Полный текст (856 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وقال أبو طالب: يمدح رسول الله ﷺ :
وأبيضَ يستسقى الغمامُ بوجههِ ... ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
وقال زهير أيضاً في تلك القصيدة بعينها:
وأهلِ خباءٍ صالحٍ ذاتُ بينهمْ ... قدْ احتربوا في عاجلٍ أنا آجلهْ
وإنما أراد: ما هاج بين حيه وحيها من الحرب، بسبب هذه القصة، ولم يرد: أخبية كثيرة، وقال صخر بن الشريد، أخو الخنساء:
وذي إخوةٍ قطَّعتُ أقرانَ بينهمْ ... كما تركوني واحداً لا أخاليا
يريد "بذي إخوة" هنا: دريد بن حرملة المري، وهو الذي كان قتل أخاه معاوية فلما قتله بأخيه، قال هذا الشعر.
وقوله:
كما تركوني واحدا لا أخاليا
يبطل توهم معنى الكثرة هاهنا، لأن الذين تركوه بلا أخ، إنما كانوا بني حرملة، ولم يكن له أخ قتل غير معاوية وحده.
стр. 247
وقال بعض شعراء غسان: يصف وقعة كانت بينهم وبين مذحج، في موضع يعرف بالبلقاء.
ويومٍ على البلقاءِ لمْ يكُ مثلهُ ... على الأرضِ يومٌ في بعيدٍ ولا داني
وقال ابن مخلاة الحمار في يوم مرج راهط:
ويومٍ ترى الرَّاياتِ فيهِ كأنَّها ... حوائمُ طيرٍ مستديرٌ وواقعُ
فهؤلاء، إنما وصفوا أياماً مخصوصة بأعيانها.
ومن ذلك ما أنشده النحويون:
ونارٍ قدْ حضأتُ بعيدَ وهنٍ ... بدارٍ ما أريدُ بها مقاما
وهذا الشعر مشهور، ولا معنى فيه للكثرة، لأنه وصف قصة، جرت له مع الجن مرة واحدة.
ونحن نذكر أبياتاً كثيرة، من أشعار المحدثين، نبين في جميعها، أن "رب" للتقليل، كثر استعمالهم لها، فلم ينكرها أحد من العلماء عليهم، فصارت لذلك،
стр. 248
كأنها حجة، فمن ذلك قول أبي تمام:
عسى وطنٌ بهمْ ولعلَّما ... وأنْ تعقبَ الأيَّامُ فيهمْ فربَّما
يريد: فربما أعقبته في بعض الأحيان.
وقال أبو الطيب المتنبي:
ربَّما تحسنُ الصَّنيعَ ليالي ... هِ ولكنْ تكدِّرُ الإحسانا
وقال:
ولربَّما أطرَ القناةَ بفارسٍ ... وثنى فقوَّمها بآخرَ منهمُ
وقال:
ويومٍ كليلِ العاشقينَ كمنتهُ ... أراقبُ فيهِ الشَّمسَ أيَّانَ تغربُ
وقال يهجو كافوراً:
وأسودَ أمَّا القلبُ منه فضيِّقٌ ... نخيبٌ وأمَّا بطنهُ فرحيبُ
وقال:
علينا لكَ الإسعادُ، إنْ كانَ نافعا ... بشقِّ قلوبٍ، لا بشقِّ جيوبِ
فربَّ كئيبٍ ليسَ تندى جفونهُ ... وربَّ كثيرِ الدَّمعِ غير كئيبِ
стр. 249
وقد أوضح ما أراده من التقليل هاهنا في موضع آخر، فأخرجه بغير لفظ "رب"، وهو قوله:
وفي الأحبابِ مختصٌّ بوجدٍ ... وآخرُ يدَّعي معه اشتراكا
ومن أشعر المحدثين:
الحرُّ طلقٌ ضاحكٌ ولربَّما ... تلقاهُ وهوَ العابسُ المتجهِّمُ
وقال آخر:
احذرْ عدوَّكَ مرةً ... واحذرْ صديقكَ ألفَ مرَّهْ
فلربَّما انقلبَ الصَّدي ... قُ فكانَ أعلمَ بالمضرَّهْ
وقال عدي بن زيد العبادي، وقد أغفلنا ذكره في الشعراء المتقدمين:
يا لبينى أوقدي النَّارا ... إنَّ منْ تهوينَ قدْ جارا
ربَّ نارٍ بتُّ أرمقها ... تقضمُ الهنديَّ والغارا
عندها ظبيٌ يؤرِّثها ... عاقدٌ في الجيدِ تقصارا
فبين من هذا الشعر، إنما أراد "لبنى" وحدها، وقد أوضح ذلك المعري بقوله:
стр. 250
ليستْ كنارِ عديٍّ، نارُ عاديةٍ ... باتتْ تشبُّ على أيدي مصاليتا
وما لبينى وإنْ عزَّتْ بربَّتها ... لكنْ غذتها رجالُ الهندِ تربيتا
ومما تأتي فيه "رب" للتقليل والتخصيص إتيانا مطردا، ويرى ذلك من تأمله، التي تأتي في اللغز، والأشياء التي يصف فيها الشعراء أشياء مخصوصة بأعيانها، فإنهم كثيراً ما يستعملون في أوائلها، "رب" مصرحا بها، أو الواو التي تنوب مناب "رب" كقول ذي الرمة:
وجاريةٍ ليستْ من الأنسِ تشتهى ... ولا الجنِّ قدْ لاعبتها ومعي ذهني
فأدخلتُ فيها قيدَ شبرٍ موفَّرٍ ... فصاحتْ ولا واللهِ ما وجدتْ تزني
فلمَّا دنتْ إهراقةُ الماءِ أنصتتْ ... لأعزلهُ عنها وفي النَّفسِ أنْ أثني
وكقول الآخر:
ربَّ نهرٍ رأيتُ في جوفِ خرجٍ ... يترامى بموجهِ الزَّخَّارِ
ونهارٍ رأيتُ منتصفَ اللَّي_لِ وليلٍ رأيتُ وسطَ النَّهارِ
وثلاثينَ ألفَ شيخٍ قعوداً ... فوقَ غصنٍ ما ينثني لانكسارِ
يعني بالخرج: الوادي الذي لا منفذ له، وبالنهار: فرخ الحبارى. وبالليل: فرخ الكروان. وبالشيخ: الرذاذ الصغير من المطر.
