Полный текст (856 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
والتعريف الذي يحدث بها، على ضروب: منها أن تكون إشارة إلى معهود بينك وبين المخاطب، نحو الرجل والغلام، إذا أردت بهما غلاماً ورجلاً عرفتهما بعهدٍ كان بينكما، فتقول: قد أوفى الرجل والغلام الذي كنا في حديثه وذكره.
ومنها إشارة لمن لم تره قط، ولا ذكرته، نحو قولك: يا أيها الرجل أقبل، وهذا تعريف لمن لم يتقدمه ذكر ولا عهد، وإنما أشير به إلى الشاهد الحاضر، لا إلى غائب.
ومنها تعريف الجنس، وهو إشارة إلى ما نفوس الناس كمن علمهم للجنس، فهذا الضرب وإن كان معرفةً كالأول، فهو مخالف له من حيث كان الأول قد علمه حساً، وهذا لم يعلمه كذلك وإنما يعلمه معقولاً، نحو قولك: الملك أفضل من الإنسان والعسل حلو، والخل حامض، وأهلك الناس الدينار والدرهم.
فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس، وعن مشاهدة لهن لأن ذلك متعذر غير متمكن، لأن لا يمكن احد أن يشاهد جميع الدراهم، ولا جميع الدنانير، ولا جميع العسل، ولا جميع الخل.
وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة، أفضل من كل واحد من هذا الجنس الآخر، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو، وكل جزء من الخل الذي لا يمكن مشاهدة جميعه حامض.
والضرب الثاني: الزيادة، اعلم أن الأسماء الأعلام لا تدخل عليها الألف واللام، وذلك أن تعليقها على من تعلق عليه، وتخصيصه بها، يغني عن الألف واللام، وذلك نحوك التسمية بثور وشهاب وأسد، وكلب وزيد وزيادة وبشر وحمد.
فأما نحو: الحارث والعباس والقاسم، والحسن والحسين، والفضل
стр. 597
والمهدي، فإنما دخلت الألف واللام فيها، على تنزيل أنها صفات جارية على موصوفين.
وهذا يعني الخليل، بقوله: "جعلوه الشيء بعينه".
فإن لم ينزل هذا التنزيل، لم يلحقوه الألف واللام، فقالوا: حارث وعباس وقاسم، وعل كلا المذهبين جاء ذلك في كلامهم، قال الفرزدق:
فقعَّدهم أعراق حذلمَ بعدما ... رجا الهتمُ إدراكَ العلى والمكارمِ
وقال:
ثلاثُ مئينَ للملوكِ وفى بها ... ردائي وجلَّتْ عن وجوهِ الأهاتمِ
فجعله مرةً بمنزلة أضحاة وأضاح، ومرة بمنزلة أحمر وحمر.
وجمع الأعشى بين الأمرين في بيت واحد، وذلك قوله:
أتاني وعيدُ الخوصِ منْ آل جعفرٍ ... فيا عبدَ عمروٍ لو نهيتَ الأحاوصا
وأنشد الأصمعي:
стр. 598
أحوى من العوجِ وقاحُ الحافرِ
"فالعوج": نسب إلى "أعوج" كما أن "الحوص" نسب إلى "أحوص"، فإذا حذفت ياءي النسب، جعلته بعد التسمية به، بمنزلته وهو صفة لم يسمَّ بها فكسِّر تكسير الصفات.
وهذا يدل على صحة قول من لم يصرف "أحمر"، إذا نكَّره، بعد أن تمسي به، فإذا كسَّرته تكسير الاسم، نحو: الأفاكل والأرامل.
قلت: الأحاوص، وعلى هذا القياس، تقول: الأعاوج، كما تقول: الأهاتم.
ومن الصفات الغالبة التي تجري مجرى الحارث والقاسم، قولهم: النابغة، فالنابغة اسم له، يجري مجرى الأعلامن غلب عليه هذا الوصف؟ ن كما أن الحارث ونحوهن قد نزل تنزيل من له اسم علمن فغلب عليه هذا الوصف، فجرى هذا الوصف الغالب مجرى الاسم العلم، وسد مسده، حتى صار يعرف به، كما يعرف بالعلم، فلما سد مسده، وكفى منهن أجراه مجرى العلم، نحو جعفر وشبهه فقال: ونابغةُ الجعديُّ بالرَّملِ بيتهُ ومن ذلك قولهم في اسم اليوم: "الاثنان"، فلما جرى مجرى العلم، في نحو:
стр. 599
جعفر وغيره استجيز حذف اللام منهن كما استجازوها من النابغة، وذلك ما حكاه سيبويه، من قولهم: "هذا يوم اثنين مباركاً فيه".
وأما قولهم: "الغدوة والفينة"، فدخول لام التعريف فيهما على وجه آخر، وهو ان "غدوة وفينة" كانا معرفتين، كما تكون الأسماء التي للألقاب معارف، فأزيل هذا التعريف عنهما، كما أزيل التعريف عن الاسم الموضوع وضع الأعلام، وذلك في أحد تأويلي سيبويه في قولهم: "هذا ابن عرس مقبل"، لما أزيل هذا التعريف عنهما، عرفا بالألف واللام.
فقرأ من قرأ: "بالغدوة"، وحكة أبو زيد: لقيته فينة، والفينة بعد الفينة.
ومثل إزالة هذا الضرب من التعريف عن هذه الأسماء إزالتهم إياه في قولهم: أما البصرة فلا بصرة لك، وأما خراسان لك، وعلى هذا قوله: "ولا أمية في البلاد" "قضية ولا أبا حسن".
ومثل هذا إزالتهم تعريف العلم من الأعلام المثناة والمجموعة نحو: الجعفران
стр. 600
والقمران، فزال تعريف العلم عن الجعفرين كما زال تعريف العدل عن العمرين والقثمينن ولو لم يزل العدل لم يجز دخول لام المعرفة عليهن كما لم يجز دخولها قبل التثنية. ولا تدخل لام التعريف على المعدول.
