Полный текст (856 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
هذا البيت لعبيد بن الأبرص الأسدي.
استشهد أبو علي بعجزه.
الشاهد فيه
قوله: "شيخة"في المؤنث، شيخ للمذكر. فدخلت تاء التأنيث، فرقاً بين المذكر والمؤنث، وقال آخر:
وتضحكُ منِّي شيخةٌ عبشميةٌ ... كأن لمْ ترى قبلي أسيراً يمانيا
المعنى
وصف عقاباً، في موضع مرتفع كالمنار، وهو: الإرم، شبهها بشيخة رقوب، وهي التي لا ولد لها. وقيل التي ترقب بعلها ليموت فترثه. والرقوب من الإبل: اليت لا تدنو إلى الحوض من الزحام، سميت بذلك، لأنها ترقب الإبل، فإذا شربت، شربت بعد ذلك، وذلك من ترمكها.
والعذوب والعاذب: الذي بينه وبين السماء ستر، قال النابغة
стр. 562
الجعدي، يصف ثوراً:
فباتَ عذوبا للسماءِ كأنَّهُ ... سهيلٌ إذا ما أفردتهُ الكواكبُ
وفرس عذوب، والجمع: عذب: لم يأكل من شدة العطش.
وقال ثعلب: العذوب من الدواب: الذي يرفع رأسه فلا يأكل ولا يشرب.
وكلا المعينين يصح في البيت.
وقبل البيت:
فذاكَ عصرٌ وقدْ تراني ... تحملني نهدةٌ سرحوبُ
مضبرٌ خلقها تضبيرا ... ينشقُّ عن وجهها السَّبيبُ
وعبيد بن الأبرص، من المعرين، عاش ثلاث مئة سنة وخمسين سنة قتله المنذر ابن ماء السماء اللخمي.
وخبره: أن المنذر كان ينادمه رجلان من بني أسد. أحدهما: عمرو مسعود، والآخر: خالد بن المضلل، فأغضباه يوماً في المنطق.
فأمر أن يحفر لكل واحد نهما حفرة بظهر الحنيرة، ويدفنا فيها حيين، فعل ذلك بهما، فلما أصبح سأل عنهما، فأخبر بهلاكهما، فتندم، ثم ركب حتى نظر
стр. 563
إليهما، فأمر ببناء الغريين عليهما، وجعل نفسه يومين في السنة، يجلس فيهما عند الغريين، سمى أحدهما يوم النعيم، والأخر يوم بؤس.
فأول ما يطلع عليه يوم نعيمه، يعطيه مئة من الإبل.
وأول ما يطلع عليه، يوم بؤسه، يعطيه رأس ظربان أسود، ثم يأمر فيه فيذبح، ويطلى بدمه الغريين، فلبث على ذلك برهة، ثم إن عبيدة بن الأبرص، كان أول من أشرف عليه، في يوم بؤسه.
فقال: هلا كان المذبح لغيرك، يا عبيد!.
فقال: "أتتك بحائن رجلاه" فأرسلها مثلاً.
فقال له المنذر: أو أجل قد بلغ أناه. ثم قال له: أنشدني، فقد كان شعرك يعجبني.
فقال عبيد: "حال الجريض دون القريض"، فأرسلها مثلاً.
فقال له المنذر: قد أمللتني، فأرحني قبل أن آمر بك.
فقال عبيد: "من عزبر" فأرسلها مثلاً.
فقال له المنذر: أنشدني من قولك.
أقفرَ منْ أهلهِ ملحوبُ
стр. 564
فقال:
أقفرَ منْ أهلهِ عبيدُ ... فليسَ يبديَ ولا يعيدُ
فقال له المنذر: أنه لا بد من الموت. ولو عن لي النعمان يعني: في يوم بؤسي لذبحته، فاختر لنفسك قتلة.
فقال: اسقني الخمر، وافصدني في أكحلي.
ففعل وطلى بدمه الغريين، ولم يزل المنذر كذلك، حتى مر به رجل من طيئ، يقال له: حنظلة بن أبي عفر.
فقال له: أبيت اللعن، إني والله أتيتك زائراً، ولأهلي من خيرك مائراً، فلا تكن ميرتهم قتلي.
فقال: لابد من ذلك، فسلني حاجة قبله، أقضها لك.
فقال: تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي، وأحكم من أمرهم ما أريد، ثم أصير إليك. فتنفذ في حكمك.
فقال: ومن يكفل بك حتى تعود؟! فنظر في وجوه جلسائه، فعرف شريك بن عمرو، أبا الحوفزان بن شريك الشيباني، فقال أبيات أولها:
يا شريكٌ بنَ عمرو ... ما من الموتِ محالهْ
стр. 565
يا شريكٌ بنَ عمروٍ ... يا أخا منْ لا أخا لهْ
فوثب شريك، فقال: أبيت اللعن، يدي بيده، ودمي بدمه، إن لم يعد إلى اجله، فأطلقه المنذر.
فلما كان للعام القابل، جلس في مجلسه، ينتظر حنظلة أن يأتيه، فأبطأ، فأمر بشريك، فقرب فقرب ليقتله، فلم يشعر إلا براكب قد طلع عليهم، فتأملوه، فإذا هو حنظلة قد أقبل متكفناً، متحنطاً، نادته تندبه، وقد قامت نادبة شريك أيضاً.
فقال له: ما الذي حملك على أن عرضت بنفسك لسفك دمك؟!.
فقال له: أبيت اللعن، لئلا يقال: مات الكرام، وذهب الكرم. ثم أقبل على حنظلة، فقال له: ما الذي حملك على الرجوع، وقد علمت أنك، إنما ترجع إلى الموت؟!.
فقال: لئلا يقال ذهب الوفاء وأهله.
فأطلقهما وأحسن إليهما، وأبطل سنته الذميمة اللئيمة.
والغزي: كل بناء حسن، والغزي: كل صنم طلي بدم، والغزي: صبغ أحمر.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٨١)
ومركضةٌ صريحيٌّ أبوها ... تهانُ لها الغلامةُ والغلامُ
الشاهد فيه
"الغلامة والغلام" دخلت تاء التأنيث، فرقاً بين المذكر والمؤنث، كما تقدم في الذي قبله، ومثله.
стр. 566
فلم أرَ عاماً كانَ أكثرَ هالكاً ... ووجهَ غلامٍ يشتري وغلامهْ
ويروى: "مركضة" بضم الميم، وكسر الكاف، ومعناه: الذي يركض ولدها في بطنها.
