Полный текст (856 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي.
الشاهد فيه
"سفاها"، وهو اسم مقصور من ذوات الياء، وهو تراب البئر والقبر، وقال آخر:
وحال السَّفى بيني وبينكَ والعدى ... ورهنُ السَّفى غمرُ النقيبة ماجدُ
والسفى أيضاً: ما سفت الريح مقصور، يقال: سفت الريح نسفي سفى، والسفى أيضاً: شوك البهمي، واحدتها: سفاة، قال أوس بن حجر يصف بري قوسٍ.
على فخذيه منْ برايةِ عودها ... شبيهُ سفى البهمي إذا ما تفتلا
المعنى
يقول: كأني بقومي إذا أنا مت، أرسلوا فراطهم، وهم المتقدمون إلى الماء، ليصلحوا الدلاء والأرشية، وهم في هذا البيت الذين يحفرون قبره، ومعنى تأثلوا: أخذوا في حفر القليب، والمتأثل: الحافر للقليب، وأصله التعظيم، يقال: أثل الله ملكه: أي، عظمه.
وتصريفه، اثل يأثل أثولاً، إذا تأثل.
والقليب: البئر وسفاها: ترابها، وجعل تراب هذا القبر كالإماء القواعد وإنما شبه أكداس التراب، بالإماء، لأن الأمة تقعد مستوفزة للعمل، والحرة تقعد متربعة.
стр. 422
والقواعد: جمع قاعدة، والقواعد من النساء اللائي قعدن عن المخيض والولد، واللاتي قعدن عنة الأزواج، والقواعد أيضاً: أساطين البناء.
وقواعد الهودج: خشبات أربع معترضة.
وقبل البيت:
أعاذلَ أبقى للملامةِ حظَّها ... إذا راحَ عنَّي بالجلَّةِ عائدي
وقالوا تركناهُ تزلزلُ نفسهُ ... وقدْ أسندوني أوْ كذا غيرَ ساندي
وقام بناتي بالنَّعالِ حوسراً ... فالصقنَ وقعَ السَّبتِ تحتَ القلائدِ
يودُّونَ لوْ يفدونني بنفوسهم ... ومثلُ الأواقي، والقيانِ النَّواهدِ
وقد أرسلوا فرَّاطهم...... البيت
قضوا ما قضوا منْ رمَّها ثمَّ أقبلوا ... إليَّ بطاءَ المشيِ غبرَ السَّواعدِ
يقولون لمَّا حشَّتِ البئرُ أوردوا ... وليس بها أدنى وقافٍ لواردِ
فكنتُ ذنوبَ البئرِ لمَّا تبسَّلتْ ... وسربلتُ أكفاني ووسَّدتُ ساعدي
هنالكَ، لا إتلاف ماليَ ضرَّني ... ولا وارثي إنْ ثمَّرَ المالَ حامدي
стр. 423
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٢٤)
لا تحرزُ المرءَ أحجاءُ البلادِ ولاَ ... تبنى لهُ في السمواتِ السَّلاليمُ
هذا البيت لابن مقبل.
الشاهد فيه
"أحجاء"، وهو جمع حجا، وهو الملجأ والمهرب، وقيل: هو الجانب، أنشد أحمد بن يحيى:
كأيمِ الحجا إنْ تمكنِ الأيمَ شدَّةٌ ... على قرنهِ تفصلهُ فضلاً هو الفصلُ
وهو اسم مقصور، ولامه واو، يكتب بالألف، وهو من قولهم: حجاه يحجون، إذا أخفاه.
ويقولون: فلان لا يحجوا سراً: أي: لا يكتمه، والسقاء لا يحجو الماء، أي: لا يحسبه، والراعي لا يحجو ماشيته: أي لا يحبس ماشيته عن المرعى.
وهكذا الملجأ، يحجو من فر إليه، وحجي في معنى: خليق، يقال: إنه لحجي أن يفعل ذلك، وحجٍ، وحجا.
فمن قال: حجاً، لم يثن ولم يجمع، ولم يؤنث، لأنه مصدر، ومن قال: حجي، وحجٍ، ثنى وجمع وأنث، قال ذو الرمة:
فو الله ما أدري أجولانُ عبرةٍ ... تجودُ بها العينانِ أحجى أمِ الصَّبرُ
وبعضهم يهمز حجئ.
стр. 424
والحجا: العقل، يكتب بالألف، قال:
فإنْ لجَّ في هجري صفحتُ تكرُّماً ... لعلَّ الحجا بعدَ العزوبِ يثوبُ
والحجا: الستر أيضاً، وفي حديث النبي ﷺ : "من بات فوق بيت، ليس عليه حجا، فقد برئت منه الذمة"، وبه سمي العقل حجا، لنه: يحجو الإنسان عن الولوج فيما لا ينبغي.
ويقال: حرز الشيء، وحررته أحرزته أحرزه، حرازة وحرزاً، فهو حريز، وأحرزته: حصنته، والحرز: الملجأ.
والمعنى
إن كثير التوقي وعظيم الحرز لا يدفع عن الإنسان ما كتب عليه، ولو اختار من الأرض أمنع معقل، أو صعد إلى السماء بسلم.
وواحد السلاليم: سلم، وهو ما يرتقى به، يذكر ويؤنث.
وزاد الياء ضرورة لما أشبع الكسرة.
وقبل البيت:
ما أطيبَ العيشَ لوْ أنَّ الفتى حجرٌ ... تنبو الحوادثُ عنهُ وهوَ ملمومُ
وبعده:
لا يفعُ المرءَ أنصارٌ ورابيةٌ ... تأبى الهوانَ إذا عدَّ الجراثيمُ
стр. 425
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٢٥)
أقلَّبُ طرفي في الفوارسِ لا أرى ... حزاقاً وعيني كالحجاةِ من القطرِ
هذا البيت للخرنق، ترثي أخاها حازوقاً، وقيل: لامرأةٍ ترثي ابنها، وفي هذا الشعر، تقول الخرنق:
فإنْ يقتلِ الحازوقُ وابنُ مطرَّفٍ ... فإنَّا قتلنا حوشباً وأبا الجسرِ
الشاهد في البيت
قولها: "الحجاة"، وجمعها حجوات، وهي نفاخات تعلو الماء إذا قطر فيه المطر، والحجاة أيضاً: القطرة من الماء، والحجاة أيضاً: الغدير.
