، لم تعل بالحذف. وأنشد أبو علي في الباب. (٦٠) على أنَّني بعدَ ما قدْ مضى ... ثلاثونَ للهجرِ حولاً كميلا يذكِّرنيكِ حنينُ العجولِ ... ونوحُ الحمامةِ تدعو هديلا هذان البيتان لعباس بن مرداس. الشاهد فيه ما فصله بين "الثلاثين" وبين "الحول"، بالمجرور ضرورة.

стр. 213

وهو في "كم" يجوز جوازاً حسناً، لأنه صار عوضاً من تمكنها، لأنها لا تكون إلا مقدمة، ولا يجوز تأخيرها، لا تقول: رأيت كم رجلاً، وإنما تقول: كم رأيت رجلاً. والعداد ليست كذلك، لأنها لا تمتنع من التقديم والتأخير، لأنها لم تتضمن معنى يجب لها به التقديم، مثل ما تضمنت "كم" من معنى الاستفهام، فعملت في التمييز، كما يجب متصلاً بها، فالفصل بينها وبين مميزها قبيح على هذا. لغة البيت الهجر: المصارمة والقطع، يقال: هجر صاحبه هجراً وهجراناً، ومنه هجرة المهاجرين، لأنهم هجروا قبائلهم وعشائرهم. والحول: السنة. يقال: حال الحول حولاً، وحؤولاً، والحول أيضاً: الحيلة. والحول: ما دار بالشيء، يقال هم حولك وحواليك. والكميل والكمل والكامل: واحد، ويجمع كميلاً على كمال، بكسر الكاف، وقد يكون "كمالاً" جمع كامل، وهما لغتان، أعني كميلاً وكاملاً، وأما "كمال"، بفتح الكاف، فهو مصدر. ويروى بيت للبيد على وجهين: لوردٍ تقلصُ الغيطانُ عنهُ ... يبذُّ مفازةَ الخمس الكمالِ هذا على من روى "الخمس" بفتح "الخاء" وأما من كسر "الخاء"، فيقول: "الكمال" بفتح الكاف لا غير.

стр. 214

والعجول: الواله من النساء، والإبل، قيل لها ذلك؛ لعجلتها في جيئها وذهابها جزعاً، والجمع: عجل وعجائل، ومعاجيل. والعجول: المنية، لأنها تعجل من نزلت به عن إدراك أجله، قال المرار: ونرجو أنْ تخطَّاكَ المنايا ... ونخشى أنْ تعجِّلكَ العجولُ والعجول: تمر يعجن بسويق، فيتعجل أكله، والعجول: ما استعجل به قبل الغداء، كاللهنة. والهديل: يحتمل هنا أن يكون صوت الحمامة، فيكون مصدراً، والعامل فيه "تدعو" وتقديره: تهدل هديلاً. ويحتمل أن يكون فرخ الحمامة، الذي تزعم الأعراب أن جارحاً صاده، في سفينة نوح، فالحمام تبكي عليه، قال طرفة: فلا أعرفنِّي إنْ نشدتُّكَ ذمَّتي ... كداعي هديلٍ لا يجابُ، ولا يملّْ فالهديل هنا: الفرخ؛ لأن الحمام تدعوه، نائحة عليه، فلا هو يجيبها، ولا هي تمل دعاءه. وأنشد أبو علي في الباب. (٦١) وكائنْ بالأباطحِ منْ صديقٍ ... يراني لوْ أصبتُ هوَ المصابا

стр. 215

هذا البيت لجرير، من قصيدة يمدح بها الحجاج بن يوسف. الشاهد فيه "وكائن بالأباطح" ومعنى "كائن"معنى "كم"، ومثله: وكائنْ رددنا عنكمُ منْ مدجَّجٍ ... يجيءُ أمامَ الحيِّ يردي مقنَّعا لغة البيت بهذه اللغة قرأ عبد الله بن كثير المكي، في قوله: (وكائنْ منْ نبيٍّ قتلَ معهُ) و (كائنْ منْ قريةٍ) . والقراءة الكثيرة، "وكأين" بالتشديد، وهمزة مفتوحة قبلها. وفيها لغات: "كائن" على وزن فاعل، من المنقوص، على وزن نأي، وداع و"كيءٍ" على وزن كيع، و"كأيٍ" على وزن كعي، "وكإٍ" على وزن كع. والأصل في ذلك كله، "كأي" وهي "أي" دخلت عليها كاف التشبيه، فحدث لها من بعد معنى "كم".

стр. 216

ثم كثر استعمالها، فتلعبت بها العرب كأشياء يكثر تصرفها فيها، لكثرة نطقها بها. فقدمت الياء المشددة على الهمزة، فصارت "كيأ" على وزن كيع، ثم حذفت الياء المتحركة، تشبيهاً لها بسيد وميت، فصارت "كيءٍ" بوزن كيع، ثم قلبت الياء ألفاً، وإن كانت ساكنة، كما قلبت في "ييأس"، فصار ياءس، فصارت "كاء" بوزن كاع. وذهب يونس في "كائن" انه فاعل من الكون. وهذا يبعد، لأنه لو كان كذلك، لوجب إعرابه، إذ لا مانع له من الإعراب. وأما "كأي" بوزن كعي، فهو مقلوب "كيءٍ" الذي هو أصل "كاءٍ" وجاز قلبه لأمرين. أحدهما كثرة التلعب بهذه الكلمة. والآخر؛ أنه مراجعة الأصل. ألا ترى أن أصل الكلمة "كأي" فالهمزة إذن قبل الياء. وأما "كإ" بوزن كع، فمحذوفة من "كإ" وجاز حذف الألف لكثرة الاستعمال كما قال الراجز: أصبحَ قلبي صردا لا يشتهي أنْ يردا

стр. 217

إلاَّ عراداً عردا وصلِّياناً بردا يريد: عارداً، وباردا، ألا ترى إلى قول أبي النجم: كأنَّ في الفرشِ القتادَ العاردا وكما قالوا: "أم والله، لقد كان كذا" يريد: أما والله، فحذف "الألف". فإن قلت: فما مثال هذه الكلمة من الفعل؟. قلت: مثال "كأين" كفعل؛ وذلك أن الكاف زائدة. ومثال "أي" فعل كطي وري، مصدر طويت ورويت، وأصل "أي"، أوي؛ لأنها فعل من أويت، ووجه التقائهما أن "أيا" أين وقعت، فهي بعض من كل، وهذا هو معنى "أويت"؛ وذلك أن معنى أويت إلى الشيء: تساندت إليه، قال أبو النجم. يأوي إلى ملطٍ لهُ وكلكلِ أي: يتساند هذا البعير إلى ملاطه، وكلكله، ونحوه قول طفيل الغنوي: وآلتْ إلى أجوازها وتقلقلتْ ... قلائدُ في أعناقها لمْ تقضَّبِ فمعنى آلت: رجعت، والآوي إلى الشيء معتصم به، وراجع إليه، وهذا طريق الاشتقاق. وأما القياس: فكذلك أيضاً؛ وذلك أن باب طويت، وأويت، وشويت مما عينه واو ولامه ياء، هو أكثر من باب حييت، وعييت، مما عينه ولامه ياءان.

