Полный текст (856 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقبل البيت:
فلمَّا تلاحقنا ولا مثلَ ما بنا ... منَ الوجدِ لا تنفضُّ منهُ الأضالعُ
تخلَّلنَ أبوابَ الخدورِ بأعينٍ ... غرابيبَ والألوانُ بيضٌ نواصعُ
وخالسنَ تباسماً إلينا كأنَّما ... تصيبُ به حبَّ القلوبِ القوارع
ودوِّ ككفِّ المشتري غيرَ أنَّهُ ... بساطٌ لأخماسِ المراسيلِ واسعُ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٦٤)
بل جوز تيهاء كظهر الحجفت
هذا البيت لأبي النجم، الفضل بن قدامة العجلي، وعجل من بني بكر بن وائل.
الشاهد فيه
قوله: "كظهر الحجفت"، يريد: املاسها وأنها نبات فيها، ولا بنيان ولا جبل.
اللغة
جوز كل شيء: وسطه.
стр. 527
والتيهاء: القفر، وهذه لياء منقلبة عن واو، كأنها تتوه من سلكها، أي تحيره، يقال: تاه توهاً، وفلاة أتاويه، كأنها جمع توه أوتواه.
والحجفة: الترس، وأقرها تاء في الوقف على الأصل. وسيأتي القول عليها في وضعه إن شاء الله.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٦٥)
ظهراهما مثل ظهور الترسين
هذا البيت لهميان بن قحافة.
الشاهد فيه
"ظهراهما مثل ظهور الترسين" يريد: الاستواء والانبساط. وأنهما لا نبات بهما ولا خمر.
стр. 528
اللغة
المهمة: القفر. والقذف: البعيد.
والمرت: الأرض التي لا تنبت، أو الأرض التي لا نبات فيها. والجمع: مروت وأمرات، وثناها إشعاراً لطولها واتساعها.
الإعراب
قوله: "مثل ظهور الترسين"، كل شيئين من شيئين، فتثنيتهما جمع، وهو الفصيح، قال الله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) وتقول: ضربت رؤوس الزيدين ويجوز، ضربت رأسي الزيدين، وعليه بيت الفرزدق:
بما في فؤادينا من الهمِّ والأسى ... فيبرأَ منهاضُ الفؤادِ المشعَّفُ
ومنه قول عتبى بنت مالك:
ولم نلق رحلينا ببيداءَ بلقعٍ ... ولمْ جوزَ الليلِ حيثُ يميلُ
وقول الهذلي:
فتخالسا نفسيهما بنوافذٍ
وقول الآخر:
стр. 529
إذا كادَ قلبانا بنا يردانِ
ويجوز ضربت رأس الزيدين، قال الشاعر:
كأنَّه وجهُ تركيَّينِ قدْ غضبا ... مستهدفٌ لطعانٍ غيرَ تذبيبِ
ومثله قول عمرو بن معد يكرب:
طعنتُ جوادَ ابني دريدٍ كليهما ... وما أخذتني بالختونةِ عزَّتي
وأنشد أبو علي من الباب.
(١٦٦)
أتركتَ أسعدَ للرِّماحِ دريئةً ... هبلتك أمُّكَ أيَّ جردٍ ترقعُ
هذا البيت، نسبه أبو عبيد البكري لتأبط شراً، وينسب لسعدي بن الشمردل ابن شريك اليربوعي، وقيل هو للحهنية، وهو الصحيح. أنشده أبو زيد في "نوادره" واستشهد أبو علي بعجزه.
стр. 530
الشاهد فيه
قوله: "أي جرد" وهو الثوب الخلق.
اللغة
قال أبو علي الفارسي، وأبو عبيد البكري، في هذا البيت: الحرد، بالحاء، وقال: من نادر ما قيل في الحرد، إنه الثقب، قاله الشيباني: في باب الحاء، والمعروف في الثوب والخلق: جرد بالجيم.
والدرئية: حلقة يتعلم عليها الطعن، بالهمز من درأت، إذا: دفعت، لأن الرمح إذا خرقها، درأ كل جانب منها، فنفذ بينهما، قال قطري:
فلقدْ أراني للرَّماحِ دريئةً ... منْ عنْ يميني مرَّةً وأمامي
وقال عمرو بن معديكرب:
ظللتُ كأنِّي للرِّماح دريئةٌ ... أقاتلُ عنْ أحسابِ جرم وفرَّتِ
والدرية غير مهموزة: بعير يجعله الرامي بينه وبين الصيد، يستتر به، حتى يمكنه فيرميه، وهو من دريت، إذا اختلت، ومنه داريت فلاناً، إذا: =لاينته.
وهبلته أمه: ثكلته أي فقدته، وهو في معنى الدعاء عليه. ورجل مهبل، إذا قيل له: هبلتك أمك، والمهبل: موضع الولد من الرحم، والمهبل: الآست. والمهبل أيضاً: الكثير اللحم.
وقوله: ترقع، يقال: رقع الأديم والثوب، يرقعه رقعاً، ورقعه: ألحم خرقه،
стр. 531
وكل ما سددت من خلة، فقد رقعته ورقعته، قال ابن أبي ربيعة:
وكن إذا أبصرنني أو أسمعني ... خرجن فرقعن الكوى بالمحاجر
والعرب تقول: خطيب مصقع، أي يذهب في كل صقع من الكلام. وشارع مرقع، أي: يصل الكلام فيرقع بعضه ببعض. والرقعة: ما رقع به وجمعها: رقع ورقاع. والرقيع اسم السماء، وقد تقدم.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٦٧)
ذريني وعلمي بالبلاد وشيمتي ... فما طائري فيها عليك بأخيلا
هذا البيت لحسان بن ثابت، استشهد أبو علي بعجزه.
الشاهد فيه
قوله: "بأخيل"، وهو "أفعل" نكرة، وليس له "فعلاء" ولم يصرفه، تشبيهاً "بأفعل" الذب له "فعلاء" نحو: أحمر.