والمعنى
أن عينها قد فسدت من كثرة البكاء وسيلان دموعها لفرط حزنها عليه.
الإعراب
"حزاق" مغير من خزوق، أو حازق، لما لم يستقم لها وزن الشعر، والشعراء تغير الأسماء الأعلام كثيراً، وتحذفها لإقامة الوزن.
стр. 426
ومثله قول أبي صخر الهذلي:
فخفيف منَّى أقوى خلافَ قطينهِ ... فمكَّةُ وحشا منْ جميلةَ فالحجرُ
أراد: جملاً، فحذف، ومثله:
أبوك عطاءٌ ألأمُ النَّاسِ كلَّهم
يريد: عطية، وقال آخر:
وسائلةٍ بثعلبةَ بن سيرٍ ... وقدْ علقتْ بثعلبةَ العلوقُ
يريد: سياراً، وقال آخر:
منْ نسجِ داودَ أبي سلاَّمِ
يريد: أبي سليمان، وكذلك قال النابغة:
وكلُّ صموتٍ نثلةٍ تبَّعيَّةٍ ... ونسجِ سليمٍ كلَّ قضَّاءَ ذائلِ
أراد: سليمان، فحذف الألف والنون.
стр. 427
فإن قيل: فهلا حمل "سليم"، على تحقير الترخيم، كزهير من أزهر، وسويد من أسود، دون أن سكون من تحريف الضرورة؟ قيل: يمنع من تحقير "سليمان"، انه محقر من سلمان، وإذا كان محقراً، لم يجز تحقيره، كما لا يحقر، كليب، وجعيفر، وشبهه، وإذا كان كذلك، كان تحريفاً، لا ترخيماً، وقال دريد بن الصمة:
أخناسَ قدْ هامَ الفؤادُ بكمْ ... وأصابهُ نبلٌ من الحبَّ
والمعنى
تقول: عيني كالحجاة الكائنة من القطر، لحزني وجزعي، إذا لم أر حزاقاً.
الإعراب
يحتمل قولها "من القطر"، أن يكون في موضع المفعول له، إذا جعلنا "من القطر" كناية عن دموعها.
ويحتمل أن يكون في موضع الحال، وعيني كالحجاة كائنة من القطر، إذا جعلناها من المطر، ويحتمل أن يكون تفسيراً للحجاة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٢٦)
رأتْ فتنةً باعوا الإله نفوسهمْ ... بجنَّاتِ عدنٍ عندهُ ونعيمِ
هذا البيت، لقطري بن الفجاءة، ويكنى أبا نعامة، من رؤوس الخوارج.
стр. 428
الشاهد فيه
قوله: "باعوا"، والبيع: ضد الشراء، والبيع: الشراء أيضاً، هو من الأضداد.
وهو مما يتعدى إلى مفعولين، الثاني بحرف جر، تقول: بعت الشيء منه.
وبعته الشيء، كما تقول: اخترته من الرجال، واخترته الرجال، واستغفرت الله من ذنبي، وذنبي، قال:
إذا الثُّريَّا طلعتْ عشاءَ
فبعْ لراعي غنمٍ كساءَ
أي: اشتر قال طرفه:
ويأتيك بالأخبارِ منْ لمْ تبعْ لهُ ... بتاتاً......
اللغة
قوله: "جنات عدن": الجنات: جمع جنة، وقد تجمع جنات على جنان.
والعدن: الإقامة والخلود، يقال: عدن بالمكان، يعدن، ويعدن، عدنا، وعدونا، إذا أقام فيه، وكذلك الإبل عدنت تعدن وتعدن عدنا وعدونا، إذا أقامت في المرعي، وخص بعضهم به الإقامة في المحض، وناقة عادن بغير "هاء".
وعدن: موضع باليمن، يقال له: عدن أبين، رجلٍ من حمير، أقام به، وعدن الأرض، إذا زبلها، يعدن عدناً.
والنعيم، والنعمى، والنعماء، والنعمة: كله الخفض والدعة والمال.
стр. 429
وقوله تعالى: (ومن يبدل نعمة الله) ، يعني هنا: حجج الله الدالة على أمر رسول الله ﷺ ، وقوله تعالى: (ولتسئلن يومئذ عن النعيم) ، أي: عن كل ما استمتعتم به في الدنيا.
وجمع النعمة: نعم وأنعم، كشدة وأشد، حكاه سيبوبه.
قال النابغة:
فلنْ أذكرَ النُّعمانَ إلا بصالحٍ ... فإنَّ لهُ عندي يديَّا وأنعما
وقوله: (وأما بنعمة ربك فحدث) قال ثعلب: أذكر الإسلام.
وقوله: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) ، معناه: يعرفون أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق، ثم ينكرون ذلك.
والنعمة: المسرة، وتصريف الفعل منه: نعم ينعم، ونعم ينعم، ويقال: نزلوا منزلاً ينعمهم وينعمهم، بمعنى واحد عن ثعلب، أي: يقر أعينهم، ويحمدونه وزاد اللحياني: ينعمهم عيناً.
وتقول: نعم، ونعمَ عين، ونعمةَ عينٍ، ونعمةَ عينٍ، ونعمى عينٍ، ونعامَ عينٍ، ونِعامَ عينٍ، ونعيمَ عينٍ، ونعامىَ عينٍ.
стр. 430
قال سيبويه: نصبوا ذلك كله، على إضمار الفعل المتروك إظهاره، وأول الشعر:
لعمركَ إنَّي في الحياة لزاهدٌ ... وفي العيشِ ما لمْ ألقَ أمَّ حكيمِ
وقبل البيت:
فلوْ شهدتنا يومَ ذاكَ وخيلنا ... تبيحُ منَ الكفَّارِ كلَّ حريمِ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٢٧)
كأنَّ نسوعَ رحلي حينَ ضمَّتْ ... حوالبُ غرزاً ومعى جياعا
هذا البيت لقطامي، واسمه عمير بن شييم بن عمرو، من بني تغلب، لقب القطامي لقوله:
يصكُّهنَّ جانباً فجانبا
صكَّ القطاميَّ القطا القواربا
стр. 431
وكان نصرانياً، وهو شاعر إسلامي، يكنى أبا سعيد، وهو أول من لقب صريع الغواني، لقوله يعني نفسه:
لمستهلكٍ قدْ كادَ منْ شدَّةِ الهوى ... يموتُ ومنْ طولِ العداتِ الكواذبِ
صريعُ غوانٍ راقهنَّ ورقنهُ ... لدنْ شبَّ حتَّى شابَ سودُ الذَّوائبِ
الشاهد فيه
قوله: "معي جياعا"، وضع "معي" موضع الأمعاء، لما وصفه بالجمع، حملا على المعنى ، وهو اسم مقصور، لامه "ياء" وهو من أعفاج البطن، مذكر وحكى فيه التأنيث من لا يوثق به.