стр. 218

ولو نسبت إلى "أي"، لقلت: أووي، كما أنك لو نسبت إلى طي، ولي لقلت: طووي، ولووي. وأما "كاء" فوزنه: كاف، وأصله "كيَّأٍ" وزنه كعلف، فحذفت الياء الثانية، وهي لام الفعل، كما حذفت الثانية من ميت، فبقي "كيءٍ" ووزنه كعف، وقلبت الياء ألفاً، وقلبها ألفاً لا يخرجها عن أن تكون عيناً، ألا ترى أن وزن "قام" في الأصل "فعل"؛ لأنه قوم، ومثال قام في اللفظ "فعل"، فالألف عين، كما كانت الواو التي الألف بدل منها عيناً. وأما مثال "كأي" فإنه كيع؛ لأن الهمزة التي هي فاء، عادت إلى مكانها من التقدم. وأما "كإ" فوزنه كف، والعين واللام محذوفتان. فإن قيل: لم حذفت "الياء" من "كيٍ"، وهلا رددت "الواو" على مذهبك؛ لأنه قد زالت الياء التي قلبت لها العين قبلها ياء، فقدرته: "كوءٍ". قيل: لما تلعب بالكلمة، تنوسي أصلها، فصارت الياء كأنها أصل في الحروف. ودعانا إلى اعتمادها هذا، وإن لم تظهر الياء في اللفظ، أن الألف أبدلت منها، الياء الساكنة ألفاً، أضعاف قبلها من الواو الساكنة. ألا تراهم كيف قالوا: حاحيت، وعاعيت، وهاهيت، وأصلها: حيحيت، وعيعيت، وهيهيت، فقلبت الياء ألفاً. وقلبوها مكسوراً ما قبلها ألفاً أيضاً فقالوا في الحيرة: حاري، كما قالوا في المفتوح: طائي.

стр. 219

معنى البيت يقول: كثير من الأوداء والأخلاء والأصحاب والأحباب بالأباطح ممن يفديني بنفسه، إن ألم بي أمر، أو عراني حادث من الدهر، ويرى مصابي مصاباً عظيماً. وبعد البيت: ومسرورٍ بأوبتنا إليهِ ... وآخرَ لا يحبُّ ليَ الإيابا الإعراب "يرى" هاهنا علمية، و"هو": هنا في موضع رفع، بدل من الضمير الذي في "يراني"، ولا يكون فصلا؛ لأن "هو" الغائب، والمفعول الأول في "يراني" للمتكلم. والفصل إنما يكون الأول في المعنى، كقوله تعالى: (إنْ ترنِ أنا أقلُّ منكَ مالاً وولداً) . ألا ترى أن "أنا" هو المفعول الأول المعبر عنه "بني". ويجوز أن يكون التقدير: يرى مصابي، وما نزل بي المصاب، فيجوز على هذا التقدير: أن يكون "هو" فصلاً، وكذا في رواية من رواه "يراه" أي: يرى نفسه أو "تراه" لو أصبت. هذا قول أبي علي في "شرح الأبيات".

стр. 220

وأراد المصاب العظيم، فحذف الصفة لما فهم المعنى، كما قال الله تعالى: (فلا نقيمُ لهمْ يومَ القيامةِ وزناً) . "أي" نافعاً؛ لأنه بين في الآية الأخرى، أن أعمالهم توزن، وذلك قوله: (ومنْ خفَّتْ موازينه) الآية. وعلى نحو من هذا أجاز النحويون: سير بزيد سير، بالرفع أي: سير واحد لا سيران، ولولا ذلك لم يجز رفع المصدر، لأنه غير محدد، ولا منعوت ولا معرف، ولا يقوم المصدر مقام الفاعل إلا بأحد هذه الشروط. وأنشد أبو علي في باب النداء. (٦٢) يبكيكَ ناءٍ بعيدُ الدَّارِ مغتربٌ ... يا للكهولِ وللشُّبَّانِ للعجبِ هذا البيت لأبي الأسود الدؤلي، وينسب إلى أبي زبيد الطائي، استشهد أبو علي بعجزه. الشاهد فيه كسر لام "وللشبان" وهو معطوف على قوله:

стр. 221

"يا للكهول" فدل على أن الأولى مثلها، و"اللام" في "يا للكهول" مفتوحة لدخولها على مدعو، "وللشبان" معطوف عليه، إذا بالعطف زال اللبس، ودل أنها دخلت على مدعو، فكسرت استمراراً على كسرها مع الظاهر، واستصحابا في حالها، وهي في "يا للعجب" مكسورة؛ لأنها في مدعو إليه، وأصل هذه "اللام" الفتح، ألا تراها مع المضمر كذلك، حيث لا يتبين الإعراب، وكسرت في الظاهر، لئلا تلتبس بلام الابتداء. فإن قيل: فلم فتحت مع المدعو، وكسرت مع المدعو إليه؟. فالجواب: للفرق بينهما. فإن قيل: لو عكس لوقع الفرق، فلم خصت لام المدعو بالفرق؟. فالجواب: أن المدعو منادى واقع المضمر، و"اللام" مع المضمر مفتوحة، فكان المدعو أولى بالفتح، لهذه العلة. ووجه آخر: إنما كانت الأولى أولى بالفتح من الثانية، من قبل أن المدعو له لم يخرج عن منهاج ما تدخله "اللام" المكسورة، لأنك إذا قلت: يا "للعدو"، فمعناه: أدعوكم للعدو، فهي على أصلها. والمنادى المدعو، في دخول "اللام" عليه، خارج عن القياس؛ لأن المنادى لا يحتاج إلى "لام"، فكان تغيير لامه أولى؛ لأن دخولها في غير موضعها، هو معنى حادث أوجب الفصل، فليس فتحها بالفتح الذي يجب في أصل "اللام"، إنما هو تغيير بعد لزوم الكسرة، والدليل على ذلك أنك إذا عطفت عليه، رددته إلى الكسر، وذلك أن الكسر قد صار كالأصل له، بعد الفتح. وينبغي أن يكتب "يا لقومي"، و"يا للكهول". و"يا لبكر"، و"يا لله"، وما كان مثله مما فيه "لام الاستغاثة" موصولا كما ترى؛ وذلك أن هذه "لام الجر" في نحو