فهذه المواضع، "رب" فيها للتقليل، وهي كثيرة جدا، وإنما تخيرت منها أوضحها، وهذه حقيقة "رب"، وموضوعها.
стр. 251
وأما المواضع التي فيها "رب" بمعنى التكثير، على طريق المجاز، فهي المواضع التي يذهب بها لمعنى الافتخار، والمباهاة، كقول القائل: رب عالم لقيت، ورب يوم سرور شهدت، لأن الافتخار، لا يكون إلا بما كثر من الأمور في الغالب من أحواله، وقد يكون لقاء الرجل الواحد، أذهب إلى الفخر من لقاء الجماعة، ولكن الأول هو الأكثر، فمن ذلك قول امرئ القيس:
ألا ربَّ يومٍ منهنَّ صالحٍ ... ولاسيَّما يومٍ بدارةِ جلجلِ
وقوله:
فإنْ أمسِ مكروباً فيا ربَّ بهمةٍ ... كشفتُ إذا ما اسودَّ وجهُ الجبانِ
وإنْ أمسِ مكروباً فيا ربَّ قينةٍ ... منعَّمةٍ أعملتها بكرانِ
وقوله:
وخرقٍ بعيدٍ قدْ قطعتُ نياطهُ ... على ذاتِ لوثٍ سهوةِ المشيِ مذعانِ
وقوله:
ومجرٍ كغلاَّنِ الأنيعمِ بالغٍ ... ديارَ العدوِّ ذي زهاءٍ وأركانِ
стр. 252
فهذه مواضع لا يليق فيها إلا التكثير. وكذلك قول أبي كبير الهذلي:
أزهيرُ إنْ يشبِ القذالُ فإنَّهُ ... ربَ هيضلٍ لجبٍ لففتُ بهيضلِ
وكذلك قول أبي عطاء السندي، يرثي عمر بن هبيرة الفزاري:
فإنْ تمسِ مهجورَ الفناءِ فربَّما ... أقامَ بهِ بعدَ الوفودِ وفودُ
وهذا النوع كثير في الشعر جداً، والفرق بين هذا الباب، والباب الأول، أن الأول حقيقة "رب" وهذا الباب مجاز، يعرض لها، كما يعرض للمدح أن يخرج مخرج الذم، والذم أن يخرج مخرج المدح، والتذكير أن يخرج مخرج التأنيث، والتأنيث أن يخرج مخرج التذكير، كما ذكرنا أولاً.
ومن الفرق بينهما، أن "كم" يصلح استعمالها في هذا الباب مكان "رب" ولا يصلح ذلك في الباب الأول؛ ولذلك نجد المعنى الواحد، في هذا الباب، يأتي بلفظ التقليل مرة بلفظ التكثير مرة، كقول رجل من بني فقعس، أنشده أبو تمام في "الحماسة":
стр. 253
وذوي ضبابٍ مظهرينَ عداوةً ... قرحى القلوبِ معاودي الأفنادِ
ناسيتهمْ بغضاءهمْ وتركتهمْ ... وهمُ إذا ذكرَ الصَّديقُ أعادي
كيما أعدَّهمُ لأبعدَ منهمُ ... ولقدْ يجادُ إلى ذوي الأحقادِ
وقال ربيعة بن مقروم الضبي في هذا المعنى، أنشده أبو تمام أيضاً:
وكمْ منْ حاملٍ لي ضبَّ ضغنٍ ... بعيدٍ قلبهُ حلوِ اللَّسانِ
ولوْ أنَّي أشاءُ نقمتُ منهُ ... بشغبٍ أوْ لسانٍ تيَّحانِ
ولكنِّي وصلتُ الحبلَ منهَ ... مواصلةً بحبلِ أبي بيانِ
فغرض الشاعر في هذا المعنى واحد. وقد أخرجه أحدهما بلفظ التقليل، وأخرجه الآخر بلفظ التكثير.
فدل ذلك على أن "كم" و"رب" يتعاقبان على المعنى الواحد في هذا الباب
стр. 254
ربما جمعهما الشاعر في شعر واحد، كقول عمارة بن عقيل:
فإنْ تكنِ الأيَّامُ شيَّبنَ مفرقي ... وأكثرنَ أشجاني وفلَّلنَ منْ غربي
فيا ربَّ يومٍ شربتُ بمشربٍ ... شفيتُ بهِ عنِّي الصَّدى باردٍ عذبِ
وكمْ ليلةٍ قدْ بتُّها غيرَ آثمٍ ... بشاجيةِ الحجلينِ منعمةِ القلبِ
ألا تراه قد أراد، تكثير أيامه ولياليه، فأخرج بعض ذلك بلفظ "رب" وبعضه بلفظ "كم" ورأى الأمرين سواء.
فإن قال قائل: إذا كانت "رب" في أصل وضعها، وحقيقتها للتقليل، نقيضة "كم". فما الوجه في استعمالهم إياها في مواضع التكثير، التي لا تليق إلا "بكم"؟.
فالجواب أن ذلك لأغراض يقصدونها، فمنها أن المفتخر يزعم أن الشيء الذي يكثر وجوده منه، يقل من غيره، وذلك أبلغ في الامتداح والفخر، من أن يكثر من غيره، ككثرته منه.
فاستعيرت لفظة التقليل في موضع التكثير، إشعاراً بهذا المعنى. كما استعيرت ألفاظ الذم في موضع المدح، فقيل: أخزاه الله ما أفصحه! ولعنه الله ما أشعره!، إشعارا بأن الممدوح، قد حصل قي رتبة من يشتم حسدا له على فضله؛ لأن الفاضل هو الذي يحسد، ويوقع في عرضه، والناقص لا يلتفت إليه، وقد صرح الشاعر بهذا في قوله:
ولا خلوتَ الدَّهرَ منْ حاسدٍ ... فإنَّما الفاضلُ منْ يحسدُ
стр. 255
ولذلك قال بعض العرب: "السيد من إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر عبناه".
وكذلك تستعار ألفاظ المدح، في موضع الذم، فيكون ذلك أشد على المذموم، من لفظ الذم بعينه، لأن في ذلك مع الذم نوعا من الهزء، كقولهم للأحمق: يا عاقل، وللجاهل: يا عالم، وقد ذكرت ذلك فيما تقدم، فكذلك إذا استعيرت لفظة التقليل، مكان التكثير، كان أبلغ في المدح والفخر، لأنه يصير المعنى، ما ذكرناه من أن الشيء الذي يكثر منه، يقل من غيره، فيكون أبلغ من لفظ التكثير المحض، لو وقع هاهنا.
