Полный текст (856 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وقال آخر:
بيننا نسوسُ النَّاسَ والأمرُ أمرنا ... إذا نحنُ فيهم سوقةٌ نتنصَّفُ
فالجواب: أن تقدير ما أنشدت: بينا أوقات نحن نرقيه، وبينا أوقات نحن نسوس الناس.
وجاز أن يضاف إلى الظرف من الزمان، لمشابهته المصدر.
ولا يجوز على هذا: ست بينا أمامك، ووراءك، لأن ظرف المكان جثة، فلا يشبه المصدر، ولا نسبة بينه وبينه.
ومن زعم أن "بينا" محذوفة من "بينما"، احتاج إلى رمحي يصدقه والعامل في الظرف الذي هو "بينا": قال قائل.
وأنشد أبو علي في باب الزيادة التي تلحق من، إذا كنت مستفهماً عن نكرة.
(١٠٤)
عجبتُ والدهرُ كثيرٌ عجبهْ
من عنزيَّ سبَّني لمْ أضربهْ
стр. 352
الشاهد فيه
نقل حركة "الهاء" إلى "الباء" من قوله: "أضربه"، ليكون أبين في الوقف، لأن مجيئها ساكنة بعد ساكنة أخفى لها.
اللغة
العجب: إنكار ما يرد عليك، لقلة اعتياده، ويقال فيه: العجب، وجمعه إعجاب، قال:
يا عجباً للدهر ذي الأعجاب.
ويقال: عجب، وتعجب، واستعجب، والاسم: العجيبة، والأعجوبة، والتعاجيب: العجائب لا واحد لها.
[وأعجبه الأمر] حمله على العجب منه، وأمر عجيب، وعجب وعجاب.
وعجبٌ عاجبٌ وعجيبٌ عجابٌ، على المبالغة، وأمر عجيب معجب.
وعنزي منسوب إلى عنزة، وهي قبيلة من ربيعة بن نزار، وهمم عنزة بن أسد بن ربيعة.
وأنشد أبو علي في باب تخفيف الهمزة.
(١٠٥)
أبلغْ أبا دختنوسَ مألكةً ... غيرَ الّذي قدْ يقالُ ملكذبِ
стр. 353
هذا البيت، خوطب به لقيط بن زرارة، ودختنوس بنت لقيط، ولها يقول أبوها عند موته:
يا ليتَ شعري عنكِ دختنوسُ
إذا أتاها الخبرُ المرموسُ
أتحلقُ القرونَ أم تميسُ
لا بلْ تميسُ إنَّها عروسُ
وفي "دختنوس" أربع لغات: بالشين، وبالسين، ويختنوس، وتختنوس بالسين.
الشاهد فيه قوله
"ملكذب"، وهو يريد: من الكذب، فحذف النون من "من"، لسكون لام المعرفة وسكونها، ولم يحركها لالتقاء الساكنين، ومثله، قول أبي صخر الهذلي:
كأنَّهما ملآن لمْ يتغيَّرا ... وقدْ مرَّ للَّدارين منْ بعدنا عصرُ
стр. 354
الإعراب
"مألكة" مفعلة، وأصلها ملئكة، فقلب، يدل على ذلك قوله:
ألكني إليها عمركَ الله يا فتى ... بأيةِ ما جاءتْ إلينا تهاديا
وقال آخر
ألكني إلى قومي السَّلامَ رسالةً ... بآيةِ ما كانوا ضعافا ولا عزلا
وقال النابغة
ألكني إلى النَّعمان حيثُ لقيتهُ ... فأهدى لهُ الله الغيوثَ البواكرا
وأصل "ألكني" الئكني، وتقديره: "أفعلني" ثم ألزمت الهمزة التخفيف، كما ألزمته في "ملك" إلا في الشاذ كقوله:
فلستُ فنسيَّ ولكنْ لملاكٍ ... تنزَّلَ منْ جوَّ السَّماءِ يصوبُ
وعلى هذا ينبغي أن ينساق تصريف هذه المكلمة، فيحكم بأن فاءها لام، وعينها همزة، وأن لامها "كاف".
стр. 355
ألا ترى أن الفعل، وهو "ألكني" على هذا الترتيب تصرف.
فإذا كان كذلك وجب أن تكون "مألكة" مقلوباً، وأن الألوك، من قول لبيد:
وغلامٍ أرسلتهُ أمُّهُ ... بألوكٍ فبذلنا ما سألْ
وزنها "عفول" وأصلها لو جاءت عليه "لؤوك" كعلوك" وقد قالوا "ملئكة" فعلى هذا الأصل "مفعلة".
وقال بعضهم: هو مشتق من "ألك" الفرس لجامه، إذا أداره في فيه، سميت بذلك، لأن المرسل يرددها في فيه، ويناجي بها نفسه، لئلا ينساها.
وقال بعضهم: إن "ملكاً" وزنه "فعل" وهو من الملك، والهمزة زائدة.
ومن قال: "ملاك"، فوزنه على هذا "فعال"، كما قالوا: شاملٌ، وشمالٌ.
فيكون وزن "مالكةٍ" "فاعلة"، وهذا لا يعرج عليه، لضعفه.
وأنشد أبو علي في باب تثنية ما كان آخره همزة من الأسماء.
(١٠٦)
كلا يومي أمامةَ يومُ صدَّ ... وإن لم تأتنا إلاّ لملاما
هذا البيت لجرير.
стр. 356
الشاهد فيه
كون "كلا" اسماً مفرداً، دالاً على التثنية، بدليل قوله: "يوم صد"، ولم يقل يوماً صد، والخلاف فيه بين الفريقين.
فأما ما يشهد للبصريين، فالسماع والقياس.
أما السماع: فقول الله تعالى: (كلتا الجنتين آتتْ أكّلَها) ، ولم يقل: آتتا أكلهما.
وبيت جرير هذا، وبيت الشماخ: "كلا يومي طوالة" ومثله كثير.
وأما القياس: فطريقان.
أحدهما: إضافتهما إلى ضمير الاثنين، لن الشيء لا يضاف إلى مثله، لا يقال: قام الرجلان أثناهما، ولا مررت بهما اثنيهما، ولا مررت بزيد واحدة.
فأما مررت بهم ثلاثتهم، فليس هم من "ثلاثتهم" مختص بالثلاثة، كما أن "هما" مختص باثنين، فلم يكن في قولهم: مررت بهم ثلاثتهم إضافة الشيء إلى مثله كما كان في اثنيهما كذلك.
