← Язык

Язык · id 9250

إيضاح شواهد الإيضاح

أبو علي القيسي

Полный текст (856 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ويجوز أن تكون للإلحاق "بجخدب"، على قياس قول أبي الحسن، إلا أنه إلحاق اختص مع التأنيث، إلا أن أحداً لا ينون بهمى. يحكى أن أبا عبيدة، قال في بعض كلامه: أرأيتم كأصحاب التصريف؟! يقولون: غن علامة التأنيث لا تدخل على علامة التأنيث، وقد قال العجاج: يستنُّ في علقى وفي مكورِ فلم يصرف، وهم مع هذا، يقولن: علقاة. فبلغ ذلك أبا عثمان، فقال: إن أبا عبيدة من أين له أن يعرف مثل هذا؟! يريد: ما قدمت ذكره من اختلاف التقديرين في حالتين مختلفتين وله نظائر في العبرية، مثل: لا أبا لك، وأشباهه. اللغة العلقى: شجر تدوم خضرته في القيظ، وله أفنان طوال، رقاق، وورق لطاف، ويجمع على: علاق وعلقيات. والمكور: شجر أيضاً، واحدها مكرة.

стр. 492

المعنى وصف ثوراً وحشياً. ويروى: يستنُّ في علقى وفي مكورِ وبعده: بينَ تواري الشَّمسِ والذُّرورِ وأنشد أبو علي في الباب. (١٤٩) أما تنفكُّ تركبني بلومى ... لهجتَ بهِ كما لهجَ الفصيلُ هذا البيت، لأبي الغول الطهوي، أنشده أبو زيد في نوادره. الشاهد فيه قوله: "لومى" وهو مصدر يراد به اللوم. وكل "فعلى" اسم، مصدر أو غير مصدر لا يتكلم به إلا بالواو، كان من ذوات الياء أو من ذوات الواو، نحو: العدوى، والدعوى، والرعوى، والفتوى، وما شذ من هذا الباب، إلا "سعيا" وهو اسم موضع. وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من الصفة.

стр. 493

والثاني: أن يكون خرج منبهة على الأصل. و"فعلى" إذا كانت اسماً لا يتكلم بها إلا بالياء، سواء كانت من ذوات الياء أو ذوات الواو، نحو الدنيا، والعليا. وشذ من هذا الباب أيضاً "القصوى"، خرج منبهة على الأصل، وإنما أبدل في "فعلى" من الواو ياء، كما أبدل في "فعلى" من الياء واواً، ليتكافآ في التغيير، هذا قول سيبويه، وقد جاءت اللوماء ممدودة، قال: ألمْ ترَ أهلي يا مغيرَ كأنَّما ... يفيئونَ بالَّوماءِ فيكَ الغنائما اللغة يقال: لهج الرجل بكذا، وألهج به: أولع، واللهجة: طرف اللسان، ويقال: جرس الكلام، والفصيل يلهج أمه: إذا رضعها، فهو لهوج ولهج قال: إذا المرضعُ العوجاءُ باتَ يعزَّها ... على ضرعها ذوْ تومتينِ لهوجُ وأتى المعري بجمعه، فقال: الرَّكبُ إثركَ آجمونَ لزادهم ... واللُّهجُ صادفةٌ عن الأخلافِ وألهج الرجل: لهجت فصاله بالرضاع، قال الشماخ:

стр. 494

ترى بسفا البهمى أخلَّة ملهجِ وبعد البيت: أتنسى لا هداكَ الله سلمى ... وعهدُ شبابها الحسنُ الجميلُ كأنَّ وقدْ أتى حولٌ جديدٌ ... أثافيها حماماتٌ مثولُ وأنشد أبو علي في الباب. (١٥٠) تريحُ نقادها جشمُ بنُ بكرٍ ... وما نطقوا بأنجيةِ الخصومِ الشاهد فيه قوله: "بأنجية"، جمع "نجوى"، وهو مصدر جمع، لما اختلفت أنواعه. ورد هذا القول على أبي علي. وقال الراد: لا يجوز أن تكون "أنجية" جمع "نجوى"، كما قال، لأن "فعلى" لا تجمع على "أفعلة" وإنما أنجية في البيت جمع نجي، ونجي: مصدر جاء على "فعيلٍ"، بمنزلة الصهيل والنهيق، قال الراعي: طاوعتهُ بعدما طال النَّجيُّ بنا ... وظنَّ أنَّي عليهِ غيرُ منعاجِ وقال النحاس في قوله: "المجي": واحد يؤدي عن الجمع،

стр. 495

وجمعه: "أنجية"، ويكون النجي أيضاً: بمعنى الناجي كما يقال: جليس: بمعنى الجالس. والنجوى أيضاً: السر، قال الله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) . وفعله نجاه ينجوه نجواً ونجوى: سارة. اللغة تريح: تردها في الرواح. والنقاد: جمع نقد، وهي صغار الغنم، والنقاد: راعيها. والخصوم: جمع خصم، ويقع الخصم للواحد المذكر والمؤنث، والاثنين والجميع. وأنشد أبو علي في باب ما جاء على فعلى. (١٥١) لها أذنٌ حشرٌ وذفرى أسيلةٌ ... وخدٌّ كمرأةِ الغريبةِ أسجحُ هذا البيت لذي الرمة. الشاهد فيه قوله: "وذفرى"، فلم ينونها، جعل ألفها للتأنيث، ولم يجعلها للإلحاق.

