Полный текст (856 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
هذا البيت لزهير بن أبي سلمى، وإليه نسبه ابن دريد في "الزاهر".
الشاهد في
تأنيث "الدرع".
اللغة
المفاضة: هي الدرع الكاملة.
والنهي: الغدير، وقد تقدم.
والصبا: الريح الشرقية.
ومعنى تنسجه: تضربه.
وكفت: قبض، والأرض تكفت الأحياء والأموات. وكفت يكفت كفاتاَ وكفاتاً: إذا عاد في عوهن وفي الناس كفت شديد، أي موت، يقال: اللهم أكفته إليك، والكفت: المر السريع، ويقال: روق الكفيت، أي ما يضم به المعيشة، وقيل: وهو القوة على الجماع.
والمهند: السيف.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٤٣)
ندمتُ على لسانٍ كان منّي ... فليت بأنَّه في جوفِ عكمِ
стр. 702
هذا البيت للحطيئة، واسمه جرول بن أوس العبسي.
الشاهد فيه
إرادته "باللسان" الكلام واللغة، يدل على ذلك "ندمت لأن الندم لا يقع على الأعيان".
اللغة
للسان: الجارحة مشهورة، تذكر وتؤنث، ولغة القرآن التذكير، لأنه جاء على "أفعله"، وإذا كان مؤنثاً جمع على "أفعل".
والعكم هنا: باطن الجيب، أتى به على المثل، والعكم أيضاً: النمط تدخر فيه المرأة متاعها. والعكم: العدل، وجمعه كله: أعكام. والعكم: الكارة، وهي رزمة القصار، والجمع: عكوم.
وقبله:
فيا ندمي على سهم بن عوذٍ ... ندامةَ ما سفهتُ وضلَّ حلمي
стр. 703
ندمتُ ندامةَ الكسعي لما ... شريتُ رضا بني سهمٍ برغمي
ندمت على لسانٍ كان مني ... فليت بأنَّه في جوف عكمِ
هنا لكم تهدَّمتِ الركايا ... وضمَّنتِ الرَّجا فهوتَ بذمِ
الإعراب
يحتمل "بأنه" امرين.
أحدهما: أن تكون "الباء" زائدة، وتكون "أن" مع الجار في موضع نصب، ويكون ما بعد "أن" قد سدَّ مسد خبر "ليت". كما أنها في ظننت أن زيداً قائم كذلك.
والثاني: أن تكون "الباء" مرادة، ودخلت على امبتدأ، كما دخلت في قولهم: "بحسبك أن تفعل ذلك".
ولا يمتنع هذا من حيث امتنع الابتداء "بأن"، لمكان "الباء". ألا ترى أن "أن" قد وقعت بعد "لولا" في نحو: لولا أنك منطبق، ولم يجر ذلك في الامتناع مجرى "أنك منطلق"، لأن المعنى الذي له لم يبتدأ بالمفتوحة معدوم مع "لولا".
ويروى أيضاً: "فليت بيانه". حكاه يعقوب، وذكره أبو الفتح في "الخاطريات".
ويروى أيضاً: "وددت بأنه".
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٤٤)
أمنَ المنونِ وريبهِ تتوجعُ ... والدَّهر ليس بمعتبٍ من يجوعُ
стр. 704
هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي.
الشاهد فيه
أن "المنون" تذكر وتؤنث.
فمن ذكر روى "وريبه" ومن أنث، رواه "وريبها".
فمن ذكر، أراد: الموت والدهر، ومن أنث، أراد: الداهية.
وذهب الأصمعي، إلى أن "المنون" واحد لا جمع له.
وذهب الأخفش، إلى أنه جمع لا واحد له.
ويمكن أن يريد الأخفش: أنه واحد في معنى الجمع، فهو معنى قول الأصمعي: إنه واحد، وهو أشبه.
وإذا أمكن الجمع بين قوليهما، لم يحسن اعتقاد الخلاف بينهما.
والتأنيث في قوله: "وريبها"، راجع إلى معنى الجنسية والكثرة، وذلك أن "الداهية" توصف بالعموم والكثرة الانتشار، يقوي ذلك قول الكميت.