اللغة
الأخيل: طائر أخضر، ويقال: هو الشقراق بكسر الشين، وجمعه: الأخايل.
والعرب تتشاءم به.
стр. 532
وحكى أبو عبد الله حمزة بن حسن الأصبهاني، في "أمثاله" قال: "أشأم من الأخيل"، وهو الشقراق، وذلك أنه لا يقع على ظهر بعير دبر، إلا زل ظهره، وقال الفرزدق يخاطب ناقته:
إذا قطنا بلغتنيه ابن مدرك ... فلقيت من طير العراقيب أخيلا
ذنابى حسام أو جناحي مقطع ... ظهور المطايا يترك الصلب أخزلا
ويروى:
من طير الأشائم أخيلا
ويقال: أشأم من طير العراقيب، وهو طير الشؤم عند العرب، وكل طائر يتطير به للإبل، فهو عرقوب، لأنه يعرقبها.
وحكى الهمداني: أن الأخيل هو ابن حيدان الحميري. كان من أشراف حمير، ووجوهها، وفيه جرى المثل: "أشأم من الأخيل".
وقيل: الأخيل، هو معاوية بن عبادة بن قيس بن عيلان، وإليه تنسب ليلى الأخيلية.
стр. 533
وقيل: هي ليلى بنت عبد الله الرحال بن شداد بن كعب بن معاوية وهو الأخيل، وإليه تنسب.
المعنى
يقول: اتركيني وطبيعتي، وعلمي بالبلاد، ما أنا كالأخيل الذي أتشاءم به. والصواب كسرها، لأنه يخاطب المرأة، ودل على ذلك صدر البيت.
وأنشد أبو علي في باب ما أنث من الأسماء بالتاء، التي تبدل منها في الوقف الهاء في أكثر من اللغات.
(١٦٨)
بل جوز تيهاء كظهر الحجفت
لأبي النجم، وقد تقدم.
الشاهد فيه
وقوفه على التاء، مراعاة للأصل، لأن الهاء الموقوف عليها تاء في الأصل. ألا تراهم لم يؤنثوا بالهاء شيئاً. والوقف من مواضيع التغيير، والوصل تجري فيه الأشياء على أصولها.
ألا ترى أن من قال: هذا بكر، ومررت ببكر، فنقل الضمة والكسرة إلى الكاف
стр. 534
في الوقف، فإنه إذا وصل أجرى الأمر على حقيقته، فكان وجه الكلام، أن يقول: "الحجفة"، مثل فاطمة وضاربه، ولكنه أجرى الوقف مجرى الوصل، أنشد قطرب:
الله نجاك بكفي مسلمت
من بعدما وبعدما وبعدمت
صارت نفوس القوم عند الغلصمت
وكادت الحرة تدعى بالأمت
وحكى عنهم: هذا طلحت والسلام عليك والرحمت.
وقد قلبوا هذا الأمر فأجروا الوصل مجرى الوقف، من ذلك ما حكى سيبويه، من قولهم في العدد ثلاثة ربعه، وقالوا في الوصل: سبسبا وكلكلا، ومن أبيات الكتاب:
ضخم يحب الخلق الأضخما
ولما رأينا علم التأنيث في الوصل تاء نحو: قائمتان وقائمتكم، وفي الوقف هاء
стр. 535
نحو: قائمه وضاربه، لنا أن الهاء في الوقف بدل من التاء في الوصل، وأما قول الشاعر:
العاطفونة حين ما من عاطف ... والمسبغون يداً إذا ما أنعموا
ففيه قولان: أحدهما: أنه أراد: أن يجريه في الوصل على حد ما يكون عليه في الوقف، وذلك أنه يقال في الوقف: هؤلاء مسلمونه وضاربونه، فيلحق الهاء لبيان حركة النون، كما أنشدوا:
أهكذا يا طيبَ تفعلونهْ ... أعللاً ونحنُ منهلونهْ
فصار القدير: العاطفونه، ثم إنه شبه هاء الوقف بهاء التأنيث، فلما احتاج لإقامة الوزن إلى حركة الهاء قبلها تاء، كما تقول في الوقف: هذا طلحه، فإذا وصلت، صارت الهاء تاء، فقلت: هذا طلحتنا.
فعلى هذا قالوا: العاطفونة، ويؤنس بهذا القول، وما أنشدوه من قوله:
منْ بعدما وبعدما وبعدمتْ
أراد: بعدما، فأبدل الألف في التقدير هاء، فقال: مه، كما قال الآخر:
قد أوردتْ منْ أمكنهْ
стр. 536
من ها هنا ومنْ هنهْ
إنْ لمْ أروِّها فمهْ
يريد: ومن هنا، فأبدل الألف في الوقف هاء، وقال: من هنه، فأما قوله "فمه" فالهاء فيه يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد، فما أي 'ن لم أرو هذه الإبل، من ها هنا ومن هنا فما أصنع. منكراً على نفسه ألا يرويها. فحذف الفعل الناصب "لما" التي للاستفهام.
والوجه الثاني: "إن لم أروها فمه" أي: فكف عني، فصار التقدير على هذا: من بعدما وبعدمه، ثم إنه أبدل الهاء تاء في الوقف، لموافقة بقية القوافي لتي تليها ولا تختلف، وشجعه على ذلك شبه الهاء المقدرة في قوله: وبعدمه بهاء التأنيث في طلحه وحمزه، ولما كانوا يقولون في بعض المواضع: هذه طلحت وهذه حمزت قال هو أيضاً: "وبعدمت" فأبدل الهاء المبدلة من الألف تشبيهاً لفظياً، كما قال:
يحدو ثمانيَ مولعاً بلقاحها ... حتَّى هممنَ بزيغةِ الإرتاجِ
فلم يصرف "ثمانياً" تشبيهاً بجواري لفظاً.
