← Язык

Язык · id 9250

إيضاح شواهد الإيضاح

أبو علي القيسي

Полный текст (856 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فالجواب: أن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، على كل حال قبيح. وهو في بعض الأماكن أقبح منه في بعض. وهو مع الفاعل أشد قبحاً منه مع المفعول، لأن الفاعل لا يكون إلا اسماً صريحاً، والمفعول ليس كذلك. قد يكون اسماً صريحاً، وغير صريح، ألا ترى إلى قولهم: ظننت زيداً يقوم، وحسبت أخاك يضرب زيداً، قال النابغة: فألفيتهُ يوماً يبيرُ عدوَّهُ ... وبحرَ عطاءٍ يستخفُّ المعابرا والصفة في كلام العرب على ضربين: إما للتخليص والتخصيص، وإما للمدح والثناء. وكلاهما من مقامات الإسهاب والإطناب، لا من مظان الإيجاز والاختصار. وإذا كان ذلك كذلك لم يلق الحذف به، ولا تخفيف اللفظ منه. هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من الإلباس وضد البيان، ألا ترى أنك إذا قلت: "مررت بطويل" لم يستبن من ظاهر هذا اللفظ الممرور به، إنسان دون رمح أو ثوب، أو نحو ذلك. وإذا كان كذلك كان حذف الموصوف إنما هو متى قام الدليل عليه، أو شهدت الحال به. وكلما استبهم الموصوف كان حذفه غير لائق بالحديث. ومما يؤكد عندك ضعف حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذلك أن تكون الصفة جملة، نحو قولك: "مررت

стр. 282

برجل قائم أبوه" و"لقيت غلاماً وجهه حسن". ألا تراك لو قلت: "مررت بقائم أبوه، ولقيت وجهه حسن" لم يحسن. فأما قوله: واللهِ ما زيدٌ بنامَ صاحبهْ ولا مخالطِ اللِّيانِ جانبهْ فقد قيل فيه: إن "نام صاحبه"اسم رجل، وإذا كان كذلك جرى مجرى قوله: بني شابَ قرناها تصرُّ وتحلبُ وأما قوله: مالكَ عندي غيرُ سهمٍ وحجرْ وغيرُ كبداءَ شديدةِ الوترْ جادتْ بكفَّيْ كان منْ أرمى البشرْ أي: بكفي رجل، أو إنسان كان من أرمى البشر، فقد روي: جادتْ بكفَّيْ كانَ منْ أرمى البشرْ

стр. 283

بفتح ميم "من" أي بكفي من هو أرمى البشر، و"كان" على هذا زائدة. ولو لم تكن فيه هذه الرواية، لما جاز القياس عليه، لشذوذ عما عليه عقد هذا الموضع. ألا تراك لا تقول: "مررت بوجهه حسن" ولا"نظرت إلى غلامه سعيد". وكذلك إن كانت الصفة جملة، لم يجز أن تقع فاعلة، ولا مقامة مقام الفاعل. ألا تراك لا تجيز، قام وجهه حسن، ولا ضرب قام غلامه. وكذلك إن كانت الصفة حرف جر، أو ظرفاً، لا يستعمل استعمال الأسماء لو قلت: جاءني من الكرام، أي: رجل من الكرام، وحضرني سواك، أي: الناس سواك، لم يحسن؛ لأن الفاعل لا يحذف. فإن قيل: إن خبر "كأن" يجري مجرى الفاعل، وقد قال النابغة: كأنَّكَ منْ جمالِ بني أقيشٍ ... يقعقعُ خلفَ رجليهِ بشنِّ أراد: كأنك جمل من جمال بني أقيش فحذف الموصوف الذي هو "جمل" وأقام صفته مقامه. فهلا جعلت بيت الأعشى مثله؟ فالجواب: أن بينهما فرقاً، من وجهين:

стр. 284

أحدهما: أن خبر "كأن" وأخواتها مشبه بالفاعل في ارتفاعه، وليس بفاعل في الحقيقة، ولا مذهب فاعل، ألا ترى أنك تقول: "كأن زيداً يصلي"، "وكأن أخاك يتبع زيداً". فكون خبرها "فعلاً" يدل على أنه لا يبلغ قوة الفاعل في الاسمية؟، لأن الفاعل لا يكون إلا اسماً محضا، وأيضاً فإن "كأن" تدخل على المبتدأ وخبره، وخبر المبتدأ لا يلزم أن يكون اسماً صريحاً، بل يكون مفردا وجملة. والوجه الثاني: أن بيت النابغة اضطر فيه إلى إقامة الصفة مقام الموصوف، وبيت الأعشى لم يضطر فيه إلى ذلك، إذ الدلالة البينة قد قامت على استعمال "الكاف" اسماً، في نحو قول الآخر: وزعتُ بكالهراوةِ أعوجيٍّ ... إذا ونتِ الرِّكابُ جرى وثابا ومثله قول الآخر: قليلُ غرارِ العينِ حتَّى تقلَّصوا ... على كالقطا الجونيِّ أفزعهُ الزَّجرُ ومثله قول ذي الرمة: أبيتُ على ميٍّ كئيباً وبعلها=على كالنَّقا منْ عالجِ الرَّملِ يبتطحْ