فإيَّاكم وداهيةً نآدى ... أظلتكم بعارضها المخيلِ
стр. 705
"فنادى": مثال من أمثلة الجمع، كصحارى وسكارى، وقد أجاره صفة على الداهية وهي في اللفظ واحدة، والمنون من أعظم الدواهي.
وقوله:
والدهر ليس بمعتبٍ
أي: ليس بمراجع من يجزع منه.
وريبه: ما يأتي به من الفجائع.
وفي قوله: "ليس بمعتب"، سر من أسرار هذه اللغة طريف، يكاد يلحق بالأضداد، عند من يضعف قياسه.
وأما عد من قوي نظره فليس ضداً، وذلك أن معنى "معتب"، هو لسلب المعنى لا إثباته.
ومعنى هذا القول: أن أكثر اللغة، إنما تأتي لإثبات معنى أصل اللفظة، لا لنفيه وسلبه، وذلك نحو: ضربت زيداً، أي: أوصلت الضرب إليه وأوجدته، وكذلك أكرمته، أوصلت الكرامة إليه، وأحسنت إليه، وأسأت إليه، وقربته وبعدته، ونحو ذلك، أوجبت ذلك له، وأوجدته فيه.
ثم إنه كما يأتي هذا ونحوه، للإثبات، فقد يأتي للسلب أيضاً، ومن ذلك قولهم: أعجمت الكتاب، أي أزلت عنه استعجامه، وسلبته إياه، وكذلك أشكيت الرجل، أزلت عنه ما يشكوه، قال:
تمدُّ بالأعناق أو تلويها
وتشتكي لو أننا نشكيها
стр. 706
أي: نزيل عنها ما تشكوه، ومنه الحديث المرفوع: "شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء، فلم يشكنا"، فقولهم: لم يشكنا، من باب السلب. وحكي أشكلت الكتاب، في معنى شكلته، أي: أزلت عنه إشكاله.
وقال أبو علي في قوله تعالى (أكاد أخفيها) : هو من هذا الباب، ومعناه: أظهرها، وتلخيصه: أكاد أزيل عنها خفاءها، فلا محالة في ظهورها.
فإذا ثبت ذلك، وما وقع الإيماء إليه، كان قوله: "ليس بمعتب من يجزع" أي: ليس بزائل عما يدعو إلى العتب عليه، والمعاتبة له.
فقولهم إذن: عاتبني فأعتبته، هو في معنى السلب لهن كقولهم: شكا إليَّ فأشكيته، قال:
فأعتبوا بالصَّيلمِ
أي: لم تكن ثَم عتبى، إنما كانت داهية صيلم، كقوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) أي: ليست هناك بشارة، إنما هنالك عذاب مؤلم. وكقولهم: عتابك السيف، وحديثك الصمم.
стр. 707
ولولا خوف الإطالة، وكراهيتها، لم اقتصر على هذا.
وبعد هذا البيت، وهو أول القصيدة:
قالت أميمةُ ما لجسمكَ شاحباً ... منذ ابتذلتَ ومثلُ مالكَ ينفعُ
أمَّا لجسمكَ لا يلائمُ مضجعاً ... إلاَّ أقضَّ عليكَ ذاك المضجعُ
فأجبتها أمَّا لجسمي أنَّهُ ... أودى بنيَّ من البلاد فودَّعوا
أودى بنيَّ وأعقبوني حسرةً ... بعد الرُّقاد وعبرةً ما تقلعُ
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٤٥)
متى يشتجرْ قومٌ تقل سرواتهم ... هم بيننا فهم رضاً وهم عدلُ
هذا البيت، لزهير بن أبي سلمى.
الشاهد فيه
قوله: "فهم رضاً وهم عدل"، فأقرد في موضع الجمع، وكان وجهه: "فهم مرضييون، وهم عدول"، وإنما حسن ذلك، لأنهما مصدران، يقعان بلفظ الواحد، لأثنين وللجمع، والمذكر والمؤنث.