وهو واحد، أقامه مقام الجمع، مثل قوله تعالى: (ثم يخرجكم طفلاً) .
اللغة
المعي، أيضاً: معي الفارة، ضرب من رديء التمر، والمعي: كل مذنب بالحضيض، يناصي مذنباً بالسند.
وقال أبو حنيفة: المعي: سهل بين صلبين، قال:
بصلبِ المعي أو برقةِ الثَّورِ لمْ يدعْ ... لها جدَّةً، جولُ الصَّبا والجنائبِ
стр. 432
وقد استوفيت تصرف المعي، فيما تقدم.
والنسع: سير يضفر علىهيئة النعال، تشد به الرحال، والجمع: نسوع وأنساع ونسع، والنسع أيضاً: من أسماء الريح الشمال، قال المتنخل:
قدْ حالَ بينَ دريسيهِ مؤوبةٌ ... نسعٌ لها بعضاهِ الأرضِ تهزيزُ
والنسع أيضاً: بلد: وقيل: جبل أسود، بين الصفراء وينبع، قال كثير:
فقلتُ وأسررتُ النَّدامةَ ليتني ... وكنتُ امرأً أغتشُّ كلَّ عذولِ
سلكتُ سبيلَ الرائحاتِ عشيَّةً ... مخارمَ نسعٍ أو سلكنَ سبيلي
والحوالب: الخواصر، والحوالب أيضاً: عروق الضرع التي بدر منها اللبن.
والحالبان: عرقان عن يمين السرة، وشمالها.
والعرز: النوق القليلات الألبان، واحدها: عارز، يقال: غرزت غرازاً، فهي غارز، قل لبنها، وغرزتها، إذا تركتها ولم تحلبها.
وجياع: جمع جائع، يقال: جاع يجوع جوعاً، فهو جائع، وجوعان،
стр. 433
والجمع: جوعى وجياع، وجوع وجيع، قال: بادرتُ طبختها لرهطٍ جوَّعِ شبهوا باب "جيع" باب عصي، فقلبه بعضهم، وقد أجاعه، وجوعه قال: مجوَّع البطنِ كلابيَّ الخلقْ والمجاعة والمجوعة: عام الجوع.
وقالوا: إن للعلم إضاعة، وهجنةً وآفة ونكدا واستجاعة، فإضاعته: وضعه في غير أهله، وهجنته: إضاعته، وآفته: نسيانه، ونكدة: كذب فيه، واستجاعته: ألا يشبع منه.
وجاع إلى لقائه: اشتهاه: كعطش على المثل: وفي الدعاء: جوعاً له ونوعاً، إتباع، وجائع نائع إتباع، والجوع: إقفار الحي، وربيعة الجوع: حي من بني تميم.
المعنى
وصف قلوصاً استحبها، وأحسن القيام عليها، وهي التي عنى بقوله:
فلمَّا أنْ جرى سمنٌ عليها ... كما بطَّنتَ بالفدنِ السَّياعا
أمرتُ بها الرَّجالَ ليأخذوها ... ونحنُ نظنُّ أنْ لنْ تستطاعا
стр. 434
وبعد البيت الذي هو:
كأن نسرع رحلي........
على وحشيَّةٍ خرجتْ خلوجاً ... وكانض لها طلىَّ طفلٌ فضاعا
فكرَّتْ عندَ فيقتها إليهِ ... فألفتْ عندَ مربضهِ السَّباعا
وعطف قوله: "ومعى" على "حوالب"، وخبر "كأن" في البيت الذي يليه: "على وحشية".
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٢٨)
يبيَّنهم ذو اللُّبَّ حتَّى يراهمُ ... بسيماهم بيضاً لحاهمْ وأصلعا
هذا البيت، للأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن نهشل، وكان أعمى، ولذلك قال:
ومنَ الحوادثِ لاَ أبالكَ أنَّني ... ضربتْ عليَّ الأرضُ بالأسدادِ
لا اهتدي فيها لموضعِ تلعةٍ ... بينَ العراقِ وبينَ أرضِ مرادِ
الشاهد فيه
قوله: "وأصلعا"، وكان وجه الكلام، و"صلعا"، لأنه معطوب على قوله: "بيضا"، إلا أنه وضع الواحد موضع الجمع، اكتفاء بعلم السامع.
стр. 435
اللغة
الصلع: ذهاب الشعر من مقدم الرأس، ويقال فيه: صلع الرجل يصلع صلعاً، وهو أصلع، والجميع: صلعٌ، ويقال: امرأة صلعاء، وأنكرها بعضهم، وقال: إنما يقال: قرعاء وزعراء، والصلعة.
والصلعة: موضع الصلع، وقول الآخر:
يلوح في حافاتِ قتلاهُ الصَّلعْ
معناه: يتجنب الأوغاد، ولا يقتل إلا الأشراف، وذوي الأسنان، لأن أكثر الأشراف وذوي الأسنان صلع، كقول الآخر:
فقلتُ لها لا تنكريني فقلَّما ... يسودُ الفتى حتَّى يشيبَ ويصلعا
فالصلع ممدوح، وكذلك النزع، والجله والجلى، والغمم مذموم يتشاءم به، قال هدبة بن خشرم.
فلا تنكحي إنْ فرَّقَ الدَّهرُ بيننا ... أغمَّ القفا والوجهِ ليسَ بأنزعا
стр. 436
وقال الحارث بن ظالم:
فما قومي بثعلبةَ بنِ سعدٍ ... ولا بفزارةَ الشَّعرِ الرقابا
وصفهم بالغمم، وهو كثرة شعر القفا، ومقدم الوجه.