واستدل أبو عثمان على أن "الثلاثاء"، و "الأربعاء" غير معدولين بدخول الألف واللام عليهما، وقال: "المعدول لا تدخل عليه الألف واللام".
وأما "أبانان" وعرفاتن فلم تدخل الألف واللام عليهما، لأن التسمية وقعت لالجمع والتثنية، كما وقعت بالمفردن فلم تدخل عليهما، كما لم تدخل على المعرفة.
فأما الألف واللام في قوله تعالى: (قالوا الآن) . وفي الذي والتي، وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى، قال:
أما والدِّماءِ الجارياتِ كأنَّها ... على قنَّةِ العزَّى، وبالنَّسرِ عندما
فزائدة، وكذلك في "النسر" هي زائدة.
وقال آخر:
ولقد جنيتكَ أكمؤاً وعساقلاً ... ولقد نهيتكَ عن بناتِ الأوبرِ
стр. 601
فالألف واللام في "الأوبر" زائدتان، وقال آخرك
يقول الجتلونَ عروسَ تيمٍ ... شوى أمِّ الحبينِ ورأسَ فيلِ
فالألف واللام في "أم الحبين" زائدة، وله نظائر كثيرة.
وأما الألف واللام في "اليسع"، فلا تخلو من أن تكون زائدة أو غير زائدة.
فإن كانت غير زائدة فلا تخلو من أن تكون على حد الرجل إذا أردت المعهود، أو الجنس، نحو (إن الإنسان لفي خسر) أو على دخولها في العباس فلا يجوز أن تكون على واحد من ذلك.
ولا يجوز أن تكون على حد دخولها في العباس، لأنه لو كان كذلك كان صفة، كما أن "العباس" كذلك، ولو كان كذلك لوجب أن يكون "فعلاً" ولو كان "فعلاً" لوجب أن يلزمه "الفاعل"، لو لزمه الفاعل لوجب أن يحكى من حيث إنه جملة، ولو كان كذلك، لم يجز لحاق اللام له، ألا ترى أن "اللام" لا تدخل على "الفعل".
وليس بإشارة، كقولك: هذا الرجل، وإذا لم يجز شيء من ذلك، علم أنها زيادة.
ومما جاءت اللام فيه زائدة، ما أنشده أبو عثمان:
стр. 602
باعدَ أمَّ العمرو من أسيرها
وأنشد أحمد بن يحيى:
يا ليتَ أمَّ العمرو كانت صاحبي
ومما جاءت فيه اللام زائدة قولهم: الخمسة العشر درهماً، فيما حكاه أبو الحسن، ألا ترى أنها اسم لواحد، ولا يجوز أن يتعرف اسم واحد بتعريفين، كما لا يجوز أن يتعرف بعض الاسم دون بعض، فإذا كان كذلك، علمت زيادة اللام في الخمسة عشر درهماً.
وقيل: الألف واللام في كلام العرب لها أربعة مواضيع، وهي: تعريف الواحد بعهد، وتعريف الواحد بغير عهد، وتعريف الجنس. وزائدة.
وهذه القسمة ترجع إلى الضربين اللذين قدمت تفسيرهما.
وقال قوم: الألف واللام في كلام العرب لها ثمانية مواضع، وهي: للعهد، وللجنس، وللمدحة، وعقب الإضافة، وإثبات الصفة الغالبة، وتعريف العلمية، والإقحام، والإشارة.
وقال بعض المتأخرين: تدخل في كلام العرب، لأحد عشر معنى: لتعريف العهد، ولتعريف الجنس، ولتعريف الحضور، وبمعنى الذي، وبمعنى الوصف،
стр. 603
والتفخيم كالحسن والحسين، وعوضاً من الضمير في "حسن الوجه"، وعوضاً من الهمزة في "الناس"، هي عوض من همزة "أناس"، وزائدة، ولإثبات الصفة الغالبة، كالنجم والدبران، والحارث والعباس، ولتعريف العلمية في "الله" تعالى، وللتعظيم والمدح.
حكى سيبوية: "أنت الرجل كل الرجل".
وصف مفازة، والدوية: المفازة، سميت بذلك للدوي الذي يسمع فيها، وهو دوي الريح، وتقاصف الرمالن وقيل: دوي الجن ويقال لها: داوية، بتشديد الياء، وداوية بتخفيفها، قال الشاعر:
والخيلُ قد تجشمُ فرسانها ال ... وعثَ وقد تعتسفُ الداوية
والدجا: ما ألبس من سواد الليل.
واليم: البحر.
شبه ظلمة الليل بالبحر وأمواجه.
والتراطن من الصوت، ورطانة الأعاجم: كلامها.
ويروى:
كما تراطنُ في أندائها
يعني في مجالسها، والنادي: المجلس، والندي.
стр. 604
وقبل البيت:
للجنِّ بالليل في أرجائها زجلٌ ... كما تناوحَ يوم الرِّيحِ عيثومِ
هنَّا لهنَّ ومن هنَّا لهنَّ بنا ... ذاتُ الشمائلِ والإيمانِ هينومِ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩٢)
فرَّتْ يهودُ وأسلمتْ جيرانها ... صمِّي لما فعلتْ يهودُ صمامِ
هذا البيت، للأسود بن يعفر النهشلي.
الشاهد فيه
قوله: "يهود"، لما كان اسماً للقبيلة لم يصرفه، لأن فيه العلمية والتأنيث، فلا يسوغ دخول الألف واللام عليه.
ومثله قول الأنصاري:
أولئك أولى من يهودَ بمدحةٍ ... إذا أنتَ يوماً لم تؤَّبِ
وفي حديث القسامة، "تقسم يهود".
стр. 605
وأما اليهود بالألف واللام، فإنما هو هود.