стр. 222

قولك: المال لزيد، ولعمرو، كما قدمت، فكما أن تلك موصولة بلا خلاف، فكان ينبغي أن تكون هذه موصولة بما جرته، لا فرق. فأما من ظن أن قولهم: يا لبكر، ويا للمسلمين أنه "يا آل ذا". فتارك لصواب اللفظ، وصحة المعنى. أما اللفظ؛ فلأنه خلاف همزة "آل"، التي هي فاؤه، وألفه التي هي مكان عينه حذفا من غير أن يأتي عليه بدليل، أو يظهر له وقت استعمال. وأما المعنى، فإن قوله: "يا لله"، إنما معناه: يا الله بالدعاء إليه سبحانه، ولا يراد به يا "أهل الله"، وكذلك "يا للمسلمين"، إنما معناه: يا ألله بالدعاء إليه سبحانه، ولا يراد به يا "أهل الله"، وكذلك "يا مسلمين"، إنما معناه: يا مسلمون، وكذلك "يا للعجب"، إنما يدعو نفس العجب، فيقول: هذا من أولائك وليس يريد يا أهل العجب، ولا يا أهل المسلمين، وهذا لاحق بالضرورة. فإن قيل: ليس الغرض هنا عبارة عن "الأهل"، وإنما "الآل": الشخص هنا: فكأنه إذا قال: "يا لبكر، فكأنه قال: يا شخص بكر احضر. فالجواب أن قولهم: "يا الله"، يرفع هذا، وأيضاً لو كان هذا أصلا عندهم لجاز، بل وجب أن يخرج في بعض الأحوال، أو في أكثرها؛ ليدل على الغرض وينفي الظنة والشبهة. وهذا لم يسمع في نظم، ولا نثر، فوجب اطراحه، وترك اعتقاده ويكفي من هذا قولهم: "يا لزيد ولعمرو"، "ويا للكهول وللشبان"، فالعطف باللام الجارة دليل على أن "اللام الأولى"مثلها. والنائي: البعيد، والمغترب: الغريب.

стр. 223

معنى البيت يقول: إذا مات غريب بكاه الغرباء الذين هم مثله، بدار الغربة وإذا نعي إلى أهله سروا بموته، فتعجب من هذا، ودعا ليتعجب منه. وأنشد أبو علي في الباب. (٦٣) إذا اللِّقاحُ غدتْ ملقى أصرَّتها ... ولا كريمَ منَ الولدانِ مصبوحُ وردَّ جازرهمْ حرفاً مصرَّمةً ... في الرأسِ منها وفي الأصلابِ تلميحُ هذان البيتان لرجل من النبيت، والنبيت: حبي من الأنصار، واسمه، عمرو بن مالك بن الأوس. وقيل: هما لأبي ذؤيب الهذلي، ولم أرهما في شعره. الشاهد في البيت الأول، وهو قوله:

стр. 224

"مصبوح" إن شئت جعلته خبراً "للا" النافية، لأنها وما عملت فيه في موضع اسم مبتدأ، وإن شئت جعلته نعتاً لاسم "لا" محمولاً على الموضع ويكون الخبر محذوفا، لعلم السامع، تقديره: "موجود"، والمجرور الذي هو "من الولدان" في موضع الصفة لاسم "لا" متعلق بأجنبي، كأنه قال: ولا كريم ثابت من الولدان مصبوح. لغة البيت اللقاح: جمع لقحة، وهي الناقة الحلوب، وكذلك اللقوح، وجمعها لقح. ويقال: ناقة لقوح، ولا يقال: ناقة لقحة. والأصرة: جمع صرار، كحمار وأحمرة، وهي خرقة تشد على أخلاف الناقة؛ لئلا يرضع الفصيل. ويقال لها أيضاً: الشمال. ومعنى مصبوح: مسقى صبوحا؛ وهو شرب الغداة، قال: متى تأتني أصبحكَ كأسا رويَّةً ... وإن كنتَ عنها ذا غنىً فاغنَ وازددِ والحرف: هاهنا الناقة الضامر الهزيل، ويقال: الصلبة القوية. ومصرمة: مقطوعة اللبن، لعدم الرعي، والمصرمة أيضاً: المقطوعة الأخلاف. والأصلاب: جمع صلب بما يليه، وهو الظهر، كما قال امرؤ القيس: يطيرُ الغلامَ الخفَّ عن صهواتهِ ... ويلوي بأثوابِ العنيفِ المثقَّلِ

стр. 225

والتلميح: بياض في سواد. معنى البيت يقول: هم في جدب، فاللبن عندهم متعذر، لا يسقاه الكريم من الولدان، فضلاً عن غيره، لعدمه عندهم. وجازرهم يرد عليهم من المرعى ما ينحرون للضيف، إذ لا لبن عندهم. واللقاح لا أصرة على أخلافها، إذ لا لبن فيها يتقى عليه أن يرضعه الفصيل. ووقع هذا البيت في كتاب سيبويه، وفي نسخ من "الإيضاح". وردَّ جازرهمْ حرفا مصرَّمةً ... ولا كريمَ منَ الولدانِ مصبوحُ والصحيح ما وقع هنا، وقبل البيتين: هلاَّ سألتِ النَّبيتيِّين ما حسبي ... عندَ الشِّتاءِ إذا ما هبَّتِ الرِّيحُ وأنشد أبو علي في الباب. (٦٤) لا أبَ وابناً مثلَ مروانَ وابنهِ ... إذا هو بالمجدِ ارتدى وتأزَّرا

стр. 226

هذا البيت للكميت بن معروف، وينسب للكميت الأسدي. الشاهد فيه قوله "وابناً" حمله على لفظ "لا أب" ونونه؛ لأن المعطوف لا يجعل هو وما قبله بمنزلة اسم واحد، لأنهما مع حرف العطف، ثلاثة أشياء، والثلاثة لا تجعل اسما واحدا، فلا بد من كون المعطوف معربا. معنى البيت أنه مدح بهذا الشعر مروان بن الحكم، وابنه عبد الملك، وجعلهما لشهرتهما، لابسي المجد، مرتديين به، ومؤتزرين. الإعراب يجوز حذف همزة "لا أب" فتقول: "لا ب لك"، حكاه أبو زيد، وأنشد أبو علي الفارسي، على تخفيفه، قول أبي الأسود الدؤلي: يا با المغيرةِ ربَّ أمرٍ معضلٍ ... فرَّجتهُ بالنُّكرِ منَّا والدَّها وقال آخر: ولستُ بمضطرٍّ ولا ذي ضراعةٍ ... فخفِّضْ عليكَ القولَ يا با المثلَّمِ