ومعنى "بيبهم ذو اللب": يستبينهم ذو العقل ويتبينهم، يقال: بينته، وتبينته، واستبنته، وأبنته، كله بمعنى: استوضحته، ويقال: استبان الشيء، وتبين وبان وبين، قال الراعي:
أشاقتكَ آياتٌ أبانَ قديمها ... كما بيَّنتْ كافٌ تلوحُ وميمها
أبان بمعنى: تبين، وبينت بمعنى: تبينت.
والسيمى: العلامة، وعينها واو، وانقلبت للكسرة، ويقال فيها: السيمياء، والسيماء، قال:
غلامٌ رماهُ الله بالحسنِ يافعاً ... له سيمياءُ لا تشقُّ على البصرْ
وقوله: "لحاهم"، جمع لحية، قال الشاعر:
لعمركَ ما الفتيانُ أنْ تنبتَ اللَّحى ... ولكنَّما الفتيانُ كلُّ فتى ندِ
стр. 437
وربما قالت العرب: لحى بضم اللام، ونظيره: حلية وحلى، ولا يقاس على الضم في هذين الحرفين، لأنهما من ذوات الياء، وكتابتهما بالياء.
وقبل البيت:
أجدَّ الشَّبابُ قد مضى فتسرَّعا ... وبانَ كما بانَ الخليطُ فودَّعا
وما كانَ مذموماً لدينا ثناؤهُ ... وصحبتهُ ما لفَّنا خلطٌ معا
فبانَ وحلَّ الشَّيبُ فيرسمِ دارهِ ... كما خفَّ فرخٌ ناهضٌ فترفَّعا
فأصبحَ أخداني كأنَّ عليهمُ ... ملاءَ العراقِ والثَّغامَ المنزَّعا
ندب الشباب، وتوجع لورود الشيب عليه، وعلى أترابه.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٢٩)
عجبتُ لها أنَّي يكونُ غناؤها ... فصيحاً ولم تغفر بمنطقتها فما
هذا البيت لحميد بن ثور الهلالي.
الشاهد فيه
قوله: "غناؤها"، وهو من الصوت، ممدود.
стр. 438
والعرب تختلف في صوت الحمام، فكان بعضهم يجعله غناء، وكان بعضهم يجعله نياحاً.
وتعم أنها تنوح على الهديل، وهو فرخ زعموا أنه هلك، في زمن نوح ﵇.
قالوا: فليس من حمامة غلا وهي تبكي عليه، ولذلك قال الآخر:
يذكَّرنيكَ حنينَ العجولِ ... ونوحُ الحمامةِ تدعوا هديلا
فجعل صوتها نوحاً على الهديل، وقال بعض الأعراب:
ألا قاتلَ الله الحمامة غدوةً ... على الأيكِ ماذا هجيتْ حينَ غنَّتِ
فجعل صوتها غناء، وجمع أبو العلاء المعري بين المغنيين، فقال: أبكتْ تلكمُ الحمامةُ أمْ غنَّتْ على فرعِ غصنها الميَّادِ
اللغة
قد ذكرت العجب، وتصرفه فيما تقدم، وأني: بمعنى كيف.
ولم تغفر: لم تفتح فاها، يقال: فغر فاه، وفغر فوه.
وقبل البيت:
стр. 439
إذا شئتُ غنَّتني بأجزاعِ بيشةٍ ... أو النَّخلِ منْ تثليثَ أو منْ ينمنما
وبعد البيت:
ولم أرَ محزونا لهْ مثلُ صوتها ... أحرَّ وأورى للفؤادِ وأكلما
ولم أرَ مثلي شاقهُ صوتُ مثلها ... ولا عربيَّا شاقهُ صوتُ أعجما
محلاَّة طوقٍ لمْ تكنْ منْ تميمةٍ ... ولا ضربِ صوَّاغٍ بكفَّيهِ درهما
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٣٠)
في كلَّ ممسى لها مقطرةٌ ... فيها كباءٌ معدٌّ وحميمْ
هذا البيت للمرقش الأصغر، واسمه ربيعة بن سفيان، وهو عم طرفة بن العبد.
والمرقش الأكبر، عمه أيضاً، واسمه عمرو بن حرملة.
стр. 440
الشاهد فيه
قوله: "كباء"، ممدود، وهو العود الذي يتبخر به، يقال منه: كب ثوبك، أي: بخره، وكبيت ثوبي تكبيةً، وتكبى: تبخر.
وإذا قصرت، فهي الكناسة، والتراب الكابي الذي لا يستقر على الأرض من ذوات الواو، يكتب بالألف.
اللغة
"في كل ممسى": يريد وقت الإمساء، والمقطرة: المبخرة، وهي المجمرة.
والحميم: الماء البارد على ما قال ابن قتيبة، وقيل: الماء الحار.
وقال أبو العباس المبرد في "كتاب الاشتقاق": الحميم في الأصل الماء الحار، وهو يكون لما يحب، ولما يكره، على مقدار مبلغة، كقوله تعالى: (إلا حميماً وغساقا) .
ذلك المتنهي، الذي هو العذاب الأليم، نعوذ بالله منه.
ومنه قول الآخر:
كأنَّ الحميمَ على متنها ... إذا اغترفتهُ بأطساسها
جمانٌ يجولُ على فضَّةٍ ... جلتها حدائدُ دوَّاسها
стр. 441
يعني امرأة، وجمال بدنها، ومن هذا سمي الحمام، ومن هذا أخذت الحمى.
ومن ذلك قولهم للعرق: حميم، يقال استحم الفرس: إذا عرق، قال الشاعر:
يباري النحوص ومسحلها ... وعفويهما قبلَ أنْ يستحمْ
يعني فرساً: يقول: قبل أن يعرق، وأنشد التوزي في صفة فرس:
كأنَّهُ في الجالِ وهوَ سامِ
مشتملٌ جاء منَ الحمَّامِ
ويقال لمن دخل الحمام: طاب حميمك، أي: عرقك، والحميم أيضاً: القريب.
وهو أيضاً الصديق.
قال المرقش هذا البيت في جارية لفاطمة بنت المنذر.