وصمام: اسم للداهية، معدول عن صامة، كما عدلت "حذام" عن حاذمة، و "رقاش" عن راقشة، سميت بذلك، لأنها إذا نزلت أصمت آذان الناس كما قال النابغة:
وتلك التي تستكُّ منها المسامعُ
وجاز أن يبنى من الفعل الرباعي "فعال"، وإنما حكمه أن يكون من الثلاثي، كما قالوا: "داركِ"، وهو من "أدرك" لأن الهمزة زائدة.
والأجود أن تكون مشتقة من قولهم: صممت الشيء: إذا سددته، يقال: صمَّ الكوة بحجر، وصمَّ القارورة: إذا سد فمها، فتكون مبنية من فعل ثلاثي، وتؤدي معنى الصمم بعينه، لأن الصمم، إنما هو انسداد الأذن.
وأما قوله: "صمِّي صمام" فإن "صمام" منادى مفرد، وصمي دعاء عليها بالصمم، ومعناه: أصمَّ الله سمعك يا داهية، كما تصمين الأسماع، وهو نحو قولهم: قتلتني قتلك الله، وأوجعتني أوجعك الله، وبه ذلك بما يدعى فيه على الشيء بمثل فعله الذي يفعله.
وليست الداهية مما توصف بالصمم في الحقيقة، ولكن من شأن العرب، أن تسمي الجزاء باسم ما يجازى عليهن كقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وكقول ابن كلثوم:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجعلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا
стр. 606
وقد قال أهل المعاني، في وصفهم لها بالصمم قولين آخرين، غير ما تقدم.
أحدهما: أن "صمام" هي الحية التي لا تجيب الراقي، ولا تصغي إلى رقاه، ثم استعير ذلك في كل داهية، قال الشاعر:
وردوا ما لديكم منْ ركابي ... ولمَّا تأتكم صمِّي صمامِ
وقال آخرون: إنما وصفت بالصمم، لأن الإنسان يصم عنها، فنسب الصمم إليها مجازاً، والمراد من يصمم من أجلها، كما قالوا: ليل نائم، وإنما ينام فيه.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩٣)
أحارَ ترى بريقاً هبَّ وهنا ... كنارِ مجوسَ تستعرُ استعارا
صدر البيت لأمرؤ القيس، وعجزه للتوءم اليشكري.
قال أبو عمرو بن العلاء: كان امرؤ القيس ينازع كل من أدعى الشعر، فنازعه التوءم اليشكري، وذكره أبو الحجاج الأعلم في "شرح الأشعار الستة"، وغيره.
الشاهد فيه ، قوله
"مجوس" لم يصرفه للعلمية والتأنيث، ولا يسوغ دخول لام التعريف، على الاسم العلم، وقد تقدم الكلام عليه.
стр. 607
المعنى
وصف برقاً، يقول: هب وهنا، أي، لمع وبدأ بعد هدء من الليل، يقال: أتانا بعد وهن، أي بعد ما مضى منه حين.
وقوله: "بريقاً" هو تصغير برق ف اللفظ، وأراد به التعظيم في المعنى، ويدل على إرادته التعظيم، قوله: "كنار مجوس"، لأنه أبلغ في وصف النار بقوله: "تستعر استعارا".
وخص المجوس لأنهم عبدة النار، ونارهم أعظم نار، وأشدها استعاراً.
وربما جاء الاسم مصغراً، وهم يريدون تعظيمه، كما قال:
دوهية تصفر منها الأناملُ
يعني الموت، وهو من أعظم الدواهي.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩٤)
والتَّيمُ الأمُ منْ يمشي والأمهمُ ... ذهلُ بن تيمٍ بنو السُّودِ المدانيسِ
هذا البيت لجرير.
الشاهد فيه ،
دخول الألف واللام، على "التيم"، ويحتمل أرين: أحدهما: أن تكون بمنزلة الحارث والعباس، وذلك أن "التيم" مصدر،
стр. 608
والمصادر قد أجريت مجرى أسماء الفاعلين، ألا ترى أنه قد وصف بأسماء الفاعلين، وجمع جمعها، نحو: نور ونوار، وسيل وسوائل، فلما كانت مثلها، أجروها مجراها، وعلى هذا قالوا: الفضل في اسم رجل، كأنهم جعلوه الشيء الذي هو خلاف النقص.
والثاني: أن يكون على تيمي وتيم، كزنجي وزنج، ويهودي ويهود، وفي التنزيل: (وقالت اليهود) جمع يهودي، ولذلك دخت الألف واللام وقد تقدم.
المعنى: هجا عمرو بن لجا التيمي، وعرض بعدي بن الرقاع، ولم يصرح باسمه. وبعد البيت:
تدعى لشرِّ أبٍ يا مرفقيْ جعلٍ ... في الصَّيفِ يدخلُ بيتاً غير مكنوسِ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩٥)
سلُّومُ لوْ أصبحتِ وسطَ الأعجمِ
في الرُّومِ أو في التُّركِ أو في الدَّيلمِ
إذاً لزرناكِ ولو لمْ نسلمِ
стр. 609
هذا الرجز لأبي الأخزر الحمَّاني.
الشاهد فيه
قوله: "الأعجم"، على حد العجمي وأعجدم، ثم عرف بالألف واللام، كما تقول: في يهودي واليهود.
وقيل: إن الأعجم هنا، بعنى العجم، ومثله قول الآخر:
ممَّا تعتِّقه ملوكُ الأعجمِ
يريد: العجم، وقال أبو النجم:
وطالما وطالما وطالما
غلبتُ عاداً وغلبتُ الأعجما
يريد: العجم، فأفرد، لمقابلته بعادٍ، وعاد لفظ مفرد، وإن كان معناه الجمع. ويجوز أن يريد: الأعجمين، وإنما يريد، غلبت الناس كلهم، ومن الناس من يروي:
إذا لزرناكِ ولو بسلَّمِ
ولا وجه له، لأن السلم لا يستعمل في قطع المسافات البعيدة، وإنما يستعمل في صعود المواضع المرتفعة، ولو قال قائل لصاحبه: لو كنت ببغداد لنهضت إليك ولو بسلم لم يكن له معنى يعقل.