وجعلهم هم العدل وهم الرضا، مبالغة في المدح، وتعظيماً وتشبيهاً للمعنى بالعين، وهو أولى من حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فيكون التقدير:
стр. 708
فهم ذوو عدل، وذوو رضا، وقد قالوا: أبو حنيفة الفقه، وقال تعالى: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً) . وقالت الخنساء:
ترتعُ ما رتعتْ حتَّى إذا ادّكرتْ ... فإنَّما هي إقبالٌ وإدبارُ
فجعلتهما إياهما مبالغة.
وقال تعالى: (خلق الإنسان من عجل) ، وذلك لكثرة فعله إياه، واعتياده له، وهو أقوى معنى من أن يتأول، خلق العجل من الإنسان، لأنه أمر قد أطرد واتسع.
فحمله على القلب، يبعد في الصنعة، ويصغر المعنى.
وكأن هذا الموضع، لما خفي على بعضهم، قال في تأويله: "إن العجل لهو الطين".
ولعمري إنه في اللغة ، كما ذكر عنه، إلا أنه في هذا الموضع، لا يراد به إلا نفس العجلة والسرعة، ألا ترى قوله تعالى عقبه: (سأريكم آياتي فلا تستعجلون) . ونظيره قوله تعالى: (وكان الإنسان عجولاً) . (وخلق الإنسان
стр. 709
ضعيفاً) لأنَّ العجلة ضرب من الضعف.
المعنى
يقول: إذا اختلف قوم في أمر، رضوا بحكمهم، لما عرف من عدلهم، وصحة حكمهم.
ويشتجر: يخلتفُ.
والسَّروات: جمع سراةٍ، والسَّراة جمع سري.
وقولهم "هم بيننا" أي هم الحاكمون بيننا، كما يقول كما يقول القائل: الله بيني وبينك. وبعد البيت:
همُ جدَّدُوا أحكامَ كلَّ مضلَّةٍ ... من العُقْم لا يُلْفَى لأمثالِها فَصْلُ
بِعزمَةِ مأمورٍ مُطِيعٍ وآمِرٍ ... مُطَاعٍ فلا يُلْفَى لحَزمِهِمُ مِثلُ
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٤٦)
هل من حلومٍ لأقوام فتنذرهُم ... ماجرَّبَ الناسُ من عضَّي وتضرِيسي
هذا البيت لجرير.
الشاهد فيه
قوله: "من حلومٍ "، جمعه، وهو مصدر، والمصدر لا يجمع، إلا أن تختلف أنواعه.
стр. 710
اللغة
الحلم: الأناة والعقل، يقال: حلم يحلم، ويجمع أيضاً على: أحلام قال:
وأحلامُ عادٍ لا يخافُ جليسُهم ... وإن نَطَقَ العوراءَ غربُ لسانِ
وينذرهم: يحذرهم ويخوفهم. والإنذار: المصدر. والنذير: الاسم وفي التنزيل: (كيف نذير) . والنذير أيضاً: المنذر. والجمع: نذير والعض هنا كناية عن الهجاء، وأصله الشد بالأسنان على الشيء. وكذلك عض اللحية. والعض أيضاً باللسان: هو أن يتناوله بما لا ينبغي والفعل منه عضضت أعض عضا وعضيضاً وعضاعضاً، وعضيته تميمية، ولم يسمع لها بمضارع على لغتهم. وعض الرجل بصاحبه عضا: لزمه ولزق به. وعض الثقاف بأنابيب الرمح عضا، وعض عليها: لزمها قال النابغة:
عضَّ الثقافُ على صُمَّ الأنابيبِ
والعظ بالظاء: الشدة في الحرب، وكذلك عظ الزمان. والتضريس أيضاً: الشد بالأضراس، وعليه وقوله:
стр. 711
وجَرَّحُوه بأنيابٍ وأضرَاسِ
وقبل البيت:
وابنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قرنٍ ... لم يَسْتَطع صَوْلَةَ البْزلِ القَنَاعيسِ
قَد حَرَّبتْ عَرَكي في كَّل مُعْتَركٍ ... غُلْبُ الأُسودِ فما بالُ الضَّغَابِيسِ
وأنشد أبو علي في باب الأسماء الثلاثية التي لا زيادة فيها.