ويروى: "ومركضة" بكسر الميم، وفتح الكاف ومعناه: الشريعة، كأنه جعلها آلة للسير.
وصريحي: شريف، والياء في "صريحي" دخلت لتأكيد الصفة، لا للنسب وقد تقدم القول فيه.
وأنشد أبو علي في الباب:
(١٨٢)
خرَّقوا جيبَ فتانهمُ ... لم يبالوا حرمةَ الرّجلهْ
الشاهد فيه
كالشاهد في الذي قبله، وهو قوله: "الرجلة".
стр. 567
والجيب هنا، زعموا: كناية عن الفرج.
والبال: الخاطر، ما باليت به: ما صرفت إليه خاطراً.
والحرمة: ما لايحل انتهاكه.
وقبل البيت:
كلُّ جارٍ ظلَّ مغتبطاً ... غيرَ جيراني بني جبلهْ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٨٣)
بريذينةٌ بلَّ البراذينُ ثفرها ... وقدْ شربتْ منْ آخرِ الصّيفِ إيّلا
هذا البيت، للنابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله، ويكنى ابا ليلى، يهجو ليلى الأخيلية.
الشاهد فيه
قوله: "بريذينة"؛ لأنهم يقولون: برذونة وبرذون وهو مثل ما تقدم.
المعنى
وقوله: "وقد شربت من آخر الصيف" يريد: البراذين، ويحتمل أن يريد البريذينة. والثفر للسبعة، وهو حياؤها، فاستعارة للمرأة، وقد استعاره الأخطل للبقرة، قال:
стр. 568
جزى الله فيها الأعورينِ ملامةً ... وعبدةَ ثفرَ الثّورةِ المتضاجمِ
ويريد: ملاء إيل، ثم حذف المضاف، واقام المضاف إليه مقامه.
وتزعم العرب، أن كل من شرب من الماء الذي شربت منه الإيل، اشتهى الجماع.
وقيل: الإيل: هو الماء الكثير الذي يكون في آخر الصيف، تبول فيه الأروى، فتشرب منه الماشية.
وقيل: أراد: لبن إيل، ويقال: كل من شرب ألبانها، اغتلم.
وفيه لغة أخرى، أيل بضم الهمزة، سمي بذلك؛ لأنه يؤول إلى الجبال، يتحصن فيها.
وقال قطرب: "الإبل من اللبن: الذي قد أخذ في الخثورة، وتغير طعمه عن طيب الحليب، وأنشد بيت النابغة هذا، استشهاداً به عليه.
وقال الخليل: آل الشيء يؤول أولاً: إذا خثر.
وجمع آيل: إيل كصائم وصيم.
وقد يجمع الشيء على لفظه، ولا ينظر إلى أصله.
فمن تأول انه أراد: خاثر اللبن، فغنما هو على هذا التفسير أيل بضم الهمزة ونقله قطرب: إيل بكسرها.
وكان سبب تهاجيهما، أن النابغة الجعدي قال يذكر يوم رحرحان، وهو
стр. 569
يهاجي سوار بن أوفى بن سبرة ويفخر عليه، بأيام بني جعدة.
هلاَّ سألتَ بيوميْ رحرحانِ وقدْ ... ظنّتْ هوازنُ أنَّ العزَّ قدْ حالا
تلكَ المكارمُ لا قعبان منْ لبنٍ ... شيباً بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا
في أبيات، فأجابته ليلى، فكان ذلك سبب تهاجيهما، فقال النابغة:
ألا حيّيا ليلى وقولاَ لها هلا ... فقدْ ركبتْ أمراً أغرَّ محجّلاَ
يتهكم بها، وأراد: أعز محجلاً في الفضيحة والاستقباح، في كلمة، وفيها:
بريذينةٌ بلَّ البراذينُ ثغرها ... وقدْ أنكحتْ شرَّ الأخائلِ أخيلا
وقدْ أكلتْ بقلاً وخيماً نباته ... وقدْ شربتْ منْ آخرِ الصّيفِ إيّلا
فأجابته ليلى:
أنابغَ لمْ تنبغْ ولمْ تكُ أوّلاً ... وكنتَ صنيَّاً بينَ صدّينِ مجهلاً
أعيّرتني داءً بأمِّكَ مثلهُ ... وأيُّ جوادٍ لا يقالُ لهُ: هلا
هلا: زجر للخيل، وأراد به النابغة زجر الحجر، إذا لم تقر للفحل. وفيه ثلاث
стр. 570
لغات، هَلاَ، هَلاً، هَلْ، قال طفيل الغنوي:
وقيلَ: أقدمي وأقدمْ وأخّرٍ وأخرى ... وهلْ وهلا وأضرحْ وفقادعها هبي
وتجيء في موضع زجر، قال الشاعر:
وتزجرهنَّ بينَ هلاً وهابِ
وتجيء توقيراً في بموضع الإسكان، قال الجعدي:
فظننّا أنّه غالبه ... فزجرناهْ بهابٍ وبهلْ
ويحتمل أن يريد به: الزجر والإبعاد.
وأنشد أبو علي في باب دخول التاء الاسم فرقاً بين الواحد والجمع منه.
(١٨٤)
دانٍ مسفٌّ فويقَ الأرضِ هيدبه ... يكادُ يدفعهُ منْ قامَ بالرّاحِ
هذا البيت لأوس بن حجر.
الشاهد فيه
قوله: "دان مسف"، أراد السحاب، فذكر حملا على الجنس، كما قال سبحانه: (ينشئ السحاب الثقال) . وقال تعالى: (يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه) فذكر على معنى الجمع.
стр. 571
اللغة
الداني: القريب.
والمسف أيضاً: القريب من الأرض. يقال أسف الرجل إلى مداق الأمور: تتبعها وطلبها. وأسف النظر: أحده.
وفي حديث الشعبي: "أنه كره أن يسف الرجل النظر إلى أمه وأخته وابنته" وأسف الفحل: صوب رأسه ليعض. وأسف الطائر: طار فويق الأرض. وأسففت الجرح الدواء: أشعبته به، وأسففت الوشم نوراً، قال لبيد:
أوْ رجعُ واشمةٍ تؤورها ... كففاً تعرّضَ فوقهنَّ وشامها
كففاً جمع كفة، وهي دارة الوشم على اليد.
وهيدب السحاب: إذا رأيته منصباً، كأنه خيوط متصلة، وهيدب الدمع. ولبد أهدب، إذا طال زئبرة، والهيدب: العيي من الرجال، الثقيل.
وقوله: "يكاد يدفعه" أي يرده ويكفه.
والراح: جمع راحة، وهي اليد.