стр. 610
وقد يستعمل السلم بمعنى السبب وليس له هاهنا وجه، لأنه كان يجب أن يقول ولو بغير سبب يوجب النهوض.
والسلم: مذكر قال الفراء: كنت أحفظ بيتاً شاهداً على تأنيث السلم وأنسيته.
قال أبو سعيد الغاضري: البيت الذي نسيه الفراء هو قول الشاعر:
لنا سلَّمٌ في المجدِ لا يرتقونها ... وليسَ لهمْ في سورةِ المجدِ سلَّمُ
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩٦)
بلْ بلدٍ ملءِ الفجاجِ قتمهْ
لا يشترى كتانهُ وجهرمهْ
هذا الرجز لرؤبة بن العجاج.
ووجه الشاهد فيه، قوله
"وجهرمه"، وقد بين أبو علي أنه يحتمل وجهين:
стр. 611
أحدهما: أنه أتى على لفظ "جهرمي وجهرم" ثم عرف بالإضافة كما عرف ما تقدم بالألف واللام.
والثاني: أن يقدر: لا يشترى كتانه، ووشي جهرمه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقال أبو حاتم والزيادي: الجهرم: البساط من الشعر. والجميع: جهارم.
وقيل: جهرم: قرية من قرى بلاد فارس، تنسب الثياب الجهرمية.
فعلى هذا القول، ليس فيه نسب، ولا هو على حذف المضاف. وبعده:
يجتابُ ضحضاحُ السَّرابِ أكمهْ
خارجةً أعناقهُ ولممهْ
بعدَ ائترازٍ فيه أو تعمُّمهْ
تهفو بإنسانِ البصرِ طسمهْ
الإعراب
يروى "بل بلد" بالخفض على إضمار "رب".
стр. 612
وملء: صفة له.
وقتمه: مرتفع بملء.
ويروى: "بل بلد" بالرفع على إضمار المبتدأ.
وقتمه: مبتدأ.
وملء الفجاج: خبره.
وأنشد أبو علي في باب ما دخلته تاء التأنيث، وهو اسم مفرد، لا هو واحد من جنس كتمرة وتمر، ولا له مذكر، كمرأة ومرء، ولا هو بوصف.
(١٩٧)
وما ذكرٌ فإنْ يكبرْ فأثنى ... شديدُ الأزكِ ليسَ بذي ضروسِ
أراد بالذكر: القراد، لأنه صغير يسمى قراداً، فإذا كبر، سمي حلمة، وهو لغز، وقد بينه أبو علي.
ويجمع ضرس على أضراس، قال:
وجرَّحوه بأنيابٍ وأضراسِ
ويجمع أيضاً على أضرس، قال:
وقرعنَ نازكَ قرعةً بالأضرسِ
стр. 613
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩٨)
إنِّي وجدتُ بني سلمى بمنزلةٍ ... مثل القراد على حاليه في النَّاسِ
هذا البيت من أخبث الهجاء، يقول: إنهم يولودن ذكراناً، فإذا شبّوا صاروا إلى مثل حال الإناث.
يريد: أن القراد صغيراً يسمى قراداً، وهو مذكر، فإذا كبر سمي حلمة، فصار له اسم المؤنث.
وأنشد أبو علي في الباب.
(١٩٩)
وكنَّا إذا الجبَّارُ صغرَّ خدَّهُ ... ضربناهُ تحتَ الأنثيينِ على الكردِ
هذا البيت للفرزدق.
الشاهد فيه، قوله
"فوق الأنثيين" أراد: الأذنين سماهما بالتأنيث اللاحق لهما، لفظاً،
стр. 614
ولا حقيقة أنثى تحته، مثل ما تقدم، ومثله من تأنيث اللفظ، قول الآخر:
وعنترة الفلحاء جاء ملاماً ... كأنه فنجٌ منْ عمايةَ أسودُ
قال: الفلحاء، لما كان عنترة اسماً مؤنث اللفظ، ومثله كثير، ومنه قولهم، لبيضتي الإنسان: أنثيان.
وهذا نحوه، مما يضعف التذكير، في مثل: حسن دارك، واضطرم نارك، وإن كان تأنيثاً غير حقيقي، ألا ترى أنه قد أطلق لفظ "أنثى" على ما لا حقيقة تأنيث فيه، اطلاقه على المرأة والجارية، ونحوه.
كما لا يجوز: قام المرأة، كذلك يضعف حسن دارك.
اللغة
الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد حقاً. يقال: جبار بين الجبرية والجبرية، بكسر الجيم والباء أو بفتحهما، والجبار من الملوك: العاتي وقيل: كل عات: جبار وجبير.
وقلب جبار: لا تدخله الرحمة. والجبار: المتسلط، وفي التنزيل: (وما أنت عليهم بجبار) وكله راجع إلى معنى التكبر.
والتصعير: إمالة الخد عن النظر إلى الناس تهاوناً من كبر، كأنه معرض، يقال: قد صغر خده، وصاعره، وفي التنزيل: (ولا تصاعر خدك للناس)
стр. 615
وأصعره كصعره، وربما كان الصعر خلقة في الإنسان. وقيل: هو ميل إلى أحد الشقين.
وقيل: هو داء يأخذ البعير، في لو يعنقه ويميله. يقال منه: صعراً صعراً، وبعير أصعر، وجمعه: صعر، قال الشاعر:
وترى لها دلاًّ إذا نطقتْ ... تركتْ بناتِ فؤادهِ صعرا
وقال أبو دؤيب:
فهنَّ صعرٌ إلى هدرِ الفنقِ ولمْ ... يجفرْ ولميسلهِ عنهنَّ إلقاحُ
والكرد: أصل العنق، فارسي معرب.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٠٠)
أوردَ حذّاً تسبقُ الأبصارا
وكلَّ أنثى حملتْ أحجارا
هذا الرجز للعجاج.