قال سيبويه: "وليس شيء يضطرون إليه، وإلا هم يحاولون به وجهاً" وإذا جاز أن تشبه هاء "من بعدمه" بتاء التأنيث، حتى يقال فيها: "وبعدمت" جاز أن تشبه
стр. 537
هاء "العاطفونه" التي هي لبيان حركة النون، بهاء التأنيث، وفتحت التاء، كما فتحت في آخر ربت وثمت وكيت وذيت.
وقال قوم: إنما هي "العاطفون" مثل: القائمون والقاعدون، ثم إنه زاد التاء كما قال الأخر:
نوِّلي قبلَ نأيِ دارٍ، جمانا ... وصليهِ كما زعمتِ تلانا
أراد: الأن، وهذا الوجه أشد انكشافاً من الأول.
وقال أبو زيد: "سمعت من يقول: حسبك تلان، فيزيد التاء" قال:
إذا اغتزلتْ منْ بقامِ الفريرِ ... فيا حسنَ شملتها شملتا
فيه: أنه شبه هاء التأنيث في "شملة" بالتاء الأصلية، نحو بيت وصوت، فألحق في الوقف ألفاً، كما تقول: رأيت بيتاً، "فشملتا" على هذا منصوبة على التمييز كما تقول: يا حسن وجهك وجهاً، أي: من وجه.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٦٩)
لقدْ ولدَ الأخيطلَ أمُّ سوءٍ ... على بابِ استها صلبٌ وشامُ
стр. 538
هذا البيت لجرير، يهجو الأخطل.
استشهد أبو علي بصدره، على حذف علامة التأنيث، من قوله "ولد" ووجه الكلام "ولدت" لكنه على الضرورة، وإنما يحسن مثل هذا فيما لا يعقل، لأن تأنيثه غير حقيقي، وقد تقدم هذا البيت، وصلته، والكلام عليه بما أغنى عن إعادته.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٧٠)
قرنبى يحكُّ قفا مقرفٍ ... لئيمٍ مآثرهُ قعددِ
هذا البيت للفرزدق، يهجو عيطة بن الخطفى، والد جرير.
الشاهد فيه ، قوله
"لئيم مآثره"، ولم بقل "لئيمة"، حذف علامة التأنيث من اسم الفاعل، كما تحذف من الفعل في قولهم، قال النساء، (وجاءهم البينات) ، وشبهه، ولو جاء في الكلام "لئيمة" لكان جيداً، وأما إذا تقدم المؤنث فيقبح تذكير فعله في الكلام، لا يحسن: الريح هب، ولا الشمال سكن، إلا في ضرورة الشعر، كما قال:
ولا أرض أبقل إبقالها
حمل الأرض على المكان، وله نظائر قد ذكرناها قبل.
اللغة
المقرف: من كان أبوه غير كريم، وكانت أمه كريمة، واللئيم: الذي جمع الشح ومهانة النفس، ودناءة الآباء. والمآثر: واحدها مأثرة، وهي المكرمة، يأثرها
стр. 539
قوم عن قوم. والقعد والقعدد: الجبان القاعد عن الحرب والمكارم. والقعدد: الخامل. والقعدد والقعدد: هو أقرب القرابة إلى الميت.
وقال سيبويه: قعدد: ملحق بجعشم، ولذلك ظهر في المثلان.
وقال اللحياني: رجل ذو قعدد، إذا كان قريباً من القبيلة، يقال: هو أقعدهم، أي أقربهم إلى الجد الأكبر. وأطرفهم وأفسلهم، أي: أبعدهم من الجد الأكبر.
والقرنبى: الجعل، وقيل: دويبة تشبهه، وقيل: هو خنفس أرقط، طويل القوائم، وجمعه: جعلان، وماء جعل، فيه الجعلان، ومجعل أيضاً، وأرض مجعلة: كثيرة العجلان، ورجل جعل: أسود دميم، مشبه بالجعل، وقيل: هو اللجوج، لأن الجعل يوصف باللجاجة، يقال: رجل جعل. وجعل الإنسان: رقيبه، وفي المثل: "سدك بامرئ جعله".
يضرب للرجل يريد الخلا، لطلب حاجة، فيلزمه أخر يمنعه، من ذكرها أو عملها. وقال أبو زيد: إنما يضرب هذا مثلاً للنذل يصحب مثله، قال:
إذا أتيتُ سليمى شبَّ لي جعلٌ ... إن الشقيَّ الَّذي يصلي بهِ الجعلُ
وكل ذلك على التمثيل بالجعل.
стр. 540
المعنى
قوله: يحك قفا مقرف، أراد بالمقرف: نفسه، لأنه إذا حك قفاه فقد حك قفا مقرف، ومثل للأعشى، يمدح سلامة ذا فائش الحميري:
يا خيرَ من يركبُ المطيَّ ولا ... يشربُ كأساً بكفِّ منْ بخلا
لأنه إنما شرب بكفه، وهو غير بخيل، فلم يشرب بكف من بخل. وهذا البيت قصيدة أولها:
غشيت المنازل من مهدد ... كوحي الزبور بذي الغرقد
وفي هذا الشعر:
ألمْ ترَ أنَّا بني دارمٍ ... زرارةُ منَّا أبو معبدِ
ومنَّا الَّذي منعَ الوائدا ... تِ وأحيى الوئيدَ لمْ يوءدِ
ألسنا بأصحابِ يوم النسا ... رِ وأصحابِ ألويةِ المربدِ
стр. 541
ألسنا الَّذين تميمٌ بهمْ ... تسامى وتفخرُ في المشهدِ
وناجيةُ الخيرِ والأقرعانِ ... وقبرٌ بكاظمة الموردِ
إذا ما أتى قبرهُ عائدٌ ... أناخَ على القبرِ بالأسعدِ
أتطلبُ مجدَ بني دارمٍ ... عطيةُ كالجعلِ الأسودِ
ومجدُ بني دارمٍ دونهُ ... مكانُ السِّماكينِ والفرقدِ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٧١)
فلاقى ابن أثنى يبتغي مثل ما ابتغى ... من القوم مسقي السمام حدائده
هذا البيت لمضرس الأسدي.