ولمّا كان ذلك كذلك، أتوا بلفظة مفردة، دالة على التثنية كدلالة "كل" على الجمع، وأضافوا المفرد إلى التثنية، كما تقول: جاءني أحدهما، ورأيت أفضلهما، وتقول: أيهما زيد، ولذلك قالوا: مررت به وحده، فأضافوا المصدر إلى الضمير،
стр. 357
لأنه غيره، لما استحال عندهم مررت به واحده، من إضافة الشيء إلى مثله.
الطريق الثاني: من القياس، هو أن الحرف المنقلب منه قد أبذل منه "التاء" في قولهم: "كلتا" وهذا دليل على أن المبدل لام الكلمة لا حرف التثنية، لنن حرف التثنية لم يبدل منه "تاء"، في شيء من كلامهم.
وقد جاءت "اللام" مبدلة في "أخت وبنت وهنت" أصلها "أخوة"، وبنوة وهنوة"، ووزنها "فعلة"، فنقلوها إلى "فعل" و"فعلٍ"، وألحقوها "التاء" المبدلة من لامها، فصارت بوزن "قفل، وحلس"، وليست هذه "التاء" في هذه الأسماء بعلامة تأنيث والدليل على ذلك أنك لو سميت بها رجلا، لصرفت، ولو كانت للتأنيث لم تصرف.
وهو قول سيبويه في "باب ما لا يتصرف"، ومثلها سيبويه، بما اعتل لامه، فقال: هي بمنزلة "شروى" وذهب إلى إنها "فعلى" بمنزلة "الذكرى".
وأما الجرمي: فذهب إلى أنها "فعتل"، وان "التاء" فيها زائدة علم تأنيثها، ويشهد بفساد هذا القول أشياء: أحدها: أن "التاء" لا تكون علامة لتأنيث الواحد، إلا وما قبلها مفتوح، نحو: طلحة، وقائمة، وذاهبة، أو يكون قبلها "ألف" نحو: ألف سعلاة وعزهاة.
الثاني: أنن علامة التأنيث لا تكون وسطاً أبداً، إنما تكون آخراً لا محالة.
الثالث: أن "فعتلا" لا يوجد في الكلام أصلاً، فيحمل هذا عليه.
واحتج الكوفيون أيضاً، على أن "كلا" اسم مثنى بالسماع والقياس.
أما السماع فقول أبي ذؤيب:
стр. 358
أقبَّا الكشوحِ أبيضانِ كلاهما ... كعاليةِ الخطَّيَّ واري الأزاندِ
على تقدير: كلهما أبيضان.
وهذا البيت لا دليل فيه لهم، لأن "كلا" تحتمل أوجها.
أحدها: أن تكون تأكيداً لما في "أبيضان" من الضمير، وتكون "كعالية الخطي" وصفا "لأبيضين"، أو لأقبا الكشوح.
ويجوز أن يكون كلاهما "فاعلا بأبيضان"، كما قال الآخر:
ولا يشعرُ الرمحُ الأصمُّ كعوبه ... بثروةِ رهطِ الأبلجِ المتظلَّمِ
إلا أنه ثنى "أبيضان" فجاء به، على حد قولك: قاما أخواك، ومنه قول الفرزدق:
كلاهما حينَ جدَّ الجريُ بينهما ... قدْ أقلعا وكلاَ أنفيهما رابي
فقال: قد أقلعا، ولم يقل قد أقلع، وهذه ضرورة اضطرته إلى هذا، ألا ترى كيف أتى بخبر الثانية مفرداً، فقال: "كلا أنفيهما رابي".
ومثله ما أنشده الشيباني في "نوادره".
стр. 359
كلا جانبيهِ يعسلان كلاهما ... كما اهتزَّ خوطُ السَّبسبِ المتتابعِ
فيحتمل أن يكون "كلاهما" فاعلا "بيعسلان"، على حد، قاما أخواك، ويحتمل غير هذا، ومنه ما أنشده الأصمعي:
أنعتُ عنزي صبيةٍ كلتاهما ... كأنَّ عرقَ سدرةٍ لوناهما
فكلتاهما عنده مرفوع بابتداء، و"هما" من "لوناهما"، عائد عليه، ويحتمل أن يعود على "العنزين"، ومنه قول سيبويه "كلاهما وتمراً"، تقديره عندهم: كلاهما لك ثابتان، وأزيدك تمراً.
ويحتمل أن يقدر الكلام، كلاهما لك ثابت، وأزيدك تمراً.
وأما القياس: فهو انقلابها "ياء" مع الضمير في النصب والجر، إذا قلت: رأيت الرجلين كليهما، ومررت بهما كليهما، كما تقلب ألف التثنية "ياء"، إذا قلت: جاءني الرجلان ثم تقول: رأيت الرجلين، ومررت بالرجلين.
وهذا دليل فيه على إنها تثنية، لأن ألف "على وإلى ولدي"، تنقلب "ياء" مع الضمير، وليس واحد منها مثنى.
وإنما انقلبت "ياء" للزومها الإضافة، ومشابهتها" على وإلى، في أنها مفتقرة إلى ما بعدها.
وأما لامها "فواوٌ" وهو مثل قولهم: حجبى، لقولهم في المؤنث: "كلتى" ووزنها "فعلى"، والتاء فيها مبدلة من "لام الفعل" لتأكيد التأنيث، وقد قدمت القول فيها.
стр. 360
وقال قوم: لامها "ياء" واستدلوا بأنها سمعت ممالة.
وهذا لا يعرج عليه، لشذوذه.
و"كلا" من غير لفظ "كل"، لأن "كلا" من الثلاثي المعتل اللام، من باب، رضا، وعدى.
و"كل" من الثنائي الصحيح الذي ضوعف لامه من عينه، من باب: حل، وقل.
ولما كانت "كلا" لتوكيد الاثنين، و"كل" لتوكيد الجمع والتثنية ضرب من الجمع، ومقاربة له، تقارب لفظها، ولهذا ظن أنهما من أصل واحد،.
وتكتب "كلا" و"كلتا" إذا وليا حرفاً رافعاً "بالألف"، فتكتب: أتاني كلا الرجلين، واتاني كلتا المرأتين.
وإن وليا ناصباً أو جاراً، كتبا "بالياء" فتكتب: رأيت كلى الرجلين، ورأيت كلتى المرأتين، ومررت بكلى الرجلين، وبكلتى المرأتين، "بالياء" كما ترى.