стр. 285

وقال آخر: على كالخنيفِ السَّحقِ يدعو به الصَّدى وهذا نحوه، يشهد بكون "الكاف" اسماً، فلا تترك الظاهر، وتنزل عن الشائع المطرد، إلى ضرورة واستقباح، إلا إلى أمر تدعو إليه الضرورة، ولا ضرورة هنا. فنحن على ما يجب من لزوم الظاهر، والمخالف معتقد ما لا يعضده قياس، ولا يؤيده سماع. وقوله: "أتنتهون" معناه الأمر، ولفظه لفظ الاستخبار، وتقديره: انتهوا، ومثله قوله تعالى: (وجعلنا بعضكمْ لبعضٍ فتنةً، أتصبرونَ) . معناه: اصبروا، ومثله (والمطلَّقاتُ يتربَّصنَ) أي: ليتربصن. وأنشد أبو علي في باب القسم. (٧٥) تاللهِ يبقى على الأيَّامِ مبتقلٌ ... جونُ السَّراةِ رباعٌ سنُّهُ غردُ

стр. 286

هذا البيت، لأبي ذؤيب الهذلي. الشاهد فيه قوله "تالله يبقى" أراد: لا يبقى، فحذف "لا" للدلالة عليها، إذ لو كان إيجاباً، لم يكن بد من اللام والنون فيه، مثل: والله لأضربن. اللغة المبتقل: الذي يأكل البقل. وجون السراة: أسود الظهر، والجون من الأضداد، وقوله: "رباع" أي: في سنه. "غرد": مصوت. المعنى يقول: تالله لا يبقى على الأيام مخلوق، ولا هذا الحمار الذي هذه صفته. الإعراب "التاء" في القسم، لا تدخل إلا على اسم الله تعالى. قال أبو الفتح: إنما كان ذلك كذلك، لأن "التاء" بدل من بدل وفرع من فرع فاختصت بأشرف الأسماء، وأشهرها، وهو اسم الله تعالى؛ لأنها بدل من "الواو"، و"الواو" بدل من "الباء". ونظير "التاء" في القسم في اختصاصها بالأشرف "آل"، هو مختص بالأشرف. يقال: آل الملك، وآل النبي ﷺ ، وقد جاء القراء "آل الله".

стр. 287

ولا يقال: آل الحداد، ولا آل البيطار؛ لأن هذه "الألف" بدل من بدل، وفرع من فرع. هي بدل من همزة، والهمزة بدل من "هاء" أصله: أهل، ثم أأل، ثم آل". وبعد البيت: في عانةٍ بجنوبِ السِّيِّ مشربها ... غورٌ، ومصدرها عنْ مائها نجدُ يقضي لبانتهُ باللَّيلِ ثمَّ إذا ... أضحى تيمَّمَ حزماً حولهُ جردُ وأنشد أبو علي في باب الإضافة التي ليست بمحضة. (٧٦) حتَّى إذا ما انجلى عنْ وجههِ فلقٌ ... هاديهِ في أخرياتِ اللَّيلِ منتصبُ هذا البيت لذي الرمة. الشاهد فيه جمع "أخرى" على "أخريات"، يريد "أخرى" التي هي ضد "الأولى"، لأنه يريد بقايا الليل، مذكرة "أول" و"آخر" وهو وجه الجمع فيه. وأما "أخرى" التي هي مؤنث "آخر" على "أفعل"، فتجمع على "أخر"، ولم تنصرف في النكرة، لأنها معدولة، كما لم ينصرف "آخر" مذكرها، قال الله تعالى: (وأخرُ متشابهاتٍ) .

стр. 288

اللغة انجلى: انكشف، الفلق: الصبح، لأنه ينفلق عن ضوء بعد سواء. وهاديه: أوله، وقيل: أول بياضه وقوله: "منتصب" يعني هادي الصبح منتصب في آخر الليل، عند السحر الأول. المعنى وصف ثوراً، يقول: إذا انكشف عن وجهه، يعني وجه الثور، وبعده ما يفسره: أغباشَ ليلٍ تمامٍ كانَ طارقهُ ... تطخطخُ الغيمِ حتَّى مالهُ جوبُ غدا كأنَّ بهِ جنَّاً تذاءبهُ ... منْ كلِّ أقطارهِ يخشى ويرتقبُ الإعراب "هاديه" رفع بالابتداء، و"منتصب" خبره، و"في أخريات" متعلق "بمنتصب"، والجملة من المبتدأ وخبره، في موضع الصفة "لفلق"، وجواب "إذا" في قوله: غدا كأنَّ بهِ جنَّا........ البيت وأنشد أبو علي في الباب. (٧٧) وقرَّبَ جانبَ الغربيِّ يأدو ... مدبَّ السَّيلِ واجتنبَ الشَّعارا

стр. 289

هذا البيت للراعي النميري، واسمه "عبيد". الشاهد فيه قوله: "جانب الغربي"، يريد: جانب المكان الغربي، فحذف الموصوف الذي هو "المكان" وأقام الصفة مقامه، وهو قبيح، لإقامة الصفة مقام الموصوف، وهو كلام مزال عن جهته، وكان حده أن يقول: "بالجانب الغربي"، إلى الصفة، وكذلك صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وكان حده: الصلاة الأولى، والمسجد الجامع. فمن أضاف فجواز إضافته على إرادة: هذه صلاة الساعة الأولى، وهذا مسجد الوقت الجامع. فلا بد من هذا التقدير، لئلا يضاف الشيء إلى نفسه، وهو مستحيل، ألا ترى أنه لا يجوز: هذا زيد العاقل، والعاقل هو "زيد" على الإضافة. اللغة التقريب: ضرب من السير، أي: وقرب في جانب الغربي، ومعنى يأدو: يخفي شخصه في مدب السيل، يختل بذلك صائده يقال: أدا يأدوا أدواً، إذا ختل، قال الشاعر: أدوتُ لهُ لآخذهُ ... وهيهاتَ الفتى حذرا وفي المثل: "الذئب يأدو للغزالِ". والشعار: الشجر الملتف، والشعار أيضاً: ما