الشاهد فيه
"مسقي السمام"، حذف الهاء من "مسقية"، كما تقدم في البيت الذي قبله، ولأن الحدائد تأنيثها غير حقيقي.
اللغة
السمام: جمع سم، مثل كلب وكلاب.
والحدائد: جمع حديدة، أراد بها نصال سهامه.
المعنى
وصف لصاً لاقى لصاً مثله، يريد كل واحد منهما ما يريد الأخر، وقوله "ابن
стр. 542
أثنى"فيه معنى التعظيم له، والتفخيم لأمره، كما يقال: ابن الرجل، والمراد بالحدائد: ما يدفع به عدوه.
وبمسقي السمام: أن الكليم بها غير سليم.
الإعراب
يروى: مسقي السمام، رفعاً ونصباً.
فمن رفعه جعله فاعلاً، ومن نصب جعله نعتاً "لابن أنثى" أو بدلاً منه.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٧٢)
وكنَّا ورثناهُ على عهدِ تُبَّعٍ ... طويلاً سواريهِ شديداً دعائمهْ
هذا البيت للفرزدق.
الشاهد فيه
حذف الهاء من "طويلة وشديدة" والقول فيه كالقول في الذي قبله.
اللغة
العهد: الزمان. والعهد: الالتفاء. والعهد: العرفان. يقال: عهد الشيء عهداً: عرفه، ويقال: عهدي في مكان كذا، وفي حال كذا. والعهد: المنزل المعهود به الشيء، سمي بالمصدر، قال ذو الرمة:
هلْ تعرفُ العهدَ المحيلَ ارسمهْ
стр. 543
والعهد: أول المطر الموسمي.
والعهد والعهدة والعهدة: مطر يدرك آخر بل أوله، وقيل: هو كل مطر بعد مطر، وقيل: هي المطرة تكون أولاً لما يأتي بعدها، وجمعها: عهاد، وعهود، قال:
أراقتْ نجومُ الصَّيفِ فيها سجالها ... عهاداً لنجمِ المربعِ المتقدِّمِ
والعهد: الوصية، قال الله تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم) يعني الوصية والأمر، والعهد: التقدم إلى المرء في الشيء. والعهد: الذي يكتب للولاة، وهو مشتق منه، والجمع: عهود إليه عهداً، والعهد الموثق، والجمع كالجمع.
والعهد: الحفاظ ورعاية الخدمة. وفي الحديث: "حسن العهد من الإيمان".
والعهد: الأمان قال الله في كتابه العزيز: (لا ينال عهدي الظالمين) .
وفيه: (فأتموا إليهم عهدهم) .
وعاهد الذمي: أعطاه عهداً، فإذا أسلم سقط ذلك الاسم.
المعنى
وصف مجده بالقدم، والثبات على مرور الدهر، واستعار له سواري ودعائم، وجعله كالبناء المحكم.
стр. 544
وتبع: ملك العرب في أول الزمان، وسمع أن تبعاً عمل الدروع، وقيل: أمر بعملها، ولم يصنع بيده، لأنه كان أعظم شأناً من أن يصنع بيده.
والتبع والتبُّع جميعاً: الظل، لأنه يتبع الشمس، قالت الجهينية:
يردُ المياهَ حضيرةً ونفيضةً ... وردَ القطاةِ إذا اسمألَّ التبعُ
وفلان تبع نساء، إذا جد في طلبهن، حكاها "كراع" في "المنجد". وقد ذكرت ما في هذا البيت فيما تقدم.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٧٣)
عهدي بها في الحيِّ قدْ سربلتْ ... بيضاءَ مثلَ المهرةِ الضامرِ
هذا البيت للأعشى، ميمون بن قيس.
الشاهد فيه
قوله: "المهرة الضامر"، ولم يقل الضامرة، لأنه جاء على النسب، أي ذات ضمور.
وليس عند البصريين فاعل بمعنى مفعول.
والكوفيون يرون ذلك، ويقولون: فاعل بمعنى مفعول كثير، كقوله تعالى:
стр. 545
(من ماء دافق) ، يعني مدفوق، و (لا عاصم اليوم من أمر الله) أي: لا معصوم.
والبصريون، يقدرون: ذو دفق، وذو عصمة.
وأما قولهم: طالق وطامث. فالبصريون يحملونه على النسب كالأول والكوفيون يقولون: ترك تأنيثه، إذ لا مشاركة للمذكر فيه.
وقولهم: ناقة ضامر، وجمل ضامر، وناقة بازل وجمل بازل، وكثير من شبهه، يكسر عليهم قولهم.
اللغة
سربلت: كسيت، والسربال: القميص والدرع وكل ما لبس فهو سربال.
والبياض معروف، وفعله: أبيض وابياض، ويقال: باضني فبضته، أي: كنت أشد منه بياضاً، وأباضت المرأة: ولدت اليبض، والأبيضان: اللبن والماء قال:
ولكنما يمضي لي الحول كاملاً ... ومالي إلا الأبيضين شراب
والضمر: الهزال، ولحاق البطن، والضامر البطن: اللاحق الجسم.
الإعراب
"عهدي" مرتفع بالابتداء، "وقد سربلت" جملة في موضع الحال من
стр. 546
الضمير المجرور، وهذه الحال سادة مسد الخبز، أي: عهدي بها مسربلة على حد قولك: أكلك التفاحة نضيجة، ومثله قول الآخر:
عهدي بها الحيَّ الجميعَ وفيهمُ ... قبلُ التفرُّقِ ميسرٌ وندامُ
فعهدي: مرتفع بالابتداء "وفيهم قبل التفرق ميسر وندام"جملة في موضع الحال، سادة مسد الخبز.
ولا تكون الحال في المبتدأ، إلا إذا كان المبتدأ مصدراً، أو اسماً مضافاً إلى المصدر.
"فعهدي": مصدر مضاف إلى الفاعل، وهو ضمير المتكلم.