وكذلك يستعيرون "كم" في موضع التقليل، على وجه الهزء، فيقولون: كم بطل قتل زيد، وكم ضيف قرى، وهو لم يقتل بطلاً قط، ولم يقر ضيفاً، فيكون أبلغ من قولهم: هو جبان، وهو بخيل.
ويدل على هذا أن غرضهم في ذكر "رب" في هذا الموضع أنهم قد صرحوا به في مواضع كثيرة من أشعارهم. كقول سالم بن وابصة:
وموقفِ مثلِ حدِّ السَّيفِ قمتُ بهِ ... أحمي الذِّمارَ وترميني بهِ الحدقُ
فما زلقتُ ولا أتلهتُ فاحشةً ... إذا الرِّجالُ على أمثالها زلقُ
ألا تراه يفتخر بأن هذا الموضع، يكثر منه، مع قلة وجوده من غيره، ومثله:
يا ربَّ ليلةِ هولٍ قدْ سريتُ بها ... إذا تضجَّعَ عنها العاجزُ الوكلُ
стр. 256
وكذلك قول العجاج:
ومهمهٍ هالكِ منْ تعرَّجا
هائلةٍ أهوالهُ منْ أدلجا
ونظير هذا أن له نسبتين مختلفتين، نسبة كثرة إلى المفتخر، ونسبة قلة إلى من يعجز عنه، فيأتي تارة على نسبة الكثرة، بلفظ "كم"، وعلى نسبة القلة بلفظ "رب": أنهم إذا سموا رجلا بالعباس، والحارث، والحسن، ونحو ذلك من الصفات، فربما أقروا فيها "الألف واللام"، مراعاة للفظ الصفة التي انتقلت عنها، وربما حذفوا، "الألف واللام"، مراعاة للفظ العلم الذي صارت إليه.
فتكون لها نسبتان مختلفان، تأتي بإحداهما تارة، وبالأخرى تارة.
ونظير اجتماع الكثرة والقلة في هذا الباب، لغرض من الأغراض، اجتماع اليقين والشك نحو: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو.
وهذا كلاف ظريف على ظاهره، لأن الذي يدعي العلم، لا يستفهم، والذي يستفهم لا يدعي العلم؛ وإنما تأويله، أني قد علمت حقيقة ما تستفهم عنه غيري.
فهذا وجه من وجوه التقليل في هذه الأشياء. وقد يدخلها معنى التقليل على وجه آخر، وهو أن القائل قد يقول: رب عالم قد لقيت، وهو قد لقي كثيراً من العلماء، ولكن يقلل من لقيه تواضعاً، ويكون أبلغ من التكثير، لأن الإنسان إذا حقر نفسه تواضعاً، ثم امتحن، فوجد أعظم مما يقول، جل قدره، وإذا عظم نفسه،
стр. 257
وأنزلها فوق منزلتها، ثم امتحن، فوجد دون ذلك، هان على من كان يعظمه.
فهذا وجه آخر من التقليل، الذي يستعمل في هذه المسائل التي معانيها معاني الكثرة.
وقد يدخلها التقليل على معنى ثالث، وهو قول الرجل لصاحبه: لا تعادني، فربما ندمت.
وهذا موضع ينبغي أن تكثر فيه الندامة، وليس بموضع تقليل، وإنما تأويله أن الندامة على هذا لو كانت قليلة، لوجب أن يتجنب ما يؤدي إليها، فكيف وهي كثيرة، فصار لفظ التقليل هنا، أبلغ من التصريح بلفظ التكثير، وعلى هذا تأول النحويون قول الله تعالى: (ربَّما يودُّ الَّذينَ كفروا، لو كانوا مسلمينَ) وعلى هذا أيضاً يتأول قول امرئ القيس:
ألا ربَّ يومٍ لكَ منهنَّ صالحٍ
وقول أبي كبير:
ربْ هيضلٍ لففتُ بهيضلِ
إن استعارة لفظ التقليل هنا، إشارة إلى أن قليل هذا، فيه فخر بفاعله، فكيف كثيره؟ وأما قول أبي عطاء السندي:
فإنْ تمسِ مهجورَ الفناءِ فربَّما ... أقامَ بهِ بعدَ الوفودِ وفودُ
فقد يتأول على نحو هذا المعنى.
стр. 258
ويحتمل أن يريد أن مدة حياته التي كثرت عليه فيها الوفود، كانت قليلة. فعلى نحو هذا التأويل، تأويل النحويون الذين أصلوا: أن "رب" للتقليل هذه الأشياء التي ظاهرها التكثير، ومن قال: إنها في هذه المواضع للتكثير، تلقى الكلام على ظاهره، ولم يدقق الكلام فيها التدقيق، ولم يقسمها إلى الحقيقة والمجاز".
وأنشد أبو علي في الباب.
(٦٨)
ربَّما أوفيتُ في علمٍ ... ترفعنْ ثوبي شمالاتُ
هذا البيت لجذيمة الأبرش، وهو جذيمة بن فهر بن غانم بن عدنان، أصله من الأزد، وكان أول من ملك قضاعة بالحيرة، وأول من حذا النعال، ورفع له الشمع، وكان ملكاً وشاعراً، وكان يقال له: الأبرش، والوضاح، لبرص كان به، وكان يعظم أن يسمى بذلك، فجعل مكانه الأبرش، وهو خال عمرو بن معد يكرب.
стр. 259
الشاهد فيه
دخول "ما" على "رب"، فكفتها عن العمل، ووطأت الموضع لوقوع الجمل بعدها، من المبتدأ، والخبر، والفعل والفاعل، وتقع بعدها المعارف والنكرات، كما قال أبو دؤاد:
ربَّما الجاملُ المؤبَّلُ فيهمْ ... وعناجيجُ بينهنَّ المهارُ
ومن العرب من يجعل "ما" فيها، مؤكدة غير كافة لها عن العمل، فيقول: ربما رجل لقيته، كما قال عدي بن الرعلاء:
ربَّما ضربةٍ بسيفٍ صقيلٍ ... بينَ بصرى وطعنةٍ نجلاءِ
ويروى بيت أبي دؤاد بالخفض.