стр. 572
وبعد البيت:
كأنَّ ريّقهُ لمّا علاَ شطباً ... أقرابُ أبلقَ ينفي الخيَّلَ رمَّاحِ
ينزع جلدَ الحصى أجشُّ متبركٌ ... كأنَّهُ فاحصٌ أوْ لاعبٌ داحِ
فمنْ بنجوتهِ كمنْ بعقوتهِ ... والمستكنَّ كمنْ يمشي بقرواحِ
كأنَّ فيهِ عشاراً جلَّةً شرفاً ... شعثاً لهاميمَ قدْ همّتْ بإرشاحِ
هدلاً مشافرها بحّاً حاجرها ... تزجي مرابعها في صحصحٍ ضاحي
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٨٥)
وكأنّها هيَ بعدَ غبِّ كلالها ... أوْ أسفعُ الخدّينِ شاةُ إرانِ
стр. 573
هذا البيت للبيد بن ربيعة.
الشاهد فيه
قوله: "شاة إران"، أوقع الشاة على الذكر، والذليل عليه أنه أبدل "شاة إران" من "أسفع الخدين"، وهو ثور وحشي، والمؤنث لا يبدل من المذكر.
اللغة
غبّ الأمر: بعده، والغب: ورد يوم، وظمء يوم، مغبته: عاقبته وآخره. وكل يكل كلاً: إذا أعيا، وأكله السير، وأكل القوم كلت إبلهم.
والسفع والسفعة: السواد والشحوب. وقيل: السواد المشرب حمرةً، والذكر أسفع، والأنثى سفعاء.
والشاة تكون من المعز والضأن، والظباء، والبقر والنعام، وحمر الوحش، ويقع هذا الاسم على الذكر والأنثى منها.
والإران: النشاط، وقيل: إران، موضع تنسب إليه البقر، كما قالوا: "أسود خفية" وجن عبقر، والإران أيضاً: سرير الموتى، وقيل: كناس الوحش.
стр. 574
المعنى
وصف ناقته بالقوة والسرعة، والنشاط، وعظم الخلق.
قبل البيت:
فصددتُ عنْ أطلالهنَّ بجسرةٍ ... عيرانةٍ كالعقرِ ذي البنيانِ
كسفينةِ الهنديِّ طابقَ درءها ... بسقائفٍ مشبوحةٍ ودهانِ
أراد بالهنديِّ: بحر الهند، وهو من البحور البعيدة الأقطار، في فائنها عالية البنيان، متقنة الصنعة.
والطبق: غطاء كل شيء.
والدرء: الدفع، وهو أيضاً الميل والأعوجاج.
والسقف: لوح السفينة.
الإعراب
شبهها بعد الكلال بها نفسها في حال نشاطها، وأول سيرها، فالضمير الذي هو "هي" راجع عليها، وهو خبر "كأن" وأظهره، إذ كانت "كأن" حرفاً، لا يستتر فيها ضمير الرفع، كما يستكن في الفعل، لقوة الفعل، وضعف الحرف.
ويحتمل الضمير أن يرجع إلى السفينة التي ذكرها قبل البيت، لأنه شبّه الناقة بها في كمال خلقها وشدتها.
وقوله؟: "أو أسفع" عطف على الضمير الذي هو "هي"، و "شاة إران" بدل منه. و "أو" تحتمل التخيير والإباحة.
стр. 575
ومثل قوله: "كأنها هي" قوله تعالى: (وقيل أهكذا عرشك، قالت كأنه هو) .
وذكر أبو علي عقب بيت لبيد:
"أذاكَ أمْ خاضبٌ".
تقوية لما أورده، وهو من صدر بيت لذي الرمة، وهو قوله:
(١٨٦)
أذاكَ أمْ خاضبٌ بالسِّيِّ مرتعه ... أبو ثلاثينَ أمسى وهو منقلبُ
يريد: أذاك الثور يشبه ناقتي، أم نعامة خاضب، قد أكل الربيع، فأحمرت ساقاه، وأطراف رقه.
فحمل التشبيه عليها، كما قال امرؤ القيس:
هما نعجتانِ منْ نعاجِ تبالةٍ ... لدى جؤذرينِ أو كبعضِ دمى هكرْ
لم يرد بقوله: "أوْ كبعضِ دمى هكرْ" أن ينتقض أحد الشبهين، ويثبت الآخر، وإنما يريد أنك إن شبهتهما "بالنعاج" فأنت مصيب، وإن شبهتهما "بالدمى" فأنت مصيب.
стр. 576
اللغة: السي: المستوي من الأرض، والسي: موضع بعينه.
والرتع: الأكل والشرب رغداً، يقال: رتع يرتع رتوعاً، والاسم: الرتعة والرتعة، وفي حديث الغضبان مع الحجاج، أنه قال له: سمنت يا غضبان. فقال: "الخفض والدعة، والقيد والرتعة، وقلة التعتعة؟، ومن يكن ضيف الأمير يسمن".
ورتعت الماشية: أكلت ما شاءت، وذهبت وجاءت، وذهبت في المرعى نهاراً، وماشية رتع ورتوع، ورواتع ورتاع.
ومن أعاجيب النعام أن الصيف إذا دخل وابتدأ البسر في الحمرة، ابتدأ لون وظيفيه بالحمرة، فلا يزالان يتلونان، ويزدادان حمرةً، إلى أن تنتهي حمرة البسر، ولذلك قيل للظليم: خاضب، وللنعام: خواضب.
فأما الخاضب من بقر الوحش فليس كذلك، إلا لخضرة الأظلاف، من وطء البقول والرطب.
وقوله: "أبو ثلاثين": أي أبو ثلاثين فرخاً. والنعامة تبيض ثلاثين بيضة.
وقوله: "أمسى وهو منقلب": أي منصرف إلى فرخه.
ويقال: إنه لا يخرج فرخ النعام من البيض، إلا في شهرين، فأكثر، كما قال عمرو بن أحمر:
стр. 577
كوديعةِ الهجهاجِ بوأها ... ببراقِ عاذي البيضِ والثَّجرِ
لهدجدجٍ جربٍ مساعرهُ ... قد عادها شهراً إلى شهرِ
قال، لأن الظليم والهقلة يجمعان البيض، قبل أن يحضناه شهراً، ثم يحضناه شهراً آخر، فذلك قوله: "شهر إلى شهر"، شهر جمعها، وشهر حضنها.