стр. 496

وقد جاءت منونة، ألحقت بدرهم وهجرع، وهو قليل. اللغة يقال: أذن حشرة وحشر، وهي الصغيرة الطيفة، وقيل: الرقيقة الطرف. قيل: أذن حشر، لما سميت بالمصدر، كأنها حشرات حشراً، أي: لطفت، يقال حشرت السنان وغيره حشراً، إذا حددته، ورققته، ولها المعنى أفرد في الجميع، ولم يؤنث في الواحد. ومن جمعه بالتاء، فقال حشرات، فعلى الواحد المؤنث بالتاء. ويستحب في الناقة والبعير، أن يكون حشر الأذن. والذفرى: عظم شاخص خلف الأذن، والذفرى أيضاً: القفا والجمع: ذفارى، والذفرى أيضاً: يقلة. والأسيلة: الملساء المستوية. والسجح في الخد: لينه، وخد أسجح: سهل طويل قليل اللحم، وقد سجح سجحاً وسجاحة، وخلق سجيح، ومنه: "ملكت فأسجح"، وهو قول عائشة لعلي، ﵄ يوم الجمل يوم الجمل، ومعناه: أرفق وسهل، والمرأة: ما تراءيت فيه، يقال تراءيت في المرأة، إذا نظرت فيها، وجاء في الحديث: (لا يتمراى احدكم في الماء) أي: لا ينظر وجهه.

стр. 497

وهذا المثال عزيز، لم يجئ منه فيما رأيت من "كتاب" سيبويه: إلا: تمدرع، وتمسكن. المعنى وصف ناقته، وجعل خدها، لملاسته ولينه، كمرآة الغريبة وخص الغريبة، لأن مرآتها مجلوة، إذ ليس لها من يتولى شأنها. وقبل البيت: إذا ماتَ الرَّحلِ أحييتُ روحه ... بذكراكِ والعيسُ المراسيلُ جنَّحُ إذا أرفضَّ أطرافُ السياطِ وهلَّلتْ ... حزومُ المطايا عذَّبتهنَّ صيدحُ وأنشد أبو علي في الباب: (١٥٢) أرحمْ أصيبيتي الَّذين كأنَّهمْ ... حجلى تدرَّجُ في الشذَربَّةِ وقَّعُ هذا البيت لعبد الله بن الحجاج الثعلبي، ويكنى أبا الأقرع. الشاهد فيه قوله: "حجلى" جمع حجل، وهو الذكر من القبح، والأنثى: حجلة و"فعلى" في الجمع عزيز الوجود.

стр. 498

اللغة الشربة: موضع بعينه، والشربة: حفرة في أصل النخلة. وتدرج: تفعل، من درج يدرج درجاً ودرجاناً: إذا مشى مشياً ضعيفاً. ووقع: جمع وقع، يقال: وقع الطير يقع وقوعاً، والاسم الوقعة، إذا نزل عن طيرانه، فهو واقع، ووقيعة الطائر وموقعته: موضع وقوعه. معنى البيت ظاهرٌ. وذكر أن عبد اله بن الحجاج الثعلبي، كان من أشد الناس على عبد الملك بن مروان، في طاعة ابن الزبير مع القيسية. فلما قتل عبد الله بن الزبير، أرسل عبد الملك في طلب عبد الله بن الحجاج، فلم يظفر به، فلما خاف عبد الله بن الحجاج أن يظفر به، لأقبل به، فدخل على عبد الملك في اليوم الذي يطعم فيه أصحابه، فمثل بين يديه، فقال: منعَ الفرارَ فجئتُ نحوك هارباً ... جيشٌ يجرُّ ومقنبٌ يتلمَّعُ فقال له عبد الملك: أي الخبائب أنت؟ قال: أرحمْ أصيبيتي الذينَ كأنَّهمْ ... حجلى تدرَّجُ بالشَّربَّةِ وقَّعُ قال: أجاع الله بطونهم.

стр. 499

قال: مالٌ لهمْ فيما نظنُّ جمعته ... يومَ اقليبِ فحيزَ عنهم اجمعُ قال: احسبه، كان كسب سوء. قال: أدنو لترحمني وتقبلَ توبتي ... وأراكَ تدفعني، فأينَ المدفعُ قال: النار. قال: ضاقتْ ثيابُ الملبسينَ ونفعهم ... عنَّي فألبسني فثوبكَ أوسعُ قال: فنزع مطرفاً كان عليه، فطرحه عليه، ثم قال له: كل. قال: فلما وضع يده في الطعام، قال: أمنت ورب الكعبة. قال: كن من شئت، إلا عبد الله بن الحجاج. قال: فأنا عبد الله بن حجاج. قال: أولى لك. الإعراب أصيبية: تصغير صبية، أصلها: أصبية، لأن الواحد: صبي، مثل جريب وأجربةٍ، وقفيز وأقفزة، ويصغر أيضاً: صبية على لفظه. وأنشدوا: صبيةٌ على الدَّخان رمكا

стр. 500

ووقع: من صفة حجلى، وبالشربة، متعلق به. وأنشد أبو علي في الباب. (١٥٣) يا أمةً وجدتَ مالاً للا أحدٍ ... إلا لظربى تفاست بينَ احجارِ هذا البيت للقتال الكلابي، واسمه عبيد بن المضرحي. الشاهد فيه قوله: "لظربى"، وهو "فعلى" جمع، ولم يجئ "فعلى" جمعاً إلا "حجلى" الذي تقدم، و"ظربى" هذا. اللغة المال: يؤنث ويذكر: قال رسول الله ﷺ : "المال خضرة حلوة، ونعم العون هو لصاحبه"، فجمع رسول الله ﵌ بين اللغتين، وأنشد أبو زيد في التأنيث: المالُ تزري بأقوامٍ دوي حسبٍ ... وقدْ يسوَّدُ غيرَ السَّيَّدِ المالُ وقال آخر في التأنيث: والمالُ لا تصلحها فاعلمن ... إلا بإفسادك دنيا ودينْ