لغة البيت
أوفيت: صعدت، والعلم: الجبل، وجمعه أعلام، وعلام. قال:
قدْ جبتُ عرضَ فلاتها بطمرَّةٍ ... واللَّيلُ فوقَ علامه متقوِّضُ
стр. 260
قال كراع: ونظيره: جبل وأجبال وجبال، وجمل وأجمال وجمال، وقلم وأقلام وقلام.
والعلم أيضاً: الفصل يكون بين الأرضين. والعلم أيضاً: شيء ينصب في الفلوات، تهتدي به الضالة، والعلم: الراية، وقيل: هو الذي يعقد على الرمح. والعلم أيضاً والعلمة: الشق في الشفة العليا، وصاحبها أعلم، وكل بعير أعلم خلقة.
والعلم أيضاً: رسم الثوب، ورقمه، وقد أعلمه.
والشمالات: جمع الشمال من الرياح.
معنى البيت
وصف أنه يحفظ في رأس الجبل أصحابه، إذا خافوا من عدو، فيكون طليعة لهم. وهذا مما تفخر به العرب، لأنه دال على شهامة النفس.
وخص الشمالات، لأنها تهب بشدة في أكثر أحوالها، وجعلها ترفع أثوابه، لإشرافه في المرقبة التي يربأ فيها لأصحابه.
وبعد البيت:
في شبابٍ أنا رابئهمْ ... همْ لدى العورةِ صمَّاتُ
ليتَ شعري ما أطافَ بهمْ ... نحنُ أدلجنا وهمْ باتوا
ثمَّ أبنا غانمينَ وكمْ ... منْ أناسٍ قبلنا ماتوا
стр. 261
الإعراب
قال الفارسي: إذا كانت "رب" تأتي لما مضى، وجب أن تكون "ربما" كذلك أيضاً، تدخل على الماضي، وقد يقع المضارع بعدها، على تأويل الحكاية، قال الله تعالى: (ربما يودُّ الَّذينَ كفروا) . فهذه حكاية حال، كقوله تعالى: (فوجدَ فيها رجلينِ يقتتلانِ، هذا منْ شيعتهِ، وهذا منْ عدوِّهِ) وكقوله: (وكلبهمْ باسطٌ ذراعيهِ بالوصيدِ) .
وليس على إضمار "كان" كما ذهب إليه بعضهم، أي: كان هذا من شيعته، وأما قول الآخر:
ربَّما تكرهُ النُّفوسُ منَ الأم ... رِ لهُ فرجةٌ كحلِّ العقالِ
فإن "ما" هاهنا اسم، وليست حرفاً، بدليل أنه قد عاد إليها ضمير، وهو الهاء من قوله: "له فرجة" والحرف لا يصح عود الضمير إليه.
وذكر أبو علي الفارسي، أن "رب" هاهنا، في بيت جذيمة للتكثير، ويدل عليه قوله في بيت الآخر:
ربَّاءُ شمَّاءُ لا يأوي لقلَّتها ... إلاَّ السَّحابُ وإلاَّ الأوبُ والسَّبلُ
و"فعال" لا يكون إلا للتكثير، وكذلك قول الآخر:
стр. 262
وإنَّا لممَّا نضربُ الكبشَ ضربةً ... على رأسهِ تلقي اللِّسانَ منَ الفمِ
وأدخل النون في "ترفعن"، وهو واجب، ضرورة.
وقال بعضهم: إنما ادخل النون في "ترفعن" من طريق أن "رب" للتقليل، والتقليل نفي الكثير، فلذلك حسن دخول النون الخفيفة هنا.
ورأيت بخط عبد الدائم بن مرزوق القيرواني، في كتابه "حلى العلى" قال: "أهل اليمن يجعلون "لم" صلة، ومضر يجعلون "ما" صلة لا غير، وقال فيما قرأناه على أبي يعقوب النجيرمي:
ربَّما أوفيتُ في علمٍ ... ترفعُ لمْ ثوبي شمالاتُ
وبعضهم ينشد:
ترفعُ ما ثوبي شمالاتُ
على لغة مضر وقد أنشده بعضهم "ترفعن" هكذا وجدت هذا القول بخطه.
وهذا البيت من "شطر المديد" من العروض الثالثة، من ضربها الثاني. وتقطيعه:
فاعلاتنْ فاعلنْ فعلنْ ... فاعلاتنْ فاعلنْ فعلنْ
والقصيدة كلها على التقطيع من هذا العروض، وهذا الضرب.
стр. 263
وعلى ما أنشده عبد الدائم، لا يتزن بوجه، ولا على حال، لأن فيه حركة زائدة، فتأتي على قوله، القسم الثاني من "شطر السريع" فعجبت من هذا.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٦٩)
وقاتمِ الأعماقِ خاوي المخترقْ
هذا الرجز لرؤبة بن العجاج
الشاهد فيه قوله
"وقاتم" هو مجرور بإضمار "رب" بعد الواو، وهذا مذهب سيبويه.
وخالفه في ذلك أبو العباس المبرد وقال: أن "رب" حذفت، وجعلت الواو عوضاً منها، فجرت على تأويل "رب"، كما كانت عوضاً من "باء" القسم.
واستدل على ذلك بهذا الشطر، وقال: لأن الواو للعطف، وواو العطف لا تكون إلا بعد كلام، يعطف عليه فدل هذا على أنها بدل من "رب".
والذي قاله المحتج لسيبويه: قد وجدنا الخفض بعد الفاء، وبعد بل كثيراً، ولا يدعي أحد أن يقول: إن الفاء وبل تبدلان من "رب".
وقد جاءت الواو أيضاً في أول القصائد كثيراً، فمما فيه الخفض، بعد الفاء قول امرئ القيس:
فمثلكِ حبلى قدْ طرقتُ ومرضعاً
وقال آخر:
فإنْ أهلكْ فذي حنقٍ لظاهُ ... عليَّ يكادُ يلتهبُ التهابا
وقال آخر:
فحورٍ قدْ لهوتُ بهنَّ عينٍ ... نواعمَ في المروطِ وفي الرَّياطِ
ومما جاء الخفض فيه
стр. 264
بعد "بل" قول الراجز:
بلْ بلدٍ ملءِ الفجاجِ قتمهْ
والتقدير: فرب مثلك حبلى، و: فرب ذي حنق، و: فرب حور قد لهوت، و: بل رب بلد.