قال: وهي مع عظم بيضها، تكثر عدد البيض، تضع بيضها طولاً، حتى لو مدَّ عليها خيط المطمر لما وجد لشيء منها خروج عن الآخر، ثم تعطي لكل بيضةٍ نصيبها من الحضن، إذ كان بدنها لا يشتمل على عدد بيضها في الطول، إلا أن تعطي كل شيء منها قسطه.
فأما عدد البيض، فقد بينها ذو الرمة، في قوله: "أبو الثلاثين".
وفي وضعها لها طولاً، على غرار واحد وخيط وسطر، بينه ابن أحمر بوقله:
وضعنَ وكلُّهنَّ على غرارٍ ... هجانُ اللَّونِ قدْ وسقتْ جنينا
وقال آخر:
стр. 578
على غرارِ كمدادِ المطمرِ
وهو خيط البناء الذي يسوى به وضع الحيطان على الأساس، ويقال له: المداد أيضاً.
الإعراب: ارتفع "مربعه" بالابتداء، و "بالسي" خبره، و "أبو ثلاثين" صفة للخاضب. وقوله: "وهو منقلب" جملة في موضع الحال، أو في موضع خبر "أمسى".
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٨٧)
إذا رأيتَ بوادٍ حيَّةً ذكراً ... فاذهبْ ودعني أمارسْ حيَّة الوادي
هذا البيت لعبيد بن الأبرص، وقيل: لأعشى طرود، وقيل: لحارثة بن بدر الغداني.
الشاهد فيه
"حية ذكر". وقال جرير:
стр. 579
إنَّ الفرذدقَ قدْ سالَ الفراتُ بهِ ... وعضَّهُ حيَّةٌ منْ قومهٍ ذكرُ
وقال أيضاً:
إنَّ الحفافيثَ كانتْ يا بني لجاءٍ ... يسبطنَ حيثُ يصولُ الحيَّةُ الذَّكرُ
وقال رؤبة:
الحيَّةِ الأصيدِ منْ طولِ الأرقْ
فوصفهُ "بالأصيد" وهو مذكر، كما تقول: الرجل الأصيد، ولو جعله مؤنثاً، لقال: "كالحية الصيداء" لأنه مؤنث "أفعل فعلاء" كأحمر وحمراء.
ويقال أيضاً للذكر: الحيوت. قال الراجز:
ويهلكُ الحيَّةَ والحيُّوتا
وقيل في تسميتها حية، قولان: أحدهما: أنها طويلة العمر، فهي تحيا، وبذلك توصف. وزعم المتكلمون في خواص الحيوان، أن الحية لا تموت حتف أنفها، وإنما تموت لعارض يعرض لها.
والقول الثاني: إنها سميت حية، لأنها تتحوى، أي: تنعطف، وتلتوي، من قولهم: حويت الشيء، إذا عطفته.
стр. 580
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٨٨)
كأنَّ مزاحفَ الحيَّاتِ فيهِ ... قبيلَ الصُّبحِ آثارُ السَّياطِ
البيت للمنتخل الهذلي، واسمه مالك بن عويمر.
الشاهد فيه
جمع "حية" على "حيات"، وإن كان ذكراً، فجمع المذكر، كجمع المؤنث، بلا خلاف.
اللغة
مزاجفها: مواضع مشيها، يقال: زحف إلى الشيء يزحف: إذا نهض، والصبي يزحف على الأرض قبل أن يمشي، والبعير يزحف: إذا أعيا فجر فرسنه، وهو زاحف.
وقبله:
وماءٍ قدْ وزدتُّ أميمَ طامٍ ... على أرجائهِ زجلُ الغطاطِ
قليلٌ وردهُ إلاَّ سباعاً ... يخطنَ المشيَ كالنَّبلِ المراطِ
فبتُّ أنهنهُ السِّرحانَ عنهُ ... كلانا واردٌ حرَّانَ ساطي
стр. 581
كأنَّ وغى الخموشِ بجانبيهِ ... وغى ركبٍ أميمَ ذوي هياطِ
الزجل: الصوت.
والغطاط: طير مثل القطا، واحدها غطاطة.
وأرجاؤه: نواحيه. والطاكي: المرتفع.
ويخطن: من الوخط، وهو سرعة تقديم اليد.
والمراط: السهام التي يمرط ريشها.
والسرحان: الذئب.
وحران: عطشان.
وساط: من السطوة.
والوغى: الصوت.
والخموش: البعوض.
وهياط: مازعة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٨٩)
حتَّى إذا أسكوهمْ في قتائدةٍ ... شلاًّ كما تطردُ الجمَّالةُ الشُّردا
стр. 582
هذا البيت لعبد مناف بن ربعي الهذلي.
الشاهد فيه
قوله: "الجمالة"، وهو جمع جمَّال، كما يقال: بقّال وبقالة وحمارة، فالتاء دخلت للفرق بين الواحد والجمع.
المعنى
وصف قوماً هزموا، حتى إذا أدخلوا في قتائدة، قال ذلك الأصمعي.
وجعل المنهزمين كالشُّرد، واحدهم شريد، كطريق وطرق، وقديم وقدم، وإذا كانوا شرداً، فكيف بهم، إذا طردوا؟! ذلك أشد لنفارها، فلذلك خصَّ الشرد بالذكر من غيرها. والشل: الطرد.
الإعراب
في جواب "إذا" ثلاثة أقوال: الأول: أن جوابها محذوف، وله نظائر في التنزيل، وأشعار العرب، لأن في حذف الجواب من هذا الموضع، وشبهه ضرباً من المبالغة، وكأنه قال: إذا أسلكوهم في قتائدة، بلغوا أملهم، وأدركوا ما أحبوا، ونحو ذلك.
الثاني: أن الجواب في قوله: "شلا" وغني بذكر المصدر عن ذكر الفعل، لدلالته عليه.
وهذا قول ضعيف، لأن "الشل" إنما يكون قبل إدخالهم في قتائدة، وهذا الرأي يوجب أن يكون بعد ذلك.
стр. 583
والثالث: قول أبي عبيدة: وهو أن "إذا" زائدة، فلذلك لم يأتِ لها بجواب، والتقدير: حتى أسلكوهم.
وهو أيضاً قول ضعيف، لأن "إذا" اسم، والأسماء تبعد زيادتها.
فقوله، "شلا" على من جعله جواباً، لا موضع له من الإعراب، إنما هو مصدر محض، أكد فعله المضمر الذي هو الجواب.
وعلى القولين الباقيين، هو مصدر له موضع من الإعراب، لأنه في تقدير الحال، ولك في هذه الحال وجهان: إن شئت جعلتها من الضمير الفاعل، كأنه قال: شالين.