стр. 227

وقال آخر: يا با خصيلةَ لنْ يميتكَ بعدها ... يا با خصيلةَ غيرُ شيبِ قذالِ وجاز حذفها لكثرة استعمالهم لها. وقول: "مثل مروان" يجوز رفعه على خبر "لا" وما بني معه، ويجوز نصبه على النعت "لابن". ولو رفعته لتجعله نعتاً على الموضع كان قبيحاً. و"مثل" صفة لهما، ولا تكون صفة لأحدهما، ألا ترى أنه قد أضيف إلى "مروان" وعطف "ابناً" عليه، والعطف بالواو نظير التثنية، وكما أن "مثلهم" في قوله تعالى: "إنَّكمْ إذا مثلهم) . خبر عن جميع الأسماء، حيث كان مضافا إلى ضمير الأسماء، وكذلك يكون "مثل" وصفا للاسمين معا. ورفع "هو" بفعل مضمر، دل عليه ما بعده، على حد قوله تعالى: (إذا السَّماءُ انشقَّتْ) . وإنما قال: "إذا هو" ولم يقل هما، لأنه أخبر عن أحدهما، وهو يريدهما ويعنيهما، اختصارا واكتفاءٍ بعلم السامع. والعرب تفعل ذلك كثيراً، تخرج من الإخبار عن اثنين، إلى الإخبار عن واحد، وذلك أن كل شيئين إذا اصطحبا، وقام كل واحد منهما مقام صاحبه، وجرى على أحدهما ما يجري على الآخر، فإنها تفرد الإخبار عنه، وهي تريدهما معا، قال الله تعالى: (فلا يخرجنَّكما منَ الجنَّةِ فتشقى) . وقال الشاعر:

стр. 228

كأنَّ في العينينِ حبَّ قرنفلٍ ... أوْ ستبلاً كحلتْ بهِ فانهلَّتِ فقال: كحلت وانهلت، وكان حقه أن يقول: كحلتا وانهلتا. وقال الفرزدق: ولو رضيتْ يدايَ بها وضنَّتْ ... لكانَ عليَّ للقدرِ الخيارُ ووجه الكلام "ضنتا"، ومثله كثير. والعامل في "إذا" معنى المماثلة، جعلت "مثل" خبرا، أو صفة. ويجوز أن يكون العامل في "إذا" خبر "لا" إذا أضمرته، وجعلت "مثل" صفة. وأنشد أبو علي في الباب. (٦٥) هذا لعمركمُ الصَّغارُ بعينهِ ... لا أمَّ لي إنْ كانَ ذاكَ ولا أبُ هذا البيت نسبه سيبويه لرجل من مذحجٍ، ونسبه الجاحظ في "كتاب

стр. 229

النخل والزرع" له، لرجل من كنانة، ووقع في "ديوان شعر ابن حمر الباهلي" وذكر عبد الدائم بن مرزوق القيرواني في كتابه "حلى العلى"، أنه لرجل من عبد مناة، وذكر ابن الأعرابي، أنه قيل قبل الإسلام بخمس مئة عام، وقال أبو رياش: أنه لهمام بن مرة أخي جساس بن مرة، قاتل كليب. وقال الأصبهاني: هو لضمرة بن ضمرة. والصحيح أنه لعمرو بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة (و) هو الأحمر. وذكر المفضل الضبي أنه لبعض ولد طيء، وكان يفضل جندباً أحد ولد ولده، عليهم فقال (أحدهم) لآخر منهم، يسمى عمراً: "يا عمرو خبرني" الأبيات. الشاهد في البيت عطف "ولا أب" على موضع الاسم المنفي مع "لا". معنى البيت لهذا للشاعر خبر؛ وذلك أنه كان باراً بوالديه، وكان له أخ يعقهما وكان اسمه

стр. 230

جندباً، وكانا يؤثران العاق عليه، فمتى كان مهم دعي له، وترك العاق، ومتى كان نفع وفائدة دعي العاق وترك البار، يبين هذا قوله: يا ضمرَ خبِّرني، ولست بكاذبٍ ... وأخوكَ نافعكَ الَّذي لا يكذبُ هلْ في القضيَّةِ أنْ إذا استغنيتمُ ... وأمنتمُ فأنا البعيدُ الأجنبُ وإذا الشَّدائدُ بالشَّدائدِ مرَّةً ... أشجتكمُ فأنا الحبيبُ الأقربُ ولما لكمْ أنفُ البلادِ ورعيها ... ولنا الثَّمادُ ورعيهنَّ الأجدبُ وإذا تكونَ كريهةٌ أدعى لها ... وإذا يحاسُ الحيسُ يدعى جندبُ هذا وجدِّكمُ الصَّغارُ بعينهِ ... لا أمَّ لي إنْ كانَ ذاكَ ولا أبُ عجبا لتلكَ قضيَّةً وإقامتي ... فيكمُ على تلكِ القضيَّةِ أعجبُ والحيس: خلط الأقط بالتمر. ومثل هذا المعنى قول: عطية بن عمرو العنبري، من أصحاب المهلب: يدعى رجالٌ للعطاءِ وإنَّما ... يدعى عطيَّةُ للطِّعانِ الأجردِ ومثله قول جرير: لجده الخطفى، وقسم ماله على إخوته، وقصر بجرير، فسأله أن يلحقه بهم، فلم يفعل فقال. فأنتَ أبي ما لمْ تكنْ ليَ حاجةٌ ... وإنْ عرضتْ فإنَّني لا أباليا

стр. 231

الإعراب قوله: "وجدكم" اعترض بالقسم بين المبتدأ وخبره، وهو كثير في القرآن، وفصيح في الشعر، وهو جار عندهم مجرى التوكيد. فمنه قوله تعالى: (فَلا أُقسِمُ بِمَواقِعِ النُّجومِ، وإنَّهُ لَقَسمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيْمٌ) . فهذه الآية فيها اعتراضان: أحدهما: قوله: "وإنه لقسم" اعترض به بين القسم الذي هو: "فلا أقسم" وبين جوابه الذي هو: "إنه لقرآن". والثاني: اعترض بقوله: "تعلمون" بين الصفة والموصوف، الذي هو "قسم عظيم" ومن ذلك قول الشاعر: ألا هلْ أتاها والحوادثُ جمَّةٌ ... بأنَّ امرأَ القيسِ بنَ تملكَ بيقرا فقوله: "والحوادث جمة" اعتراض بين الفعل وفاعله، ومن ذلك قول الشاعر: وقدْ أدركتني والحوادثُ جمَّةٌ ... أسنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عزلِ