وإنما جاز أن تنوب الحال مناب خبر المبتدأ، لأن المصدر ينوب عن الفعل والفاعل، فإذا قلت: جلوسك متكئاً، فقد ناب جلوسك، عن قولك: جلست، وكذلك "عهدي" عن عهدت، ولا يجوز رفع "متكئ" مع قولك جلوسك، لأن الخبز إنما يرتفع، إذا كان هو الأول، كقولك: جلوسك حسن، ألا ترى أن الجلوس ليس بالمتكئ، والجلوس هو الحسن.
وانتصب "بيضاء": على الحال من الضمير في "سربلت"، ويحتمل أن تكونا حالين من الضمير والمجرور، تقديره: مسربلة بيضاء، وهما خبر بعد خبر.
ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون "قد سربلت" في موضع الحال، كما تقدم، والعامل فيه "عهدي" نفسه، غير أن خبره محذوف.
ووجه ثالث: أن يكون العامل فيه، "عهدي" أيضاً، غير أنه لا يقدر له خبر، لاستغناء الكلام به، ومشابهة المصدر بعمله الفعل، كما لا يخبر عن الفعل نفسه،
стр. 547
فكذلك لا يخبر عما ضارعه، وفي هذا الجواب الثالث شدة، عليك أن تسأل عنه فيقال: إذا كان مبتدأ اقتضى الخبر.
والجواب أن يقال، إنهم قالوا: أقائم أخواك؟ فابتدؤه ولم يخبروا عنه.
فإن قلت: إن الفاعل سد مسد الخبر، فناب مرفوع عن مرفوع، وقد سربلت، ليس مرفوعاً، فينوب عن الخبر.
قلنا: لم ينب "أخواك" في قولك: "أقائم أخواك" عن خبر المبتدأ، من حيث كان مرفوعاً، وإنما ناب عنه، لأن الفائدة صحت به، وجنيت منه، كما تجنى من خبر المبتدأ، فلما كانا كذلك، تساويا في حذف خبر المبتدأ.
أولا تعلم أنهم قد قالوا: لعمرك لأقومن، فحذفوا خبر المبتدأ، ولم ينب عنه مرفوع، ولا منصوب ولا مجرور، وإنما ناب عنه جواب القسم، وهو جملة غير ذات موضع أصلاً. فقد علمت بهذا أن الفاعل لم ينب عن خبر المبتدأ من حيث كان مرفوعاً، وإنما ناب عنه، لاستقلال الكلام به، ومصيره إلى معنى: "أقام أخواك"؟ كما أن معنى قولهم: عهدي به ذا مال، راجع إلى معنى عهدته ذا مال.
فإن قيل: وأنت أيضاً، إذا قدرت له خبراً محذوفاً، قد أعلمته عمل الفعل، وقد أعملته عمل الفعل، وقد أخبرت مع ذلك عنه.
أولا تراك تقول: ضربي زيد أبي حسن، وشتمي عمراً قبيح، فتخبر عن المصدر، وقد أعلمته.
قيل: مثل هذا يجوز، وإن كان غيره أقوى منه.
стр. 548
وبعد البيت:
قدْ نهدَ الثديُ على نحرها ... في مشرقٍ ذي صبح نائرِ
لوْ أسندتْ ميتاً إلى نحرها ... عاشَ ولمْ ينقلْ إلى قابرِ
حتَّى يقولَ النَّاسُ ممَّا رأوا ... ي عجباً للميتِ النَّاشرِ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٧٤)
وقدْ تخذتْ رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفاً كأفحوصِ القطاةِ المطرِّقِ
هذا البيت للممزق العبدي.
الشاهد فيه
"القطاة المطرق" أي: ذات تطريق، فحمله على النسب، كما تقدم، في البيت الذي قبله.
اللغة
تخذت: تعلت، حذفت فاء الفعل من الاتخاذ، فاستغنى بذلك عن ألف
стр. 549
الوصل، وقل تعالى: (لو شئت لتخذت عليه أجراً) . هو: افتعلت، من قوله: "وقد تخذت رجلي"، وليس من لفظ الأخذ في شيء.
على أن أبا إسحاق، قد ذهب إلى أن "اتخذت" من لفظ الأخذ، كما هو من معناه. وأنكر ذلك أبو علي، والقول ما قاله في الإنكار، على أنه قد أنشد علي بن سليمان قول قعنب:
ما بالُ قومٍ صديقٍ ثمَّ ليسَ لهمْ ... دينٌ وليسَ لهمْ عهدٌ إذا اتَّمنوا
وأنشد ابن الأعرابي:
في دارهِ تقسمُ الأزوادُ بينهمُ ... كأنَّما أهلنا منها الَّذي اتَّهلا
معناه: أهلنا مثل أهله عنده، فهذا "افتعل" من الأهل، وقد أجراه مجرى ذوات الواو، كاتعد واتزن وذلك أنه لما قال: ايهل وايتمن، أشبه "افتعل" من الواو، في لغة أهل الحجاز، وهو قولهم: ايتعد ايتزن، فلما صروا إلى لفظه شابه ذو الهمزة ذوات الواو، فأدغم تشبيهاً به، لأن الموضع في الإدغام للواو.
ومثل "تخذت رجلي" قول صخر الهذلي:
стр. 550
تجهنا غاديينِ فسايلتني ... بواحدها وأسألُ عنْ تليدي
تجهنا: أي، اتجهنا، فحذف فاء "افتعل" من الوجه، واستغنى بذلك عن همزة الوصل، وبقي تجهنا: تعلنا، ومثله: تقيت أتقى، وزنه: تعلت اتعل، وأنشد أبو زيد:
قصرتُ له القبيلةَ إذْ تجهنا ... وما ضاقتْ بشدَّتها ذراعي
وحكى أبو علي، عن أبي زيد، تجه يتجه، فالتاء على هذه أصل، ومثاله: فعل يفتعل.
والغرز للرحل، مثل الركاب للسرج.
وقوله نسيفا، أراد: موضعاً نسيفا، ثم حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، والنسيف: الموضع الذي انتتف شعره.