(٢٤٧)
بمَعْتَرَكِ الكُمَاةِ مُصَرَّعاتٍ ... يُدَفَنَّ البُعُولَةَ والبَنِينَا
هذا البيت، للكميت بن زيد الأسدي.
الشاهد فيه .
دخول ناء التأنيث في "البعولة". قال سيبويه: "ألحقوا الهاء في البعولة، لتأكيد التأنيث". يعني تأنيث الجمع. وذكر أبو الفتح عثمان بن جني: أن فحولة وبعولة، وأمثاله، من "باب التراجع عند التناهي"، وذلك أن الشيء، إذا خرج عن حده، انعكس على ضده،
стр. 712
فمن ذلك قولهم: إن الإنسان إذا تناهى في الضحك بكى، وإذا تناهى في الغم ضحك، وإذا تناهى في العظة أهمل، وأبلغ من هذا قول أبي الطيب المتنبي:
ولجُدْتَ حتى كِدْتَ تَبْخَلُ حائِلاً ... للمُنْتَهى ومن السرورِ بُكَاءُ
والطريق في هذا ونحوه، معرفة مسلوكة، فهذا في غير صناعة الإعراب مطروق، وإذا كان مطروقاً، تأنست به في صناعة الإعراب. فمن ذلك قول إسحاق، في ذكر العلة التي امتنع لها، أن يقولوا: "مازال زيد إلا قائما". وتلك العلة نفي النفي، وإذا انتفى النفي، عاد إلى الإيجاب. وعلى هذا المساق، أن يكون قولهم: ظلمة وظلم، وسدرة وسدر، وقصعة وقصاع، وذلك أن الجمع يحدث للواحد تأنيثاً، نحو قولهم: هذا جمل وهذه جمال، وهذا رجل وهذه رجال قد أقبلت. وكذلك ذكر وذكارة، وعير وعيورة. فلما كانت ظلمة وقصعة وسدرة مؤنثات، وأردت تكسيرها، صرت كأنك أردت تأنيث المؤنث، فاستحال بك الأمر إلى التذكير، فقلت: ظلم وسدر وقصاع، فتراجعت للإيغال في التأنيث إلى لفظ التذكير.
ومنه قولهم: ثلاثة رجال وثلاثة نسوة. فعكسوا الأمر على ما تراه، والأجل ذال قالوا: امرأة صابرة، وغادرة، فألحقوا علم التأنيث. فإذا بالغوا وتناهوا في ذلك، قالوا: صبور وغدور، وكذلك رجل ناكح، فإذا بالغوا، قالوا: نكحة.
стр. 713
ونحو من ذلك اطراد التصرف، تحو: قام يقوم وقم، وما كان مثله، فإذا بالغوا وتناهوا، منعوه التصرف، فقالوا: نعم الرجل، وبئس الغلام، فلم يصرفوهما، وجعلوا ترك التصرف في الفعل، الذي هو أصله، وأخص الكلام به أمارة للأمر الحادث له، وأن حكماً من أحكام المبالغة، قد طرأ عليه، كما تركوا لذلك أيضاً تأنيثه دليلاً في نحو قولهم: نعم المرأة، وبئس الجارية. والكلام في هذا الباب طويل، والأمثلة فيه كثيرة، والزيادة على ما ذكرت لك تخرج عن المقصود، وفي هذا التنبيه كفاية.
اللغة
البعولة: أزواج النساء، ويجمع أيضاً على: بعال وبعول، ويقال للمرأة أيضاً: بعل وبعلة، قال:
شَرُّ قرينٍ للكبير بَعْلُته ... تُوْلِغُ كلبا سؤرهُ أو تكفُته
وتصريفه: بعل يبعل بعولة، وهو بعل، واستبعل كبعل، وتبعلت المرأة: أطاعت بعلها، وتبعلت له: تزينت، والتباعل والمباعلة والبعال: ملاعبة المرء أهله. وقيل: البعال: النكاح، ومنه الحديث في أيام التشريق "إنها أيام أكلٍ وشربٍ وبعالٍ" ويروى عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ ، كان إذا أتى يوم الجمعة قال: يا عائشة: "اليوم يوم تبعلٍ وقران" يعني بالقران: التزويج، وباعلت المرأة: اتخذت بعلاً. وباعل القوم قوماً آخرين، مباعلةً وبعالاً: تزوج بعضهم إلى بعضٍ، وبعل الشيء: ربه ومالكه.