стр. 232

وقال آخر: ذاكَ الَّذي وأبيكَ يعرفُ مالكٌ ... والحقُّ يدفعُ ترُّهاتِ الباطلِ وقوله: "وأبيك" اعتراض بين الموصول وصلته وقال عبد الله بن الحر: تعلَّمْ ولوْ كاتمتهُ الناسَ أنَّني ... عليكَ ولمْ أظلمْ بذلكَ عاتبُ فقوله: "ولو كاتمته الناس"، اعتراض بين الفعل ومفعوله، وقوله: ولم أظلم بذلك، اعتراض بين اسم "أن" وخبرها، وهو كثير. وهذا الاعتراض، لا موضع له من الإعراب، ولا يعمل فيه شيء من الكلام المعترض به بين بعضه وبعض. وأنشد أبو علي في باب النكرة المضافة. (٦٦) أبالموتِ الَّذي لا بدَّ أنَّي ... ملاقٍ لا أباكِ تخوِّفيني

стр. 233

هذا البيت لعنترة بن شداد العبسي، في رواية ابن السكيت، ونسب لأبي حية النميري. الشاهد فيه قوله "لا أباك" حذف "اللام" من قولهم: "لا أبا لك وهذه "اللام" تلحق بين المضاف والمضاف إليه، تبييناً لمعنى الإضافة وتوكيداً، نحو "لا أبا لك"، و"لا أبا لزيد"، "الأب": منصوب "بلا"، و"اللام" مقحمة، غير معتد بها، من جهة ثبات الألف في "أب"، وهي معتد بها من جهة أنها هيأت الاسم، لتعمل "لا" فيه؛ إذ لا تعمل إلا في نكرة. فإذا اضطر الشاعر حذفها، لأنها زائدة بين المضاف والمضاف إليه، ومثله قول الآخر: وقدْ ماتَ شمَّاخٌ وماتَ مزرِّدٌ ... وأيُّ كريم لا أباكَ يخلَّدُ وقال آخر في إقحامها: ألقِ الصَّفيحةَ لا أبا لكَ إنَّني ... أخشى عليكَ منَ الحباءِ النَّقرسِ وقال عنترة: فاقنيْ حياءكِ لا أبا لكِ واعلميْ ... أنَّي امرؤٌ سأموتُ إنْ لمْ أقتلِ

стр. 234

وقال آخر: فلوْ كنتَ مولى العزِّ أوْ في ظلالهِ ... ظلمتَ ولكنْ لا يديْ لكَ بالظُّلمِ ومثله في توكيد الإضافة قول النابغة الذبياني: يا بؤسَ للجهلِ ضرَّارا لأقوامِ ومثله قول سعد بن مالك: يا بؤسَ للحربِ الَّتي ... وضعتْ أراهطَ فاستراحوا الإعراب وأراد: تخوفينني، فحذف النون الثانية، لأنها زائدة على الياء، التي هي وحدها الاسم، والأولى علامة رفع الفعل، وهي أيضاً المحذوفة، من قول الآخر: تراهُ كالثَّغامِ يعلُّ مسكاً ... يسوءُ الفالياتِ إذا فليني

стр. 235

ومثله قوله تعالى: (أَتَحاجُّونِي) و (فَبِمَ تُبَشِّرُونِ) و (تُشَاقُّونِ) فيمن قرأ بنون واحدة وأما قول الفضل بن العباس: كلٌّ لهُ نيَّةٌ في بغضِ صاحبهِ ... بنعمةِ اللهِ نقليكمْ وتقلونا فيحتمل أمرين: أحدهما: أنه حذف النون الأخيرة، لإقامة الوزن، لأنها اسم، وليست زائدة على الألف، كما كانت النون الثانية، في "تخوفيني" و"أتحاجوني"، زائدة على الياء، وهي اسم، فحذف النون من "تخوفيني"، "وفليني"أسهل من حذفها في قوله: "تقلونا، وتضربونا". وقد أجاز أبو علي الفارسي، في قوله تعالى: (إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) أن يكون حذف النون الثالثة المزيدة، في "إننا" وهذا كما تراه عجيباً في معناه.

стр. 236

الثاني: أراد، "بنعمة الله أن نقليكم وتقلونا"، فعطف "تقلونا" وحذف النون التي هي علامة الرفع، وحذف "أن" كما قال طرفة: ألا أيُّهذا الزَّاجري أحضرَ الوغى ... وأنْ أشهدَ اللَّذَّاتِ هلْ أنتَ مخلدي بنصب "أحضر" أعمل "أن" وحذفها، وأراد: "نقليكم" فأسكن "الياء" في موضع النصب. قال أبو العباس: إنه من أحسن الضرورات، أعني إسكان "الياء" في موضع النصب، تشبيهاً لها بالألف. ويحتمل أن يكون لما حذف "أن" رفع الفعل على قولهم: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" فيكون المعنى: بنعمة الله تقالينا وتهاجرنا. وعلق قوله: "أبا لموت" هذا المجرور، بقوله: "تخوفيني"، ويجوز أن تجعل "الباء" زائدة، و"الموت"، في موضع المفعول الثاني، وحذف المفعول من "ملاق"، تقديره: ملاق إياه، أو ملاقيه. وأنشد أبو علي في باب الأسماء المجرورة. (٦٧) ربَّ هرقتهُ ذلكَ اليو ... م وأسرى منْ معشرٍ أقتالِ

стр. 237

هذا البيت للأعشى ميمون بن قيس. الشاهد فيه حذف صفة معمول "رب"، لدلالة الكلام عليه، وهو قوله: "وأسرى من معشر". فهذا المجرور، لا يصح أن يكون من صلة "أسرى"؛ لأن و"أسرى" معطوف على "رب" وهي لا بد لها من صفة، فكذلك ما عطف عليها، ويدل على ذلك، أنه أتى بنوعين. فقال: "رب رفد هرقته، ورب أسرى أخذتهم من معشر أقتال"، ومثله قول امرئ القيس: ألا ربَّ قدْ لهوتُ وليلةٍ ... بآنسةٍ كأنَّها خطُّ تمثالِ ويروى "وساعة". فعطف "وليلة"، ولم يصفها، فمن روى "ساعة"، لما كانت تشارك اليوم في الصفة، جاز أن يحذف صفتها من اللفظ، وهي مرادة في المعنى، ومثل هذا قولهم: زيد ضربته، وعمرو، تريد: وعمرو ضربته فاكتفوا بالجملة الأولى، فكأنها ملفوظ بها. وليس "الرفد، والأسرى"، كذلك؛ لأن صفة "الرفد" لا توافق صفة "الأسرى"، فأن تخليت وحملت على المعنى، فقلت: إن إراقة الرفد إتلاف، وأسر الأسرى إهانة وإتلاف، فتكون على هذا الصفتان من جنس واحد، مثل "زيد ضربته وعمرو"،