الشاهد فيه ، قوله
"وكل أنثى"، وأردا الأنثى: المنجنيق، لأنها مؤنثة اللفظ، فأخبر عنها بالأنثى كما تقدم.
اللغة
يقال: منجنيق، ومنجنوق، وتسمى القذّاف.
стр. 616
والحذ: جمع أحذ، وهو سهم خفيف، والأحذ من الخيل: الخفيف شعر الذنب.
وصفها بالسرعة.
وبين البيتين:
تسبقُ بالموتِ القنا الحرارا
تسرعُ دونَ الجننِ البشارا
والمشرفيَّ والقنا الخكَّارا
يقول هذه الأرجوزة العجاج، في الحجاج بن يوسف الثقفي.
وهو الذي يعني بأورد، يريد: أورد الرماح والسيوف والسهام والمجانيق ديار أعدائه.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٠١)
بلْ ذاتُ كرومةٍ تكنفها ال ... أحجارُ مشهورةٌ مواسمها
الشاهد فيه،
قوله: "الأحجار"، كنى عن الرجال بالأحجار، لما كانوا يسمون بها، كصخر؟، وحجر، وجندل، فكنى عنهم بالأحجار، كما أنثت الأسماء التي تقدمت تأنيثاً لفظياً.
стр. 617
الإعراب
رفع "ذات أكرومة" على تقدير، بل هي ذات أكرومة، و "مشهورة" بالرفع والنصب، فمن رفع جعل "مواسمها" مبتدأ، و "مشهورة" خبره، والجملة في موضع الحال.
ومن نصب فعلى الحال، ومواشمها: مرفوعة بمشهورة، ويروي: مراسمها.
وصف كتيبة.
وأنشد أبو علي في باب ما جاء من الجمع على مثال "مفاعل" فدخلته تاء التأنيث.
(٢٠٢)
طافتْ به الفرسُ حتَّى بذَّ ناهضها ... عمٌّ لقحنَ لقاحاً غيرَ مبتسرِ
هذا البيت لابن مقبل.
الشاهد فيه، قوله
"الفرس" وهو جمع "فارسي" على النسب، كيهودي واليهود، وقد تقدم أمثاله.
اللغة
وصف خلاً، يقول: قامت عليها الفرس، أي: خدمتها وأصلحتها، حتى بذَّ ناهضها، أي سبق وغلب، والناهض: الذي نهض قليلاً ولم يكمل. والعم: الطوال
стр. 618
من النخل والنبات، والرجال، واحده معميم، يقال: جارية عميمة، ونخلة عميمة، والجمع: عم.
قال سيبويه: ألزموه التخفيف، إذ كانوا يخففون غير المعتل، ونظيره: بون، وكان يجب عمم، كسرير وسرر، لأنه لا يشبه الفعل.
وجاء عن الحياني: نخلة عم، إما أن تكون"فعلاً" وهي أقل وإما أن تكون "فعلاً" أصلها عمم، فسكنت الميم وأدغمت، ونظيرها على هذا، ناقة علط، وقوس فرج. وهذا باب واسع.
وقوله: "غير مبتسر"، ويقال: ابتسر التيس الشاة، إذا ضربها على غير شهوة، استعاره للنخلة، أي: لم يلقحها في غير وقتها.
يقال: ألقح الفحل الناقة، ولقحت هي: حملت، وهيلاقه.
وأنشد أبو علي في باب ما أنث من الأسماء من غير لحاق علامة من هذه العلامات الثلاث.
(٢٠٣)
لمَّا تذكَّرتُ بالديرينِ أرَّقني ... صوتُ الدَّجاجِ وقرعٌ بالنَّواقيسِ
هذا البيت لجرير.
стр. 619
الشاهد فيه،
قوله: "الدجاج" يعني به الديكة، يقال للديك: دجاجة، فإذا أرادوا الأنثى، قالوا: هذه، وكذلك هذه بقرة وهذا بقرة، وهذه بطة، وهذا بطة، وهذه حمامة، وهذا حمامة. وقال الأخطل:
نازعتهمْ طيبَ الرِّاحِ الشَّمولَ وقدْ ... صاحَ الدَّجاجُ وحانتْ وقعةَ السَّاري
اللغة
قوله: "بالديرين"، وإنما هو دير واحد بالشام، يقال له دير الوليد، ثناه ضرورةً ومجازاً، لما يتصل به من مجاروه، كقول الفرزدق:
عشيةَ سالَ المربدانِ كلاهما ... سحابةَ موتٍ بالسَّيوفِ الصَّوارمِ
وإنما هو مربد واحد، فثناه.
ومعنى أرقني: أذهنوني، والتأريق من أولا للل.
وصوت الدجاج، من آخره، ومجازه أن يكون على حذف مضاف، تقديره: أرقني انتظار صوت الديكة، ولو كان على لفظه، لكان خطأً. ومثله قول الآخر:
أقولُ لصاحبيَّ بأرضِ نجدٍ ... وجدَّ مسيرنا ودنا الطُّروقُ
أراد: ودنا وقت الطروق، وهو آخر الليل، وقال آخر:
وأهلكَ مهرَ أبيك الدَّوا ... ءُ ليسَ لهُ منْ طامٍ نصيبْ
أراد: فقد الدواء، وهو الصنعة وحسن القيام على الدابة، كقول الآخر:
وداويتها حتَّى شتتْ حبشيَّةً ... كأنَّ عليها سندساً وسدوسا
стр. 620
وقال النابغة:
لإني لا ألامُ على دخولٍ
أراد: على ترك دخول.