стр. 501

والظربى: جمع ظربان، وهو دويبة على خلقة الكلب، منتن الريح، والجمع: ظرابي، وظرابين، وظربى وظرباء: أسمان للجمع. ويحكى أنه يفسو بين النعم، فتفرق، ولا يجتمع بعضها مع بعض ويقال في المثل، للمتقاطعين بعد مودة: ة "فسا بينهم ظربان" ونعته: أصلم الأذنين، طويل الخرطوم، أسود الظهر، أبيض البطن، خبيث الرائحة، يفسو في ثوب صائده، فلا تزول منه الرائحة، وإن بلي. المعنى هجا امرأة يقال لها: عليلة، وجعلها أمة، ولم تكن أمة، وإنما جدتها كانت أمة، ألا ترى كيف جعل أخويها عبدين، في هذا الشعر، جهماً وأويساً، فقال: يا أختَ جهمٍ وذاكَ العبدُ صاحبهُ ... وبنتَ شمَّاءَ هلْ خبَّرتِ أخباري يا بنتَ حيَّاكةٍ تسعى بمحلبها ... وتحسنُ الصَّرَّ في إبلِ ابنِ عمَّارِ ويروى في أكثر نسخ "الإيضاح": يا أمَّةً وجدتْ مالاً والأمة: جماعة الخلق. والمعنى أخذتم كال من ليس لقدره ارتفاع، ولا لجانبه امتناع، وقوله: للا أحدِ: أي: لغير من يفقع عليه هذا الوصف.

стр. 502

وإنما سمي القتال، لأنه كان يزور امرأة من رهطه، وقال له أخوها يوماً: لئن وجدتك عندها بعد اليوم لأقتلنك، فجاء بعد أيام، فوجده عندها، فأخذ السيف، وخرج القتال هارباً، وأخوها يتبعه، والقتال يناشده الله، ويذكره بحق الرحم، وهو يأبى إلا اتباعه، والقتال لا سلاح معه، فمر ببعض البيوت فوجد رمحاً مركوزاً، فأخذه، وانصرف إليه، وقتله، وتنادى الناس فخرجوا من البيوت وراءه وهو هارب، فمر ببنت ابن عم له، يقال لها: زينب، وهي نخضب بالحناء. فقال لها: أدخليني وراء الستر واعطيني قناعك. ففعلت، وتقنع وجعل يختصب بالحناء، فبلغ القوم إلى بيت زينب، فانقطع لهم عنده الأثر. فقالوا له، وهم يظنون أنه زينب: أين هذا الخبيث؟ فأخفى وجهه وأشار بيده، هكذا نهض، فساروا على ذلك الطريق، فلما غابوا، خرج عن الخباء، واخذ طريقاً آخر، حتى أتى عماية، وهو جبل عظيم فيه كهوف كثيرة، فإذا دخل فيها الرجل لم يعلم له موضع، فتحصن فيه. فاعلم مروان بن الحكم بذلك، فوجه إليه يومئذ، فأبى من الإقبال إليه، وقال في ذلك: أرسلَ مروانٌ إليَّ رسالةً ... لآتيهِ إنَّي إذنْ لمضلَّلُ وفي ساحةِ العنقاءِ أوْ في عمايةٍ ... أوِ الأدمى منْ رهبةِ الموتِ موئلُ

стр. 503

فمنْ مبلغٌ فتيانَ قومي أنَّني ... تسميتُ لمَّا شبَّتِ الحربُ زينبا وأرخيتُ جلبابي على نبتِ لحيتي ... وأبديت للنَّاسِ البنانَ المخضَّبا فلم يزل مقيماً بها، حتى عفا عنه أولياء المقتول، فخرج. فبهذه القصيدة سمي القتال. وأنشد أبو علي في باب ألف التأنيث التي تلحق قبلها ألف، فتنقلب الآخرة منهما همزة، لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة. (١٥٤) إليهِ تلجأُ الهضَّاءُ طرَّا ... فليس بقائلِ هجراً لجادِ هذا البيت لأبي دؤاد واسمه جارية بن الحجاج. الشاهد فيه قوله: "الهضاء"، وهو من الأسماء التي آخرها ألف التأنيث، فانقلبت همزة، وهو "فعلاء" ومعناه: الجماعة من الناس. اللغة يلجأ: يعوذ، وفعله لجا ولجئ يلجأ، والتجأ، وألجأه إلى الشيء: اضطره، وألجأه: عصمه، والملجأ: المعاد وجمعه: الجاءٌ. وطراً: بمعنى جميع، ولا يستعمل إلا حالاً. والهجر: القبيح من الكلام، وقد اهجر ف ي منطقه إهجاراً، وهجر هجراً: إذا هذى.

стр. 504

والجادي: طالب الجدا، يقال منه: جدوت الرجل جدواً وجداً، إذا سألته، وإذا أعطيته، قال: جدوتُ أناساً موسرينَ فما جدوا ... ألاَ الله فأجدوه إذا كنتَ جاديا والجدا: الفضل والنفع، وهو مأخوذ من الجدا، وهو: المطر العام النافع، ويثنى بالواو، ويقال: أصابنا مطر، كان على الأرض جدا. وهو اسم مقصور، فإذا أردت المصدر، قلت: فلان كثير الجداء ممدود. كما تقول: كثير الغناء عنك، هذا هو المصدر. فإن أردت الاسم الذي هو خلاف الفقر، قلت: الغنى بكسر أوله، وبالقصر، قال خفاف بن ندية، يمدح أبا بكر الصديق، ﵁: ليسَ لشيءٍ غيرُ تقوى جداءْ ... وكلُّ شيءٍ عمرهُ للفناءْ إنَّ أبا بكرٍ هوَ الغيثُ إنْ ... لمْ تشملِ الأرضَ سحابٌ بماءْ تاللهِ لا يدركُ أيَّامهُ ... ذو طرَّةٍ حافٍ ولا ذو جداءْ من يسعَ كي يدركَ أيَّامهُ ... يجتهدِ الشَّدَّ بأرضٍ فضاءْ ونصب "طراً" على المصدر، في موضع الحال. وأنشد أبو علي في الباب: (١٥٥) ألاَ يا بنتُ بالعلياءِ بيتُ ... ولولاَ حبُّ أهلكَ ما أتيتُ