стр. 714
وبعل، والبعل جميعاً: صنم، سمي بذلك، لعبادتهم إياه، كأنه ربهم، وقوله تعالى: (أتدعون بعلاً) ، قيل معناه: أتدعون رباً وقيل: هو صنم. والبعل: الصنم معموماً به، عن الزجاجي. وقال كراع: البعل: صنم كان لقوم يونس ﵇. والبعل أيضاً: الأرض المرتفعة، قال سلامة بن جندل:
إذا ما علونا ظهر بعلٍ عريضةٍ ... تخالُ عليها قَيْضَ بيضٍ مُفلَّقِِ
أنثها على معنى الأرض. وقيل: البعل: كل شجر أو زرع لا يسقى. وقيل البعل: ما سقته السماء والبعل من النخل: ما شرب بعروقه من غير سقيٍ، ولا ماء سماءٍ. وقيل: هو ما اكتفى بماء السماء، وبه فسر ابن دريد، كتاب النبي ﷺ ، لأكيدر بن عبد الملك، "لكم الضامنة من النخل، ولنا الضاحية متن البعل".
стр. 715
الضامنة: ما أطاف به سور المدينة. والضاحية: ما كان خارجاً. وأنشد:
أقسمتُ لا يذهبُ عَنَّي بَعْلُها ... أو يَسْتَوِي جثْيُها وجَعلُها
والبعل: ما أعطي على سقي النخل، قال الأنصاري:
هنالك لا أُبَالي نَخْلَ بَعْلٍ ... ولا سَقْيٍ وإنْ عَظُمَ الإِتاءُ
واستبعل الموضع والنخل: صار بعلاً.
والبعل: الذكر من النخل. ويقال بأمره فهو بعل: بَرِمَ، فلم يدر كيف يصنع فيه. والبعل: الدهش عند الرَّوع. وبعل بعلاً: فرق ودهش. وامرأة بعلة: لا تحسن لبس الثياب. وباعلهُ: جالسه. وهو بعل على أهله، أي ثقيل. وبعل على الرجل: أبى عليه، وفي حديث الشورى: "فقال عمر: قوموا فتشاوروا، فمن بعل عليكم أمره، فاقتلوه".
стр. 716
التفسير للهروي في "الغريبين". والمعترك: موضع القتال. قال:
النازلينَ بكلَّ مُعْتَركٍ
وقال جرير:
قَدْ جَرَّبَتْ عَرَكِي في كلَّ مُعْتَرَكٍ ... غُلْبُ الأسوِد فما بالُ الضَّغَابِيسِ
والكماة: جمع كمي، وهو الشجاع، وقد تقدم القول عليه. ومصرعات: مطروحات. ويروى:
يُدَفَنَّ البُعُوْلَةَ والأبِينا
جمع"أب"جمع السلامة، وكذا أورده أبو عليّ في "المسائل الحلبيات".
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٤٨)
والعِيسُ يَنْغَضْنَ بكيرَاننا ... كأَنَّماى يَنْهَشُهُنَّ الكَلِيب
стр. 717
الشاهد فيه
قوله: "الكليب" وهو اسم للجمع، لا يقاس عليه، ومثله: عبد وعبيد، وقد جاء في"فعل"، ضرس وضريس. اللغة: العيس: الإبل تضرب إلى الصفرة، عن ابن الأعرابي.
وقال غيره: جمل أعيس، وناقة عيساء، وظبي أعيس: فيه أدمة وكذلك الثور قال:
وعانَقَ الظَّلَّ الشَّبُوبُ الأَعْيَسُ
وعيس: اسم المسيح صلى الله على نبينا وعليه وسلم. وقال سيبويه: عيس "فعلى" وليست ألفه للتأنيث، وإنما هو أعجمي، ولو كانت ألفه للتأنيث لم ينصرف في النكرة، وهو ينصرف فيها.