وقرع النواقيس: ضربها، وذلك سحراً.
وقبل البيت:
لوْ لمْ قتلنا جادتْ بمطرفٍ ... ممَّا يخالط حبَّ القلبِم نفوسِ
قد كنتِ خدناً لنا يا هند فاعتبري ... ماذا يربيكِ منْ شيبي وتقويسي
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٠٤)
فالعيُ بعدهمُ كأنَّ حداقها ... سلمتْ بشوكٍ فهيَ عورٌ تدمعُ
هذا البيت، لأبي ذؤيب الهذلي.
الشاهد فيه، قوله
"فالعين"، أراد بها الجنس، والدليل على ذلك، قوله: "فهي عور"، و "العور" لا تكون للواحدة.
стр. 621
وقال غير أبي علي: إنه جعل كل جزء من الحدقة أعور، وكل قطعة منها عوراء [وهذه ضرورة، وإنما آثر أبو ذؤيب هذا، لأنه لو قال: "فهي عوراً] تدمع" لقصر الممدود، فرأى ما عمل أسهل عليه وأخف.
اللغة
العور: ذهاب حسن أحد العينين، وقد عور عوراً، وعار يعار، وأعور، وهو أعور.
وصحت العين، في "عور" لأنه في معنى ما لابد من صحته. والجمع: عور، وعوران.
وعوران قيس خمسة شعراء عور. الأعور الشني، والشماخ، وتميم بن أبي بن مقبل، وابن أحمر، وحميد بن ثور الهلالي.
وبنو الأعور قبيلة، سموا بذلك، لعور أبيهم، وقال جبلة:
وبعتُ لها العينَ الصَّحيحةَ بالعورْ
فإنه أراد: العوراء، فوضع المصدر موضع الصفة، ولو أراد: العور، الذي هو
стр. 622
الغرض، لقابل العين الصحيحة، وهيجه، بالعور، وهو عرض وهذا قبيح في الصنعة.
وقد يجوز أن يريد: العين الصحيحة، بذات العور، فحذف.
وكل هذا، ليقابل الجوهر بالجوهر، لأن مقابلة الشيء بنظيره أذهب في الصنع وأشرف في الموضع.
قال سيبويه: "حدثنا بعض العرب، أن رجلاً من بني أسد، قال يوم جبلة، واستقبلته بعير أعور، فتطير، فقال: يا بني أسد، "أعور وذا ناب"، فاستعمل الأعور للبعير".
ووجه نصبه، أنه لم يرد: أن يسترشدهم، ليخبروه عن عوره، وصحته، ولكنه نبههم، قال: أتستقبلون أعور وذا ناب، فالاستقبال في حال تنبيهه إياهم كان واقعاً، وأراد أن يثبت الأعور، ليحذروه.
فأما قول سيبويه في تمثيل النصب: أتعورون، فليس من كلام العرب، ونظير ذلك قوله في "الأعيار" من قول الشاعر:
أفي السِّلمِ أعياراً جفاءً وغلظةً ... وفي الحربِ أشباهُ الَّنساءِ العواركِ
стр. 623
أتعيرون، وكل ذلك إنما هو، ليصوغ الفعل مما لا يجري على الفعل، أو مما يقل جريه عليه.
والأعور: الغراب، على التشاؤم به، لأن الأعور عندهم مشؤم. وقيل: لخلاف حاله، لأنهم يقولون: "أبصر من غراب". ويسمى عويراً، على تصغير الترخيم.
وقوله، أنشده ثعلب:
ومنهلٍ أعورَ إحدى العينينْ
بصيرِ أخرى وأصمَّ الأذنينْ
فسره فقال: معنى إحدى العينين، أي كان فيه بئران، فذهبت واحدة فذلك معنى قوله: "أعور إحدى العينين". وبقيت واحدة، فذلك معنى قوله: "بصير أخرى". وقوله: "أصم الأذنين" أي: ليس يسمع فيه صدى.
وطريق أعور: لا علم في. وهو مثل.
والأعور: الرديء منكل شيء. والأعور: الضعيف الجبان البليد الذي لا خير فيه، عن ابن الأعرابي، وأنشد للراعي:
إذا هابَ جثمانهُ الأعورُ
يعني بالجثمان: سواد الليل ومنتصفه.
стр. 624
والأعور: السيء الدلالة، وقيل: الذي لا يدل ولا يندل.
والحداق: جمع حدقة.
وسملت: غرزت.
وبعد البيت:
حتَّى كأنَّي للحوادثِ مروةً ... بصفا المشقَّرِ كلَّ يومٍ تقرعُ
وتجلُّدي للشَّامتين أريهمُ ... أنِّي لريبِ الدهرِ لا أتضعضعُ
والنَّفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتها ... وإذا تردُّ إلى قليلٍ تقنعُ
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٠٥)
لها عناجان وستُّ آذانْ
هذا الشطر أنشده أبو زيد، في "نوادره" ولم يسم قائله، وقبله:
لا دلو إلاَّ مثلَ دلو أهبانْ
الشاهد فيه ،
تأنيث الآذان، ولهذا قال: "وستُّ آذانْ"، لم يقل ستة، لأن علامة التأنيث تحذف في العدد، فيما بين الثلاثة إلى العشرة.
стр. 625
اللغة
العناج: خيط أو سير، يشد في أسفل الدلو ثم يشد في عروته. وقيل: عناج الدلو، عرو في أسفل الغرب من باطن، يشد بوثاق إلى أعلى الكرب، فإذا انقطع الحبل، أمسك العناج الدلو أن تقع في البئر. وكل ذلك إذا كانت الدلو خفيفة، وهو إذا كانت الدلو ثقيلة: حبل أو بطان، يشد تحتها، ثم يشد إلى العراقي فيكون عوناً للوذم. قال الحطيئة:
قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهمُ ... شدُّوا العناجَ وشدُّوا فوقهُ الكربا
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٠٦)
أرى رجلاً منهمْ أسيفاً كأنَّما ... يضمُّ إلى كشحيهِ مفّاً مخضبا
هذا البيت للأعشى.