стр. 290

كان من شجر، في لين ووطاء من الأرض تحله الناس، يستدفئون به في الشتاء، ويستظلون به في القيظ، والمشعر أيضاً: الشعار، وهو مثل: المشجر، قال ذو الرمة: يصف ثورا وحشياً: يلوحَ إذا أفضى ويخفى بريقه ... إذا ما أجنَّتهُ غيوبُ المشاعرِ يعني ما تغيبه. قال أبو حنيفة: وإن جعلت المشعر: الموضع الذي به كثرة الشجر، لم يمتنع، كالمبقل، والمحش، والشعراء: كثرة الشجر، والشعراء: الأرض ذات الشجر. وقال أبو حنيفة: الشعراء: الروضة يغم رأسها الشجر، وجمعها: "شعر". يحافظون على الصفة في ذلك، ولو حافظوا على الاسم، لقالوا: "شعراوات"، أو "شعار"، والشعراء: النبات والشجر على التشبيه بالشعر. المعنى وصف ثورا وحشياً، أو حمارا، يقول: اجتنب الشجر، مخافة أن يرمى منها، ولزم مدرج السيل، وقرب في جانب الغربي. الإعراب موضع "يأدو" من الإعراب، موضع الحال من الضمير في قوله "وقرب". ونصب "مدب السيل" على الظرف، ويحتمل أن يكون "مفعولاً بإسقاط حرف الجر".

стр. 291

وذكر أبو علي في أثناء كلامه في عطف البيان: قول رؤبة: (٧٨) يا نصرُ نصرٌ نصرا شاهداً على الرفع الصحيح، لأن عطف البيان ليس كالصفة، والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها: أن النعت يكون بالصفات، "وعطف البيان يكون بالأسماء الجامدة. والثاني: أن النعت يكون بالمعارف والنكرات، وعطف البيان لا يكون إلا بالمعارف. والثالث: أن النعت يكون بما هو للمنعوت، وبما هو بسببه، وعطف البيان، هو المعطف عليه بعينه. والفرق بين البدل وعطف البيان من أربعة أوجه: أحدها: أن البدل قد يكون هو المبدل منه بعينه، وقد يكون اسما مصاحبا له، وقد يكون حدثا من أحداثه، وعطف البيان هو المعطوف عليه أبدا. والثاني: أن البدل يكون بالمعارف والنكرات، وعطف البيان لا يكون إلا بالأسماء المعرف الظاهرة.

стр. 292

والثالث: أن البدل تقدر معه إعادة العامل، فكأنه من جملة أخرى، وعطف البيان لا يقدر فيه ذلك، بل هو في هذا الوجه كالنعت. الرابع: أن البدل يجيء ومنه ما يراد به الغلط، وعطف البيان لا غلط فيه. ويروى. يا نصرُ نصراً نصراً يعطفهما على الموضع، ويجوز رفعهما جميعاً على اللفظ، في غير هذا الشعر. ويجوز نصب الأول على الموضع، ورفع الثاني على اللفظ، ويجوز نصبهما جميعاً على المصدر، كأنه قال: "يا نصر انصرني نصراً نصراً"، وكرر للتوكيد. وروي عن أبي عبيدة: يا نصرُ نضراً نضراً بالضاد معجمة، وهو حاجب نصر بن سيار، وكان حجبه، فقال: "يا نصر نضراً نضراً" أي: حاجبك، يغري به.

стр. 293

وقبله: إنِّي وأسطارٍ سطرنَ سطراً لقائلٌ يا نصرُ نصرٌ نصرا وأنشد أبو علي في باب حروف العطف. (٧٩) وكانَ سيَّانَ ألاَّ يسرحوا نعماً ... أوْ يسرحوهُ بها واغبرَّتِ السُّوحُ هذا البيت لرجل من النبيت، حي من الأنصار، وقيل: لأبي ذؤيب الهذلي، ولم أجده في شعره، كما وقع في كتاب"الإيضاح"، وإنما وقع في "ديوان شعر أبي ذؤيب": وقالَ ماشيُّهمْ سيَّانِ سيركمُ ... أوْ أنْ تقيموا بها واغبرَّتِ السُّوحُ وكانَ مثلينِ ألاَّ يسرحوا نعماً ... حيثُ استرادتْ مواشيهمْ وتستريحُ الشاهد فيه وضع "أو" موضع "الواو"؛ لأن وجه الكلام: سيان زيد وعمرو، ومثله قول الآخر: فسيَّانِ حربٌ أوْ تبوءَ بمثلهِ ... وقدْ يقبلُ الضَّيمَ الذَّليلُ المسيَّرُ

стр. 294

اللغة سيان: تثنية "سي" ومعناه: مستو بمعنى مثل. والنعم: الإبل والشاء، يذكر ويؤنث، والنعم بإسكان العين لغة فيه عن ثعلب، وأنشد: وأشطانُ النَّعامِ مركَّزاتٌ ... وحومُ النَّعمِ والحلقُ الحلولُ والجمع: أنعام، وجمع الجمع أناعيم. وقال ابن الأعراب ي: النعم: الإبل خاصة، والأنعام: الإبل والبقر والغنم. والسرح: أن تخرج الإبل للمرعى. والسوح: جمع ساحة، واغبرت: لا نبات فيها، قال ذو الرمة: نهوضٌ بأخراها إذا ما انتحى لها ... منَ الأرضِ نهَّاضُ الحزابيِّ أغبرُ المعنى يقول: سيان السرح، وتركه، لأن الأرض جدبة قحطة، لا رعي فيها. الإعراب كان الوجه أن يقول: "ويسرحوه بها" إلا أنه لما كان "أو" للإباحة، يسوغ فيها الجمع بين الشيئين، إذا قلت: جالس الحسن، أو ابن سيرين، مستقيم لك أن تجالسهما، وتعلم نحواً أو فقهاً، يستقيم لك أن تتعلمهما، تأنس بذلك، فأوقعها موقعها، وأحلها محلها.