стр. 238

فتكون قد استغنيت بالصفة الأولى عن الثانية، فيكون الجار على هذا متعلقاً "بأسرى"، فتدبره. لغة البيت الرفد: القدح. يقال بفتح الراء وكسرها، وقال الأصمعي: الرفد بكسر الراء، القدح وبفتحها، مصر رفدتك رفداً. وقال أبو عبيدة: الرفد: بفتح الراء: القدح، وبكسرها المصدر، واختلفا في هذا البيت، فرواه الأصمعي بالكسر، ورواه أبو عبيدة بالفتح. وعدل القول بينهما، أن الرفد بفتح الراء المصدر، وبكسر الراء الاسم. فأما القدح، فيقال فيه: رفد، ورفد، بكسر الراء وفتحها. ويروى: أهرقته. بالألف. والأقتال: أهل الترات، واحدهم قتل. وواحد أسرى: أسير، لأنه في تأويل مفعول، كجريح وجرحى، وهو قياسه، ويجمع أسارى، وقرئ به. وجاء به أبو العلاء في قوله: وما سلبتنا العزَّ قطُّ قبيلةٌ ... ولا باتَ منَّا فيهمُ أسراءُ وهو من الجموع النادرة؛ لأن "فعيلاً" إنما يجمع على "فعلاء" إذا كان في تأويل "فاعل" نحو: كريم وكرماء، ومجاز قولهم في جمعه "أسراء" أنهم يقولون: استأسر

стр. 239

الرجل، فيجعلونه فاعلاً، بمطاوعته بأسره، ويقولون فيما لم يسم فاعله، أسر الرجل فيخبرون عنه، كما يخبرون عن الفاعل، فكما جاز أن يعرب كإعراب الفاعل، كذلك جاز أن يجمع كجمعه. معنى البيت مدح بهذا البيت، الأسود بن المنذر، أخا النعمان بن المنذر وكان غزا أسداً وذبيان، ثم أغار على الطف، فأصاب نعماء وسباء، وأسرى من بني سعد بن ضبيعة بن ثعلبة، والأعشى غائب، فلما قدم أنشده، وسأله أن يهب له الأسرى، ويحملهم، ففعل. يقول: رب رجل كانت له إبل، فسلبتها، فذهب ما كان يحلب منها في الرفد، ورب رجال أسرهم، فتحكمت فيهم. وبعد البيت: وشيوخٍ حربى بشطَّيْ أريكٍ ... ونساءِ كأنَّهنَّ السَّعالي وشريكينِ في كثيرٍ منَ الما ... لِ فكانا محالفيْ إقلالِ الإعراب في "رب" أربع لغات، "رب" مشددة، و"رب" مخففة. قال أبو كبير الهذلي: أزهيرُ إنْ يشبِ القذالُ فإنَّه ... ربَ هيضلٍ لجبٍ لففتُ بهيضلِ وفي الكتاب العزيز: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذينَ كفروا) قرئ بتخفيفها، وتشديدها، و"رب" ساكنة الباء مخففة، و"ربت" بتاء التأنيث.

стр. 240

والعامل في "رب" الفعل الذي تعلقت به، وأكثر ما يأتي محذوفاً أبدا، وكان من حق "رب"، أن تكون بعد الفعل، موصلة له إلى المجرور، كسائر حروف الجر، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد، وذهبت إلى عمرو، أوصلت المرور إلى زيد "بالباء"، والذهاب إلى عمرو "بإلى"، والباء وإلى بعد الفعل، فكان يلزم أن تكون "رب" كذلك. ولكنها لما كنت في أصل وضعها للتقليل، وكانت لا تعمل إلا في نكرة، صارت مقابلة "لكم"، إذ كانت خبرا، فجعل لها صدر الكلام. قال سيبويه: إذا قلتك رب رجل يقول ذاك، فقد أضفت القول إلى الرجل "برب" فالعامل عنده في "رب" هو قولك: "يقول ذاك". وقد خولف فيه. وقيل: هذا لا معنى له، لأن اتصال الصفة بالموصوف يغني عن الإضافة. فإن قيل: هي مختصة بمعنى التقليل فقط، أم تكون للتقليل والتكثير؟ فالجواب: أنها للتقليل خاصة، وبه قال جلة النحويين، وكبراء البصريين، وأنها ضد "كم". كالخليل، وسيبويه، وعيسى بن عمر، ويونس وأبي زيد الأنصاري، وأبي عمرو بن العلاء، وأبي الحسن الأخفش، وسعيد بن مسعدة، وأبي عثمان المازني، وأبي عمر الجرمي، وأبي العباس المبرد، وأبي بكر بن السراج، وأبي إسحاق الزجاج وأبي علي الفارسي، وأبي الحسن الرماني، وأبي الفتح ابن جني، وأبي سعيد السيرافي. وكذلك جلة الكوفيين، كالكسائي، والفراء، ومعاذ الهراء، وابن سعدان

стр. 241

وهشام ولا مخالف لهؤلاء، إلا صاحب "كتاب العين" فإنه صرح أنها للتكثير، ولم يذكر أنها تجيء للتقليل. وذكر الفارسي في كتاب "الحروف" أنها تكون تقليلاً وتكثيراً، وقال أبو الحجاج يوسف بن سليمان الأعلم ﵀: رب للتقليل خاصة، إلا أن التقليل، تقل ذاته ووجوده مرة، ويقل وجوده مرة وإن كثرت ذات وعظمت، كقول المفتخر من العرب. رب غارة أغرت على بني فلان، ورب ناقة كوماء نحرت، وما أشبهه. فالمعنى: إن الغارة وإن تناهت في عظم ذاتها، وكثرة عمومها، فهي قليلة المثل، ومعدومة النظير، وكذلك الناقة، وإن كثرت وعظمت، فهي من غيره غريبة الوجود، قليلة. فهذا معنى "رب" في الكلام، وعلى هذا لتأويل، وقعت في الافتخار، وقد توهم بعض النحويين، أنها للتكثير، الذي هو ضد التقليل المعلوم فيها، فأخرجها إلى "كم" وليست كذلك؛ أنها حرف خفض، وقد لزمت أول الكلام، كما لزمه حرف النفي، لأن التقليل قد ينفى به، كما ينفى "بما" النافية، في قولهم: قل من يقول ذلك. فلو كانت للتكثير، كما كانت "كم"، وهي حرف جر، لم يصدر بها، كما صدر "بكم"، لأنها حرف، والحرف لا يبتدأ به. وقال أبو محمد عبد الله بن السيد ﵀: "اعلم أن "رب" و"كم" بنيا على التناقض، في أصل وضع "رب" للتقليل، وأصل وضع