الشاهد فيه
قوله: "كفّاً مخضباً"، وكان وجه الكلام "مخضبةً"، لأن الكف مؤنثة، وقد
стр. 626
يتخرج على وجهين: أحدهما: أنه حمل الكف على المعنى ، لأنه عضو، فيكون من تذكير المؤنث غير الحقيقي، وقد تقدم القول في مثله، وأوردت أبياتاً من تذكير المؤنث، وتأنيث المذكر.
الثاني: أنه جعل "مخضباً" صفة لرجل. وقال أبو علي: يحتمل أن يكون حالاً من الضمير في قوله: "يضم"، أو من الضمير المجرور في قوله: "كشحيه".
اللغة
الأسيف: الأسير. وهو من الأسف. وهو المبالغة في الحزن.
والأسيف أيضاً: الأجير. والكشحان: الخصران.
وصلته:
وما عندهُ مجدٌ تليدٌ وما لهُ ... منَ الريحِ حظٌّ لا الجنوبُ ولا الصَّبا
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٠٧)
ولا أرضَ أبقلَ إبقالها
صدره:
فلا مزنةٌ ودقتْ ودقها
стр. 627
والبيت لعامر بن جوين الطائي.
أتى به أبو علي، في أثناء كلامه تقوية لبيت الأعشى، أنه حمل"الكف" على العضو، كما حمل هذا الشاعر، "الأرض" على المكان، أو يكون على إسقاط علامة التأنيث من "فعل" متأخر، لاسم مؤنث متقدم.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٠٨)
يا بثرُ يا بئرَبني عديِّ
لأنزحنْ قعركِ بالدِّليِّ
حتَّى تعودي أقطعَ الوليِّ
الشاهد في هذه الأشطار: قوله: "حتى تعودي أقطع"، وكان حقه أن يوقل: قطعاء الولي، وإنما حمل على المعنى، أراد: قليباً أقطع، لأن التذكير في القليب أكثر. فحمل على معناه، كما حمل الآخر الأرض على المكان.
اللغة
قليب أقطع: ذهب ماؤه، أو قل. والاسم: القطعة. وفي الحديث: "كانت يهود قوماً لهم ثمار، لا تصيبها قطعة". أي: لا ينقطع الماء عنها.
ورجل أقطع: مقطوع اليد. وجمعه: قطع وقطعان.
стр. 628
والقطعة: موضع القطع من اليد.
وقعر كشيء: أقصاه، وجمعه قعور، وبئر قعورة وقعور: بعيدة القعر.
والدلي: جمع دلو، وتقديره: "فعول".
ونزحت البئر: نقص ماؤها، ونزحتها: نقصت ماءها. وبئر نزوح: قليلة الماء.
والولي: اسم واقع على أشياء منها: الصديق والصاحب، فكأن هذه البئر، إذا نفذ ماؤها عدم الاستقاء منها، فكأن أيديم، يتولى ذلك منها قد قطعت. فها معنى قوله: "أقطع الولي".
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٠٩)
فباتت ركابُ بأكوارها ... لدينا وخيلٌ بألبادها
لقومِ فكانوا همُ المنفدينَ ... شرابهم قبل إنفادها
هذان البيتان للأعشى.
الشاهد فيهما
"تأنيث الشراب"، حملاً على المعنى، لما لراد به: الخمر. وهو مثل ما تقدم يؤكد تذكير "الكف" في الشعر.
اللغة
الركاب: الإبل، وجمعها: ركب، وواحد الركاب: راحلة.
والأكوار: جمع كور، هو الرحل، ويجمع أيضاً كيران.
والألباد: جمع لبد، وهو السرج.
стр. 629
المعنى
وصف نزولهم على الخمار، وهم بركابهم وخيلهم، لم يزيلوا عنها رحالها، ولا سروجها، حتى أنفدوا شرابه، ولم تنفد عقولهم، وقيل: لم تنفد دارهمهم، لأنهم مياسير أغنياء.
وقبلهما:
دارهما كلُّها جيِّدٌ ... فلا تحبسنَّا بتنقادها
فقامَ فصبَّ لنا قهوةً ... تسكِّننا بعد إرعادها
كميتاً تكشفُ عنْ حمرةٍ ... إذا صرَّحتْ بعد إزبادها
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢١٠)
سقى العلمَ الفردَ الَّذي بجنوبهِ ... غزالانِ مكحولانِ مختضبانِ
هذا البيت، أنشده أبو زيد في "نوادره"، لبعض الأعراب من بني جشم. وأنشد بعده:
إذا أمنا التثيا بحيديْ تواصلٍ ... وعندَ طلوعِ الشَّمسِ يفترقانِ
стр. 630
طلبتهما ختلاً فلم أستطعهما ... ورمياً فقاتاني وقدْ رمياني
الشاهد فيه
"مختضبان"، تقوية لما جاء في بيت الأعشى، أن يكون قوله: "مخضباً" نعتاً للرجل، لا للكف، فلا يكون في البيت ضرورة. يقال: رجل مخضب ومخضوب، إذا خضبت يده، كما تقول: رجل مقطوع، إذا قطعت يده.
اللغة
العلم: الجبل الطويل، وقال ابن الأعرابي: العمل: الجبل، ولم يخص الطويل. والجمع: أعلام وعلام، قال الشاعر:
قد جبتُ عرضَ فلاتها بطمرَّةٍ ... والَّليلُ فوقَ علامهِ متقوِّضُ
وقال كراع: "ونظيره: جبل وأجبال وجبال، وجمل وأجمال وجمال، وقلم وأقلام وقلام".