قال: أخبرني بذلك من أثق به، يعني بصرفه في النكرة.
ومعنى ينغضن: ينحركن، يقال نغض ينغض وينغض نغضاً، وأنغض ينغض غنغاضاً. وقيل معناها: كثرة الحركة والاضطراب، وسمي الظليم نغضاً، لكثرة حركته وخفه جريه، وأنشد ابن دريد:
стр. 718
والنَّغْضُ مِثْلُ الأجْرَبِ المُدجَّلِ
فالنغض: الظليم. وتامدجل من قولهم: دجلت البعير، إذا طليته بالقطران وقد قال الله تعالى: (فسينغضون إليك رؤوسهم) . أي يحركونها، وقال رسول الله ﷺ ، للنابغة الجعدي، حين مدحه: "لا ينغض الله فاك". فقيل: إنه عمر مئة سنة، مئة وعشرين، لم تنغض له سن، أي لم يتحرك. والأكوار: وهو الرحل، ويروى: بكيرانها، وهو جمع كور أيضاً.
ويَنْهَشُهُنَّ: يَعَضُّهُنَّ.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٤٩)
فلما فَقَدْتُ الصَّوْتَ منهم وأُطْفئَتْ ... مصابِيحُ شُبَّتْ بالعشاء وأنؤُرُ
هذا البيت لعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي.
الشاهد فيه
قوله: "وأنؤُر"، جمع نار، وهو من جمعِ القلة.
ونظيره: دار وأدؤر، ويجمع أيضاً في القيل على نيرةٍ.
وأَمَّا جمعُه الكثير فُنُورٌ ونِيَرانٌ وهذا البيت من قصيدته المشهورة:
стр. 719
أَمِن آلِ نُعْمٍ أنت غادٍ فُمبكِرُ ... غَداةَ غدٍ أَمْ رائحٌ فمُهَجَّرُ
وقد قدمت منها أبياتاً، في قوله:
فكانَ مِجَنِّي دونَ من كنتُ أَتَّقِي
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥٠)
شَهدتُ ودَعْوانا أُمَيَّةَ أَنَّنا ... بَنُو الحَرْبِ نَصْلَاها إِذَا شَبَّ
وهذا البيت، لحاتم الطائي، ويكنى أبا سفانة، وقيل: أبا عديّ.
الشاهد فيه
قوله: "نورها" وهو جمع نار في الكثير، ونظيره دار ودُور.
الإعراب
يروى"إننا" بكسر الهمزة وفتحها. والكسر: رواية أبي حاتم عن الأصمعي، وهو اختيار أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش، حمل الدعوى على القول. والفتح رواية أبي زيد، راعى لفظ "دعوانا"والدعوى بمعنى الدعاء، حكاها سيبويه، في المصادر التي في آخرها ألف التأنيث، وأنشد لبشير بن النكث:
стр. 720
ولَّتْ ودَعْواها شَدِيدٌ صَخْبُه
ذكر على معنى الدعاء. قال سيبويه: "ومن كلامهم: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين". يقول: نحن بنو الحرب، ودعوانا أمية، من أجل أننا بنو الحرب، وعلى تقدير الكسر: وقولنا يا أمية، ثم استأنف، فقال: إننا بنو الحرب، ونظيره قول عنترة:
يًدْعُونَ عَنْتَرُ والَّرماحُ كأَنَّها ... أشطانُ بئرٍ في لَبانِ الَأدهمِ
المعنى
يقولون يا عنتر، وقال الله تعالى: (يدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ من نَفْعِه) .
فذهب أبو إسحاق، إلى أن يدعو، بمنزلة يقول، و"لَمَنْ" مرفوع بالابتداء ومعناه: يقول: لمن ضرة أقرب من نفعه إله معبود.
قال سيبويه: كان عيس بن عمر، يقرأ: (فَدَعَا رَبَّه إنّي مغلوبٌ فاْنَتصِرْ) .
أراد أن يحكي، كما قال: (والذين اتَّخُذُوا من دُوْنِه أَوْلِيَاءَ ما نَعْبُدُهم إِلاَّ لِقُرَّبُونَا إلى الله زُلْفَى) . كأنه قال والله علم: قالوا ما نعبدهم.