стр. 295

وإن كانت "أو"، إنما هي في أصل وضعها، لأحد الشيئين. وإنما جاز ذلك فيها في هذا الموضع لا لشيء يرجع إلى نفس "أو" (بل) بقرينة انضمت إليها من جهة المعنى، وذلك أنه قد عرف، أنه ربما رغب في مجالسة الحسن؛ لما لمجالسته في ذلك من الحظ، وهذه الحالة موجودة في مجالسة ابن سيرين، فعلم من فحوى القول أنه قد أبيح له مجالسة ابن سيرين أيضاً كأنه قال: جالس هذا الضرب من الناس. ثم إنه لما رأى "أو" في هذا الموضع قد جرت مجرى "الواو" بقرينة، تدرج من ذلك إلى غيره، فأجراها مجرى "الواو" في موضع عار من القرينة التي سوغت استعمال "أو" موضع الواو. وسيان مرفوع "بكان" و"ألا يسرحوا" في موضع الفاعل به، يسد مسد خبر "كان". وإنما جاز أن يكون "اسم كان" وهو نكرة، لما فيه من معنى التسوية ويحتمل أن يكون في "كان" ضمير الأمر والشأن، ويرفع "ألا يسرحوه" بالابتداء، و"سيان" خبره، والجملة خبر كان، والتقدير: وكان الأمر السرح وتركه سيان، ومثله قوله تعالى: (أوْ لمْ تكنْ لهمْ آيةٌ أنْ يعلمهُ علماءُ بني إسرائيل) . فالتأنيث في "تكن" للقصة، و"أن يعلمه" مبتدأ، و"آية" خبر المبتدأ، والجملة خبر "كان". ومن رواه: وكان سيين أو مثليين، نصب "بكان"، و"ألا يسرحوه" رفع بها.

стр. 296

وأنشد أبو علي في الباب. (٨٠) أطربا وأنتَ قنَّسريُّ هذا الشطر للعجاج الشاهد فيه قوله "أطربا" لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه: الإثبات؛ يوبخه على طربه وهو شيخ. اللغة الطرب: خفة تصيب الرجل عند السرور، وعند الجزع، وهو هنا الجزع. القنسري: الشيخ الكبير المسن، وإنما هو "قنسر"، فزاد "الياء" لتوكيد معنى الصفة، وليست للنسب. قال طفيل الغنوي: وعارضتها رهوا على متتابعٍ ... شديدِ القصيرى خارجيٍّ محنَّبِ مثله قول العجاج أيضاً:

стр. 297

غضفٌ طواها الأمسِ كلاَّبيُّ أراد: كلابا، وله أيضاً: والدَّهرُ بالإنسانِ دوَّاريُّ ومثله: كأنَّ حدَّاءً قراقريَّا أي حاد قراقر، وهو مثل قولهم: خطيب مصقع، وشاعر مرقع. ومثله لرؤبة: منْ عضلاتِ الضَّيغميِّ الأجبهِ أي: الضغيم، وهو كثير. الإعراب نصب "طربا" على المصدر، كأنه قال: أتطرب طربا. و"أنت قنسري" جملة من مبتدأ وخبر، في موضع الحال. وقبله: بكيتُ والمحتزنُ البكيُّ وإنَّما يأتي الصِّبا الصَّبيُّ

стр. 298

وأنشد أبو علي في باب الأفعال المنصوبة. (٨١) للبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني ... أحبُّ إليَّ منْ لبسِ الشُّفوفِ هذا البيت لميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية، وهي امرأة معاوية بن أبي سفيان، وهي أم يزيد ابنه. الشاهد فيه نصب "وتقر" بإضمار "أن" ليعطف على "اللبس"؛ لأن "اللبس" اسم و"تقر" فعل، فلما لم يمكنه عطف الفعل على الاسم، أضمر "أن" ونصب بها الفعل، وجعلها وما بعدها اسماً، وعطف حينئذ اسماً على اسم. فكأنه قال: لأن ألبس عباءة، وأن تقر عيني أحب إلي، وجعل الخبر عنهما واحداً، وهو "أحب"، ويروى: للبسُ عباءةٍ وتقرُّ عيني برفع الفعل جعل "الواو" للحال. وتقدير الكلام لأن ألبس العباءة قارة عيني أحب إلى. ويروى بفتح القاف وكسرها. اللغة العباءة: جبة الصوف. والشفوف: ثياب رقاق، تصف البدن. واحدها: شف.