وإذا صح هذا، وثبت في الفاء، وبل، كانت الواو محمولة على حكمهما.
ومما جاءت الواو فيه في أول القصيدة، قول ساعدة بن جؤية:
стр. 265
وما ضربٌ بيضاءُ يسقي دبوبها ... دفاقُ فعروانُ الكراثِ فضيمها
وهذا أول الشعر، ومثله قول أبي خراش:
ولا واللهِ لا أنسى زهيراً ... ولوْ كثرَ المرازي والفقودُ
فأتى بالواو في أول القصيدة، وقال أيضاً:
وسدَّتْ عليهِ دولجاً ثمَّ يمَّمتْ ... بني فالجٍ باللَّيثِ أهلَ الحرائمِ
فأتى بالواو في أول القصيدة، وقال صخر الغي:
وما إنْ صوتُ نائحةٍ بليلٍ ... بسبللَ لا تنامُ معَ الهجودِ
وقال أبو جندب:
ولا واللهِ أقربُ بطنَ ضيمٍ ... ولا الوترينِ ما نطقَ الحمامُ
وقال معقل بن خويلد:
стр. 266
فإنِّي وعمراً والخزاعيَّ طارقاً ... كنعجةِ عادٍ حتفها تتحفَّرُ
وقال عمرو بن جنادة:
فلا واللهِ لا أكسو غلاماً ... دعا لحيانَ يوماً ما حييتُ
فمجيء الفاء والواو، في أول القصائد للعطف، مجردين من حرف "رب"، يؤكد مذهب سيبويه، في أنها في قوله: "وقائم الأعماق"، ونجوه، إنما هي للعطف، وليست بدلاً، ولا عوضاً من "رب".
ولو كانت عوضاً من "رب"، لدخل عليها حرف العطف، كما يدخل على واو القسم.
ونظير واو العطف في أول القصائد، قولهم في بعض الرسائل: أما بعد، فذكرهم "بعد" يدل على أنها جاءت بعد كلامٍ.
اللغة
القاتم: المتغير، وقيل: الذي عليه قتمه، وهو غباره.
والأعماق: النواحي القاصية، وعمق كل شيء: قعره، ومنتهاه.
стр. 267
والخاوي: الذي لا شيء فيه. والمخترق: الواسع من الفلاة. ومعنى الشطر ظاهر.
وبعده:
مشتبهِ الأعلامِ لمَّاعِ الخفقْ
يكلُّ وفدُ الرِّيحِ منْ حيثُ انخرقْ
شأزٍ بمنْ عوَّهُ جدبِ المنطلقْ
ناءٍ منَ التَّصبيحِ نأيِ المغتبقْ
تبدو لنا أعلامه بعدَ الغرقْ
يقال: لما أنشد رؤبة بن العجاج، أبا مسلم الخراساني، واسمه عبد الرحمن بن مشكم، هذه الأرجوزة، "قاتم الأعماق"، وبلغ إلى قوله:
ترمي الجلاميدَ بجلمودٍ مدقْ
قال له: قاتلك الله! لشد ما استصلبت الحافر.
ثم قال: أنا ذلك الجلمود، فلما فرغ من إنشادها، دفع إليه منديلا فيه مال، وقال له: "إنك أتيتنا، والأموال مشفوهة، وإن لك إلينا العودة، وإن علينا لمعولاً، وإن
стр. 268
الدهر أطرق، مستتب، فلا تحل بيننا وبينك الأسدة".
قال: فأخذته، ووالله ما رأيت أعجمياً أفصح منه، وما ظننت أن أحداً يعرف هذا الكلام، غيري، وغير أبي.
قوله: والأموال مشفوهة: أي: كثير طالبوها. وقوله: والدهر أطرق: مستعار من قولهم: بعير أطرق، إذا كان به استرخاء في عصب يديه، يعني أنه يمشي على مهل لما به، وهو مع ذلك مستتب مستمر.
والأسدة: جمع سداد من عوز، والسداد بالفتح: القصد، وإصابة الصواب في الأمور.
وحكى أبو بكر الصولي: أن المأمون رفع اليزيدي، من التعليم إلى المنادمة، فشرب يوماً عنده.
فقال المأمون في بعض كلامه: "سداد من عوز".
فقال اليزيدي: أخطأت يا أمير المؤمنين:
فقال له المأمون: من أين قلت؟! قال: لأن الشاعر يقول:
أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليومِ كريهةٍ وسدادِ ثغرِ
стр. 269
وإنما يقال: السداد في الدين.
فقال له المأمون: مقبول منك يا أبا محمد! فلما انصرف إلى منزله، وأفاق من نبيذه، تذكر ما كان منه، فتندم، فكتب إلى المأمون:
أنا المذنبُ الخطَّاءُ والعذرُ واسعٌ ... ولوْ لمْ يكنْ ذنبٌ لما عرفَ العفوُ
سكرتُ فأبدتْ منِّي الكأسُ بعضَ ما ... كرهتُ، وما إنْ يستوي السُّكرُ والصَّحوُ
ولاسيَّما إذْ كنتُ عندَ خليفةٍ ... وفي مجلسٍ لا يستقيمُ بهِ اللَّغوُ
فإن تعفُ عنِّي يلفَ خطويَ واسعاَ ... وإنْ لا يكنْ عفوٌ فقدْ قصرَ الخطرُ
فوقع المأمون تحت الرقعة، "النبيذ بساط يدرج، فاطو حديث النبيذ في بساطه". ويقال: إن هذه الكلمة لم تعرف قبل أن ينطق بها المأمون.
وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى في مدح مغنية، يقال لها: الخياطة، فقال:
أحسنتْ في غنائها الخيَّاطهْ ... وأصابتْ منَ الفؤادِ نياطهْ
إنَّما مجلسُ النَّبيذِ بساطٌ ... فإذا ما انقضى طوينا بساطهْ
وذكر الحاتمي حكاية المأمون مع النضر بن شميل، أكتبها من "حلية المحاضرة".
стр. 270
وأنشد أبو علي في الباب.
(٧٠)
رأى برقاً فأوضعَ فوقً بكرٍ ... فلا بكِ ما أسالَ ولا أغاما
هذا البيت لعمرو ذي السلائق، وهو عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن يربوع بن زيد مناة بن تميم.