стр. 721
وبعد البيت:
عَرَاجِلَةٌ شُعْبُ الرؤوسُ كأَنَّهُم ... بنو الجِنّ لم تُطْبَخْ بِقدْرِ جزُورُها
العراجلةُ: القطعة من الخيل وهي الرَّجَالةُ أيضاً.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥١)
كأَنَّ متنَيهِ من النُّفِيَّ ... مواقعُ الطَيْرِ على الصُّفَّي
هذا الشاعر، هو أبو نخيلة السعدي.
الشاهد فيه
جمعه "صفاً"على "صفيً" وهو"فُعُولٌ" في التقدير "صفوي"، سبقت الواو الياء بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسرت الفاء، لتصح الياء، وونظيره: قفاً وقفي، وعصا وعصي.
стр. 722
ويجوز كسر الصاد، من "صُفًّي"، والفاء من"قُفيّ" والعين من "عصي"، اتباعاً. وجمع أيضاً على "أفعال" قالوا: أصْفَاءٌ وأقفاءٌ وأعضاءٌ.
المعنى
وصف ماتحاً (يستقي ماء) ملحا وقع على ظهره نقط من ذلك الماء فابيضت فشبهها بمواقع الطير.
والنفي: ما تطاير عن الرشاء، وعن معظم القطر، فشبه ما قطر على ظهره من الماء الملح ويبس (بذلك) ، ومثله:
فما بَرِحَتْ سَجْوَاءُ حتَّى كأَنَّما ... بأشرافِ مَقْرَاها مواقعُ طائرِ
سجواء: اسم ناقته. ومقراها: وأراد جانبيه.
والمائح: الذي ينزل في البئر.
والماتح: الذي يرفع الدلو.
وقولهم في المثل: "المائح يرى است الماتح" وأنشد أبو علي في باب "فعل".
كأَنَّ نُسُوعَ رَحلي حين ضُمَّتْ ... حوالبُ غُرَّزاً ومعىً جِياعَا
стр. 723
هذا البيت للقطامي.
الشاهد فيه
قوله: "معى"، وضعها موضع الأمعاء. والمعى واحد، فأقامه مقام الجمع، وهو من أعفاج البطن مذكر. ويقال في واحده أيضاً: "معي".
وروى التأنيث فيه من لايثق به، ونظيره وضع الواحد موضع الجمع، قوله تعالى: (ثم يُخْرِجُكُم طِفْلاَ) .
اللغة
النسوع: جمع نسع، وهو سير يضفر على هيئة النعال، تشد به الرحال، ويجمع على أنساعٍ ونسعٍ. والقطعة منه: نِسْعَةٌ.
والنسع أيضاً، من أسماء الشمال، وقيل: هي مسع، وإنما أبدلت الميم نوناً، زعم ذلك يعقوب وقال المتنخل:
قد حالَ دونَ دَرِيْسَيه مؤوَّبَةٌ ... نِسْعٌ لها بعِضَاه الأرضِ تَهْزِيْزُ
ونسع أيضاً بلد، وقيل: جبل أسود، الصفراء وينبع، قال كثير:
فقلتُ وأسرْتُ النَّدَاَمة ليتَني ... وكنتُ امرأً أغَتشُّ كلَّ غذوالِ
وسَلَكنَ سبيلَ الرائحانِ عشيةً ... مخارِمَ نِسْعٍ أو سلكنَ سَبِليِ
والغُرَّزُ: القليلاتُ اللبن.
стр. 724
والضمير في "ضُمَّتْ"، يرجع إلى "النُسُوعِ" وصف ناقته.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥٣)
كأَنَّ وَحَى الصَّرْدَانِ في جَوْفِ ضَالةٍ ... تَلَهْجُمُ لَحْيَيْهِ إذا ما تَلَهْجَمَا
هذا البيت، لحميد بن ثورٍ الهلاليّ.
الشاهد فيه
قوله: "الصّردان" جمع "صُرَدٍ" وهو طائر فوق العصفور. و"فعلان" من ابنية القلة.