стр. 505

هذا البيت لعمرو بن قنعاس، ويروى لهانئ المرادي، ويروى: لتأبط شراً، وهو ثابت بن جابر بن سفيان الفهمي. ووقع في "أخبار الصعاليك" وعجزه: أأمَّكَ إن رشدتُ وإنْ غويتُ الشاهد فيه قوله: "بالعلياء"، وهو اسم لا صفة، ولو كان صفة لصحت الواو، كما صحت في الخذواء والقنواء، ونحو ذلك. وقال الخليل رحمة الله: إنما قالوا: "العلياء"، لأنه لا ذكر لها، أرادوا: أن يفرقوا بين ما له ذكر، وما ذكر له. قال الفراء: ليس هذا بشيء، لأنه قد جاءت أشياء كثيرة على "فعلاء" ولا ذكر لها، منها: الحلواء واللأواء. والقول في العلياء عند الفراء: أنهم بنوها على "عليت"، ولم يبنوها على "علوت".

стр. 506

اللغة العلياء في البيت: موضع بعينه، والعلياء أيضاً: رأس الجبل، وقيل: العلياء: كل ما علا من الشيء. قال زهير: تبصَّرْ خليلي هل ترى من ظعائنٍ ... تحمَّلنَ بالعلياءِ منْ فوقِ جرثمِ وقال النابغة: يا دارِ ميَّةَ بالعلياءِ فالسَّندِ والعلياء أيضاً: من أسماء السماء، وليس بصفة. الإعراب قوله: "يا بيت بالعلياء بيت" الأول منادى مفرد مضموم. وبيت الثاني: مرفوع بالابتداء، وبالعلياء، وبالعلياء: في موضع خبره. وقدره سيبويه: لي بالعلياء بيت، ولم يجعل قوله: بالعلياء صفة للمنادى، ولو كان صفة لنصب "بيتاً" كما قال الآخر: لعلَّكَ يا تيسا نزى في مريرةٍ ... معذَّبُ ليلى أن تراني أزورها ومثله قول الطرماح: يا دارُ أقوتْ بعدَ أصرامها ... عاماً وما يغنيكَ منْ عامها

стр. 507

قال سيبويه: "إنما ترك التنوين، لأنه لم يجعل، أقوت من صفة الدار، ولكنه قال: يا دار، ثم أقبل بعد يحدث عن شانها، فكأنه لما قال يا دار: أقبل على إنسان، فقال: أقوت، وتغيرت، فكأنه لما ناداها، قال إنها قد أقوت يا فلان. وإنما أردت بهذا أن تعلم أن أقوت ليس بصفة، ومثل ذلك قول الحوص: يا دارُ حسَّرها البلى تحسيرا ... وسفتْ عليها الرَّيح بعدكَ كورا وأنشد أبو علي في الباب. (١٥٦) يكلُّ وفدُ الرَّيحِ منْ حيثُ انخرقْ هذا الرجز لرؤبة بن العجاج، وقبله: وقاتمِ الأعماقِ خاوي المخترقْ مشتبهِ الأعلامِ لمَّاعِ الخفقْ الشاهد فيه قوله: "يكل وفد الريح" استعار الكلال للريح. اللغة الكلال: الإعياء، ولذلك سمي مرفأ السفن: المكلاء، ومنه الكلاء، كلاء البصرة.

стр. 508

والمعنى أن هذا الموضع يدفع الريح عن السفن، فكأن الريح تكل فيه، عن عملها. يقال في تصريف فعله: كل يكل كلالاً: أعيا، وكل السيف كلا، وكلة، وكل الرجل كلولاً: إذا كان كلا، والكل: يكون للواحد والاثنين والجميع، وقد يجمع على كلولٍ. والوفد: جمع الوافد، وهو ما تقدم وسبق من الطير، ويجمع على وفود قال: فإنْ تمسِ مهجورَ الفناءِ فربَّما ... أقامَ بهِ بعدَ الوفودِ وفودُ وتصريف فعله: وفد يفد وفادة ووفداً. وانخرق: اتسع والقاتم: المسود، والقتام: الغبار. والأعماق: أطراف المفازة، ونواحي الأرض. والمخترق: حيث تنخرق الريح، والخريق: الريح الباردة. وانخرقت: اشتدت، والخرق والخرقاء: المفازة البعيدة. والأعلام: الجبال الطوال. وأنشد أبو علي في الباب. (١٥٧) وأربدُ فارسُ الهيجا إذا ما ... تقعَّرتِ المشاجرُ بالفئامِ هذا البيت لبيد بن ربيعة العامري.

стр. 509

الشاهد فيه قصر "الهجيا"، ويجوز في "الهجيا" أن تكون على لغة من مد، فكأنه قال: فارس الهيجاء إذا، فلما التقت الهمزتان، حذف الأولى تخفيفاً، على قراءة من قرأ: (على البغا إن أردن) . ولا يجوز أن يكون على تسهيل الأولى، لأن المسهلة في حكم المحققة، فكما أن تحقيق الهمزة هاهنا يكسر البيت، فكذلك التسهيل، وإنما هو على حذف الهمزة البتة. اللغة الهيجا والهيجاء: الحرب، ومعنى تقعرت: انقلبت، فانصرعت، وذلك في شدة القتال، وعند الانهزام، وكل ما تقعر وانقعر، فقد انجعف من أصله. والمشاجر: الهوادج، تقعرت: تساقطت من الخوف، والمشاجر: جمع مشجر، وهي أرض تنبت الشجر، استعارها لموضع الحرب: لكثرة الرماح. والفئام: وطاء الهودج، والجميع: فؤوم، والفئام أيضاً: الجماعة من الناس، وغيرهم قال النابغة الذبياني: وإنَّ القومَ نصرهمُ جميعاً ... فئامٌ مجلبونَ إلى فئامِ وفيه لغتان: الهمز وتركه. معنى البيت يرثي أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر، وكان أخا لبيد لأمه، وكان قد