الشاهد فيه قوله
"فلا لك"، لأن "الباء" أصل في حروف القسم، لأنها من حروف الجر، و"الواو" بدل منها، وهي تدخل على الظاهر والمضمر، فتقول: وزيد لأفعلن، فإذا كنيت عنه، رددت "الباء" فقلت: به لأفعلن، ومثله:
ألا نادتْ أمامةُ باحتمالِ ... لتحزنني فلا بكِ ما أبالي
والدليل على أن "الباء" أصل في القسم، أمران: أحدهما: أن "الباء" موصلة القسم إلى المقسم به، في قولك: أحلف بالله، كما توصل المرور إلى الممرور به، في قولك: مررت بزيد.
ولا تقول: "وه"، فرجوعك في الإضمار إلى "الباء" دليل على أنها أصل، إذ الإضمار يرد الشيء إلى أصله.
стр. 271
وإنما أبدلت "الواو" من "الباء" لأمرين: أحدهما: مضارعتها إياها لفظاً. والثاني: مضارعتها إياها معنى. أما مضارعتها إياها لفظاً، فلأن "الباء" من الشفة، كما أن "الواو" كذلك. وأما مضارعتها إياها معنى، فلأن "الباء" للإلصاق، و"الواو" للاجتماع؛ وإذا لاصق الشيء الشيء، فقد اجتمع معه.
اللغة
قوله: "فأوضع"، يقال: وضع في سيره، وأوضع، إذا أسرع. ويقال: هو دون الشد، وقيل: هو فوق الخبب، وقيل: هو أهون من سير الدواب والإبل.
قال ابن مقبل: فاستعاره للسراب:
وقدْ علمتَ إذا لاذَ الظِّباءُ وقدْ ... ظلَّ السَّرابُ على حزَّانه يضعُ
ومنه قول الحجاج، فيما خاطب به أهل العراق: "وإنكم طالما أوضعتم في الفتنة"، ومنه قوله تعالى: (ولأوضعوا خلالكمْ) . ويقال أيضاً: أوضع بين القوم: أفسد.
والبكر: الفتي من الإبل، وقوله: "ما أسال ولا أغام" أي: لم يأت بسيل ولا غيم.
معنى البيت
يذكر أن صاحب هذا الشعر تزوج السعلاة، والسعلاة فيما يذكر، الغول، وقيل: ساحرة الجن، يقال: سعلاة، وسعلى، وسعلاء.
стр. 272
وتدعي العرب أنهم ينكحونها، فزعموا أن عمراً صاحب هذا الشعر، تزوج السعلاة. فقال له أهلها: إنك ستجدها خير امرأة، ما لم تر برقاً، كأنهم حذروه من حنينها إلى وطنها، إذا رأت البرق.
فكان عمرو بن يربوع، إذا لاح البرق، سترها عنه، وولدت له عسلاً، وضمضماً. فغفل ليلة، ولاح البرق، فغدت على بكر له، وقالت:
أمسكْ بنيكَ عمرٌو إنِّي آبقُ ... برقٌ على أرضِ السَّعالي آلقُ
وسارت عنه، فلم يرها أبدا.
فقال شعرا: جعل السعلاة فيه كالحبيب المذكر، وفيه هذا البيت:
رأى برقا فأوضعَ فوقَ بكرٍ...... البيت
وأول هذا الشعر:
ألا للهِ ضيفكِ يا أماما
قال أبو زيد: ولا يعرف لهذا المصراع ثان.
قال عبد الدائم بن مرزوق: وأتمه غيره فقال:
وحيَّا حيَّهُ أنَّى أقاما
وسماها ضيفاً؛ استقلالاً لمقامها معه. وبنوه منها يقال لهم: بنو السعلاة. قال بعض الرجاز:
стр. 273
يا قبحَ اللهُ بني السِّعلاةِ
عمرو بنَ يربوعٍ شرارَ النَّاتِ
ليسوا بأخيارٍ ولا أكياتِ
أراد: الناس، وأكياس، فأبدل السين تاء، كما قالوا: "ست في سدس" وفي طست: طس، وإذا صغرت، رددت إلى الأصل، فقلت: سديسة، وكذلك تقول في طست: طسيسة.
وأنشد أبو علي في باب حتى.
(٧١)
سريتُ بهمْ حتَّى تكلَّ مطيُّهمْ ... وحتَّى الجيادُ ما يقدنَ بأرسانِ
هذا البيت لامرئ القيس، استشهد أبو علي بعجزه.
الشاهد فيه
أن "حتى" هنا ليست عاطفة، لدخول حرف العطف عليها، لأن حروف العطف، لا يدخل بعضها على بعض، لأن ذلك يوجب خروج أحدهما عن معنى العطف.
فلا يجوز "جاءني زيد وثم عمرو"؛ لأنه لا يخلو أن تكون إحداهما، هي
стр. 274
العاطفة، فأيتهما ثبت لها الحكم، استغني بها عن الأخرى.
اللغة
السرى: سير الليل، وفيه لغتان، "سرى" و"أسرى".
قال النابغة:
أسرتْ عليهِ منَ الجوزاءِ ساريةٌ
فقوله: "سارية" هو من "سرى"، وقرئ باللغتين، (أن اسر) و (أن أسر) .
وقوله: "تكل مطيهم" يعني: تعي إبلهم. والمطي: جمع مطية. وكانوا يركبون الإبل، ويقودون الخيل إلى وقت الحاجة لها.
ويروى: "حتى تكل غزيهم"، وهو اسم واحد يؤدي عن الجمع؛ لأن "فعيلاً" ليس مما يكسر عليه الواحد إلا على طريق الشذوذ، نحو العبيد، والكليب، ولا يكاد يقع مع قلته إلا في جمع "فعل"، لكثرة دوره في الكلام.
والجياد: الخيل، واحدها جواد، ويقال: رجل جواد، وقوم جود. وقوله: "ما يقدن بأرسان"؛ لإفراط الإعياء.
ويروى: حتى تكل جيادهم وحتى المصلى.
ويروى: "مطوت بهم".
стр. 275
وأنشد أبو علي في باب ما يستعمل مرة حرف جر، ومرة غير حرف جر.
(٧٢)
غدتْ منْ عليهِ بعدما تمَّ ظمؤها ... تصلُّ وعنْ قيضٍ بزيزاءِ مجهلِ
هذا البيت لمزاحم العقيلي.