وإن شئت جعلتها من الضمير المفعول، كأنه قال: مشلولين.
والأقيس كونها حالاً من الضمير الفاعل، لقوله "كما تطرد الجمالة" فشبه الشل، بشل الجمالة الإبل الشرد، وهم الطاردون، وإذا كان حالاً من الضمير المفعول، وجب أن تقول كما تطرد الإبل الشرد. وهو مع ذلك جائزاً، لأن العرب قد توقع التشبيه على شيء، والمراد غيره.
والكاف في قوله: "كما" في موضع الصفة للشل، كأنه قال: "شلا مثل شل الجمالة".
وقبل البيت:
والطَّعنُ شغشغةٌ والضَّربُ هيقعةٌ ... ضربَ المعوِّلِ تحتَ الدِّيمةِ العضدا
стр. 584
وللقسيِّ أزاميلٌ وغمغمةٌ ... حسَّ الجنوبِ تسوقُ الماءَ والبردا
الشغشغة حكاية أصوات الطعن في الأجواف والأكفال.
والهيقعة: حكاية أصوات السيوف.
والمعول: الذي بنى من الشجر عالة تظله من المطر، فهو يقطع الشجر.
والعضد: ما قطع من الشجر، فإذا أردت المصدر، قلت عضد، بسكون الضاد. والأزاميل والغماغم: الأصوات المختلطة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩٠)
أراهُ أهلَ ذلكَ حينَ يسعى ... رعاءُ النَّاسِ في طلبِ الحلوبِ
هذا البيت، لعنترة بن شداد العبسي.
الشاهد فيه، قوله
"طلب الحلوب" جمعاً. الواحد حلوبة.
قال أبو علي: "ومما يدل على ذلك، أن الرعاء لا يسعون في طلب الحلوب الواحدة".
стр. 585
وقال أبو عبيدة: يقال الحلوبة، للواحد وللجماعة، ولا يقال: الحلوب إلا للجماعة.
وقال السكري، في قول أسماء بن الحارث:
وقالوا: نصفُ مالكَ إنْ رضينا ... وما أمسى لأهلكَ منْ حلوبِ
قال: الحولب: الناقة التي يتخذها الراعي لنفسه، وهي كثيرة اللبن.
وقال أبو العباس المبرد: يقال، شاة حلوب، إذا كانت تحلب ورجل حلوب، إذا كان يحلب الشاة، قال: وهو من الأضداد، ومثله طريق ركوب، إذا كان يركب، ورجل ركوب للدواب، وناقة رغوث، إذا كانت ترضع، وفصيل رغوث، إذا كان يرضع. فجعل أبو العباس، الحلوب واحدة.
والراعي: حافظ الماشية، وهو صفة غالبة، غلبت الاسم، والجمع: رعاة ورعاء ورعيان.
كسروة تكسير الأسماء، كحاجز زحجزان، لأنها صفة غالبة وليس في الكلام اسم فاعل، يعتور عليه "فعلة وفعال" إلا هذا، وقولهم: آس وأساة وأساء.
فأما قول ثعلبة بن عبيد العدوي، في صفة نخل:
стр. 586
تبيتُ رعاها لا تخافُ نزاعها ... وإنْ لم تقيَّدْ بالقيودِ وبالأبضِ
فإن أبا حنيفة ذهب إلى أن "رعى" جمع رعاة، لأن رعاة، وإن كان جمعاً فإنَّ لفظه لفظ الواحد، كمهاة ومهىً، إلا أن مهاة واحد، وهو ماء الفحل في رحم الناقة. ورعاة: جمع.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩١)
دويَّةٌ ودجى ليلٍ كأنَّهما ... يمٌّ تراطن في أفدانها الرُّومُ
هذا البيت لذي الرمة.
الشاهد فيه
دول الألف واللام في "الروم"، لأن روم ومجوس ويهود، يستعمل على وجهين. مصروفة وغير مصروفة.
فإذا لم تصرف فأسماء لأهل هذه الملل، فلات تصرف للتأنيث والتعريف وإذا صرفت جعلت جمع رومي، ثم عرّف الجمع بالألف واللام، مثل عربي وعرب، وتركي وترك، ونبطي ونبط، وخزري وخزر.
стр. 587
ألا ترى أنه لولا ذلك، لم يسغ دخول الألف واللام عليه، لأنه معرفة أجريت مجرى القبيلة، ولم تجعل كالحي، فعلى هذا الحد، دخلت عليه الألف واللام.
ونتكلم على الألف واللام، من سبعة أوجه: الأول: هل هما كلتاهما معرفتان؟ أو اللام وحدها.
الثاني: هل ألفها ألف قطع؟ أو ألف وصل.
الثالث: لم جعلوا حرفاً واحداً يفيد التعريف؟! الرابع: لمً جعلوا حرف التعريف ساكناً؟ ولم يكن متحركاً؟ الخامس: لمَ خصّوا اللام دون غيرها؟ السادس: لم جعلوا حرف التعريف أول الكلام؟ ولم يكن آخراً؟ السابع: كم مواقعها في كلام العرب؟ الوجه الأول: هل الهمزة واللام، هما المعرفتان؟ أو اللام وحدها. هب الخليل: إلى أنهما المعرفتان معاً، وحكي عنه أنه كان يسميها "أل" كقد، وأنه لم يكن يقول: الألف واللام، كما لا يقول: القاف والدال، ويستدل على ذلك بتقطيع "أل" في أنصاف الأبيات من قول عبيد:
يا خليليَّ أربعا واستخبرا ال ... منزلَ الدَّارسَ عنْ أهلِ الحلالْ
مثلَ سحقِ البردِ عفَّى بعدكَ ال ... قطرُ مغناهُ وتأويبُ الشَّمالْ
ولقدْ يغنى بها جيرانك ال ... ممسكو منكَ بأسبابِ الوصالْ
стр. 588
ثمَّ أودى ودُّهم إذ أزمعوا ال ... بينَ والأيامُ حالٌ بعد حالْ
نحن قدنا من أهايب الملا ال ... خيلَ في الأرسانِ أمثالَ الشَّعالْ
شزَّباً يعسفنَ منْ مجهولةِ ال ... أرضِ وعثاً منْ سهولٍ أوْ رمالْ
ثمَّ عجناهنَّ خوصاً كالقطا ال ... قارباتِ الماءَ منْ أينِ الكلالْ
وهي قطعة مشهورة، أبياتها سبعة عشر بيتاً، يطرد جميعها على هذا القطع.