هذا هو المستحسن، فرق بينهما في الخط مع المكنى، فقالوا: رأيت الرجلين كليهما، ومررت بهما كليهما، ورأيت المرأتين كلتيهما، ومررت بهما كلتيهما.
"فلفظوا بالياء" وقالوا: جاءني الرجلان كلاهما، والمرأتان كلتاهما، فلفظوا بهما في الرفع "بالألف".
وهذا البيت في قصيدة هجا بها هريم بن أبي طحمة المجاشعي وهلال
стр. 361
ابن المازني، أولها:
ألا حيَّ المنازلَ والخياما ... وسكنا طالَ منها ما أقاما
أحيَّيها وما بي غير أنَّي ... أريد لأحدثَ العهدَ القدامىَ
منازلَ قد خلتَ منْ ساكنيها ... عفتْ إلاَّ الدَّعائمَ والثماما
وبعد البيت:
فأمَّا يومُ آتيها فأنَّي ... كأنَّ المزنَ يمطرني رهاما
فإنَّك يا أمام وربَّ موسى ... أحبُّ إليّ من صلَّى وصاما
متى ما تنجلِ الغمرات تعلمْ ... هريمٌ وابنَ أحوزَ ما ألاما
وأنشد أبو علي في باب الجمع الذي على حد التثنية.
(١٠٧)
تهدَّدنا وتوعدنا رويدَّا ... متى كنَّا لأمَّكَ مقتوينا
هذا البيت، لعمرو بن كلثوم التغلبي، استشهد أبو علي بعجزه.
الشاهد فيه
قوله: "مقتوينا" صحح "الواو" فيه، وكان حقه أن يقول "مقتين" كالأعلين"، وهو من القتو، وهو الخدمة والمراعاة، قال:
стр. 362
تبدَّلْ خليلاً بي كشكلكَ شكلهُ ... فإني خليلٌ صالحٌ بكَ مقتوي
وقال آخر:
إنَّي أمرؤٌ من بني جذيمةَ لا ... أحسنُ قتوَ الملوكِ والحفدا
وواحده في القياس: "مقتى"، وهو "مفعل" من القتو، وإنما صححت هذه الواو، لما بني على الجمع، إذا لا واحد له، كما صححت "واو" "مذراوان" لما بني على التثنية فجرى مجرى "عنفوان"، إذ لا واحد له.
ولو انه بناه على الجمع، لوجب أن يقول: "مقتين"، كما يجمع "مغزى" اسم رجل "مغزين".
قال سيبويه: إن شئت قلت: جاءوا به على الأصل، كما قالوا: "مقاتوة"، حدثنا بذلك أبو الخطاب.
يريد: إن شئت، قلت: صحت "واوه" في جمع السلامة، كما صحت في التكسير.
стр. 363
وقيل: إنما صحت "الواو" لتكون أمارة" لدلالة النسب، كما صحت "الواو" في عور، لتكون أمارة على اعور، لأن واحده "مقتوي"، منسوب إلى "مقتى" "مفعل" من القتو.
وكان قياسه إذا جمع أن يقول: "مقتويون"، كما نقول: بصري، ويصريون، وكوفي وكوفيون، وشبهه.
إلا أنه جعل علم الجمع، معاقباً لباءي النسب، فصحت "الياء" لبنية النسب، كما يصح مع النسب، ولولا ذلك لحذف "الواو" لالتقاء الساكنين، وأن يقولوا "مقتون"، كما قال تعالى: (وأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ) و (إِنَّهم عندنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ) .
اللغة
الإيعاد والوعيد: في الشر، وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيراً، وهو نادر، وانشد:
يبسطني مرَّةً ويوعدني ... فضلاً طريفاً إلى أياديهِ
وقال الفراء يقال: وعدته خيراً، ووعدته شراً، بإسقاط الألف، فإذا أسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير: وعدته وعداً وعدة، وفي الشر أوعدته إيعاداً.
المعنى
إنه يهزأ به ويستخف، ويروى "تهددنا وأوعدنا".
стр. 364
الإعراب
"رويدا" نصب على المصدر، أي: أرود إرواداً، غير انه حقره تحقير الترخيم، بحذف زيادتيه.
وهذا يرد على الفراء في قوله: "إنه لا يحقر الاسم تحقير الترخيم، إلا في الأسماء الأعلام، نحو قولهم في أسود، سويد، وفي أزهر: زهيرٌ" ولا يدفع أن يكون ذلك في الأعلام أقيس منه في الأجناس، من حيث كانت العلمية فيه دلالة على المحذوف المراد منه.
فأما ألا يجوز إلا في الأعلام فلا ألا ترى إلى قولهم في تحقير أكمت وكمتاء: كميت، ويقال في تحقير السُّكَّيْتُ سُكَيْتٌ، ويقال: "لقيته صكَّة عميٍّ" يجوز أن يكون "عميٌّ" هذا تصغير "أعمى" أي لقيته في صكة شديدة، يعني شدة الحر.
فكأنهم إنما حقروا هذه، إرادة لما في نفوسهم من السكون والرفق فكان التحقير أليق بذلك، وأذهب به فيما اعتزموه وأوردوه.
ورويد: تتصرف إلى أربعة اوجه:
الوجه الأول: أن يكون اسماً للفعل، لأنه وقع موقع فعل الأمر، وهو مبني فوجب أن يبنى.
الوجه الثاني: أن يكون صفة فيعرب، لأنه لم يقع موقع مبني، فيستحق البناء، كقولك: ساروا سيراً رويداً.
стр. 365
الوجه الثالث: أن يكون حالاً، وذلك إذا حذفت الموصوف، فتقول: ساروا رويداً، أي: مرودين، قال الله تعالى: (أمْهلْهُمْ رويدا) ، "فرويداً" منصوب على الحال، وهو الأليق والحسن.
الوجه الرابع: أن يكون مصدراً، وهو على قسمين: القسم الأول: أن يكون مفرا، نحو قولك: رويدا يا زيد، ورويدا عمرا يا زيد، وشبهه.
القسم الثاني: أن يكون مضافاً، نحو قولك، رويد زيد، بمنزلة قولك: ضرب زيد، قال تعالى: (فَضَرْبَ الرقابِ) .
وبعد البيت
فإنَّ قناتنا يا عمروُ أعيتْ ... على الأعداءِ قبلكَ أنْ تلينا
إذا عضَّ الثَّقافُ بها اشمأوَّتْ ... وولَّتهمْ عشوزنةً زبونا
فهلْ حدَّثتَ في جشم بنِ بكرٍ ... بنقصٍ في خطوبِ الأولينا
والقصيدة مشهورة، ولها حكاية، والخبر في ذلك، أن عمرو بن هند قال لندمائه: هل تعرفون أحداُ تأنف أمه من خدمة [أمي] .
فقالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم، لن أباها مهلهل، وعمها كليب، وبعلها كلثوم، أفرس العرب، وابنها عمرو، سيد قومه.
стр. 366
فأستزار عمرو بن هند عمرو بن كلثوم، وسأله أن يزير أمه.
فأقبل عمرو من الجزيرة في جماعة من تغلب، وضرب عمرو بن هند رواقه بين الحيرة والفرات، واحضر وجوه أهل مملكته، ودخلت ليلى على هند وهي عمة أمرئ القيس.
وكان عمرو بن هند، أمر أمه أن تنحي الخدم، وتستخدم ليلى.
فقالت هند لليلي: ناوليني ذلك الطبق يا ليلى.
فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فألحت عليها.
فصاحت ليلى: واذلاه! يا لتغلب.
فسمعها ولدها، فوثب إلى سيف لعمرو بن هند، معلق بالرواق وليس هناك غيره، فضرب به رأس ابن هند، فقتلوه واستلبوا ما في الرواق.
وحكى أبو عبيدة، وغيره، قال: لما تزوج مهلهل هنداً، بنت نعج بن عتبة، ولدت له ليلى.
فقال لهند: أقتليها، يعني الواد، فغيبتها عنه، فلما نام، هتف به هاتف يقول:
كمْ منْ فتىً مؤمَّلِ ... في بطنِ بنتِ مهلهلِ
فاستيقظ فبال: أين بنتي؟
стр. 367
قالت: قتلتها.
قال: كلا وإله ربيعة، وكان اول من حلف بها، ثم رباها فتزوجها كلثوم، فلما حملت بعمرو، آتاه آتٍ في المنام فقال:
يا لكِ ليلى من ولدْ
يقدمُ إقدامَ الأسدْ
أقولُ قولاً لا فند
فولدت عمراً، وأتاها ذلك الآتي فقال:
إنَّي زعيمٌ لكِ أمَّ عمرو
بماجدِ الجدَّ كريمِ النَّجرِ
يسودهم في خمسةٍ وعشرِ
فساد ابن خمس عشرة سنة، ومات وله مئة وخمسون سنة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٠٨)
أخالدَ قدْ علقتكِ بعدَ هندٍ ... فشَّيبني الخوالدُ والهنودُ
هذا البيت لجرير.
الشاهد فيه
تكسير خالدة وهند، وهما من الأسماء العلام والأكثر في كلام العرب،
стр. 368
تسليم الأعلام من المذكر والمؤنث، كما أنشد رؤبة بن العجاج:
أنا ابنُ سعدٍ أكرمُ السَّعدينا
ومثل بيت جرير هذا، بيت طرفة بن العبد:
رأيتُ سعودا منْ شعوبٍ كثيرةٍ ... فلمْ أر سعدا مثلَ سعدِ بن مالكِ
ومثله قول الفرزدق:
وشيَّدَ لي زرارةُ باذخاتٍ ... وعمرو الخير إنْ ذكرَ العمورُ
ومثله قول الآخر:
ألا أبلغِ الأقياسَ، قيسَ بن نوفلٍ ... وقيسَ بن أهبانٍ، وقيس بن خالدِ
ومثله أيضاً قول الآخر:
стр. 369
رأيتُ الصَّدع منْ كعبٍ وكانوا ... من الشَّنانِ قدْ صاروا كعابا
اللغة
علقتك: أحببتمك، ويقال: علق المرأة علقا، وعلقها علاقة وعلقا، وتعقها، وتعلق بها، وعلقها، وعلق بها، وهو الحب اللازم للقلب.
وقال اللحياني: العلق: الهوى يكون للرجل في المرأة، وإنه لذو علق في فلانة، كذا عداه بفي، وقالوا في المثل: "نظرة من ذي علق" أي: من ذي حب قد علق بمن يهواه قلبه، قال كثير:
ولقدْ أردتُّ الصَّبرَ عنك فعاقني ... علقٌ بقلبي من هواكِ قديمُ
وقال اللحياني عن الكسائي، لها في قلبي علق حب، وعلاقة حب، وعلاقة حب.
قال: ولم يعرف الأصمعي علق حب، ولا علاقة حب، إنما عرف علاقة حب بالفتح.
وبعد البيت:
فلاَ بخلٌ فيوئسَ منكِ بخلٌ ... ولا جودٌ فينعَ منكِ جودُ
стр. 370
شكونا ما علمتِ فما أويتم ... وباعدنا فما نفعَ الصُّدودُ
هجا بهذه القصيدة عمرو بن لجأ التيمي، وهي مشهورة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٠٩)
نضَّرَ الله أعظمَّا دفنوها ... بسجستانَ طلحةَ الطَّلحاتِ
هذا البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات.
الشاهد فيه
قوله: "طلحة الطلحات" جمع "طلحة" بالألف والتاء، جمعا مسلما، لأن كل اسم في آخره "هاء" التأنيث، لا يجمع بالواو والنون لئلا يجمع في اسم واحد، علامتان متضادتان، علامة التأنيث وهي "الهاء" وعلامة التذكير، وهي "الواو" وإنما تدخل "تاء" التأنيث على اسم فيه ألف، نحو: حبليات وخنفساوات، ولا تدخل هذه التاء على "الهاء" إلا أن تحذف "الهاء".
ولما كانت "تاء" الجمع تدخل على "الألف" ولا تحذف، أشبهت ما ليس للتأنيث ولم تصر بمنزلة "الهاء" ولم تدخل الواو والنون فيما فيه "الهاء" إلا فيما تكلموا به، تقول في "سنة" إذا سميت به رحلاً: سنون، وسنوات.
وأجازه أبو الحسن في: ثبة، و: قلة.
стр. 371
وتأول بعض من قرأ: "كتاب الإيضاح"، أن أبا علي، لا يجيز في طلحة إلا "طلحات" مسلماً، ولا يجيزه مكسراً.
وهذا تأول فاسد، ولا خلاف في تكسيره على "طلاح" كما تكسر أسماء الأجناس.
والذي ذهب إليه أبو علي، غنما عنى به الرد على الفراء، لأنه أجاز في "طلحة" "طلحون" اسم رجل، كما تقول في جمع ما فيه ألف التأنيث مقصورة أو ممدودة: قالوا في جمع "زكريا" ممدوداً، زكرياؤن، وفي "زكريا" مقصوراً، زكريون، وحبلى، حلبون.