الشاهد فيه
كون "على" اسماً، بدليل دخول حرف الجر عليه.
اللغة
الظمء: ما بين الشرب والشرب، وهو مدة الصبر عن الماء.
ويروى: "خمسها" وهو ورود الماء في كل خمسة أيام.
ومعنى تصل: تصوت أحشاؤها من اليبس والعطش، والصليل: صوت الشيء اليابس. يقال: جاءت الإبل تصوت عطشاً، وقيل: تصوت في طيرانها. والقيض: قشر البيض الأعلى، وإنما أراد قشر البيضة التي خرج منها الفرخ. والبيداء: القفر الذي يبيد من سلكه. والجهل: الذي ليس فيه علم يهتدى به. والزيزاء: ما غلظ من الأرض وارتفع.
стр. 276
معنى البيت
وصف قطاة قامت عن فراخها حين احتاجت إلى ورد الماء، فعطشت، فطارت تطلب الماء عند تمام ظمئها.
الإعراب
الهاء في "عليه" عائدة على الفرخ، أي: غدت من فوق الفرخ. وقيل معناه: من عند الفرخ. وقيل معناه: أقامت مع الفرخ حتى احتاجت إلى ورد الماء فعطشت، فطارت تطلب الماء عند تمام ظمئها.
و"ما" مصدرية، ويحتمل أن تكون مهيئة هيأت وقوع الفعل بعدها. و"تصل" في موضع الحال. و"عن قيض" حال أخرى. وتقدير الكلام: غدت صالة، وقائمة عن قيض.
ومن روى: "ببيداء" جعل "مجهلاً" صفة للبيداء.
ومن روى: "بزيزاء مجهل" خفض بالإضافة.
ولا يجوز غير ذلك عند البصريين، لأن همزة "بزيزاء" للإلحاق، تلحق بنحو "حملاق"، وسرداح.
وزعم الكوفيون أن همزتها للتأنيث، واحتجوا بقوله تعالى: (وشجرةً تخرجُ
стр. 277
منْ طورِ سيناءَ) في قراءة من كسر السين، "فمجهل" على قولهم: صفة "للزيزاء".
ولا يجيز البصريون ذلك، لأن ألف "فعلاء"، لا تكون إلا للإلحاق، وإنما تكون الهمزة للتأنيث في "فعلاء" المفتوحة بالفاء.
ولا حجة للكوفيين في قوله تعالى: (منْ طورِ سيناءَ) ، لأن "فعلاء" غير مصروف، لأنه اسم بقعة علم، فلم ينصرف لذلك.
وهنا سؤال، يقال: لم قال غدت؟ والقطاة إنما تطلب الماء ليلاً، لا غدوة.
فالجواب: أنه لم يرد الغدو، وإنما ضربه مثلاً للتعجيل.
والعرب تقول: بكر إلي العشية، ولا يكون هناك بكور، قال الشاعر:
بكرتْ تلومكَ بعدَ وهنِ في النَّدى ... بسلٌ عليكِ ملامتي وعتابي
وبعد البيت:
غدوّاً طوى يومينِ عنها انطلاقها ... كميلينِ منْ سيرِ القطا غير مؤتلِ
وأنشد أبو علي في الباب.
стр. 278
(٧٣)
غدتْ عليهِ كلُّ ريحٍ سيهوجْ
منْ عنْ يمينِ الخطِّ أوْ سماهيجْ
هذا الرجز لرجل من بني سعد.
الشاهد فيه
استعماله "عن" اسماً، بدليل دخول من عليها، ومثله قول الآخر.
فقلتُ اجعلي ضوءَ الفراقدِ كلِّها ... يميناَ ومهوى النَّجمِ منْ عنْ شمالكِ
وقال القطامي:
فقلتُ للرَّكبِ لمَّا أنْ علا بهمُ ... منْ عنْ يمينِ الحبيَّا نظرةٌ قبلُ
اللغة
السيهوج والسيهج: الريح التي تسحق كل شيء، والسهج: السحق. يقال: سهجت المرأة طيبها، إذا سحقته.
أهمله الخليل، وذكره صاحب "البارع".
ويقال: ريح سيهوك وسيهك، والسهك: السحق أيضاً. وسهكت المرأة طيبها:
стр. 279
سحقته. والخط: موضع بالبحرين، وكذلك سماهيك.
معنى البيت
وصف ربعاً دارساً.
وقبلهما:
يا دارَ سلمى بينَ داراتِ العوجْ
غدتْ عليها كلُّ ريح سيهوجْ
هوجاءَ جاءتْ منْ بلادِ يأجوجْ
وقوله: "من عن يمين الخط"، جملة في موضع الصفة "لسيهوج"، تقديره: هابة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٧٤)
أتنتهونَ ولنْ ينهى ذوي شططٍ ... كالطَّعنِ يذهبُ فيهِ الزَّيتُ والفتلُ
هذا البيت للأعشى، ميمون بن قيس.
الشاهد فيه
استعمال "الكاف" اسماً، من قوله: "كالطعن" "فالكاف" في موضع اسم مرفوع، فكأنه قال: ولن ينهى ذوي شطط مثل الطعن" فرفعه بفعله.
стр. 280
المعنى
يقول: لن ينهى الظالم عن ظلمه، إلا الطعن الجائف الذي تغيب الفتل فيه، ويفنى الزيت، أي الجرح الذي لا يداوى.
ويروى: "هل تنتهون ولا ينهى". وهذا البيت من قصيدته التي أولها:
ودِّعْ هريرةَ إنَّ الرَّكبَ مرتحلُ ... وهلْ تطيقُ وداعاً أيُّها الرَّجلُ
وبعد البيت:
إنِّي لعمرُ الَّذي حطَّتْ مناسمها ... تخدي وسيقَ إليها الباقرُ الغيلُ
لئنْ قتلتمْ عميداً لمْ يكنْ صدداً ... لنقتلنْ مثلهُ منكمْ فنمتثلُ
الإعراب
فإن قيل: فهل يجوز أم يكون "الكاف" في البيت حرف جر فتكون صفة قامت مقام الموصوف، تقديره: ولن ينهى ذوي شطط شيء كالطعن، فيكون الفاعل محذوفاً، وهو"شيء" وتكون "الكاف" حرف جر، صفة لشيء الفاعل، لأن النكرات توصف بالجمل، نحو: "جائني رجل من أهل البصرة" و"قدم غلام لمحمد".