فلو كانت اللام وحدها للتعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها، لاسيما واللام ساكنة والساكن لا ينوى به الانفصال.
ومما يقويه قول الآخر:
عجِّلْ لنا هذا وألحقنا بذا آل ... بالشَّحمِ إنَّا قدْ مللناهُ بجلْ
فإفرادهُ "أل"، وإعادته إياها، في القسم الثاني، دليل على قوة اعتقاده لقطعها، فصار قطعهم "أل"، وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة "قد" وهو يريد الفعل، وذلك نحو قوله:
أفدَ التَّرحُّلُ غيرَ أنَّ ركابنا ... لمَّا تزلْ برحالنا وكأنْ قدِ
ألا ترى أنَّ التقديرَ فيه: وكأن قد زالت، فقطع "قد" من الفعل، كقطع "أل"
стр. 589
من الاسم، وعلى هذا قالوا في التذكير: قام أل، إذا نويت بعده كلاماً، أي: الحارث والعباس.
وذهب غير الخليل ظغلى ظان اللام وحدها هي حرف التعريف ظن وظان الهمزة ظغنما دخلت عليهاظن ليتوصلوا إلى النطق بها بالهمزة قبلها، لما لم يكن الابتداء بها.
وكان حكمها أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنى، ولاحظ لها في الإعراب، وهي في أول الحرف، كالهاء التي لبيان الحركة والألف في أواخر الحرف، في وا زيداه، وا عمراه، وا أمير المؤنيناه.
فكما أن تلك ساكنة، فكذلك كان ينبغي أن تكون الهمزة ساكنة، لكن لما اجتمع ساكنان، هي والحرف الساكن بعدها، حركت لالتقاء الساكنين.
فإن قيل: لم اختيرت الهمزة، ليقع الابتداء بها دون غيرها من سائر الحروف، نحو الجيم، وغيرها؟! فالجواب: أنهم أرادوا حرفاً يثبتونه في الابتداء، ويحذفونه في الوصل، للاستغناء عنه بما قبله، فلما اعتزموا على حرف، يمكن طرحه وحذفه، مع الغنى عنه، جعلوه الهمزة، لن العادة فيها، في أكثر الأحوال حذفها للتخفيف، وهي مع ذلك أصل، فكيف بها إذا كانت زائدة.
ألا ترى أنهم حذفوها، في نحو: خذ وكل ومر، وويلمه، وقال الشاعر:
стр. 590
وكان حاملكم منَّا ورافدكمْ ... وحاملُ المينَ بعدَ المينَ والألفِ
أراد: المئين، فحذف الهمزة، وقالوا: جا يجي وسأ يسو، بلا همز، وقالوا: ذن لا أفعل، فحذفوا همزة "إذن"، وله نظائر، ولو أنهم أرادوا في مكانها غيرها، لما أمكن حذفه، لأنه لم يحذف غيرها من الحروف، كما حذفت هي، فكانت الهمزة أولى وأحرى من سائر الحروف.
ووجه آخر إن شئت، قلت: إنما أرادوا الهمزة ها هنا، لكثرة زيادتها أولاً، نحو: أيدعٍ وأبلمٍ وإصبعٍ، ولم تكثر زيادة غير الهمزة أولاً، كزيادتها أولاً فاعرفه.
فإن قيل: فلم فتحت لالتقاء الساكنين، وحركة همزة الوصل في الأسماء والأفعال كسرة أو ضمة؟! فالجواب: أن اللام حرف، فجعلوا حركة الهمزة فتحة، لتخالف حركتها في الأسماء حركتها في الأفعال، فاعرفه.
ومن الدليل على كونها وحدها حرف التعريف، وأن الهمزة دخلت لسكونها، إيصالهم حرف الجر، إلى ما بعد حرف التعريف، وذلك نحو: قولهم: عجبت من الرجل، ومررت بالغلام، فنفوذ الجر بحرفه، إلى ما بعد حرف التعريف يدل
стр. 591
على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور، وإنما كان كذلك، لنه في نهاية اللطافة والاتصال بما عرفه، وإنما كان ذلك كذلك، لأنه على حرف واحد، ولاسيما ساكن.
ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين "كقد" و "هل"، لما جاز الفصل به بين الجار والمجرور، لأن "قد" و "هل" كلمتان ثابتتان قائمتان بأنفسهما.
ألا ترى أنهم أنكروا على الكسائي وغيره، قراءته: (ثم ليقطع) بسكون اللام، و (ثم ليقضوا) ، لأن "ثم" قائمة بنفسها، وليست كواو العطف وفائه، لأن تينك ضعيفتان، متصلتان بما بعدهما، فلطفتا عن نية فصلهما وقيامهما بأنفسهما، وكذلك لو كان حرف التعريف، في نية الانفصال لما كان يجوز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف. وهذا يدل على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرّفه. وإنما كان ذلك كذلك لقلته وضعفه عن قيامه بنفسه، لو كان حرفين، لما لحقته هذه العلة، ولا جاز تجاوز حرف الجر له إلى ما بعده.
ودليل آخر يدل على شدة اتصال حرف التعريف بما دخل عليه، وهو أنه قد حدث بدخوله معنى لم يكن قبل دخوله وهو معنى التعريف فصار المعرّف كأنه غير ذلك المنكور. ألا ترى إلى إجازتهم الجمع بين رجل والرجل، وغلام والغلام، قافيتين في شعر واحد من غير استكراه، ولا اعتقاد إيطاء، فهذا يدلك على أن حرف التعريف، كأنه مبني مع ما عرفه، كما أن "ياء" التحقير مبنية مع ما حقرته، وكما
стр. 592
أن "ألف التكسير" مبنية على ما كسرته، فكما جاز أن يجمع بين رجلكم ورجليكم قافيتين وبين درهمكم ودراهمكم، كذلك جاز أيضاً، أن يجمع بين رجل والرجل، لأن النكرة شيء سوى المعرفة، كما أن المكبر غير المصغر، وكما أن الواحد غير الجمع.
ويزيدك تأنيساً بهذا أن حرف التعريف نقيض التنوين، لأن التنوين دليل التنكير، كما أن هذا الحرف دليل التعريف، فكما أن التنوين في آخر الاسم حرف واحد، فكذلك حرف التعريف من أوله، ينبغي أن يكون حرفاً واحداً.