وقال أبو علي: إن سميت رجلاً بشاة، لم يجز جمعه "بالواو والنون" من حيث لم يجز "الطلحون" ولم يجز جمعه "بالتاء" لأن هذا الاسم قبل النقل لم يجمع بها، فكذلك بعد النقل، من حيث كان فيها جميعاً اسما واحداً، ومن حيث أيضاً لم تجز الإضافة إليه، لبقائه على حرفين، أحدهما حرف مد ولين.
فأما "شية" فجمعه "بالتاء"، لأن "شية" لما ألقى عليها حركة المحذوف، كان المحذوف في تقدير الثبات، كما كان "ضو" كذلك، و"شية" أجدر من "ضو" لأن الفاء أحق من اللام.
стр. 372
مسألة: لم يجمع بين تأنيثين في "مسلمة" وشبهه، لا يجوز أن تقول: مسلمتات".
ويجوز أن يجمع بين تأنيثين في "حبلى" فتقول: "حبليات" والفرق بينهما، أن "التاء" في مسلمة، للفرق بين المذكر والمؤنث، فإذا جمع، لم تجعل بينهما فرقين، والثاني يغني عن الأول.
وحبلى، التأنيث لا يفارق الكلمة، إذ ليس له مذكر، فإذا جمعت انقلبت ألف التأنيث ياء، وبقيت دالة على التأنيث، وأدخلت علامة أخرى للجمع.
اللغة
يقال: نضر الله وجهه مخففاً، ومثقلاً علىىالتكثير، وفي الحديث: "نضر الله امرأً، سمع مقالتي" رويناه مخففاً، ومثقلاً.
ويقال: نضر وجهه نضرة، ونضارة، وأنضره الله: نعمه.
والأعظم والعظام: ما عليه اللحم من قضب الحيوان، ويجمع أيضاً عظامه، "الهاء" للتأنيث، كفحالة، قال الراجز:
ثمَّ أكلتُ اللَّحمَ والعظامهْ
وقيل: العظامة: واحد العظام، والعظم أيضاً: مصدر عظمه، إذا ضرب عظامه، والعظم أيضاً: مصدر عظمت الكلب، إذا أطعمته عظماً، ويقال: أعظمته أيضاً.
وعظم وضاحٍ: لعبة، يطرحون بالليل قطعة عظم، فمن أصابه فقد غلب أصحابه.
стр. 373
فيقولون:
عظيمَ وضَّاحٍ ضحنَّ اللَّيلةْ
لا تضحنَّ بعدها من ليله
والعظم والعظم: معظم الشيء، وعظمه اللسشان، ما عظم منه وغلظ وعظمه الذراع كذلك.
وقال اللحياني: العظمة من الذراع، ما يلي المرفق الذي فيه العضلة، قال: والساعدان نصفان، فنصف عظمة، ونصف أسلة، والعظمة: ما يلي المرفق وفيه العضلة، والأسلة: ما يلي الكف.
والطلح: شجر أم غيلان، وهو في العرق الموز.
وجمع طلحة: طلحات، بفتح اللام، لأن "فعلة" تجمع جمع السلامة، بفتح الثاني، نحو: جفنة وجفنات، قال حسان:
لنا الجفناتُ الغرَّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافنا يقطرنَ من نجدةٍ دما
فإن كانت صفة: سكنت الثاني، نحو عبلة وخدلة، والعلبة: الضخمة والخدلة: الممتلئة الساق المستديرته، وجمعه: عبلات، وخدلات، وإنما فتح الاسم، وأسكنت الصفة، للفرق بينهما، وكانت الصفة أولى بالإسكان، لثقلها.
الإعراب
يروى: "طلحة الطلحات" بالرفع والنصب والجر، فمن رفع، فإنه قطع مما
стр. 374
قبله، فكأنه قال: هي أعظم طلحة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
ومن نصب، فعلى البدل من قوله: "أعظماً"، كأنه قال: نضر الله أعظم طلحة فحذف المضاف أيضاً، وأقام المضاف إليه مقامه.
ومن جر حذف المضاف، ولم يقم المضاف إليه مقامه، وجعل "أعظماً" وإن كانت محذوفة في اللفظ، بمنزلتها مثبتة فيه، مثل قولهم "رأيت التيمي تيم عدي" لما ذكره، دل ذكره إياه، على "صاحب" فأضمره للدلالة عليه، فكأنه قال رأيت صاحب تيم عدي، وقد قرئ (تريدون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة) بجر "التاء" من الآخرة، على تقدير والله يريد عمل الآخرة، فحذف المضاف، ولم يقم المضاف إليه مقامه.
وهذا ذكره ابن جني، في كتابه "المحتسب" ومثل ذلك قول أبي داود:
أكلَّ امرئٍ تحسبين امرأً ... ونارٍ توقَّدُ باللَّيلِ ناراَ
فكأنه قال: وكل نار، فحذف "كلا" وجعلها كأنها مثبتة لفظاً، ومثله قول الراعي:
يا نعمها ليلةً حتَّى تخوَّنها ... داعٍ دعافي فروعِ الصُّبحِ شحَّاجِ
أراد: دعاء شحاج، فحذف لفظاً، وهو يريده معنى.
وبعد البيت:
كان لا يحجبُ الصّديقَ ولا يع ... تلُّ بالبخلِ طيَّبَ العذراتِ
جمع عذرة، وهي أفنية الدور.
стр. 375
وطلحة الطلحات هذا، هو طلحة بن عبيد اله، صاحب رسول الله ﷺ ، من العشرة رضى الله عنهم، وكان يدعى طلحة الطلحات، وطلحة الخير، وطلحة الجود.
قال حسان بن ثابت: يهجو مسافع بن فياض بن عياض التيمي، من تيم مرة بن كعب بن لؤي، رهط أبي بكر الصديق ﵁:
لولاَ الرَّسولُ فإنَّي لستُ عاصيهُ ... حتَّى يغييني في الرَّمسِ ملحودي
وصاحبُ الغارِ إنّي سوف أحفظهُ ... وطلحةُ بن عبيد الله ذو الجودِ
لقد رميتُ بها شنعاء واضحةً ... يظلُّ منها صحيحُ القومِ كالمودي
وإنما نسبة إلى الجود، لأنه أجود قريش، وذكر عنه أنه باع ضيعة بخمسة عشر ألف درهم، فقسمها في الأطباق، وفي بعض الأحاديث أنه منعه الخروج إلى المسجد، أن لفق له بين ثوبين.