والقطاة: طائر معروف، وجمعها: قطاً، والقطو: مشيها، وقطا القطا: صوت، وطرقت القطاة، فهي مطرق: كان خروح بيضها، جاء بها الشاعر على النسب، كما تقدم، ولو جاء بها على الفعل، لقال: مطرقة، والطرق أيضاً: معالجة الولادة، وطرقت الحامل، فهي مطرق، إذا خرج نصف الولد.
المعنى
وصف ملازمته ركوب ناقته، حتى آثرت رجله في جنبها أثراً مثل أفحوص القطاة، وهو المرضع الذي تفرخ فيه.
стр. 551
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٧٥)
ترتج ألياه ارتجاج الوطب
الشاهد فيه، قوله
"الياه" في التثنية، ومن حق تاء التأنيث إذا تزامنت إذا لزمت في الواحد أن تلزم في التثنية، قال أبو علي: قالوا: أليان وخصيان، فإذا أفردوا: آلية، وخصية، فيحتمل أن يكون هذا على من قال في الواحد: ألي، ومن قال: ألية، قال في التثنية: أليتان، هذا قول أبي العباس.
اللغة: ألي الرجل: إذا عظمت أليتاه، ورجل آلى، مثل أعمى، وامرأة عجزاء، وهذا كلام العرب.
وأجاز أبو عبيدة: امرأة ألياء. ويقال: كبش أليان. وشاة أليانة وألياء.
وقوله: ترتج ألياه: ترتج لعظمها ورخاوتها ارتجاج الوطب، والوطب: زق اللبن وارتجاجه: اضطرابه، وهو مثل قول الآخر:
فأمَّا الصدورُ لا صدورَ لجعفرٍ ... ولكنَّ أعجازاً شديداً ضريرها
стр. 552
يقول: قوتهم، في إعجازهم، وليست في صدورهم، فهم يلقون منها مشقة.
وقبل هذا البيت:
كأنَّما عطيَّة بنُ كعب
ظعينةٌ واقفةٌ في ركبِ
والظغينة: المرأة، سميت بذلك، لأنها يظعن بها، وقد كان يجب أن يقال: ظغين، بغير هاء، لأنها في تأويل مظغون بها، و"فعيل" إذا كان صفة للمؤنث، في تأويل "مفعول" كان بغير هاء، نحو: امرأة قتيل وجريح، ولكنها جرت مجرى الأسماء، حين صارت جارية على غير موصوف، كالذبيحة والنطيحة.
جعله، كمرأة واقفة في ركب، لأنها تتبخر، إذا كانت كذلك وتعظم عجيزتها ليرى حسنها، ألا ترى إلى قول الآخر:
تخطِّط حاجبها بالمدادِ ... وتربطُ في عجزها مرفقهْ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٧٦)
كأنَّ خصييهِ من التدلدلِ ... ظرفُ عجوزٍ فيهِ ثنتا حنظلِ
стр. 553
هذا الرجز لجندل بن المثنى الطهوي:
الشاهد فيه ،
قوله: "خصييه" كالبيت الذي قبله، قال الأخر:
كأنَّ خصييهِ إذا تدلدلا ... أثفيَّتانِ تحملانِ مرجلا
وقال آخر:
لستُ أبالي أنْ أكونَ محمقه ... إذا رأيتُ خصيةً معلَّقه
وقد جاء "خصي" في الواحد، بلا هاء، وهو قليل، قال:
ألمْ يلهِ خصيُ الطَّابخيِّ وأيرهُ ... بني جاشعٍ عنَّا رؤوسَ الثَّعالبِ
стр. 554
وقال أبو العباس: من قل "خصية": قال في التثنية: خصيتان، ومن قال خصي: قال في التثنية: خصيان.
وقوله: "فيه ثنتا حنظل" أخرج التثنية على أصلها، وذلك أمكنك فيها انتظام العدد، وبيان النوع، غنيت بقليل اللفظ عن كثيره، أي غنيت عن اثنا رجال، برجلين، إذا قولك: رجلان، لفظهما يدل على المقدار والنوع، فأغنى ذلك اللفظ عن ذكر المقدار الذي يضاف إلى النوع، فثوب يدل على الواحد، من جنسه، وامرأتان، يدل على اثنتين من هذا الجنس، فاستغني بذلك عن قولهم: واحد أثواب، وثنتا نسوة.
وأما ثلاثة فصاعداً، فليس فيه لفظ يدل على النوع والمقدار جميعاً. ويريد بقوله: "كأن خصييه، بما عليهما من الصفن، أو كأن ما عليهما منه سحق جراب فيه ثنتا حنظل، فحذف اختصاراً واكتفاء بعلم السامع.
وأنشد أبو علي في باب دخول التاء، للفرق على اسمين غير وصفين، في التأنيث الحقيقي، الذي لأنثاه ذكر.
(١٧٧)
المرءُ يبليهِ بلاءَ السربالْ ... مرُّ اللَّيالي وانتقالُ الأحوالْ
هذا البيت للعجاج، وهما شطر السريع من العروض الثانية، وبعدهما:
إنْ لمْ تعقهُ عائقاتُ الأجالْ
стр. 555
استشهد أبو علي بالبيت الأول.
الشاهد فيه
استعمال "المرء" بالألف واللام، وهي اللغة المشهورة، وإذا لم تدخل الألف واللام، قلت: هذا امروء، ورأيت بامرئ، فتتبع حركة الراء، حركة الإعراب.
وفيه لغة ثالثة، وهي أن تقول: هذا مرء، ومررت بمرء ورأيت ورأيت أمرأً.
ولغة رابعة: وهي أن تقول: هذا امرأ، ورأيت امرأً، ومررت بامرإ، فتكون الراء مفتوحة، ويجري الإعراب على الهمزة، قال الشاعر:
بنيْ امرأٌ والشامُ بيني وبينهُ ... أتتني ببشرى بردهُ ورسائله
فأسكن الميم، وفتح الراء، وضم الهمزة.