الوجه الثاني: هل الهمزة التي مع لام التعريف، همزة قطع، أو وصل؟ اختلف في ذلك، فذهب قوم إلى أنهما همزة قطع، واستدلوا على ذلك بانفصالهما، مما تدخلان عليه. فتقول في التذكر: إلى حارث، إذا نويت بعد قولك "أل" كلاماً، فجرى مجرى قولك في التذكر: "قدي" أي، قد انقطع، أو قد قام، أو قد استخرج، أو نحو ذلك، فصارت الهمزة، كالقاف من "قد"، والباء من "بل"، إلا أنه لما كثر في كلامهم، واستعمالهم، عرف موضعه، فحذفت همزته، كما حذفوا "لم يكُ، ولا أدرِ، ولم أبلْ".
واستدلوا أيضاً، على أنهما همزة قطع بثباتها حيث تحذف همزات الوصل، وذلك نحو قول الله تعالى: (الله أذن لكم) و (آلذكرين حرم أم الانثيين) .
стр. 593
ونحو قولهم في القسم: أفألله، ولا ها ألله، ولم نرَ همزة وصلٍ تثبت في نحو هذا.
فهذا كله يؤكد أن همزة "أل" ليست بهمزة وصل، وأنها مع اللام، "كقد" و "هل"، ونحوهما.
وذهب الجمهور إلى أنها همزة وصل، لسقوطها في درج الكلام كسائر همزات الوصلأ.
وما قدمته من أن "اللام" وحدها، هي المعرِّفة، يؤكد أنها همزة وصل.
وأما ما يحتج به من الوقوف عليها عند التذكر فإن ذلك لا يدل على أنه في نية الانفصال منه، لأن لقائل أن يقول: إنه حرف واحد، ولكن الهمزة، لما دخلت على اللام، فكثر اللفظ بها، أشبهت اللام بدخول الهمزة عليها من جهة اللفظ، لا من جهة المعنى، ما كان من الحروف على حرفين، نحو: "هل" و "بل" و "من" و "قد". فجاز وصلهما في بعض المواضيع.
وهذه النسبة اللفظية موجودة في كثير من كلامهم، ألا ترى أن "أحمد" وبابه مما ضارع الفعل لفظاً، فمنع ما يختص بالأسماء، وهو التنوين والجر. وكذلك كل ما استروحوا إليه، من مد (الله أذن لكم) . ومما أوردوه، الانفصال عنه قريب المأخذ إن شاء الله تعالى.
الوجه الثالث: لمَ جعلوا حرفاً واحداً، يفيد التعريف؟ قد تقدم من القول ما هو جواب له، وهو أنهم لما أرادوا خلطه بما بعده، ومزجه به لما حدث فيه من انتقال المعنى، جعلوه على حرف واحد، ليضعف عن انفصاله مما بعده، فيعلم بذلك أنهم قد اعتزموا على خلطه به.
стр. 594
الجوجه الرابع: لم جعلوا حرف التعريف ساكاً، ولم يكن متحركاً؟ فالجواب: ان تسكينه أشد وأبلغ في إضعافهم إياه، وإعلامهم أن حاجتهم في اتصاله بالمعرف، لن الساكن أضعف من المتحرك، وأشد حاجة وافتقاراً إلى ما يتصل به.
الوجه الخامس: لمَ خصّوا اللام دون غيرها؟ فالجواب: أنهم أرادوا إدغام حرف التعريف فيما بعده، لأن الحرف المدغم، أضعف من الحرف الساكن غير المدغم، ليكون إدغامه دليلاً على شدة اتصاله، وأقوى منه عليه لو كان ساكناً غير مدغم، فلما آثروا إدغامه فيما بعده، لما ذكرناه، اعتبروا حروف المعجم، فلم يجدوا فيها حرفاً أشد مشاركةً في أكثر الحروف من اللام، فعدولوا إليها، لأنها تجاور أكثر حروف الفم، التي هي معظم الحروف، ليصلوا بذلك إلى الإدغام، المترجم عما اعتزموه، من شدة اتصال حرف التعريف، بما عرفه، ولو جاؤوا بغير اللام، لما أمكنهم ذلك.
وإنما تدغم في ثلاثة عشر حرفاً، وهي التاء والثاء، والدال والذال، والراء والزاي، والطاء والظاء، والصاد والضاد، والنون والسين والشين.
ومما يدل على إيثارهم إدغام لام التعريف، لما قصدوه من الإبانة عن غرضهم، انك لا تجد لام التعريف مع واحد من هذه الحروف الثلاثة عشر إلا مدغماً في جميع اللغات، ولا يحوز إظهارها ولا إخفاؤها معهن، ما دامت للتعريف.
стр. 595
وإنك قد تجد اللام إذا كانت ساكنة، وهي لغير التعريف مظهرة، غير مدغمة.
الوجه السادس: لمَ جعلوا حرف التعريف أولاً، ولم يكن آخراً؟ عن ذلك جوابان: أحدهما: وهو القوي، أنهم إنما خصّوا لام التعريف بأول الاسم دون آخره، من قبل أنهم صانوه وشحوا عليه، لحاجتهم إليه، فجعلوه في موضع، لا يحذف فيه حرف صحيح البتة.
واللام حرف صحيح، وذلك الموضع هو أول الكلمة، ولما كان آخر الكلمة ضعيفاً قابلاً للتغيير في الوقف وغيره، وقد تحذف فيه أيضاً، أنفس الكلم، نحو قولهم في الترخيم: يا حارِ، ويا منصِ، وغير ذلك، كرهوا أن يجعلوا اللام في آخر الاسم، فيتطرق عليها الحذف في بعض الأحوال، مع حاجتهم إليها، وشدة عنايتهم بها، فحصّنوها، واحتاطوا عليها، بأن قدموها في أول الاسم، لتبعد عن الحذف والاعتلال.
والجواب الثاني: أنه حرف زائد لمعنى، وحروف المعاني في غالب الأمر، إنما مواقعها أوائل الكلام، لاسيما وهي لام، فأجريت مجرى لام الابتداء، ولام الإضافة، ولام الأمر ولام القسم، وغير ذلك؟ ن فقدمت كما قدمن.
الوجه السابع: كم مواقعها في الكلام؟ وعلى كم قسم تتنوّع فيه؟ اعلم أن لام المعرفة تدخل على الأسماء على ضربين: أحدهما للتعريف، والآخر الزيادة، كما تزاد الحروف فلا تدل على المعاني، التي تدل عليها إذا لم تكن زائدة.
стр. 596
والتعريف الذي يحدث بها، على ضروب: منها أن تكون إشارة إلى معهود بينك وبين المخاطب، نحو الرجل والغلام، إذا أردت بهما غلاماً ورجلاً عرفتهما بعهدٍ كان بينكما، فتقول: قد أوفى الرجل والغلام الذي كنا في حديثه وذكره.