стр. 299

المعنى تقول: صفاء العيش، ولبس العباءة، أحب إلي من نكد العيش، وسخنة العين، ولباس الثياب الرقاق. وبعده: وبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيهِ ... أحبُّ إليَّ منْ قصرٍ منيفِ وأصواتُ الضِّباعِ بكلِّ قفرٍ ... أحبُّ إليَّ منْ ضربِ الدُّفوفِ وأنشد أبو علي في الباب. (٨٢) سأتركُ منزلي لبني تميمٍ ... وألحقُ بالحجازِ فأستريحا هذا البيت للمغيرة بن حبناء. الشاهد فيه نصب "فأستريحا" بإضمار "أن" ضرورة، وهو خبر واجب.

стр. 300

ويروى: "لأستريحا" ولا شاهد فيه على هذه الرواية، ومعنى البيت مفهوم، ومثله للأعشى: وثمَّتَ لا تجزونني عندَ ذاكمُ ... ولكنْ سيجزيني الإلهُ فيعقبا ومثله لطرفة: لنا هضبةٌ لا ينزلُ الذُّلُ وسطها ... ويأوي إليها المستجيرُ فيعصما وأنشد أبو علي في الباب. (٨٣) لا تنهَ عنْ خلقٍ وتأتيَ مثلهُ ... عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ هذا البيت، للمتوكل بن عبد الله بن نهشل بن مسافع، من شعراء الإسلام. وهو من أهل الكوفة، كان في عصر معاوية، وابنه يزيد، ومدحهما، ونسب إلى الأخطل، ويروى لأبي الأسود الدؤلي. وللمتوكل نسبه أبو الفرج الأصبهاني، وذكر أنه اجتمع مع الأخطل

стр. 301

بالكوفة. فقال له المتوكل: أنشدنا يا أبا مالك. فوالله لا تنشدني قصيدة إلا أنشدتك مثلها أو أشعر منها، من شعري. قال: ومن أنت؟. قال: أنا المتوكل. قال: ويحك! أنشدني من شعرك، فأنشده: للغانياتِ بذي المجازِ رسومُ ... فببطنِ مكَّةَ عهدهنَّ قديمُ فبمنحر البدنِ المقلَّدِ منْ منًى ... حللٌ تلوحُ كأنَّهنَّ نجومُ حتى انتهى إلى قوله: لا تنهَ عنْ خلقٍ وتأتيَ مثلهُ ... عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ فقال له الأخطل: ويحك يا متوكل! لو صب الخمر في جوفك، كنت أشعر الناس. ورأيت لمن يرويه، للأخطل، أو لأبي الأسود: وإذا جريتَ معَ السَّفيهِ كما جرى ... فكلاكما في جريهِ مذمومُ وإذا عتبتَ على السَّفيهِ ولمتهُ ... في مثلِ ما تأتي فأنتَ ملومُ الشاهد فيه نصب "تأتي" بإضمار "أن"؛ لأنه أراد: لا تجمع بين النهي والإتيان، والمعنى: لا يكن منك، أن تنهى وتأتي، ولو جزم لفسد المعنى، لقطعه ألا ينهى البتة عن

стр. 302

شيءٍ، ولا يأته، وإنما يريد: إذا نهيت عن شيء فلا تأته، فإن ذلك عار عليك. قال الأصمعي: لم أسمع هذا البيت، من أحد من العرب، إلا مرفوعاً، يريد: بإثبات "الياء" ساكنة. وهذا لا يجوز إلا مع الحال، أي: لا تنه عن خلق وحالك إتيانه، أي وأنت تأتي مثله، وأتى أبو العلاء المعري بمثله فقال: إذا فعلَ الفتى ما عنهُ ينهى ... فمنْ جهتينِ لا جهةِ أساءَ الإعراب قوله: "عار" هو خبر مبتدأ، كأنه قال: هذا عار عليك، و"عليك" في موضع الصفة "لعار"، أي: عار واقع عليك، و"عظيم" صفة له. والعامل في "إذا فعلت" المبتدأ الذي هو (هذا) ، ويجوز أن يعمل فيه قوله: "عليك" أي يقع عليك وقت فعلك إياه. وانشد أبو علي في الباب. (٨٤) وكنتُ إذا غمزتُ قناةَ قومٍ ... كسرتُ كعوبها أوْ تستقيما

стр. 303

هذا البيت لزياد الأعجم، وهو زياد بن سليمان، مولى عبد القيس، أحد بني عامر بن الحارث. وقيل: زياد بن جابر بن عمرو، مولى عبد القيس. وكان ينزل "اصطخر"، فغلبت العجمة على لسانه، فقيل له: الأعجم، ويكنى أبا أمامة. الشاهد فيه نصب "تستقيم"، على معنى إلا أن تستقيم. الغمز: العصر باليد، أتى به على جهة المثل. يقول: إذا اشتد عل جانب قوم، رمت صلاحهم، حتى يستقيم أمرهم. ووقع هذا البيت، في هذا "الكتاب"، وفي "كتاب سيبويه"، بنصب "تستقيم" ورأيته في شعر زياد الأعجم، مرفوع القوافي، يهجو المغيرة بن حبناء بن عمرو بن ربيعة. وحبناء لقب غلب على أبيه، واسمه حبين بن عمرو، وهو شاعر إسلامي. وبعده: فستُ بسابقي هرباً ولمَّا ... تمرُّ على نواجذكَ القدومُ فحاولْ كيفَ تنجو منْ وقاعي ... فإنَّكَ بعدَ ثالثةٍ رميمُ سراتكمُ الكلابُ البقعُ فيكمْ ... للؤمكمُ وليسَ لكمْ كريمُ وقدْ قدمتْ عبودتكمْ ودمتمْ ... على الفحشاءِ والطَّبعِ اللَّئيم