стр. 510

وفد مع عامر بن الطفيل، على رسول الله ﷺ ، ليغتراه، فلما قدما عليه، جلس عامر بين يديه، وقام أربد من خلفه، ليشغله أحدهما حتى يضربه الآخر، فقال عامر لرسول الله ﷺ : أسلم على أن لي الوبر، ولك المدر. فقال له رسول الله ﷺ : "إن الوحي جاء بغير ما تريد"، فلما أطال الجلوس، وقام رسول الله ﷺ قال عامر لأربد: ما منعك أن تفعل ما أمرتك؟! قال: ما هممت به، إلا رأيتك بيني وبينه. فدعا عليهما رسول الله صلى الله وآله وسلم، فأما أربد فأخذته صاعقة، وأما عامر، فأخذته الغدة، فلجأ إلى بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول: "أغدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية". يقول في البيت إنه يمنع يوم الروع الظعائن، ويضارب دونهن، إذا استحثت الإبل للنحاء، فتسقط الهوادج بأوطيتها، لاشتغال الحداة بأنفسهم عنها، وقلة شدهم إياها، وقلة استمساك النساء بها. والشعر: ألاَ ذهبَ المحافظُ والمحامي ... ومانعُ ضيمها يومَ الخصامِ وأيقنتُ التَّفرُّقَ يومَ قالوا ... نقسَّمُ مالَ أربدَ بالسَّهامِ تطيرُ عدائدُ الشراكِ شفعاً ... ووتراً والزعامةُ للغلامِ فوَّدع بالسَّلامِ أبا حريزٍ ... وقلَّ وداعُ أربدَ بالسَّلامِ

стр. 511

وكنتَ أمامنا ولنا نظاماً ... وكان الجزع يحفظُ بالنَّظامِ وأربدُ فارسُ الهيجا إذا ما ... تقعَّرتِ المشاجرُ بالفئامِ وأنشد أبو علي في الباب. (١٥٨) إذا كانتِ الهيجاءُ وانشقَّتِ العصا ... فحسبكَ والضَّحَّاكُ سيفٌ مهنَّدُ الشاهد فيه مدُّ الهيجاء. اللغة الهيجاء: الحرب، ومعنى انشقت العصا: تفرق بين الحيين. والعصا: جماعة الإسلام، يقال: إذا خالف الرجل الإجماع "فقد شق العصا". قال جرير: ألاَ بكرتْ سلمى فجدَّ بكورها ... وشقَّ العصا بعدَ اجتماعٍ أميرها وأنشد الأصمعي:

стр. 512

وإذا رأيتَ المرءَ يشعبُ أمرهُ ... شعبَ العصا ويلجُّ في العصيانِ يقول: إذا رأيته يفارق الجماعة، ويفرق أمره، ويلج في الخطأ، فدعه. ومن ذلك قول ابن الأشيم، لأبي السليل: "إياك وقتيل العصا". معناه: إياك أن تكون قاتلاً أو مقتولاً، في شق عصا المسلمين، ومن ذلك قول ذي الرمة: بتفريقِ طيَّاتٍ يباشرنَ قلبهُ ... وشقَّ العصا من عاجلِ البينِ قادحُ والعصا: أنثى، قال الله تعالى: (هي عصاي أتوكأ عليها) . والجميع: أعصٍ وأعصاءٌ وعصيٌّ، وعصيٌّ. وأنكر سيبويه أعصاء، قال: جعلوا "أعصيا" بدلاً منه. وعصاه عصا: أخذه أخذ العصا، وضرب به ضربه بها، قال جرير: تصفُ السُّيوفَ وغيركمُ يعصي بها ... يا بنَ القيونِ وذاكَ فعلُ الصَّيقلِ

стр. 513

وقالوا عصوته بالعصا، وعصيته بالسيف والعصا، وعصيت بهما عليه عصاً. ويقال: "ألقى المسافر عصاه"، إذا بلغ موضعه وأقام به، لأنه إذا بلغ ذلك ألقى عصاه، فخيم أو أقام، ويضرب مثلاً لكل من وافقه شيء فأقام عليه، قال معقر بن حمار: فألقيتْ عصاها واستقرَّتْ بها النَّوى ... كما قرَّ عيناً بالإيابِ المسافرُ وقال آخر: فألقيتْ عصا التَّسيارِ عنها وخَّيمت ... بأرجاءِ عذبِ الماءِ بيضٍ محافرهُ وقال زهير: فلمَّا وردنَ الماءَ زرقاً جمامهُ ... وضعنَ عصيَّ الحاضرِ المتخيَّمِ والعصا: اسم فرس عوف بن الأحوص، وقيل: فرس قصير بن سعد

стр. 514

اللخمي، وقيل: كانت لجذيمة الأبرش، ولبني تغلب أيضاً، فرس يقال لها: العصا، فارسها الأخنس بن شهاب. ومن أمثالهم: "يا ضل ما تجري به العصا"، والضل: المضال، يقال: فلان ضل بن ضل، إذا كان متمكناً في الضلة. الإعراب قوله: إذا كانت: بمعنى الوقوع، والهيجاء: رفع بكانت. وقوله: فحسبك: بمعنى كافيك، وهو في موضع رفع بالابتداء. وسيف: فاعل يسد مسد الخبر. ويروى: والضحاك: بالرفع والنصب والخفض. فالرفع: معطوف على المضمر المرفوع، في "حسبك" على تقدير: أنت والضحاك. والنصب: معطوف على الكاف. والخفض: جائز، وفيه قبح، وقبحه أنك لا تعطف ظاهراً على مضمر مجرور، فلو وقع في موضع الكاف اسم ظاهر، كقولك: حسب زيد وأخيه درهمان، قبح الرفع والنصب فاعلم.