وبعد البيت:
لا تصطلي النَّار بالنَّارِ ولاَ ... توقظُ للزَّادِ بلهاءُ نؤومْ
стр. 442
الإعراب
قوله: "فيها كباء معد": جملة في موضع الصفة "لمقطرة"، وحميم: معطوف على مقطرة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٣١)
لها بشرٌ مثلُ الحريرِ ومنطقٌ ... رخيمُ الحواشي لاهراءٌ ولا نزرُ
هذا البيت، لذي الرمة.
الشاهد فيه
قوله: "هراءٌ" وهو اسم ممدود، وهو الكلام غير المصيب، يقال: أهرأ الرجل في منطقه، وهرأ يهرأ هرأ.
وقيل: الهراء: الكلام الكثير، وهذا البيت، يقضي به، لأنه قالبه بنزرٍ".
اللغة
البشر هنا: جمع بشرة، يقال: "فلان مؤدمٌ مبشرٌ" فظاهر جلد الإنسان من رأسه، وسائر جسده: البشرة.
والرخيم: اللين السهل، يقال رخمت الجارية رخامة، فهي رخيمة الصوت: إذا لن منطقها.
стр. 443
والحوشي: الأطراف، وأصل الحاشية: جانب الثوب الذي لا هدب فيه، وحواشي الإبل: صغارها، وكذلك حشوها وحاشيتها.
والمعنى
أنه وصف امرأة بلين البشرة، وبحسن الكلام، واختصار أطرافه، وهو ضد الهذر والإكثار، وذاهب في سبيل التخفيف والاختصار، لأن الخفر والاستحياء، يقل معه الكلام، وتحذف معه أحناء المقال، كما قال الآخر:
كانَّ لها في الأرضِ نسياً تقصُّه ... على أمَّها وإنْ تخاطبكَ تبلت
أي: تقطع كلامها رويداً.
وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى، حتى صار الدال عليه، كالدال على المشاهد غير المشكوك فيه، ألا ترى إلى قوله:
وحديثها كالغيثِ يسمعهُ ... راعي سنينَ تتابعتْ جدبا
يعني: حنين السحاب وسجره، وهذا لا يكون عن نبرة واحدة، ولا رزمة مختلسة، إنما يكون مع البدء فيه والرجع، وتثني الحنين على صفحات السمع، ومما
стр. 444
قيل في حسن الحديث:
وحديثها السَّحرُ الحلالُ لوَ أنَّهُ ... لمْ يجنِ قتلَ المسلمِ المتحرَّزِ
إنْ طالَ يمللْ وإنْ هيَ أوجزتْ ... ودّ المحدَّثُ أنَّها لمْ توجزِ
شركُ العقولِ ونزهةٌ ما مثلها ... للمطمئنَّ وعقلة المستوفزِ
ولأبي العلاء المعري:
ردَّي كلامكِ ما أمللتِ مستمعاً ... ومنْ يملُّ من الأنفاسِ ترديدا
أخذه بعضهم فقال:
لا يملُّ الحديثُ منها معاداً ... كأنتشاق الهواءِ ليسَ يملُّ
وبعد البيت:
وعينانِ قالَ الله كونا فكانتا ... فعولانِ بالألبابِ ما تفعلُ الخمرُ
وتبسمُ لمعَ البرقِ عنْ متوضَّحٍ ... كلونِ الأقاحي شاف ألوانهُ القطرُ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٣٢)
أجدُّوا نجاءً غيبتهمْ عشيَّةً ... خمائلُ من ذات المشي وهجولُ
وكنتُ صحيحَ القلبِ حتى أصابني ... منَ اللاَّمعاتِ المبرقاتِ حبولُ
стр. 445
هذان البيتان للأخطل، واسمه غباث بن غوث، ويكنى أبا مالك.
الشاهد فيهما
قوله: "المشى"، اسم بنت مقصور، من ذوات الياء، وهو يشبه الجزر، وأراد بذات المشي، وهو موضع عينه.
ويروى: "من البارقات المخلفات حبول".
ويروى: "من الملمعات المبرقات".
ويروي أبو عمرو: خبول: بالخاء معجبة، ورواه الأصمعي: بالحاء غير معجمة، جمع: حبل، وهي الداهية، وأنشد.
عجبتُ من الخودِ الكريمِ نجارها ... ترارئُ بالعينينِ للرَّجلِ الحبلِ
اللغة
جدَّ وأجدَّ: والخمائل: جمع خميلة، وهي أرض بين الرمل، طيبة النبات.
والهجول: جمع هجلٍ، وهو المطمئن من الأرض.
ويقال: لمعت المرأة بثوبها، وبسوارها: أشارت، وألمعت أيضاً، وأبرقت
стр. 446
بوجهها: أبرزته، وكذلك ما أبزته من جشدها على عمد، وتبرق أيضاً بأسنانها، قال عدي بن زيد العبادي:
عنْ مبرقاتٍ بالبرينِ وتب ... دو بالأكفَّ اللاَّمعاتِ سورْ
وفسر أبو علي في "كتابه": الحبول، والخبول.
ومعنى البيتين ظاهر.
وبعدهما:
من المائلاتِ الغيدِ وهنا وإنَّها ... على صرمهِ أو وصلهِ لغفولُ
وكنَّ على أحيانهنَّ يصدنني ... وهنَّ منايا للرَّجالِ وغولُ
وإن امرأ لا ينتهي عنْ غوايةٍ ... إذا ما اشتهتها نفسه لجهولُ
وأول القصيدة:
محا رسمَ دارٍ بالصَّريمةِ مسبلٌ ... نضوحٌ وريحٌ تعتريهِ جفولُ
فغَّيرَ آياتِ الحبيبِ معَ البلى ... بوارحُ تطوي تربها وسيولُ
ديارٌ لأروى والرَّباب ومن يكنْ ... لهُ عندَ أروى والرَّبابِ تبولُ
يبتْ وهوَ مشحوذٌ عليهِ، ولا يرى ... إلى بيضتيْ وكرِ الأنوقِ سبيلُ
стр. 447
الإعراب
يحتمل قوله: "نجاء"، ثلاثة اوجه من الإعراب.
الأول: أن يكون حالاً من الضمير، في قوله: "أجدوا" على أن يوقع "نجاء"، موقع ناجين، أو على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير: أجدوا ذوي نجاء.