стр. 304

وأنشد أبو علي في الباب. (٨٥) وحتَّى الجيادُ ما يقدنَ بأرسانِ وقد تقدم القول على شاهده، والكلام عليه، فأغنى عن إعادته، وهذا آخر الأبيات من الجزء الأول. وأنشد أبو علي في الباب الأول من الجزء الثاني. (٨٦) فاليومَ أشربْ غيرَ مستحقبٍ ... إثماً منَ اللهِ ولا واغلِ هذا البيت لامرئ القيس، استشهد أبو علي بصدره. الشاهد فيه إسكان آخر الفعل، وهو "الباء" من "أشرب" في حال الرفع مع الوصل، شبه المنفصل من كلمتين بالمتصل من كلمة واحدة، نحو "عضد" وشبهه، لأنه بنى من "الراء والباء، والغين" من الكلمة الأخرى، مثل "ربغ" ثم أسكن الباء، ومثله قول الآخر:

стр. 305

إذا اعوججنَ قلتُ صاحبْ قوِّمِ بالدَّوِّ أمثالَ السَّفينِ العوَّمِ وسيأتي في الكتاب نظائره في مواضعها إن شاء الله. ويروى "فاشرب" على الأمر، ويروى "فاليوم أسقى" ولا شاهد فيه على هذا. اللغة المستحقب: المكتسب، وأصل الإستحقاب: حمل الشيء في الحقيبة. والواغل: الداخل على القوم، وهم يشربون، ولم يدع. المعنى قال هذا حين قتل أبوه، ونذر ألا يشرب الخمر، حتى يثأر به، فلما أدرك ثأره، حلت بزعمه، فلا يأثم في شربها، إذ قد وفى بنذره. وأنشد أبو علي في باب الساكنين إذا التقيا، ولم يكن الحرفان الساكنان مثلين. (٨٧) عجبتُ لمولودٍ، وليسَ لهُ أبٌ ... وذي ولدٍ لمْ يلدهُ أبوانِ

стр. 306

هذا لبيت لرجل من أسد السراة. الشاهد فيه قوله "لم يلده"، فخفف "اللام" فأسكن، فقال "لم يلده"، ثم أسكن "الدال" للجازم فالتقى ساكنان، فحرك "الدال" لالتقاء الساكنين، وحركها بحركة أقرب المتحركات إليه، ومثله قول الآخر: وقيل في قول العجاج: بسبحلِ الدَّفَّينِ عيسجورِ أنه أراد: "بسبحل" فأسكن الباء، وحرك الحاء، وغير حركة السين. والمولود الذي ليس له أب، "عيسى" ﷺ ، والوالد الذي ليس له أبوان، "آدم" ﷺ وهي قصيدة، وفيها ألغاز، ومنها قوله في القمر:

стр. 307

وذي شامةٍ سوداءَ في حرِّ وجههِ ... مجلَّلةٍ لا تنجلي لزمانِ ويكملُ في تسعٍ وخمسٍ شبابه ... ويهرمُ في سبعٍ معاً وثمانِ وأنشد أبو علي في الباب. (٨٨) قالتْ سليمى اشترْلنا سويقا هذا الشطر للعذافري الكندي. الشاهد فيه إسكان الراء من "اشترلنا"، لأن "ترل" من الكلمة "كعلم" فأجرى الكلمتين مجرى الكلمة الواحدة، فسكن ضرورة، كما يقولون: في ظرف، وفي "كبِد" كبْد، ومثله قول الآخر: فاحذرْ ولا تكترْ كريّاً أعوجا وبعده: وهاتِ برَّ البخسِ أوْ دقيقا واعجلْ بشحمٍ يتَّخذُ خرديقا واشترْ فعجِّلْ خادماً لبيقا

стр. 308

والبخس: أرض تنبت بلا سقي، والخرديق: مرقة الشحم بالتابل. وأنشد أيضاً العجاج. (٨٩) فباتَ منتصباً وما تكردسا الشاهد فيه إسكان قوله: "منتصباً" تخفيفاً، ومثله في "كتف" كتف قال: وما كلُّ مبتاعٍ ولوْ سلفَ صفقهُ ... يراجعُ ما قدْ فاتهُ بردادِ وقال الأخطل: إذا غابَ عنَّا غابَ عنَّا فراتنا ... وإنْ شهدَ أجرى فضلهُ وجداولهْ وقال الآخر: رحتِ وفي رجليكِ ما فيهما ... وقدْ بدا هنكِ منَ المئزرِ

стр. 309

وأنشد البغداديون: رجلانِ منْ ضبَّةَ أخبرانا ... أنَّا رأينا رجلاً عريانا وقال أبو النجم: لوْ عصرَ منهُ المسكُ والبانُ انعصرْ وحكى صاحب "الكتاب": أراك منتفخاً. وقرأ أبو عمرو: (رسلنا) ، و (سبلنا) ، و (يأمرهمْ) و (يشعركمْ) أسكن تخفيفاً؛ لتوالي الحركات. وصف ثوراً وحشياً، يقول: بات هذا الثور منتصباً، أي قائماً لنشاطه وقوته، وما تكردس أي وما انطرح، قال امرؤ القيس: وضجعته مثل الأسير المكردس ويروى "وبات منتصاً" من المنصة، و المعنى واحد.