стр. 515

وأنشد أبو علي في الباب. (١٥٩) باتوا يعشون القطيعاء جارهم ... وعندهم البرني في جلل دسم أنشده أبو زيد في نوادره استشهد أبو علي في صدره. و الشاهد فيه قوله القطيعاء ممدود، وهو يجوز أن يكون تصغير قطعاء، كما تقول: حمراء وحميراء. اللغة والقطيعاء: ضرب من التمر رديء يقال له: الشهريز، ويقال: الشهريز. بضم الشين عن الأصمعي، ويقال: السهريز بالسين غير معجمة.

стр. 516

ويقال: عشاه وعشّاه، مخففاً ومثقلاً، وأعشاه بالألف، إذا أطعمه العشاء. ومن قال عشاه مخففاً: قال في المضارع: يغشوه عشواً وعشياً، إذا أطعمه العشاء، الأخيرة نادرة، وأنشد: قصرنا عليهِ بالمقيظِ لقاحنَا ... فعيَّلنهُ من بين عشيٍ وتقبيلِ وقال أبو ذؤيب في أعشاه: أعشيته من بعد ما راث عشية ... بسهم كسير التابرية لهوق وقال آخر في عشاه يعشيه: بات يعشيها بعضب باتر والعشي: ما يتعشى به، وأصله الواو. وقال كثير يصف سحاباً: خفيٌّ تعشَّى في البحارِ ودونه ... من اللجِّ خضرٌ مظلماتٌ وسدَّفُ أراد أن السحاب تعشى من ماء البحر، جعله كالعشاء له، وقال أحيحة بن الجلاح، يصف النخل:

стр. 517

تعشَّى أسافلها بالجبو ... بِ وتأتي حلوبتها منْ علُ يعني أنها تشرب الماء من أسفل، ويأتي حملها من فوقها، ووضع الحلوبة موضع المحلوب. والبرني: ضرب من التمر طيب. والجلل: جمع جلة، وهو وعاء من خوص. ودسم: جمع دسماء، كالحمراء وحمر، وهي المشدودة بالدسام يقال: دسمت القارورة، وغيرها آدسمها دسماً: شددتها. معنى البيت يقول: يخصون أنفسهم بأجود الأقوات، وأضيفهم بأدنى ما معهم. وبعد لبيت ما يدل عليه. فم أطعمونا الأوتكى منْ سماحةٍ ... ولا منعونا البرَّ إلاّ منَ اللُّؤمِ ويروى: ولا منعوا البرنيَّ إلاّ منَ اللؤمِ ويروى: وعندهمُ البرنيُّ في جللٍ ثجلِ ولا منعونا البرَّ إلاَّ منَ البخلِ

стр. 518

وأنشد أبو علي في الباب. (١٦٠) أفينا تسوم الساهرية بعدما ... بدالك من شهر المليساء كوكب الشاهد فيه قوله: المليساء، وهو فعيلاء يجوز أن يكون تصغير فعلاء اللغة المليساء: الشهر الذي تنقطع فيه الميرة، والمليساء: نصف النهار. ووقع في البارع مليساء المتن، حيث استوى. قال أبو حنيفة: شهر المليساء: بين الصفرية والشتاء. والصفرية: تولى الحر، وإقبال لشتاء، عن ابن زياد. والساهرية: الطيب. معنى البيت يقول: أتعرض علينا في وقت لا ميرة فيه بيع الطيب؟ !. فأنكر عليه أن يكون في مثل ذلك الزمان، يعرض عليهم العطر، وليس بزمان تعطر. وهذا البيت، أنشده أبو حنيفة في كتاب "النبات" وأنشد بعده:

стр. 519

فإنْ كنتَ قيناً فاعترفْ بنسيئةٍ ... وإن تكُ عطَّاراً فأنتَ المخيبُ وأنشد أبو علي في الباب. (١٦١) وكأنَّ برقعَ والملائكُ حولها ... سدرٌ تواكلهُ القوائمُ أجردُ هذا البيت لأمية بن أبي الصلت. الشاهد فيه "أجرد" وصف السدر، وهو بحر، بالجرد، وهو: الآملاس، لأنه قد يكون كذلك، ما لم يتموج، ويقال: أرض جرداء، إذا لم تنبت، ورجل أجرد: لا شع عليه. اللغة برقع: من أسماء السماء، ومن أسمائها: الجرباء، قيل لها ذلك، من أجل كواكبها، تشبيهاً بما يثور من جلد الجرباء، ومن أسمائها، الخلقاء، سميت بذلك، لملوستها عند فقد الكواكب منها بضوء النهار، فهي بالليل جرباء شبيهاً بما ذكرنا لنجومها، وبالنهار خلقاء.

стр. 520

ومن أسمائها أيضاً: الخضراء، للونها، كما يقال للأرض: الغبراء، للونها ومن أسمائها: الرقيع والأرقع، سميت بذلك، لأنها مرقوعة بالنجوم، ويقال: كل واحدة من السماوات رقيع للأخرى. والجمع: أرقعة، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ ، قال لسعد بن معاذ: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة". على التذكير، ذهب إلى معنى السقف. والسماء تذكر وتؤنث، قال الله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) فأنث وقال: (السماء منفطر به) ، فذكر، وقيل: هذا محمول على النسب، والمراد به: ذات انفطار. والتأنيث هو المشهور والأغلب عليها. قال الزجاج: فمن ذكر، قال في جمعها: أسمية، مثل: غطاء وأغطية، ووطاء وأوطية. ومن أنثها، قال في جمعها: سمي، لأن "فعالاً" من المؤنث يجمع على: "فعول وأفعل"، قالوا: عناق وأعنق وعنوق. وقد تلحق الهاء في السماء مع المدة، يقال: سماءة. وسدر: البحر ولم يسمع به إلا في قول أمية.