وقال محمد بن الجهم: عن الفراء، قال: أنشدني أبو ثروان:
أنتَ امرأٌ منْ خيارِ النَّاسِ كلِّهمُ ... تعطي الجزيلَ وتعطي الحمدَ بالثَّمنِ
قال: وبعض قيس يقولون: الامرأ الصالح، والامرأة الصالحة.
стр. 556
وحكى الفراء أيضاً: هذا المرء، ورأيت المرء، ومررت بالمرء، يتبع حركة الميم، حركة الهمزة، تكون الراء ساكنة.
اللغة
يقال: بلي الثوب بلى، وبلاء: إذا أخلق، وأبليته أنا، والبلاء أيضاً: الاختبار.
أنشد أبو علي في الباب.
(١٧٨)
فإن الغدر في الأقوام عار ... وإن المرء يجزأ بالكراع
هذا البيت لبشر بن أبي خازم، وقيل: لجارية بن مر الطائي، ويكنى أبا حنبل، وهو الصحيح.
وأنشده أبو عبيدة: "بأن الغدر".
الشاهد فيه
ثبات الألف واللام في "المرء" وقد تقدم القول فيه.
стр. 557
اللغة
الغدر: ضد الوفاء بالعهد، يقال: غدره، وغدر به، يغدر. ورجل غادر وغدار وغدير وغدور.
وكذلك الأثنى بغير هاء. وفي النداء: ياغدر، وفي المؤنث: يا غدار.
والعار: كل شيء لزم عيب، وألفه منقلبة عن ياء، يدل على جمعه، على أعيار، قال:
ونبذت شر بني تميم منصباً ... دنس المروءة ثابت الأعيار
ويقال: جزأت بالشيء، أجزأ جزأ: اكتفيت به.
وأجزأ الشيء: كفى.
والكراع: مؤنث، هو من الدواب ما دون الكعب، ومن الإنسان ما دون الركبة.
وقال الليحاني: هو مما يذكر ويؤنث "ولم يعرف الأصمعي التذكير فيه. وقال مرة أخرى: هو مذكر لا غير.
وقال سيبويه: "أما كراع، فإن الوجه فيه ترك الصرف، ومن العرب من يصرفه، يشبهه بذراع، وهو أخبث الوجهين". يعني أن الوجه، إذا سمي به إلا يصرف، لأنه مؤنث سمي به مذكر.
والجمع: أكرع، وأكارع جمع الجمع.
стр. 558
وأما سيبويه [فإنه جعله] مما كسر على ما لا يكسر مثله، فراراً من جمع الجمع. وقد يكسر على كرعان.
والكراع من الغنم والبقر، بمنزله الوظيف من اليل والإبل والبغال والحمير. وكراعاً الجندب: رجلاه، وكراع الأرض: ناحيتها.
الكراع: كل أنف سال فتقدم، من جبل أو حرة.
وكراع كل شيء: طرفه. والجمع في هذا كله: كرعان، وأكارع.
الكراع: اسم لجمع البخيل والسلاح. والكراع والكرع: ماء السماء.
وقيل: هو الذي تخوضه الماشية بأكارعها. وكل خائض ماءٍ: كارع.
وكراع النعيم: موضع.
ابن كراع: من فرسان العرب، ومن شعرائهم، وكراع: اسم أمه.
وقال سيبويه: "هو من القسم الذي يقع فيه النسب (إلى الثاني) ، لأن تعرفه، إنما هو كابن الزبير وشبهه".
стр. 559
المعنى
يقول: الغدر لا يرضى به الأحرار، لأنه عار على آتيه، وأن المرء يجزأ بأدون الأشياء صيانة لعرضه. وقبل البيت ما يدل عليه، وهو قوله:
لقد أتيت أغدر في جذاع ... وإن منيت أمات الرباع
جداع: السنة الردئة. وأمات: مختص بما لا يعقل.
والجداع أيضاً: الموت. ويروى: "في جداع".
والرباع: أولاد الإبل التي نتجت في الربيع وأبو حنبل هذا الشاعر هو الذي وفي لامرئ القيس بن حجر، وهو الذي يقول فيه امرؤ القيس:
أحللتُ رحلي في بني ثعلْ ... إن الكرامَ للكريمِ محلّْ
فوجدتُ خيرَ الناسِ كلهمُ ... نفساً أوفاهمْ أبا حنبلْ
أصدقهمْ قولاً وأبعدهمْ ... شراً وأوانَ بخلْ
وأنشد أبوعلي في الباب.
(١٧٩)
يظلُّ مقاليتُ النِّساءِ يطانهُ ... يقلنَ ألا يلقى على المرءِ مئزرُ
стр. 560
وهذا البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي.
الشاهد فيه
كالشاهد في البيت الذي قبله، وهو قوله: "المرء"، بالألف واللام. وقد جاء في كتاب الله تعالى منه مواضيع، من ذلك قوله سبحانه "بي المرء وزوجه". و (يفر المرء من أخيه) و (ينظر المرء ما قدمت يداه) وهي اللغة الفصيحة الكثيرة، وقد تقدم القول فيها.
المقاليت: جمع مقلات، على مثال "مفعال" وهي التي لا يعيش لها ولد.
والقلت: الهلاك، ومنه الحديث: "إن المسافر ومتاعه على قلت، إلا ما وقى الله".
ومعنى يطأنه: يمشين عليه، لأنهم يقولون: إن المقلات إذا وطئت الميت لم يمت.
وقوله: "ألا يلقى على المرء مئزر" معنى: هلا ستر، وألا: للتحضيض.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٨٠)
باتت على إرم عذوبا ... كأنها شيخة رقوب
стр. 561
هذا البيت لعبيد بن الأبرص الأسدي.
استشهد أبو علي بعجزه.