стр. 310

وبعده: إذا أحسَّ نبأةً توجَّسا وأنشد أبو علي في الباب. (٩٠) أنا ابنُ ماويَّةَ إذْ جدَّ النَّقرْ هذا الرجز لعبد الله بن ماوية الطائي، أو لبعض السعديين، من سعد تميم. الشاهد فيه إلقاء حركة الراء على القاف للوقف، لئلا يجمع بين ساكنين، وليس الأول حرف مد، ولا حرف لين. ومما جاء من ذلك في الشعر، وليس الأول حرف مد، ولا حرف لين، قوله: أرخينَ أذيالَ الحقى وارتعنْ

стр. 311

مشيَ حيِّياتٍ كأنْ لمْ يفزعنْ إنْ يمنعَ اليومَ نساءٌ تمنعنْ قال الأخفش: أخبرني بعض من أثق به، أنه سمع: أنا جريرٌ كنيتي أبو عمرْو أجبناً وغيرةً تحتَ السِّترْ قال: وقد سمعت من العرب: أنا ابنُ ماويَّةَ إذْ جدَّ النَّقرْ قال أبو الفتح ابن جني: "لهذا ضرب من القياس؛ وذلك أن الساكن الأول، وإن لم يكن مداً، فإنه ضارع بسكونه المدة، فكما أن حرف اللين. إذا تحرك، جرى مجرى الصحيح فصح في نحو: "عوض وحول". ألا تراهما لم تقلب الحركة فيهما كما قلبت في "ريح" و"ديمة" لسكونها، وكذلك ما أعل للكسرة قبله، نحو "ميعاد" و"ميقات"، أو الضمة قبله، نحو: "موقن" و"موسر"، إذا تحرك صح، فقالوا: "مواعيد" و"مواقيت" و"مياسر" و"مياقن". فكما جرى المد مجرى الصحيح، لحركته، كذلك يجري الحرف الصحيح مجرى حرف اللين، لسكونه. أو لا ترى إلى ما يعرض للصحيح إذا سكن، من الإدغام، والقلب. نحو: من رأيت؛ ومن لقيت، وعمبر، وامرأة شمباء. فإذا تحرك، صح، فقالوا: الشنب، والعنب، وأنا رأيت، وأنا لقيت.

стр. 312

وكذلك تجري العين من "ارتعن"، والميم من "أبي عمرو" والقاف من "النقر" فاعلمه. اللغة النقر: هو النقر بالخيل، والنقر أيضاً: ضرب الشيء بالمنقار، والنقر أيضاً: إلزاق طرف اللسان بالحنك، ثم يصوت به، يسكن به الفرس، عند احتمائه، وشدة حركته. قال امرؤ القيس: أسكِّتهُ بالنَّقرِ لمَّا علوته ويروى "أخفضه". وأنشدنا ثابت، في "كتاب الدلائل": إذ جد النفر، بالفاء. يريد: النفر، وهو أشبه بالمعنى. وسيبويه رواه، بالقاف. المعنى يقول أنا الشجاع البطل، إذا احتمت الخيل، واشتد الحرب. الإعراب العامل في الظرف، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد، أنا مثل ابن ماوية في هذا لوقت. فيعمل في الظرف على هذا التقدير معنى التشبيه، أي: أنا أشبه ابن ماوية إذ جد النقر، هذا إن كان القائل غير ابن ماوية. والثاني: أن يكون قد عرف منه الغناء والنجدة، فكأنه قال: أنا المغني، أو أنا النجد إذ جد النقر. ومثله قول الآخر: أنا أبو المنهالِ بعضَ الأحيانْ وهذا هو الانتزاع من الاسم العلم، معنى الوصف والفعلية، ومثله قول الآخر:

стр. 313

أنا أبو برزةَ إذْ جدَّ الوهلْ أي: أنا المغني عند اشتداد الأمر، قريب منه قول الآخر: أنا أبوها حينَ تستبقي أبا أي: أنا صاحبها وكافلها وقت حاجتها إلى ذلك، ومثله، وأحسن منه صنعة: لا ذعرتُ السَّوامَ في فلقِ الصُّب ... حِ مغيراً ولا دعيتُ يزيدا أي: لا دعيت الفاضل المغني، وليس يتمدح بأن اسمه "يزيد"، وإنما تمدح بما عرف

стр. 314

من فضله، وغنائه، ومثل هذا الانتزاع قول الآخر: إنَّ الذِّئابَ قدْ اخضرَّتْ براثنها ... والنَّاسُ كلُّهمُ بكرٌ إذا شبعوا أي: الناس إذا شبعوا تعادوا؛ لأن بكراً كذلك تفعل. ونحو منه قول الآخر: وإن لم يكن المعول عليه علماً: ما أمُّكَ اجتاحتِ المنايا ... كلُّ فؤادٍ عليكَ أمُّ أي: كل فؤاد عليك حزين، وكئيب، إذ كانت الأم هكذا غالب أمرها، ولاسيما مع المصيبة، وعند نزول الشدة. وقد مر به الطائي الكبير، فأحسن فيه، واستوفى معناه، فقال: فلا تحسبا هنداً لها الغدرُ وحدها ... سجيَّةُ هندٍ كلُّ غانيةٍ هندُ فكأنه قال: كل غانية غادرة أو قاطعة، أو غير ذلك. وقد جاء في كتاب الله تعالى: (وهوَ اللهُ في السَّمواتِ) . قال أبو علي: العامل في المجرور، ما في اسم الله تعالى، من معنى الإلاهية، ينتزع منه معنى المعبود، أو الموجود. أو نحو ذلك، ومثله قوله تعالى: (إنَّها لظى، نزَّاعةً للشَّوى) ، في قراءة من نصب على الحال، والعامل في