стр. 242

"كم" للتكثير، هذه حقيقة وضعهما". ثم يعرض لهما المجاز للمبالغة، وغيرها من الأغراض، فتقع كل واحدة منهما موقع صاحبتها، مع حفظهما لأصل وضعهما، وهذه سبيل المجاز، لأنه عارض يعرض للشيء، فيستعار في غير موضعه، ولا يبطل ذلك حقيقته التي وضع عليها. ومثال ذلك المدح والذم، فإنهما وضعا على التناقض في أصل وضعهما، ثم يعرض لهما المجاز، فيستعمل الذم مكان المدح، كقول القائل أخزاه الله ما أشعره، ولعنه الله ما أفصحه. ويستعمل المدح مكان الذم، فيقال للأحمق: "يا عاقل" وللجاهل: يا عالم، وللبخيل: يا جواد، على سبيل الهزء، قال تعالى حكاية عن قوم شعيب، أنهم قالوا له: (إنَّكَ لأنتَ الحليمُ الرَّشيدُ) . وكذلك التذكير والتأنيث، نقيضان في أصل وضعهما ثم يلحقهما المجاز، فيقع كل واحد منهما موقع صاحبه، مع حفظه لأصله الذي وضع عليه. فيقولن للرجل: علامة، نسابة، ويرون أنه أبلغ من قولهم: علام ونساب. ويقولن للمرأة: طاهر، وعاقر، ويرون ذلك أبلغ من التأنيث، لو جاؤا به هنا. ووجه المبالغة عندهم في هذا، أن النقيضين إنما بينهما حد يفصل بعضهما من بعض. فإذا زاد أحدهما على حده، انعكس إلى ضده؛ لأنه لا مذهب له يذهب إليه، إذ لا واسطة بينهما، ولهذا قال: وشرُّ الشَّدائدِ ما يضحكُ

стр. 243

وقال أبو العلاء: وقدْ تدمعُ العينانِ منْ شدَّةِ الضَّحكِ وعلى هذا السبيل من المجاز، يضعون النفي موضع الإيجاب، والإيجاب موضع النفي، ويخرجون الواجب بصورة الممكن، والممكن بصورة الواجب، وغير ذلك من المجازات التي تكثر إن ذكرناها. فكما أن وقوع بعض هذه الأشياء موقع بعض، لا يبطل أصل وضعها، فكذلك وقوع "رب" موضع "كم" و"كم" موضع "رب" لا يبطل أصل وضعهما، على ما نذكره إن شاء الله. فمن المواضع التي وقعت فيها "رب" للتقليل والتخصيص، على حقيقة وضعها، قول العرب إذا مدحوا الرجل: رب رجلاً، وهو شبيه بقولهم: لله دره رجلاً. وهذه مسألة: قد اتفق عليها" الكوفيون والبصريون، ونص عليها سيبويه في "كتابه". وهذا تقليل محض، لا يتوهم فيه كثرة؛ لأن الرجل لا يمدح بكثرة النظراء، والأشباه، وإنما يمدح بقلة النظير أو عدمه بالجملة، ولذلك قالوا في التعجب: إنه ما خفي سببه، وخرج عن نظائره. وإنما يريدون بقولهم: "ربه رجلاً" أنه قليل غريب في الرجال، فكأنهم قالوا: ما أقله في الرجال، وما أشده فيهم.

стр. 244

ويدل على ذلك تصريحهم في المدح بلفظ القلة، في قولهم: "قلَّ منْ يقولُ هذا، وقل من يعلم ذلك إلا زيد"، ونحو ذلك. وقال أبو زيد الأنصاري: "بيد" بمعنى: غير، وربما كانت بمعنى: من أجل. وقال أبو العباس في كتابه "الكامل": وكانت الخنساء، ليلى الأخيلية مباينتين في أشعارهما لأكثر الفحول، ورب امرأة تتقدم في صناعة، وقلما يكون ذلك، والله تعالى يقول: (أوْ منْ يُنْشَأُ في الحِلْيَةِ، وهوَ في الخِصَامِ غَيْرُ مُبينٍ) . وسيبويه ﵀ إذا تكلم في الشواذ في "كتابه"، فمن عادته في كثير منها، أن يقول: "ربَّ شيءٍ هكذا"، يريد، أنه قليل نادر، كقوله في باب "ما" وقد أنشد قول الفرزدق: إذْ همْ قريشٌ وإذْ ما مثلهمْ بشرُ "وهذا لا يكاد يعرف، كما أن (لاتَ حينَ مناصٍ) كذلك. ورب شيءٍ هكذا وهو كقول بعضهم: (هذه) ملحفة جديدة في القلة" مثل هذا في كتابه كثير. ومما جاءت فيه "رب" بمعنى القلة، قول العرب: ربما جار الأمير، وربما

стр. 245

سفه الحليم، أي أن هذا قد يكون، وإن كان الأكثر غيره، كما قال قيس ين زهير: أظنُّ الحلمَ جرَّ عليَّ قومي ... وقدْ يستجهلُ الرَّجلُ الحليمُ وقال سالم بن وابصة: لا تعتددْ بصديقٍ أنتَ ممحضهُ ... وخفهُ خوفكَ منْ ذي الغدرِ والملقِ إنَّ الزُّلالَ، وإنْ أنجاكَ منْ غصصٍ ... دأبا فربَّتما أرداكَ بالشَّرقِ وقال الأعشى باهلة: لا يبطرنْ ذا مقةٍ أحبابه ... فربَّما أردى الفتى لعابهُ وقال حاتم الطائي: إنِّي لأعطي سائلي ولربَّما ... أكلَّفُ ما لا يستطاعَ فأكلفُ وقال زهير: وأبيضَ فيَّاضٍ يداهُ غمامةٌ ... على معتفيهِ ما تغبُّ فواضلهْ وهذا خصوص لا وجه للتكثير، إنما أراد بالأبيض، حصن بن حذيفة ولم يرد جماعة كثيرة، هذه صفتهم، ألا تراه يقول بعد ذلك: حذيفةُ ينميهِ وبدرٌ كلاهما ... إلى باذخٍ يعلو على منْ يطاولهْ