والثاني: أن ينتصب على المصدر، بتقدير: أجدوا إجداد نجاء، فحذف واوقع نجاء، موقع الإجداد.
والثالث: أن يكون مفعولاً، بإسقاط حرف الجر، والتقدير: أجدوا في نجاء.
وقوله: "غيبتهم عشية خمائل" جملة في موضع الحال، وحذف واو الحال، اكتفاء بالضمير العائد من الجملة، كقوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية، إلا لها منذرون) ، وفي الآية الأخرى: (إلا ولها كتابٌ معلوم) .
فإذا وقعت جملة في موضع الحال، فإن كان فيها ضمير فجائز إثبات الواو وحذفها، وإن وقعت خالية من الضمير، لم يكن بد من إثبات الواو، فاعلم.
وأورد أبو علي في "كتابه" في باب المذكر والمؤنث أثناء كلامه.
يعصرنَ السَّليطَ أقاربهْ
وهو من عجز بيت للفرزدق، وهو قوله:
(١٣٣)
ولكنْ ديافيٌّ أبوه وأمُّهُ ... بحوران يعصرنَ السَّليطَ أقاربهْ
стр. 448
الشاهد فيه
"يعصرن" فأتى بضمير الأقارب في الفعل "وهو مقدم"، على لغة من قال: "أكلوني البراغيث" فثنى الضمير في الفعل وجمعه مقدماً، ليدل أنه لاثنين، أو لجماعة، كما تلحقه علامة التأنيث، دلالة على أنه لمؤنث.
والشائع في كلامهم إفراده، لن ما بعده من الاثنين، والجماعة يفني عن تثنيته وجمعه.
وأما تأنيثه فلازم، لن الاسم المؤنث قد يقع لمذكر.
ويحتمل وجهين غير هذا: الوجه الأول: وهو أن يكون "يعصرن"، خبر مقدم، كأنه قال: أقاربه يعصرن السليط، فقدم للضرورة.
والثاني: أن يكون "أقاربه" بدلاً من الضمير في "يعصرن".
والمعنى
أنه هجا بهذا الشعر عمرو بن عفراء، فجعله من أهل القرى المعتملين لإقامة عيشهم، ونفاه مما عليه العرب من الانتجاع.
ودياف: قرية بالشام.
والسليط: دهن السمسم، وهو هنا الزيت خاصة، لأن الشام كثير الزيتون، وحوران: من مدن الشام.
стр. 449
وأنث الأقارب، لأنه أراد الجماعات.
وكان سبب هجوه إياه، انه مدح عمرو بن مسلم الباهلي، فأمر له بثلاث مئة درهم، وكان عمرو بن عفراء الضبي صديقاً له، فلامه.
فقال: تعطي الفرزدق ثلاث مئة درهم، وإنما كان يكفي أن تعطيه عشرين درهماً.
فبلغ ذلك الفرزدق فقال يهجوه:
نهيتُ ابن عفرا أنْ يعفَّرَ أمَّهُ ... كعفرِ السَّلا إذْ جرَّرتهُ ثعالبهْ
إنَّ امرأً يغتابني لمْ اطأْ لهُ ... حريماً ولا تنمهاهُ عنَّي أقاربهْ
كحتطبٍ ليلاً أساودَ هضبةٍ ... أتاهُ بها في ظلمةِ اللَّيلِ حاطبهْ
ألمَّا استوى ناباي وأبيضَّ مسحلي ... وأطرقَ إطراق الكرى منْ أحاربهْ
ستعلمُ يا عمرو بنَ عفرا منْ الَّذي ... يلامُ إذا ما الأمرُ غبَّتْ عواقبهْ
فلو كنتَ ضبَّيّاً صفحتُ ولوْ جرتْ ... على قدمي حيَّاتهُ وعقاربهْ
ولكنْ ديافيٌّ أبوهُ وأمُّهُ ... بحورانَ بعصرنَ السَّليطَ أقاربهْ
الإعراب
ديافي: خبر المبتدأ المضمر، والتقدير: ولكن أنت ديافي، لما تقدم ذكره، وأبوه: مبتدأ ثان، وأمه: معطوف عليه، والخبر: في المجرور الذي هو "بحوران"، و"يعصرن السليط أقاربه"، جملة في موضع الصفة لديافي، ويجوز رفع "ديافي"، على أنه خبر المبتدأ، و"أبوه": مبتدأ، وأمه: مبتدأ ثان، وخبرها محذوف.
стр. 450
ويجوز ارتفاع "أبوه"، ويرتفع قوله: و"أمه" بالابتداء وخبرها محذوف، أي: وأمه كذلك.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٣٤)
لقدْ ولدَ الأخيطلَ أمُّ سوءٍ ... على بابِ آستها صلبٌ وشامُ
هذا البيت لجرير، يهجو الأخطل، نحقيراً له، وكان نصرانياً.
الشاهد فيه
إسقاط علامة المؤنث الحقيقي ضرورة، وحسنه الفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول، فقام ذلك الفصل مقام علامة التأنيث، ومثله قول الآخر:
إنَّ امرأً غرَّهُ منكنَّ واحدةٌ ... بعدي وبعدكِ في الدُّنيا لمغرورُ
لما فصلَ بين الفاعلِ وفعله، حذف علامة التأنيث، وإن كان تأنيثه حقيقياً.
وأما بيت الجران:
ألاَ لا يغرَّنَّ امرأً نوفليَّةٌ ... على الرأسِ بعدي أو ترائبُ وضذَحُ
стр. 451
فليست النوفلية امرأة، وإنما هي مشطة تعرف بالنوفلية، فتذكر الفعل معها احسن.
وكان وجه الكلام "ولدته"، و"غرته"، وهذا فيمن يعقل عزيز، وفيما لا يعقل كثير وستأتي فيه أبيات.
وقوله: صلب وشام: جمع صليب، وجمع شامةٍ، ويقال شامةٌ، ومشيومٌ، ومشيمٌ، وأشيمُ، وقد شئمَ، وألفه منقلبة عن ياء، وقيل: لا فعل له.
وقبل البيت:
على آست التَّغلبية إذْ تحنَّى ... صليبهمُ وفي حرها جذامُ
أهانَ الله جلدةَ حاجبيها ... وما وارى منَ القذرِ اللَّثامُ
وأنشد أبو علي في الباب:
(١٣٥)
فلاَ مزنةٌ ودقتْ ودقها ... ولا أرضَ أبقلَ إبقالها
هذا البيت، لعامر بن حوين الطائي.