стр. 315

الحال ما في "لظى" من معنى التلظي، لأن "لظى" اسم علم، ومثله: مررت برجل خز تكته، ومررت برجل صوف قميصه، أي: خشن ومررت بقاع عرفج كله. أي: جاف، أو خشن. وعلى هذا مذهب صاحب الكتاب، في ترك صرف "أحمر" إذا سمي به ثم نكرة. وأنشد أبو علي في الباب. (٩١) شربَ النَّبيذِ واصطفاقاً بالرَّجلْ هذا الرجز، لبعض بني أسد. الشاهد فيه إلقاء حركة اللام على الجيم للوقف. وقبله: علَّمنا أخوالنا بنو عجلْ أراد: "عجل" فنقل كما تقدم، ومثله قول الآخر: أرتنيَ حجلاً على ساقها ... فهشَّ الفؤادُ لذاكَ الحجلْ

стр. 316

وقال آخر: محنَّبُ الرِّجلينِ محبوكُ الإطلْ أراد: "الإطل" ثم وقف، فنقل الحركة، ويجوز أن يكون "الإطل"، لغة مضافة إلى "إبل"، وقد روي قول امرئ القيس: لهُ إطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ على "فعل". اللغة "الاصطفاق بالرجل": افتعال من التصفيق. ويروى: "اعتقالاً"، وهو أن يصرعه الشغزبية، وهي عقلة للمصارع، وذلك أن يدخل رجله، على رجله فيصرعه. وأنشد أبو علي في باب الكلم التي يلفظ بها. (٩٢) أأنْ رأتْ رجلاً أعشى أضرَّ بهِ ... ريبُ المنونِ ودهرٌ منفدٌ خبلُ البيت للأعشى ميمون بن قيس.

стр. 317

استشهد أبو علي بصدره، على أن العرب لم تخفف الهمزة. إذا كانت أول كلمة يبتدأ بها؛ لأن في تخفيفها تقريباً من الساكن، وإذا كانوا لم يبتدئوا بالساكن، فكذلك لم يبتدئوا بما قرب منه، هذا مع كون الهمزة مخففة بزنة المحققة؛ ولولا ذلك لانكسر البيت. اللغة العشى: ضعف البصر، وريب الدهر: نوائبه. والمنون: المنية، تذكر وتؤنث، وخبل: ملتو على أهله. وأنشد أبو علي في باب أحكام الحروف التي يوقف عليها. (٩٣) مثلّ الحريقِ وافقَ القصبَّا هذا الرجز لربيعة بن أبي صبح، ويروى لرؤبة.

стр. 318

الشاهد فيه تشديد "القصبا" في الوصل ضرورة، حملاً على الوقف، وإنما يشدد في الوقف، إشعاراً بأنه محرك في الوصل، ولو قال: "القصب"، ووقف على "الباء"، لم تكن فيه ضرورة، ولكنه لما وصل القافية "بالألف"، خرجت "الباء" عن حكم الوقف؛ لأن الوقف على الألف لا عليها. ومثله: لقدْ خشيتُ أنْ أرى جدبَّا في عامنا ذا بعدما أخصبَّا وقال آخر: ضخم يحب الخلق الأضخما وكلاهما لرؤبة بن العجاج. ومن روى: "الإضخم" بكسر الهمزة، و"الضخم" بكسر الضاد، فلا ضرورة فيه، على هذه الرواية، لأن "إفعلاَّ" و"فعلاَّ" في الكلام كثير، نحو "إرزب" و"خدب"، وإنما الضرورة في فتح الهمزة، لأن "أفعل" ليس بموجود في الأسماء. ويتصل بالأول.

стр. 319

إن الدبا فوق المتون دبا وهبت الريح بمور هبا يترك ما أبقى الدبا سبسبا كأنه السيل إذا اسلحبا أو كالحريق وافق القصبا والتبن والحلفاء والتهبا حتى ترى البويزل الإرزبَّا من عدم المرعى قد اقرعبا وأنشد أبو علي في الباب. (٩٤) ببازلٍ وجناءَ أوْ عيهلِّ هذا الرجز لمنظور بن مرثد. الشاهد فيه تشديد "عيهل"، في الوصل ضرورة، كما تقدم في الذي قبله.

стр. 320

وقيل: إنما شدد ضرورة لتمام البناء؛ لأنه لو قال: "أو عيهل" بالتخفيف، لكان من كامل السريع، وقبله ما يدل على أنه من أشطار السريع. فلهذه الضرورة، أجرى الوصل، مجرى الوقف، فشدد. قال أبو الفتح: "إثبات الياء في "عيهل" وأشباهه، مع التضعيف طريف، وذلك أن التثقيل من أمارة الوقف، وإثبات الياء من أمارة الإطلاق، فهذا ظاهره الجمع بين الضدين، فهو إذاً بين منزلتين. وسبب جواز الجمع بينهما، أن كل واحد منهما، قد كان جائزاً على انفراده، فإذا جمع بينهما، فإنه على كل حال، لم يأت إلا بما من عادته، أن يأتي منفرداً، وليس على تحقيق النظر جمعاً بين الضدين، كالسواد والبياض، والحركة والسكون، فيستحيل اجتماعهما، فتضادهما إذاً إنما هو في الصناعة لا في الطبيعة والطريقة منقادة، والتأمل يوضحها، ويمكنك منها. ومثله قول الآخر: يا مرحباهُ بحمار ناجيهْ ... إذا أتى قرَّبته للسانيهْ وقال آخر: يا مرحباهُ بحمارِ عفرا
следующие страницы →