الشاهد فيه
قوله: "شيخة"في المؤنث، شيخ للمذكر. فدخلت تاء التأنيث، فرقاً بين المذكر والمؤنث، وقال آخر:
وتضحكُ منِّي شيخةٌ عبشميةٌ ... كأن لمْ ترى قبلي أسيراً يمانيا
المعنى
وصف عقاباً، في موضع مرتفع كالمنار، وهو: الإرم، شبهها بشيخة رقوب، وهي التي لا ولد لها. وقيل التي ترقب بعلها ليموت فترثه. والرقوب من الإبل: اليت لا تدنو إلى الحوض من الزحام، سميت بذلك، لأنها ترقب الإبل، فإذا شربت، شربت بعد ذلك، وذلك من ترمكها.
والعذوب والعاذب: الذي بينه وبين السماء ستر، قال النابغة
стр. 562
الجعدي، يصف ثوراً:
فباتَ عذوبا للسماءِ كأنَّهُ ... سهيلٌ إذا ما أفردتهُ الكواكبُ
وفرس عذوب، والجمع: عذب: لم يأكل من شدة العطش.
وقال ثعلب: العذوب من الدواب: الذي يرفع رأسه فلا يأكل ولا يشرب.
وكلا المعينين يصح في البيت.
وقبل البيت:
فذاكَ عصرٌ وقدْ تراني ... تحملني نهدةٌ سرحوبُ
مضبرٌ خلقها تضبيرا ... ينشقُّ عن وجهها السَّبيبُ
وعبيد بن الأبرص، من المعرين، عاش ثلاث مئة سنة وخمسين سنة قتله المنذر ابن ماء السماء اللخمي.
وخبره: أن المنذر كان ينادمه رجلان من بني أسد. أحدهما: عمرو مسعود، والآخر: خالد بن المضلل، فأغضباه يوماً في المنطق.
فأمر أن يحفر لكل واحد نهما حفرة بظهر الحنيرة، ويدفنا فيها حيين، فعل ذلك بهما، فلما أصبح سأل عنهما، فأخبر بهلاكهما، فتندم، ثم ركب حتى نظر
стр. 563
إليهما، فأمر ببناء الغريين عليهما، وجعل نفسه يومين في السنة، يجلس فيهما عند الغريين، سمى أحدهما يوم النعيم، والأخر يوم بؤس.
فأول ما يطلع عليه يوم نعيمه، يعطيه مئة من الإبل.
وأول ما يطلع عليه، يوم بؤسه، يعطيه رأس ظربان أسود، ثم يأمر فيه فيذبح، ويطلى بدمه الغريين، فلبث على ذلك برهة، ثم إن عبيدة بن الأبرص، كان أول من أشرف عليه، في يوم بؤسه.
فقال: هلا كان المذبح لغيرك، يا عبيد!.
فقال: "أتتك بحائن رجلاه" فأرسلها مثلاً.
فقال له المنذر: أو أجل قد بلغ أناه. ثم قال له: أنشدني، فقد كان شعرك يعجبني.
فقال عبيد: "حال الجريض دون القريض"، فأرسلها مثلاً.
فقال له المنذر: قد أمللتني، فأرحني قبل أن آمر بك.
فقال عبيد: "من عزبر" فأرسلها مثلاً.
فقال له المنذر: أنشدني من قولك.
أقفرَ منْ أهلهِ ملحوبُ
стр. 564
فقال:
أقفرَ منْ أهلهِ عبيدُ ... فليسَ يبديَ ولا يعيدُ
فقال له المنذر: أنه لا بد من الموت. ولو عن لي النعمان يعني: في يوم بؤسي لذبحته، فاختر لنفسك قتلة.
فقال: اسقني الخمر، وافصدني في أكحلي.
ففعل وطلى بدمه الغريين، ولم يزل المنذر كذلك، حتى مر به رجل من طيئ، يقال له: حنظلة بن أبي عفر.
فقال له: أبيت اللعن، إني والله أتيتك زائراً، ولأهلي من خيرك مائراً، فلا تكن ميرتهم قتلي.
فقال: لابد من ذلك، فسلني حاجة قبله، أقضها لك.
فقال: تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي، وأحكم من أمرهم ما أريد، ثم أصير إليك. فتنفذ في حكمك.
فقال: ومن يكفل بك حتى تعود؟! فنظر في وجوه جلسائه، فعرف شريك بن عمرو، أبا الحوفزان بن شريك الشيباني، فقال أبيات أولها:
يا شريكٌ بنَ عمرو ... ما من الموتِ محالهْ
стр. 565
يا شريكٌ بنَ عمروٍ ... يا أخا منْ لا أخا لهْ
فوثب شريك، فقال: أبيت اللعن، يدي بيده، ودمي بدمه، إن لم يعد إلى اجله، فأطلقه المنذر.
فلما كان للعام القابل، جلس في مجلسه، ينتظر حنظلة أن يأتيه، فأبطأ، فأمر بشريك، فقرب فقرب ليقتله، فلم يشعر إلا براكب قد طلع عليهم، فتأملوه، فإذا هو حنظلة قد أقبل متكفناً، متحنطاً، نادته تندبه، وقد قامت نادبة شريك أيضاً.
فقال له: ما الذي حملك على أن عرضت بنفسك لسفك دمك؟!.
فقال له: أبيت اللعن، لئلا يقال: مات الكرام، وذهب الكرم. ثم أقبل على حنظلة، فقال له: ما الذي حملك على الرجوع، وقد علمت أنك، إنما ترجع إلى الموت؟!.
فقال: لئلا يقال ذهب الوفاء وأهله.
فأطلقهما وأحسن إليهما، وأبطل سنته الذميمة اللئيمة.
والغزي: كل بناء حسن، والغزي: كل صنم طلي بدم، والغزي: صبغ أحمر.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٨١)
ومركضةٌ صريحيٌّ أبوها ... تهانُ لها الغلامةُ والغلامُ
الشاهد فيه
"الغلامة والغلام" دخلت تاء التأنيث، فرقاً بين المذكر والمؤنث، كما تقدم في الذي قبله، ومثله.
следующие страницы →