стр. 376
وأنشد أبو علي في باب النسب.
(١١٠)
أكلَّ أمرئٍ تحسبينَ امرأً ... ونارٍ توقَّدُ باللَّيلِ نارا
هذا البيت لعدي بن زيد، ويقال: لأبي دؤاد واسمه حارثة بن الحجاج الإيادي.
الشاهد فيه
قوله: "ونار" أراد، "وكل نار" فحذف، لما جرى ذكر "كل"، مع تقديم المجرور وحصول الرتبة قي آخر الكلام، واتصال المجرور بحرف العطف لفظاً ومعنى.
ولو كان التركيب: أتحسبين امرأً كل امرئٍ، ونار توقد بالليل ناراً، لم يجز حتى تظهر كلا، لأنك إن أعطيت الكلام حقه من الاستواء، لزمك تأخير "النار" المجرورة بكل المقدرة، كما أخرت "كلا" الأولى، قال الأعلم: العرب تجيز، في الدار زيد والحجرة عمرو، وإن في الدار زيداً والحجرة عمراً، وليس بقائم زيد، ولا خارج عمرو.
ولا تجيز، زيد في الدار والحجرة عمرو، ولا إن زيداً في الدار، والحجرة عمراً، وليس زيداً بقائمٍ ولا خارجٍ عمرو.
والفرق بين الكلامين: انك إذا قلت: في الدار زيد والحجرة عمرو جرى
стр. 377
آخر الكلام وأوله على الاستواء من تقديم الخبرين على المخبر عنهما، فاحتمل الكلام الحذف من الثاني، لدلالة الأول على المحذوف ولاتصال المحذوف بحرف العطف، القائم، مقامه في الاتصال بالمجرور، ولم يبق في الكلام إزالة شيء عن موضعه، لوقوع الرتبة فيه، وحصولها.
فإذا قلت: زيد في الدار والحجرة عمرو، لم يجز: لأن خبر الأول وقع مؤخراً، فيجب في خبر الآخر أن يقع للاستواء، فإذا أخرته، فقلت: زيد في الدار وعمرو الحجرة، بطل الحذف مع التفريق بين المجرور وحرف العطف.
فكما لم يجز حذفه في التأخير، لم يجز مع التقديم، وكذلك القول في: إن في الدار زيداً والحجرة عمراً، وليس بقائم زيدٌ ولا خارجٍ عمرو.
لأن هذا كله جار على الرتبة، فجاز فيه الحذف على ما تقدم.
فإن أخرت الخبرين، في المسألتين، بطل فيهما ما بطل في الأول قال الأعور الشني:
هوَّنْ عليكَ فإنَّ الأمورَ ... بكفَّ الإلهِ مقاديرها
فليسَ بآتيكَ منهيُّها ... ولا قاصرٌ عنكَ مأمورها
وقال النابغة الجعدي:
стр. 378
وننكر يومَ الرَّوعِ ألونَ خيلنا ... منَ الطَّعنِ حتَّى نحسبَ الجونَ أشقرا
فليسَ بمعروفٍ لنا أنْ نردَّها ... صحاحاً ولا مستنكر أنْ تعقَّرا
وفي الكتاب العزيز: (إنَّ في السَّمواتِ والأرْضِ لآياتٍ للمؤمنين) ، وبعده (واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ وما أنْزلَ الله منَ السَّماءِ منْ رِزْقٍ فأحْيا بهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وتَصْرِيفِ الرَّياحِ، آياتٌ) ، بالرفع على موضع "إن"، والنصب على المنصوب بها، وقد حذف الجار من الخبر.
فهذا كله بمنزلة قولك: ليس بقائم زيد، ولا خارج عمرو، قال الله تعالى: (للذينَ أَحْسَنُوا الحُسْنى وزيادةٌ) وبعده (والَّذينَ كَسَبُوا السَّيَّئاتِ جَزَاءُ سيئةٍ بِمِثْلها) ، والتقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، فحذف من الآخر حرف الجر، لذكره في الأول، كما تقدم.
فهذا نظير قولك: لزيد عقل، وعمرو أدب، تريد: ولعمرو أدب وكذلك ما حكاه سيبويه من قول العرب: "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة".
стр. 379
أراد: "ولا كل بيضاء" فحذف "كل" من الآخر، كما حذف حرف الجر مما تقدم.
ولا يلتفت إلى تأويل النحويين، فيما ذكرنا من العطف على عاملين، ولا غيره.
اللغة
امرؤٌ: فيه لغات، فاللغة المشهورة، إذا لم يكن فيه الألف ولا لام، أن يقال: هذا امرؤ، ورأيت امرأ، ومررت بامرئ، فتتبع حركة الراء، حركة الإعراب، فإذا كانت فيه الألف واللام قلت: هذا المرء، ورأيت المرء، ومررت بالمرء.
لغة ثانية: أن تقول: هذا مرءٌ، ورأيت امرأً، ومررت بمرءٍ.
لغة ثانية: أن تقول: هذا امرأٌ، ورأيت امرأً، ومررت بامرإٍ، فتكون الراء مفتوحة على كل حال، وتجري الإعراب على الهمزة.
وحكى الفراء: هذا المرء، ورأيت المرأَ، ومررت بالمرءِ، فيتبع حركة الميم، حركة الهمزة، وتكون الراء ساكنة.
وقوله: "توقد" أراد: تتوقد، فحذف إحدى التاءين استثقالاً.
ذهب سيبويه إلى أنها الأول، وذهب الكوفيون إلى أنها الثانية ومعنى البيت ظاهر.
стр. 380
وأول الشعراء:
ودارٍ يقولُ لها الرائدُو ... نَ ويلمّ دارِ الحذاقيَّ دارا
وأنشد أبو علي في باب النسب إلى الجمع.
(١١١)
ونابغةُ الجعديُّ بالرَّملِ بيتهُ ... عليهِ ترابٌ منْ صفيح موضَّعِ
الشاهد فيه
وضع "نابغة"، وهو اسم علم، يقصد به الصفة فتلزمه الألف واللام، نحو الحارث والعباس، والضحاك، وإنما قصد به قصد، العلامة المختصة، نحو: زيد وعمرو، ونحوهما من الأعلام.