стр. 521

وتواكل القوم مواكلة: اتكل بعضهم على بعض. ورجل وكلة وتكلة: عاجز كثير الاتكال على غيره. وقوائم الدابة: أربعها، وقد يستعار ذلك للإنسان. واحدها: قائمة، وقال أراد بالقوائم: الملائكة. المعنى شبه السماء بالبحر في حال سكونه، لا في حال اضطرابه، وذهب بالسماء مذهب السيف، فقال حوله، ويروى "حولها" على تأنيث السماء، وروى ثعلب هذا البيت: وكأنَّ برقعَ والملائكُ تحتها ... سدرٌ تواكلهُ قوائمُ أربعُ وفسره فقال: سدر: رجل يدور، وقوائم أربع: هم الملائكة، لا يدري كيف خلقهم، وشبه الملائكة في خوفها الله تعالى بهذا الرجل السدر. فعلى هذا شبه السماء بإنسان سادر، لفلكه الدائر، فإنه من دورانه يسدر، ويتحير، وإنما اشترط قوائم أربعاً، لأنها أكثر تداولاً من اثنتين، وإنما قال: "تحتها"، ولم يقل فوقها، إشعاراً بخضوعهم، وخشوعهم لله تعالى وكان أمية قد تسمع الأخبار، وتتبع الآثار، وباحث الرهبان والأحبار، حتى علم من الأمور الشرعية كثيراً مما كانت تجهله العرب في الجاهلية، وكان ممن سمع أن نبياً يبعثه الله، ينسخ به الملل، ويختم به الرسل، وقد آن زمانه. فلما بعث الله تعالى خير الرسل، ونخبة العرب والعجم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حسده فجحده، وفيه أنزل الله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) الآية.

стр. 522

وسئل عنه رسول الله ﷺ ، فقال: "ذلك رجل آمن بلسانه، وكفر بقلبه" ولأمية أخبار كثيرة. الإعراب يروى: "الملائك" بالرفع والنصب. فالرفع: على الابتداء، والخبر: "حولها" والجملة اعتراض بيت اسم "كأن" وخبرها. وسدر: خبر "كأن". والنصب: عطف على "برقع". شبه السماء والملائكة بالبحر. الملاك والملائكة: لغتان. والتاء في الملائكة، على حد القشاعمة والصياقلة، لتأنيث الجمع وقد تقدم القول، في اشتقاق "ملك" ووزنه، بما أغنى عن إعادته. ويروى: "تواكله القوائم" بنصب اللام على المضي، وتواكله بض اللام على الاستقبال. وهذه الجملة في موضع الصفة "لسدر" على حد قوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) .

стр. 523

وأنشد أبو علي في الباب. (١٦٢) ودوية مثل السماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد هذا البيت لذي الرمة. الشاهد فيه قوله: "ودوية مثل السماء"، يريد: أن هذه الدوية ملساء مستوية كالسماء، وفيه إشارة إلى تسميتهم السماء بالجرداء لآملاسها، والجرباء: لأجل كوكبها، وقد يوصف الشيء في حالتين، بصفتين مختلفتين. اللغة الدو والدوية: القفر، قيل لها ذلك، لأنها يسع فيها دوي، والذي يسمع فيها دوي الريح، وتقصف الرمال. ومعنى اعتسفتها: ركبتها على غير هداية، يقال: اعتسفت الأمر: ركبته من غير تدبير، يقال: عسفه يعسفه عسفاً، وتعسفه وآعتسفه، وأنشد ابن الأعرابي: وعسفت معاطنا لم تدثر وقال ذو الرمة: وردتُ اعتسافاً والثريَّا كأنَّها ... على قمَّةِ الرأسِ ابنُ ماءٍ محلِّقُ

стр. 524

وعسف فلان فلاناً: ظلمه، وعسف السلطان الرعيةن يعسف، واعتسف وتعسف: ظلم. المعنى يقول: قطع هذه الفلاة على غير هداية صبراً وتجلداً، وجعلها كالسماء في اتساعها وجردها، لأنها أرض جرداء جدبة، ومعنى: "صبغ الليل الحصى بسواد" ألبسه ظلمته، فصار له كالصبغ، وهذا بديع في الاستعارة. ومن هذه القصيدة: كأنَّ ديارَ الحيِّ بالرُّزق خلقةٌ ... من الأرضِ أم مكتوبةٌ بمدادِ إذا قلتُ تعفو لاحَ منها مهيجٌ ... علىَّ الهوى من طارفٍ وتلادِ وما أنا من دارٍ لميٍّ عرفتها ... بجلدِ ولا عيني بها بجمادِ أصابتكَ ميٌّ بعدَ جرعاءِ مالكٍ ... بوالجةٍ من غلَّةٍ وكبادِ إذا قلتُ بعدَ الشَّحطِ يا ميُّ نلتقي ... عدتني بكرهٍ أنْ رآكِ عوادِ وأنشد أبو علي في الباب. (١٦٣) ودوٍّ ككفِّ المشتري غيرَ أنَّهُ ... بساطٌ لأخماسِ المراسيلِ واسعُ هذا البيت لذي الرمة. الشاهد فيه قوله: "ودو ككف المشتري"، أراد: أنه خال لا شيء فيه، وهو المستوي

стр. 525

من الأرض، وخص كف المشتري، لأنها من النقد كالفقر الذي لا نبات به، ولا خمر، يعني إذا بسط كفه، فصفق براحته على راحة البائع، إذا اشترى منه علقاً. اللغة البساط: الأرض الواسعة البعيدة، بسر الباء وفتحها. وواسع: نفيض ضيق، يقال: وسعه يسعه ويسعه سعة، ويسع على مثال يفعل قليلة بكسر العين، وإنما فتحها حرف الحلق، ولو كانت "يفعل" لثبتت الواو، وصحت كما صحت في "يوجل" ويوحل. ويقال: شيء وسيع وأسيع: بمعنى واسع، ويقال: اتسع كوسع يتسع. وسمع الكسائي: الطريق ياتسع، أراد: يوتسع، فأبدلوا الواو ألفاً طلباً للخفة، كما قالوا: يا جل، واستوسع الشيء: وجده واسعاً، و: جعل بين السماء والأرض سعة. والسعة: الغنى، يقال: وسع عليه يسع سعة، ووسع كلاهما: رفة. وقوله: لأخماس أي: لسير الأخماس، وهو جمع خمس، والخمس ورد الماء في ليوم الخامس، وقيل: ورد الماء في اليوم الرابع. وهو قول أبي العباس الأحول، اعتد بأول الظمء. واعتد الأول بأول الري. يقال: ناقة رسلة، سلسة المشي، وناقة مرسال: كثيرة شعر الساقين.