стр. 452
الشاهد فيه
حذف علامة التأنيث مع التأخير ضرورة، كما حذفها مع التقديم، في المؤنث غير الحقيق، من قوله: "أبقلت"، لما كان الأرض في المعنى: المكان، فحمل على المعنى، فكأنه قال: ولا مكان أبقل إبقالها.
قال أبو علي: "حذف علامة التأنيث في التقديم، أحسن من حذفها مع التأخير، لأن الاسم إذا تقدم، فينبغي أن يكون العائد عليه من وفقه، في التذكير أو التأنيث، كما كان وفقه في التثنية والجمع، فكما أنه لو ثنى أو جمع الاسم مقدماً، عاد الذكر على ذلك الحد، كذلك إذا ذكر أو أنث، وليس كذلك إذا تقدم الفعل، لأنه لم يسند إليه شيء، فقد أن يخالف لأنه يصلح أن يسند إلى أشياء كثيرة، فليس يلزم لذلك أن يكون وفقاً لشيء.
ألا ترى أنهم قالوا: ما جاء إلا هند، فحملوا على المعنى، على أنه ما جاء أحد، وإن كان اللفظ غير ذلك، ولو قال: ما زيد إلا يجئني، لم يحتمل لتقدم زيد، أن يكون الفاعل ليجيء إلا واحداً في اللفظ والمعنى.
قال: فلهذا كان "ولا أرض أبقل إبقالها"، أقبح من قوله: أبقل الأرض، وقال غيره: إنما قبح ذلك، لاتصال الفاعل المضمر بفعله، وكونه كالجزء منه حتى لا يمكن الفصل بينهما، بما سدَّ مسدَّ علامة التأنيث.
وروى النحاس، عن أبي حاتم "أرض أبقلتِ أبقالها"، بتخفيف الهمزة،
стр. 453
كما قال ذو الرمة:
منَ ألَ موسى ترى الناس حوله
وقال عبد الله بنم ثعلبة الحنفي:
وما إنْ يزال رسمُ دارٍ قدَ أخلقتْ ... وعهدٌ لميتٍ بالفناءِ جديدُ
ولا شاهد في البيت على هذه الرواية.
المرنة: واحد المرن، وهي السحاب، والودق: المطر.
ويقال: أبقل المكان، فهو باقلٌ، وهو من المطرد سماعاً لا قياساً، وقد ذكرته فيما تقدم، وقد قيل: مبقل على القياس.
وقال أبو دؤاد لابنه: ما أعاشك بعدي؟!.
فقال:
أعاشني بعدكَ وادٍ مبقلٌ ... آكلُ منْ حوذانهِ وأنسلُ
فأخرجه على القياس.
ويقال أيضاً: بقل المكانُ، بقلاً وبقولاً، وليس بكثرة أبقل
стр. 454
والبقل أصله ما نبت عن بزرة، عن أبي حنيفة.
والجنبة: كل ما نبت في أرومةٍ يهلك فرعها.
المعنى
وصف أرضاً مخصبة بكثرة ما نزل بها من الغيث، فقال: لا مزنة ودقت مثل ودقها، ولا أرض مثل إبقالها.
الإعراب
مزنة: مبتدأ، الجملة بعدها في موضع الصفة، والخبر: مقدر في مكان أو زمان، ويجوز أن تكون الجملة في موضع الخبر، وإن كانت نكرة، لأن الكلام منفي والغرض العموم.
وكذلك "ولا أرض أبقل"، إلا أنه أعمل "لا" هنا، ونصب "ودقها" و"إبقالها" على المصدر المشبه به.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٣٦)
أرمي عليها وهيَ فرعٌ أجمعُ
وهيَ ثلاثُ أذرعٍ وأصبعُ
هذا الرجز ينسب لحميد الأرقط.
стр. 455
الشاهد فيه
قوله: "أجمع" وكان وجه الكلام "جمعاء" لكن حمله على المعنى إذ القوس عود، وهو، تأكيد للضمير الذي في "فرعٍ، وإن لم يكن جارياً على الفعل، فإنه بمعنى الجاري، كما قالوا: مررت بقاعٍ عرفجٍ كله، أي: خشن، وبقومٍ عربٍ أجمعون، فيكون "فرعٌ" بمعنى: قويًّ أو شديد، وما أشبه ذلك من التقدير.
ولا يكون تأكيداً "لفرعٍ" لأن "فرعاً" نكرة، والنكرة لا تؤكد عند البصريين، والكوفيون يؤكدونها، واحتجوا بقول الشاعر:
يا ليتني كنتُ صبيَّا مرضعاً ... تحملني الذَّلفاءُ حولاً أجمعا
ويحتمل أن يكون "أجمع" هاهنا، بمعنى جميع ومجتمع، فيكون نعتاً "للفرعِ".
اللغة
قوله: "أرمي عليها"، وضع "على" "موضع عن"، والعرب تتصرف في هذا، فتقول: رميت عنها، ورميت عليها، فتدخل بعض هذه الحروف على بعض، لتقاربها في التأدية عن المعنى، قال طفيل:
رمتْ عن قسيَّ الماسخيَّ رجالهم ... بأحسنَ ما يبتاعُ منْ نبلِ يثربِ
стр. 456
وقال آخر، وهو مثل الأول:
أرمي على شريانةٍ قذَّافِ
تلحقُ ريشَ النَّيلِ بالأجوافِ
وفرع كل شيء: أعلاه، والجمع: فروع، ولا تكسر على غير ذلك.
وقوسٌ فرعٌ: عملت من رأس القضيب.
وقال أبو حنيف: الفرع من خير القسي، وقوس فرع وفرعة، قال أوس:
على ضالةٍ فرعٍ كأنَّ نذيرها ... إذا لم تخفَّضهُ عن الوحشِ أفكلُ
والذراع: ما بين المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، أنثى ولذلك قال: "ثلاث أذرعٍ، ولم يقل: ثلاثة، وقد يذكر.
قال سيبويه: "سألت الخليل عن الذراع: فقال: الذراع كثر في تسميتهم به المذكر، وتمكن في المذكر، فصار من أسمائه خاصة عندهم، ومع هذا فإنهم يصفون به المذكر، فيقولون: هذا ثوب ذراعٌ".