والفرق بين الأسماء المنقولة عن الصفات، كالحارث والعباس ونحوهما وبين الأسماء الموضوعة للاختصاص، أن هذا النوع من الأعلام، أشد اختصاصاً بمسماه، من العباس ونحوه، لأن هذه الأسماء إنما وضعت في أصل وضعها على الاشتراك، لتكون لكل من عبس وضحك وحرث، ثم نقلت عن موضوعها، واختص بها قوم بأعيانهم.
стр. 381
وأما زيد وعمرو ونحوهما، فغنما وضعت في أصل وضعها، على ان تكون خاصة بمسمياتها، ولم توضع لتكون مشتركة لهم ولغيرهم.
فما وضع للاختصاص، في أصل وضعه، أعرف مما وضع على العموم ثم عرض له الخصوص، فإن قال قائل: كيف زعمتم أن الأسماء الأعلام وضعت للخصوص، ونحن نجد من الاشتراك فيها، مثل ما نجد في النكرات؟! ألا ترى أنا نجد مئة رجل كلهم يسمى بزيد أو عمرو أو بخالد أو بغيرها من الأسماء العلام.
فالجواب: عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الأعلام وضعت في أصل وضعها على الخصوص ثم يعرض لها العموم، والنكرة وضعت في أصل وضعها، على العموم ثم عرض لها الخصوص.
ألا ترى أن قولنا: رجل، إنما وضع عاماً لهذا النوع، ثم يعرض فيه عهد، فيتعرف به عند بعض السامعين، فيقول له: جاءني الرجل، فلا يذهب وهمك إلا إلى واحد بعينه، كما أن الخصوص العارض للاسم العلم، في بعض أحواله، لا يخرجه عن أن يكون خاصاً في أصل وضعه.
والجواب الثاني: أن العلم، إن أشكل على بعض السامعين، فلم يعرفه، حتى يوصف له، فليس ذلك بموجب، أن يشكل على غيره، ممن قد عرفه.
وليس كذلك النكرة، لأنها مجهولة عند كل من يسمعها، ما لم يكن فيها عهد، أو إضافة.
стр. 382
ونابغة هذا، هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة، يكنى أبا ليلى، صاحب رسول اله صلى اله عليه وسلم، وروى عنه، ومدحه، ودعا له رسول الله ﷺ ، على بعض ما استحسنه من شعره، وهو قوله:
ولا خيرَ في حلمٍ إذا لمْ تكنْ لهُ ... بوادرُ تحمي صفوهُ أنْ يكدَّرا
فقال له: "لا يفضضِ الله فاك"، فعاش مائتي سنة، وعشرين سنة، لم تنفض له ثنية، عاش ثلاثة قرون، والقرن ثمانون سنة وقال في ذلك:
صحبتُ أناساً فأفنيتهم ... وأفنيت بعدَ أناسٍ أناسا
وتحنف في الجاهلية، وهجر اللأوثان والأزلام، وكان يصوم ويستغفر وهو القائل:
الحمدُ لله لا شريكَ لهُ ... منْ لمْ يقلها فنفسه ظلما
وكان يهاجي ليلى الأخيلية، وكان سبب تهاجيهما، أن الجعدي قال يذكر
стр. 383
يومي رحرحان: وهو يهاجي سوار بن أوفى بن سبرة، ويفخر عليه بأيام بني جعدة:
هلاَّ سألتَ بيوميْ رحرحانَ وقدْ ... ظنَّنْ هوزانُ أنَّ العزَّ قدْ حالا
تلكَ المكارمُ لا قعبانِ منْ لبنٍ ... شيئاً بماءٍ، فعادا بعد أبوالاَ
في أبيات، فقالت ليلى:
ما كنتُ لو قاذفتَ جلَّ عشيرتي ... لأذكرَ وطبيْ حازرٍ قدْ تمثَّلا
تريد: قد تجببا في أبيات، فلما أتى النابغة أبيات ليلى قال:
ألا حيَّيا ليلى وقولا لها: هلا ... فقدْ ركبتْ امرأً أغرَّ محجَّلاَ
بريذينةٌ بلَّ البرذينُ ثفرها ... وقدْ شربتْ منْ آخر اللَّيلِ إيَّلا
فأجابته ليلى فقالت:
أنابغَ لم تنبغْ ولمْ تكُ أوَّلا ... وكنتَ صنَّيا بينَ صدَّينِ مجهلاَ
стр. 384
أعيرتني داءً بأمَّكَ مثلهُ ... وأيُّ جوادٍ لا يقالُ لهُ: هلاَ
قوله: "هلا" زجر للخيل، وإنما أراد به النابغة: زخر الحجر إذا لم تقر للفحل.
قوله: "وقد شربت" يعني البراذين في آخر الصيف.
"إيلا"، يعني لبن الإيل، ويقال، من شرب ألبانها أغتلم.
معنى البيت
وصف هذا الشاعر موت النابغة الجعدي، ودفنه في الرمل، والبيت هنا، كناية عن الرمل، والصفيح: الحجارة العريضة، والموضع: المنضد بعضه على بعض، يقال: وضع الباني الحجر، والخابط القطن: جعله كذلك، ويروى:
عليه ترابٌ منْ صفيحٍ وجندلِ
وأنشد أبو علي في باب العدد.
(١١٢)
فضمَّ قواصيَ الأعداءِ منهمْ ... فقدْ رجعوا كحيًّ واحدينا
هذا البيت للكميت بن زيد بن الأخنس الأسدي، استشهد أبو علي بعجزه.
الشاهد فيه
أنَّه جمع "واحداً" الصفة على "واحدين"، لأنه بمعنى منفردين، فيجمع
стр. 385
مذكره، بالواو والنون في ارفع، والياء والنون في النصب، وبالألف والتاء في المؤنث.
ولو أراد به، "واحداً" الموضوع للعدد، لم تجز تثنيته ولا جمعه، وستراه في البيت الذي بعده.
وهذا يدل على أن "وحده" مصدر، لنه يقال: للواحد والاثنين والجميع، على هذا اللفظ، ويجيء منه اسم الفاعل، وذلك واحد للمذكر، وواحدة للمؤنث.
اللغة
قوله "رجعوا": انصرفوا، يقال رجع يرجع رجعاً ورجوعاً ورجعاناً ورجعى، ومرجعاً، ومرجعة، وفي التنزيل (إلى رّبَّكِ الرُّجْعَى) ، وفيه (إلّى الله مّرْجِعُكُمْ جَميعاً) ، أي رجوعكم، حكاه سيبويه، فيما جاء من المصادر التي من "فعل يفعل" بالكسر، ولا يجوز أن يكون اسم المكان، لنه قد تعدى بإلى، وانتصب عنه الحال، واسم المكان لا يتعدى، ولا ينصب حالاً، ويتعدى رجع، يقال: رجعته أرجعه رجعاً، ويقال: أرجعته.