واعتلم البرق: لمع في العلم. والعلم أيضاً: الفصل بين الأرضين.
والعلم أيضاً: شيء ينصب في الفلوات، تهتدي به الضالة.
ويقال: بين القوم أعلومة، كعلامة، عن أبي العميثل الأعرابي والجنوب: جمع جنب، كقلب وقلوب، وفلس وفلوس.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢١١)
عليها منْ قوادم َمضرحيَّ ... فتي السنِّ محنتكِ الضُّلوعِ
стр. 631
هذا البيت لعنترة بنشداد العبسي.
الشاهد فيه
الإخبار بالسن عمن لا سن له، والعرب قد اتسمت فيها، حتى صارت أمارة للهرم، والكبر، يقال: كبرت سني.
اللغة
المضرجب: النسر، وهو من الصقور: ما طال جناحاه، وهو الكريم فيها. والفتي: كالفتى، وهو الشاب.
والسن من العمر أنثى، كالسن من الفم.
والحنكة: السن والتجربة، وحنكته التجارب: هذبته، وأوان الظهور سن العقل.
ويروى: "محتبك" بالباء، من حبك الناسخ الثوب: إذا أجاد نسجه، ومن الشيء المحبوك، وهو المجدول، أي: المحكم.
يققال: جدل الفتل، إذا أحكم فتله.
والضلوع والأضالع والأضلاع والأضلع، واحدها ضلع وضلع، وهي محنية الجنب مؤنثة.
المعنى
وصف سهاماً راشها من قوادم المضرجي، وهي من جناح الطائر الريش
стр. 632
الكبار، وقيل: إنما وصف شعر ذنب ناقته بالصفو والسبوغ، وجعل المضرجي فتي السن، وإن كان لا سن له، مجازاً واتساعاً، كما وصفه بالاحتناك أو الإحتباك.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢١٢)
وقدرٍ ككفَّ القردِ لا مستعيرها ... يعارُ ولا يأتها يتدسَّمِ
هذا البيت، لتميم بن أبي (بن) مقبل.
الشاهد فيه
"تأنيث القدر"، لأنه قال: "لا مستعيرها"، فرد عليها ضمير المؤنث.
المعنى
هجا قوماً، فجعل قدرهم في الصغر ككف القرد، وجعلها لا تعار، ولا ينال من دسمها، تأكيداً للؤمهم.
ويحتمل أن يكون قوله: "لا مستعيرها يعار"، أي لا مستعيرها يعارها، أي: لا مستعير يستعيرها فيعارها، لأنها لصغرها مأبية.
فيكون كقول امرئ القيس:
لا يفزعُ الأرنبَ أهوالها ... ولا ترى الذِّئبَ بها ينجحرْ
стр. 633
أي: لا أرنب بها فيفزعها أهوالها، ولا ذئب فينجحر.
ومثله قولهم: "هم في أمر لا ينادى وليده" أي، لا وليد فيه فينادى، وإنما الكفاة والنهضة، على بعض الأقوال فيه. ومثله قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) .
الإعراب
يروى: "يتدسّم" بالرفع والجزم.
فمن رفع، جعله وهو مؤخر في نية التقديم، كأنه قال: ولا يتدسم من يأتها. مثل قول الآخر:
وما ذاك أن كان ابن عميِّ ولا أخي ... ولكن متى ما أملكُ الضُّرَّ أنفعُ
ومثله قول الآخر:
يا أقرُ بن حابسٍ يا أقرعُ ... إنَّك إنْ يصرع أخوك تصرعُ
وقول زهير:
стр. 634
وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حرامُ
وإنما قبح مثل هذا، ولم يحسن إلا في الشعر من طريق أن "إن" عملت في الشرط فلا يحسن إلا أن يكون لها جواب ينجزم بما قبل، فهذا الذي يشاكلها إذا أعملت، وإنما يحسن إذا قلت: إن أتيتني آتيك، والتقدير: آتيك إن أتيتني، ولا يحسن آتيك إن تأتني إلا في الشعر كما تقدم.
ووقع في نسخ "الإيضاح" مرفوعاً، والصحيح جزمه با بشر، الذي هو "من"، لأن سيبويه استشهد بهذا البيت على المجازاة "بمن"، مع دخول"لا" عليها، ولمتغير عملها، لأننا لغو فيه، كما تطون في مواضع كثيرة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢١٣)
شرحُ اليدينِ إذا ترفعتِ الضُّحى ... هدجَ الثفالِ بحملهِ المتثاقلِ
الشاهد فيه
تأنيث"الضحى"، وإن لم تكن فيه علامة التأنيث، استدل عليه بقوله: "ترفعت"، ويصغر بغير هاء التأنيث "ضحي".
ولها أخوات، وهي: القوس والحرب والدرع والعرس.
لم تختلف العرب في تصغيرها بغير هاء.
стр. 635
اللغة
السرح: الناقة السريعة الخفيفة. والسروج أيضاً. والضحو والضحوة: ارتفاع النهار. والضحى: فوق ذلك. والضحاء، إذا مدَّ النهار.
والهدج والهدجان: مشي في ضعف. وقد يكون بارتعاش. وهدج الشيخ في مشيه يهدج هدجاً وهدجاناً، إذا قارب خطوه، وأسرع من غير إرادة. وهدج الظليم واستهدج.
والثفال: الجمل المعيي البطيء. والمتثاقل: الثقيل. وصف ناقة. ونصب "هدجاً" على المصدر الشمبه به.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢١٤)
وحربٌ عوانٌ بها ناخسٌ ... مرينُ برمحي فدرَّتْ عساسا
هذا البيت، للنابغة الجعدي.
الشاهد فيه
تأنيث "الحرب" واستدل بقوله: "بها ناخس". فرد عليه ضير المؤنث.
اللغة
العوان من الحر: التي قوتل فيها مرة، وهو على المثل. ويقال: نخلة عوان
следующие страницы →