ولهذا إذا سمي رجلٌ بذارعٍ، صرف في المعرفة والنكرة، لأنه مذكرٌ سمي به المذكر.
ولم يعرف الأصمعي، التذكير في الذراع.
стр. 457
والجمع: أذرع، قال سيبويه: كسروه على هذا البناء، حين كان مؤنثاً، يعني أن "فعالاً، وفعالاً وفعالاً" من المؤنث، حكمه أن يكسر على "أفعل"، ولم يكسروا "ذراعاً" على غير "أفعل"، كما فعلوا ذلك في الأكف".
والإصبع: فيه ثمان لغاتٍ، إصبعٌ أَصبعٌ أُصبعٌ إِصبِع أُصبِعٌ أُصبُعٌ إِصبُع أصبوعٌ، وهي مؤنثة في كل ذلك، حكى ذلك اللحياني عن يونس.
ويروى:
وهيَ ثلاثُ أذرعٍ والإصبعُ
وذلك أنهم كانوا إذا قطعوا العود، ليتخذ منه القوس، زادوا على ثلاثة الأذرع إصبعا، احتياطا لاختلاف أذرع الناس في الطول والقصر، فصارت الإصبع معهودة عندهم، متعارفة لديهم، كتعارف الأذرع الثلاث فلهذا أدخل عليه الألف واللام التي للعهد.
الإعراب
أجمع: من الألفاظ الدالة على الإحاطة، وليست بصفة، ولكن يعم به ما قبله من الأسماء، ويجري على إعرابه.
ولذلك قال النحويون صفة، والدليل على أنه ليس بصفة، قولهم: "أجمعون".
فلو كان صفة، لم يسلم جمعه، ولكان مكسراً.
والأنثى: "جمعاء"، وكلاهما معرفة، ولا تنكر عند سيبويه.
стр. 458
وأما ثعلب، فحكى فيها التعريف والتنكير جميعاً.
تقول: أعجبني القصر اجمع وأجمع، الرفع على التوكيد، والنصب على الحال، والجميع: معدول عن جمعاوات، أو جماعي.
ولا يكون معدولاً عن جمع، لأن اجمع ليس بوصف، فيكون كحمراء وحمر.
وقال بعض النحويين: إن جمع وكتع، معدولة عن جمع وكتع، لأن باب "أفعل وفعلاء" في الجمع، أن يكون على "فعل" ساكنة العين، نحو: أحمر وحمراء وحمر، وأشهب وشهباء وشهب، فكان حق جمعاء وكتعاء وأجمع وأكتع، أن يكون جمعه على "فعل" نحو جمع وكتع، ساكنة العين، على قياس حمر وشهب، فعدلا عن "فعل" إلى "فعل" وهذا قول من يعتقد أنها صفات.
قال أبو علي الفارسي: باب أجمع وجمعاء، وأكتع وكتعاء وما يتبع ذلك من بقيته، غنما هو اتفاق، وتوارد في اللغة ، على غير ما كان في وزنه منها، لأن باب "أفعل وفعلاء" إنما هو للصفات، وجميعها يجيء على هذا الموضع نكرات، نحو أحمر وحمر، وأصفر وصفر، وهذه ونحوها صفات نكرات.
وأجمع، وأكتع، وجمعاء وكتعاء، أسماء معارف، وليست بصفات وإنما ذلك اتفاق بين هذه الكلم المؤكد بها، وبعدهما:
وهيَ إذا أنبضتَ فيها تسجعُ
ترنُّمَ النَّحل أبى لا يهجعُ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٣٧)
إذْ هيَ أحوىَ منَ الرَّبعيَّ حاجبها ... والعينُ بالإثمدِ الحاريَّ مكحولُ
هذا البيت لطفيل الغنوي.
стр. 459
الشاهد فيه
تذكير "مكحول"، وهو خبر عن "العين" والعين مؤنثة، حمل العين على الطرف، أو الجفن، وهذا مذهب سيبويه.
وحمله غيره، على انه خبر عن الحاجب، والتقدير عنده: حاجبها مكحول بالإثمد، والعين كذلك، فلا تكون فيه ضرورة.
وحمله سيبويه على العين لقرب جوارها منه، فيرتفع "الحاجب" عند سيبويه "بأحوى"، والتقدير: إذ هي مثل الظبي، أحوى حاجبه.
وعلى مذهب غيره، يرتفع بالابتداء، و"بالإثمد"، يتعلق على هذا القول "بمكحول".
اللغة
الربعي: ما نتج في الربيع، نسب على غير قياس، وربعي الشباب: أوله، أنشد ثعلب:
جزعتُ ولمْ أجزعْ منَ البينِ مجزعا ... وقدْ مرَّ ربعيَّ الشَّبابِ فودَّعا
وقيل: ربعي كل شيء: أوله، والسبط الربعي: نخلة تدرك في آخر القيظ.
قال أبو حنيفة: سمي ربعياً، لأن آخر القيظ، وقت الوسمي.
والحاري: منسوب إلى الحيرة.
стр. 460
المعنى
وصف امرأة، فجعلها بمنزلة ظبي أحوى، وهو الذي في ظهره، وجنبتي أنفه خطوط سود، والحوة: السواد.
وبعد البيت:
يرعى منابتَ وسميَّ أطاعَ له ... بالجزعِ حيثُ عصى أصحابه الفيلُ
موضع بقرب مكة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٣٨)
وكنَّا ورثناهُ على عهدِ تبَّعٍ ... طويلاً سواريهِ شديداً دعائمهْ
هذا البيت للفرزدق.
الشاهد فيه
حذف الهاء من "طويلة وشديدة" ضرورة، حمل السواري والدعائم، على البناء المحكم، فتأنيثها غير حقيقي، فلذلك حسن حذف الهاء.
اللغة
الدعائم: واحدها دعامة، وهو ما يدعم به البناء، إذا مال، والدعم: القوة، والدعامتان: خشبتا البكرة، قال:
لما رأيتُ أنَّهُ لا قامهْ
وأنَّني ساقٍ على السّامهْ
نزعتُ نزعاً زعزعَ الدَّعامهْ
следующие страницы →