стр. 526

وقبل البيت: فلمَّا تلاحقنا ولا مثلَ ما بنا ... منَ الوجدِ لا تنفضُّ منهُ الأضالعُ تخلَّلنَ أبوابَ الخدورِ بأعينٍ ... غرابيبَ والألوانُ بيضٌ نواصعُ وخالسنَ تباسماً إلينا كأنَّما ... تصيبُ به حبَّ القلوبِ القوارع ودوِّ ككفِّ المشتري غيرَ أنَّهُ ... بساطٌ لأخماسِ المراسيلِ واسعُ وأنشد أبو علي في الباب. (١٦٤) بل جوز تيهاء كظهر الحجفت هذا البيت لأبي النجم، الفضل بن قدامة العجلي، وعجل من بني بكر بن وائل. الشاهد فيه قوله: "كظهر الحجفت"، يريد: املاسها وأنها نبات فيها، ولا بنيان ولا جبل. اللغة جوز كل شيء: وسطه.

стр. 527

والتيهاء: القفر، وهذه لياء منقلبة عن واو، كأنها تتوه من سلكها، أي تحيره، يقال: تاه توهاً، وفلاة أتاويه، كأنها جمع توه أوتواه. والحجفة: الترس، وأقرها تاء في الوقف على الأصل. وسيأتي القول عليها في وضعه إن شاء الله. وأنشد أبو علي في الباب. (١٦٥) ظهراهما مثل ظهور الترسين هذا البيت لهميان بن قحافة. الشاهد فيه "ظهراهما مثل ظهور الترسين" يريد: الاستواء والانبساط. وأنهما لا نبات بهما ولا خمر.

стр. 528

اللغة المهمة: القفر. والقذف: البعيد. والمرت: الأرض التي لا تنبت، أو الأرض التي لا نبات فيها. والجمع: مروت وأمرات، وثناها إشعاراً لطولها واتساعها. الإعراب قوله: "مثل ظهور الترسين"، كل شيئين من شيئين، فتثنيتهما جمع، وهو الفصيح، قال الله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) وتقول: ضربت رؤوس الزيدين ويجوز، ضربت رأسي الزيدين، وعليه بيت الفرزدق: بما في فؤادينا من الهمِّ والأسى ... فيبرأَ منهاضُ الفؤادِ المشعَّفُ ومنه قول عتبى بنت مالك: ولم نلق رحلينا ببيداءَ بلقعٍ ... ولمْ جوزَ الليلِ حيثُ يميلُ وقول الهذلي: فتخالسا نفسيهما بنوافذٍ وقول الآخر:

стр. 529

إذا كادَ قلبانا بنا يردانِ ويجوز ضربت رأس الزيدين، قال الشاعر: كأنَّه وجهُ تركيَّينِ قدْ غضبا ... مستهدفٌ لطعانٍ غيرَ تذبيبِ ومثله قول عمرو بن معد يكرب: طعنتُ جوادَ ابني دريدٍ كليهما ... وما أخذتني بالختونةِ عزَّتي وأنشد أبو علي من الباب. (١٦٦) أتركتَ أسعدَ للرِّماحِ دريئةً ... هبلتك أمُّكَ أيَّ جردٍ ترقعُ هذا البيت، نسبه أبو عبيد البكري لتأبط شراً، وينسب لسعدي بن الشمردل ابن شريك اليربوعي، وقيل هو للحهنية، وهو الصحيح. أنشده أبو زيد في "نوادره" واستشهد أبو علي بعجزه.

стр. 530

الشاهد فيه قوله: "أي جرد" وهو الثوب الخلق. اللغة قال أبو علي الفارسي، وأبو عبيد البكري، في هذا البيت: الحرد، بالحاء، وقال: من نادر ما قيل في الحرد، إنه الثقب، قاله الشيباني: في باب الحاء، والمعروف في الثوب والخلق: جرد بالجيم. والدرئية: حلقة يتعلم عليها الطعن، بالهمز من درأت، إذا: دفعت، لأن الرمح إذا خرقها، درأ كل جانب منها، فنفذ بينهما، قال قطري: فلقدْ أراني للرَّماحِ دريئةً ... منْ عنْ يميني مرَّةً وأمامي وقال عمرو بن معديكرب: ظللتُ كأنِّي للرِّماح دريئةٌ ... أقاتلُ عنْ أحسابِ جرم وفرَّتِ والدرية غير مهموزة: بعير يجعله الرامي بينه وبين الصيد، يستتر به، حتى يمكنه فيرميه، وهو من دريت، إذا اختلت، ومنه داريت فلاناً، إذا: =لاينته. وهبلته أمه: ثكلته أي فقدته، وهو في معنى الدعاء عليه. ورجل مهبل، إذا قيل له: هبلتك أمك، والمهبل: موضع الولد من الرحم، والمهبل: الآست. والمهبل أيضاً: الكثير اللحم. وقوله: ترقع، يقال: رقع الأديم والثوب، يرقعه رقعاً، ورقعه: ألحم خرقه،
следующие страницы →