стр. 281
فالجواب: أن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، على كل حال قبيح. وهو في بعض الأماكن أقبح منه في بعض. وهو مع الفاعل أشد قبحاً منه مع المفعول، لأن الفاعل لا يكون إلا اسماً صريحاً، والمفعول ليس كذلك. قد يكون اسماً صريحاً، وغير صريح، ألا ترى إلى قولهم: ظننت زيداً يقوم، وحسبت أخاك يضرب زيداً، قال النابغة:
فألفيتهُ يوماً يبيرُ عدوَّهُ ... وبحرَ عطاءٍ يستخفُّ المعابرا
والصفة في كلام العرب على ضربين: إما للتخليص والتخصيص، وإما للمدح والثناء.
وكلاهما من مقامات الإسهاب والإطناب، لا من مظان الإيجاز والاختصار. وإذا كان ذلك كذلك لم يلق الحذف به، ولا تخفيف اللفظ منه. هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من الإلباس وضد البيان، ألا ترى أنك إذا قلت: "مررت بطويل" لم يستبن من ظاهر هذا اللفظ الممرور به، إنسان دون رمح أو ثوب، أو نحو ذلك.
وإذا كان كذلك كان حذف الموصوف إنما هو متى قام الدليل عليه، أو شهدت الحال به.
وكلما استبهم الموصوف كان حذفه غير لائق بالحديث.
ومما يؤكد عندك ضعف حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذلك أن تكون الصفة جملة، نحو قولك: "مررت
стр. 282
برجل قائم أبوه" و"لقيت غلاماً وجهه حسن". ألا تراك لو قلت: "مررت بقائم أبوه، ولقيت وجهه حسن" لم يحسن. فأما قوله:
واللهِ ما زيدٌ بنامَ صاحبهْ
ولا مخالطِ اللِّيانِ جانبهْ
فقد قيل فيه: إن "نام صاحبه"اسم رجل، وإذا كان كذلك جرى مجرى قوله:
بني شابَ قرناها تصرُّ وتحلبُ
وأما قوله:
مالكَ عندي غيرُ سهمٍ وحجرْ
وغيرُ كبداءَ شديدةِ الوترْ
جادتْ بكفَّيْ كان منْ أرمى البشرْ
أي: بكفي رجل، أو إنسان كان من أرمى البشر، فقد روي:
جادتْ بكفَّيْ كانَ منْ أرمى البشرْ
стр. 283
بفتح ميم "من" أي بكفي من هو أرمى البشر، و"كان" على هذا زائدة. ولو لم تكن فيه هذه الرواية، لما جاز القياس عليه، لشذوذ عما عليه عقد هذا الموضع.
ألا تراك لا تقول: "مررت بوجهه حسن" ولا"نظرت إلى غلامه سعيد".
وكذلك إن كانت الصفة جملة، لم يجز أن تقع فاعلة، ولا مقامة مقام الفاعل.
ألا تراك لا تجيز، قام وجهه حسن، ولا ضرب قام غلامه.
وكذلك إن كانت الصفة حرف جر، أو ظرفاً، لا يستعمل استعمال الأسماء لو قلت: جاءني من الكرام، أي: رجل من الكرام، وحضرني سواك، أي: الناس سواك، لم يحسن؛ لأن الفاعل لا يحذف.
فإن قيل: إن خبر "كأن" يجري مجرى الفاعل، وقد قال النابغة:
كأنَّكَ منْ جمالِ بني أقيشٍ ... يقعقعُ خلفَ رجليهِ بشنِّ
أراد: كأنك جمل من جمال بني أقيش فحذف الموصوف الذي هو "جمل" وأقام صفته مقامه.
فهلا جعلت بيت الأعشى مثله؟ فالجواب: أن بينهما فرقاً، من وجهين:
стр. 284
أحدهما: أن خبر "كأن" وأخواتها مشبه بالفاعل في ارتفاعه، وليس بفاعل في الحقيقة، ولا مذهب فاعل، ألا ترى أنك تقول: "كأن زيداً يصلي"، "وكأن أخاك يتبع زيداً".
فكون خبرها "فعلاً" يدل على أنه لا يبلغ قوة الفاعل في الاسمية؟، لأن الفاعل لا يكون إلا اسماً محضا، وأيضاً فإن "كأن" تدخل على المبتدأ وخبره، وخبر المبتدأ لا يلزم أن يكون اسماً صريحاً، بل يكون مفردا وجملة.
والوجه الثاني: أن بيت النابغة اضطر فيه إلى إقامة الصفة مقام الموصوف، وبيت الأعشى لم يضطر فيه إلى ذلك، إذ الدلالة البينة قد قامت على استعمال "الكاف" اسماً، في نحو قول الآخر:
وزعتُ بكالهراوةِ أعوجيٍّ ... إذا ونتِ الرِّكابُ جرى وثابا
ومثله قول الآخر:
قليلُ غرارِ العينِ حتَّى تقلَّصوا ... على كالقطا الجونيِّ أفزعهُ الزَّجرُ
ومثله قول ذي الرمة: أبيتُ على ميٍّ كئيباً وبعلها=على كالنَّقا منْ عالجِ الرَّملِ يبتطحْ
стр. 285
وقال آخر:
على كالخنيفِ السَّحقِ يدعو به الصَّدى
وهذا نحوه، يشهد بكون "الكاف" اسماً، فلا تترك الظاهر، وتنزل عن الشائع المطرد، إلى ضرورة واستقباح، إلا إلى أمر تدعو إليه الضرورة، ولا ضرورة هنا. فنحن على ما يجب من لزوم الظاهر، والمخالف معتقد ما لا يعضده قياس، ولا يؤيده سماع.
وقوله: "أتنتهون" معناه الأمر، ولفظه لفظ الاستخبار، وتقديره: انتهوا، ومثله قوله تعالى: (وجعلنا بعضكمْ لبعضٍ فتنةً، أتصبرونَ) . معناه: اصبروا، ومثله (والمطلَّقاتُ يتربَّصنَ) أي: ليتربصن.
وأنشد أبو علي في باب القسم.
(٧٥)
تاللهِ يبقى على الأيَّامِ مبتقلٌ ... جونُ السَّراةِ رباعٌ سنُّهُ غردُ
следующие страницы →