стр. 246

وقال أبو طالب: يمدح رسول الله ﷺ : وأبيضَ يستسقى الغمامُ بوجههِ ... ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ وقال زهير أيضاً في تلك القصيدة بعينها: وأهلِ خباءٍ صالحٍ ذاتُ بينهمْ ... قدْ احتربوا في عاجلٍ أنا آجلهْ وإنما أراد: ما هاج بين حيه وحيها من الحرب، بسبب هذه القصة، ولم يرد: أخبية كثيرة، وقال صخر بن الشريد، أخو الخنساء: وذي إخوةٍ قطَّعتُ أقرانَ بينهمْ ... كما تركوني واحداً لا أخاليا يريد "بذي إخوة" هنا: دريد بن حرملة المري، وهو الذي كان قتل أخاه معاوية فلما قتله بأخيه، قال هذا الشعر. وقوله: كما تركوني واحدا لا أخاليا يبطل توهم معنى الكثرة هاهنا، لأن الذين تركوه بلا أخ، إنما كانوا بني حرملة، ولم يكن له أخ قتل غير معاوية وحده.

стр. 247

وقال بعض شعراء غسان: يصف وقعة كانت بينهم وبين مذحج، في موضع يعرف بالبلقاء. ويومٍ على البلقاءِ لمْ يكُ مثلهُ ... على الأرضِ يومٌ في بعيدٍ ولا داني وقال ابن مخلاة الحمار في يوم مرج راهط: ويومٍ ترى الرَّاياتِ فيهِ كأنَّها ... حوائمُ طيرٍ مستديرٌ وواقعُ فهؤلاء، إنما وصفوا أياماً مخصوصة بأعيانها. ومن ذلك ما أنشده النحويون: ونارٍ قدْ حضأتُ بعيدَ وهنٍ ... بدارٍ ما أريدُ بها مقاما وهذا الشعر مشهور، ولا معنى فيه للكثرة، لأنه وصف قصة، جرت له مع الجن مرة واحدة. ونحن نذكر أبياتاً كثيرة، من أشعار المحدثين، نبين في جميعها، أن "رب" للتقليل، كثر استعمالهم لها، فلم ينكرها أحد من العلماء عليهم، فصارت لذلك،

стр. 248

كأنها حجة، فمن ذلك قول أبي تمام: عسى وطنٌ بهمْ ولعلَّما ... وأنْ تعقبَ الأيَّامُ فيهمْ فربَّما يريد: فربما أعقبته في بعض الأحيان. وقال أبو الطيب المتنبي: ربَّما تحسنُ الصَّنيعَ ليالي ... هِ ولكنْ تكدِّرُ الإحسانا وقال: ولربَّما أطرَ القناةَ بفارسٍ ... وثنى فقوَّمها بآخرَ منهمُ وقال: ويومٍ كليلِ العاشقينَ كمنتهُ ... أراقبُ فيهِ الشَّمسَ أيَّانَ تغربُ وقال يهجو كافوراً: وأسودَ أمَّا القلبُ منه فضيِّقٌ ... نخيبٌ وأمَّا بطنهُ فرحيبُ وقال: علينا لكَ الإسعادُ، إنْ كانَ نافعا ... بشقِّ قلوبٍ، لا بشقِّ جيوبِ فربَّ كئيبٍ ليسَ تندى جفونهُ ... وربَّ كثيرِ الدَّمعِ غير كئيبِ

стр. 249

وقد أوضح ما أراده من التقليل هاهنا في موضع آخر، فأخرجه بغير لفظ "رب"، وهو قوله: وفي الأحبابِ مختصٌّ بوجدٍ ... وآخرُ يدَّعي معه اشتراكا ومن أشعر المحدثين: الحرُّ طلقٌ ضاحكٌ ولربَّما ... تلقاهُ وهوَ العابسُ المتجهِّمُ وقال آخر: احذرْ عدوَّكَ مرةً ... واحذرْ صديقكَ ألفَ مرَّهْ فلربَّما انقلبَ الصَّدي ... قُ فكانَ أعلمَ بالمضرَّهْ وقال عدي بن زيد العبادي، وقد أغفلنا ذكره في الشعراء المتقدمين: يا لبينى أوقدي النَّارا ... إنَّ منْ تهوينَ قدْ جارا ربَّ نارٍ بتُّ أرمقها ... تقضمُ الهنديَّ والغارا عندها ظبيٌ يؤرِّثها ... عاقدٌ في الجيدِ تقصارا فبين من هذا الشعر، إنما أراد "لبنى" وحدها، وقد أوضح ذلك المعري بقوله:

стр. 250

ليستْ كنارِ عديٍّ، نارُ عاديةٍ ... باتتْ تشبُّ على أيدي مصاليتا وما لبينى وإنْ عزَّتْ بربَّتها ... لكنْ غذتها رجالُ الهندِ تربيتا ومما تأتي فيه "رب" للتقليل والتخصيص إتيانا مطردا، ويرى ذلك من تأمله، التي تأتي في اللغز، والأشياء التي يصف فيها الشعراء أشياء مخصوصة بأعيانها، فإنهم كثيراً ما يستعملون في أوائلها، "رب" مصرحا بها، أو الواو التي تنوب مناب "رب" كقول ذي الرمة: وجاريةٍ ليستْ من الأنسِ تشتهى ... ولا الجنِّ قدْ لاعبتها ومعي ذهني فأدخلتُ فيها قيدَ شبرٍ موفَّرٍ ... فصاحتْ ولا واللهِ ما وجدتْ تزني فلمَّا دنتْ إهراقةُ الماءِ أنصتتْ ... لأعزلهُ عنها وفي النَّفسِ أنْ أثني وكقول الآخر: ربَّ نهرٍ رأيتُ في جوفِ خرجٍ ... يترامى بموجهِ الزَّخَّارِ ونهارٍ رأيتُ منتصفَ اللَّي_لِ وليلٍ رأيتُ وسطَ النَّهارِ وثلاثينَ ألفَ شيخٍ قعوداً ... فوقَ غصنٍ ما ينثني لانكسارِ يعني بالخرج: الوادي الذي لا منفذ له، وبالنهار: فرخ الحبارى. وبالليل: فرخ الكروان. وبالشيخ: الرذاذ الصغير من المطر. فهذه المواضع، "رب" فيها للتقليل، وهي كثيرة جدا، وإنما تخيرت منها أوضحها، وهذه حقيقة "رب"، وموضوعها.
следующие страницы →