وحكى أبو زيد، عن الضبيين، أنهم قرؤا (إلاَّ يرجعُ إليهم قولاً) .
стр. 386
الإعراب
الكاف في قوله: "كحي" في موضع الحال، وواحدينا، صفة له، وهو القبيلة من العرب وجمعه أحياء.
وأول الشعر:
ألا حيَّيتِ عنَّا يا مدينا ... وهلْ بأسٌ بقولِ مسلَّمينا
وأنشد أبو علي في الباب:
(١١٣)
أمَّا النَّهارُ فأحدانُ الرَّجالِ لهُ ... صيدٌ ومجترئٌ بالليلِ همَّاسُ
هذا البيت، لمالك بن خويلد الخناعي، وقيل: لأبي ذؤيب الهذلي.
الشاهد فيه
استعمال "أحد"، استعمال الأسماء، فكسره على "فعلان" كحاجز، وحجزان، وصاحب وصحبان.
وأصله: "وحدان"، فقلبت واوه، لضمتها، همزة، على "أجوه" و"أقتت".
فإن قيل: فلعل الهمزة في "أحدان" هي همزة أحد.
стр. 387
قيل لا: بل همزة حدثت في الجمع، يدل على ذلك من روي بيت العنبري:
قومٌ إذا الشَّرُّ أبدي ناجذيه لهمْ ... طاروا إليهِ زرافاتٍ ووحدانا
بالواو.
"إلا أن سر هذا الموضع، أن تعلم أن الهمزة في "أحد" من قول الله تعالى: (قل هو الله أحد) ، وقوله: أحد وعشرون، واحد عشر، ونحوه.
أبدلت من واو "وحد"، ونظيره "أناة"، هو من الونى، وهو الإعياء، قال أبو حية.
رمتهُ أناةٌ منْ ربيعةِ عامرٍ ... نؤومَ الضُّحى في مأتمٍ أيَّ مأتمٍ
ومنه أبلت الطعام وهو من الشيء الوبيل الوخيم.
وليست كذلك الهمزة من "أحد"، في قولنا: ما جاءني من أحد، هذه الهمزة اصل غير بدل من واو، ولا غيرها، وينبغي أن يكون "حدانا" في البيت، جمع واحد، مكسر، كما جمع مسلما، في قوله: "رجعوا كحي واحدينا" أي منفردين.
فأما "واحد" إذا أردت به العدد، فإنه لا يثنى ولا يجمع، وذلك قد استغنوا
стр. 388
عن تثنيته من لفظه، بقولهم: اثنان، وعن جمعه بقولهم، ثلاثة وأربعة، ونحو ذلك.
كما استغنوا بستة عن ثلاثتين، وبعشرة عن خمستين ونحو ذلك.
وأما قولهم: "آحاد" فجار جمعه، لأنه "كأحدان" ألا ترى أنه لا يراد به تكسير العدد، وإنما معناه، منفردين، وفي قولهم: آحاد، دون أوحاد، دلالة على انه جمع "أحد" المهموز، لا جمع "وحد" لأنه لو كان تكسيره قبل البدل لوجب فيه أن يكون "أحاداً" كورل وأورال، ووشل وأوشال، لكنه لما قلب في الواحد، فقالوا: أحداً، أقروا القلب بحاله في التكسير.
فأما "أحد" الذي معناه كمعنى، كتيع وأرم وعريب، فإنه لا يكسر، لفساد معنى التكسير عليه.
ألا ترى أنه لا يكون الشيء جنساً لنوع من الأنواع، حتى يكون مستغرباً لجميع آحاده، فإذا لم يقبل الجنس زيادة أقل نوع من أنواعه عليه، لاستغنائه عن جمعها، حتى لا يمكن الوهم لتصور شيء منها خارجاً عنه، أو ممتازاً إلى جهة من الجهات دونه، كانت تثنيته التي هي أقل من جمعه، ممتنعة من الجواز عليه، فكيف جمعته أياً كان من جموعه.
فاعرف ذلك من حال الجنس، فإنه يسرو عنك ثوب الحيرة وينصفك بإذن الله منه.
ولا يجوز في "آحاده" أن يكون تكسير "واحدٍ" كصاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد، لنه كان قياسه على هذا، "أوحاداً"، كما قالوا: "وادٍ وأوداءٍ".
стр. 389
اللغة
الصريمة: بيت الأسد، والهجاس: المفكر في نفسه، ويروى "هماس" من الهمس، وهو الصوت الخفي، ومجترئ: جريء شجاع.
المعنى
وصف أسداً، ويروى "ومستمع بالليل" ويروى: "يحمي الصريمة أحدان الرجال"
الإعراب
نصب "أحدان بيحمي"، والصريمة بإسقاط حرف الجر، وقوله: ٤له صيد"، ابتداء وخبر، في موضع الصفة للأسد، و"مجترئ" مقوع مما قبله، وتقديره: هو مجترئ بالليل، ويروى "أحدان الرجال له" بالرفع، وارتفاعه بالابتداء، "وله صيد" جلة في موضع الخبر، ويحتمل أن يرتفع "صيد"، على خبر المبتدأ و"له" تبين، ويحتمل أن يرتفع "صيد" بأنه فاعل بالظرف، وهو الأوجه.
ومن روى "النهار" فنصبه على الظرف، وقد تقدم ما قبل البيت وبعده في أول الأبيات.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١١٤)
تفقَّأُ فوقهُ القلعُ السَّواري ... وجنَّ الخازِ بازِ بهِ حنونا
стр. 390
هذا البيت لعمرو بن أحمر بن العمرد الباهلي.
الشاهد فيه
"الخاز باز" وهو مركب من اسمين، مضاف ومضاف إليه فأشبه في اللفظ "باب دارٍ" فعرف الأول منهما، لما جعلهما لمسمى واحد، كثلاثة عشر ونحوه.
وفيه لغة ثانية، وهي الخرناز، ويقال أيضاً: الخرباز على مثال كرياس، عن سيبويه، قال الشاعر:
ورمتْ لهازمها منَ الخزبازِ
ويقال: خازباز: بفتح الزاءين، كخمسة عشر، وخاز باز، بكسرهما.
قال سيبويه: كجير وغاق.
следующие страницы →