ومنها إشارة لمن لم تره قط، ولا ذكرته، نحو قولك: يا أيها الرجل أقبل، وهذا تعريف لمن لم يتقدمه ذكر ولا عهد، وإنما أشير به إلى الشاهد الحاضر، لا إلى غائب.
ومنها تعريف الجنس، وهو إشارة إلى ما نفوس الناس كمن علمهم للجنس، فهذا الضرب وإن كان معرفةً كالأول، فهو مخالف له من حيث كان الأول قد علمه حساً، وهذا لم يعلمه كذلك وإنما يعلمه معقولاً، نحو قولك: الملك أفضل من الإنسان والعسل حلو، والخل حامض، وأهلك الناس الدينار والدرهم.
فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس، وعن مشاهدة لهن لأن ذلك متعذر غير متمكن، لأن لا يمكن احد أن يشاهد جميع الدراهم، ولا جميع الدنانير، ولا جميع العسل، ولا جميع الخل.
وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة، أفضل من كل واحد من هذا الجنس الآخر، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو، وكل جزء من الخل الذي لا يمكن مشاهدة جميعه حامض.
والضرب الثاني: الزيادة، اعلم أن الأسماء الأعلام لا تدخل عليها الألف واللام، وذلك أن تعليقها على من تعلق عليه، وتخصيصه بها، يغني عن الألف واللام، وذلك نحوك التسمية بثور وشهاب وأسد، وكلب وزيد وزيادة وبشر وحمد.
فأما نحو: الحارث والعباس والقاسم، والحسن والحسين، والفضل
стр. 597
والمهدي، فإنما دخلت الألف واللام فيها، على تنزيل أنها صفات جارية على موصوفين.
وهذا يعني الخليل، بقوله: "جعلوه الشيء بعينه".
فإن لم ينزل هذا التنزيل، لم يلحقوه الألف واللام، فقالوا: حارث وعباس وقاسم، وعل كلا المذهبين جاء ذلك في كلامهم، قال الفرزدق:
فقعَّدهم أعراق حذلمَ بعدما ... رجا الهتمُ إدراكَ العلى والمكارمِ
وقال:
ثلاثُ مئينَ للملوكِ وفى بها ... ردائي وجلَّتْ عن وجوهِ الأهاتمِ
فجعله مرةً بمنزلة أضحاة وأضاح، ومرة بمنزلة أحمر وحمر.
وجمع الأعشى بين الأمرين في بيت واحد، وذلك قوله:
أتاني وعيدُ الخوصِ منْ آل جعفرٍ ... فيا عبدَ عمروٍ لو نهيتَ الأحاوصا
وأنشد الأصمعي:
стр. 598
أحوى من العوجِ وقاحُ الحافرِ
"فالعوج": نسب إلى "أعوج" كما أن "الحوص" نسب إلى "أحوص"، فإذا حذفت ياءي النسب، جعلته بعد التسمية به، بمنزلته وهو صفة لم يسمَّ بها فكسِّر تكسير الصفات.
وهذا يدل على صحة قول من لم يصرف "أحمر"، إذا نكَّره، بعد أن تمسي به، فإذا كسَّرته تكسير الاسم، نحو: الأفاكل والأرامل.
قلت: الأحاوص، وعلى هذا القياس، تقول: الأعاوج، كما تقول: الأهاتم.
ومن الصفات الغالبة التي تجري مجرى الحارث والقاسم، قولهم: النابغة، فالنابغة اسم له، يجري مجرى الأعلامن غلب عليه هذا الوصف؟ ن كما أن الحارث ونحوهن قد نزل تنزيل من له اسم علمن فغلب عليه هذا الوصف، فجرى هذا الوصف الغالب مجرى الاسم العلم، وسد مسده، حتى صار يعرف به، كما يعرف بالعلم، فلما سد مسده، وكفى منهن أجراه مجرى العلم، نحو جعفر وشبهه فقال: ونابغةُ الجعديُّ بالرَّملِ بيتهُ ومن ذلك قولهم في اسم اليوم: "الاثنان"، فلما جرى مجرى العلم، في نحو:
стр. 599
جعفر وغيره استجيز حذف اللام منهن كما استجازوها من النابغة، وذلك ما حكاه سيبويه، من قولهم: "هذا يوم اثنين مباركاً فيه".
وأما قولهم: "الغدوة والفينة"، فدخول لام التعريف فيهما على وجه آخر، وهو ان "غدوة وفينة" كانا معرفتين، كما تكون الأسماء التي للألقاب معارف، فأزيل هذا التعريف عنهما، كما أزيل التعريف عن الاسم الموضوع وضع الأعلام، وذلك في أحد تأويلي سيبويه في قولهم: "هذا ابن عرس مقبل"، لما أزيل هذا التعريف عنهما، عرفا بالألف واللام.
فقرأ من قرأ: "بالغدوة"، وحكة أبو زيد: لقيته فينة، والفينة بعد الفينة.
ومثل إزالة هذا الضرب من التعريف عن هذه الأسماء إزالتهم إياه في قولهم: أما البصرة فلا بصرة لك، وأما خراسان لك، وعلى هذا قوله: "ولا أمية في البلاد" "قضية ولا أبا حسن".
ومثل هذا إزالتهم تعريف العلم من الأعلام المثناة والمجموعة نحو: الجعفران
стр. 600
والقمران، فزال تعريف العلم عن الجعفرين كما زال تعريف العدل عن العمرين والقثمينن ولو لم يزل العدل لم يجز دخول لام المعرفة عليهن كما لم يجز دخولها قبل التثنية. ولا تدخل لام التعريف على المعدول.
واستدل أبو عثمان على أن "الثلاثاء"، و "الأربعاء" غير معدولين بدخول الألف واللام عليهما، وقال: "المعدول لا تدخل عليه الألف واللام".
وأما "أبانان" وعرفاتن فلم تدخل الألف واللام عليهما، لأن التسمية وقعت لالجمع والتثنية، كما وقعت بالمفردن فلم تدخل عليهما، كما لم تدخل على المعرفة.
فأما الألف واللام في قوله تعالى: (قالوا الآن) . وفي الذي والتي، وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى، قال:
أما والدِّماءِ الجارياتِ كأنَّها ... على قنَّةِ العزَّى، وبالنَّسرِ عندما
فزائدة، وكذلك في "النسر" هي زائدة.
وقال آخر:
ولقد جنيتكَ أكمؤاً وعساقلاً ... ولقد نهيتكَ عن بناتِ الأوبرِ
следующие страницы →