والصرد أيضاً: مسمار يكون في سنان الرمح والقناة، قال الراعي:
منها صريعٌ وَضَاغَ فوق حربِته ... كما ضَغَا تحت حَدَّ العاملِ الصُّرَدُ
والصرادن أيضاً: عرقان تحت اللسان، قال النابغة:
له صُردَاَنِ مُنْطِلقَا اللسانِ
اللغة
وحى الصردان: صوتها. والجمع أوحاء.
وقال يعقوب: وحى العقاب: صوت انقضاضها.
стр. 725
والوحى أيضاً: العجلة. وقد وحى يحي.
والوحى: السيد ووحى يحي وحياً: كتب.
ووحى أيضاً: لغة في أوحى.
والضالُ: شجر.
واللحيان: العظمان اللذان فيهما منابت الأسنان، من كل ذي لحيٍ.
والتلهجم: الصريف والضرب والحركة.
المعنى
وصف بعيراً، يقول: كأن صريف لحييه، صوت صردان في ضالة وقبله:
رَعَى السُّرَّةَ المِحَلالَ ما بين زابنٍ ... إلى الخورِ وسميَّ البُقُولِ المُدَيَّما
стр. 726
فجِئنَ به غَْوجَ المِلاطَينِ لم يَبِنْ ... حِدَاجَ الرَّعاء ذا عَثَانِينَ مُسْنِما
له ذِئَبٌ جُوْفٌ كأَنَّ حُدُوجَها ... خدودُ عناجِيجَ تَعالينَ صُيَّما
كأَنَّ هزيزَ الريحِ بينَ فروجِه ... عوازفُ جِنًّ زُرْنَ حيَّا بِحَيْهَما
فهاديتُها حتّى ارتقَتْ مرجَحِتَّةً ... تميلُ كما مال النَّقَا فَتَهَّيمَا
فما دخلتْ في الخِدرِ حتَّى تنقضت ... مآسير أعلى قدَّه وتَحَطَّمَا
أطاف به النسوان بين صَنِيعةٍ ... وبين التي جاءتْ لكما تَعَلَّمَا
فزَيَّنهُ بالعِهْنِ حتّى لو أَنَّه ... يُقالُ له: هابٍ هَلُمَّ لأَقْدَمَا
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥٤)
وأَزْوَرَ يَمْطُو في بلادٍ بعيدةٍ ... تَعَاوى به ذُؤْبَانُه وثعالبُه
هذا البيت، لذي الرُّمَّة.
الشاهد فيه
قوله: "ذؤبان" جمع "ذئب"، ونظيره، صرم وصرمان، وزق وزقان.
وقالوا: صنو وصنوان، وقنو وقنوان.
اللغة
وقوله: "أَزور" يعني طريقاً فيه عوجٌ.
ويَمْطُو: يَمْتدُّ.
وذُؤٍْبانُه وثعالبه: تعوي من جَدْبِه.
стр. 727
وقبله:
وأَعَيَسَ قد كَلَّفْتَهُ بعدَ شُقَّةٍ ... تَعَقَّدَ منها أَبْيَضَاهُ وحالبُه
متى يُبْلي الدَّهرُ الذي يَرْجِعُ الفتى ... إلى بَدْئِه أو تَشْتَعِبْني شَوَاعبُه
فَرُتَّ امرئٍ طاطٍ عن الحقَّ طامحٍ ... بعينيهِ مما عَوَّدَتْهُ أقارُبه
ركبتُ به عَوْصَاءَ كلَّ كريهةٍ ... وزَوْرَاءَ حَّتى يعرفَ الضَّيْمَ جانِبُه
وأَزْوَرَ يَمْطُو في بلادٍ عريضةٍ ... تَعَاوى بها ذُؤْبانُه وثَعَالبُه
إلى كلَّ ديَّارٍ تعرَّفْنَ شخصَهُ ... من القَفْرِ حتَّى تَقَشَعِرَّ ذوائبُه
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥٥)
وَلَّى وصُرَّعْنَ من حيثُ التَبَسْنَ به ... مُجَرَّحاتٍ بأجراحٍ ومقُتولُ
هذا البيت، لعبدة بن الطبيب.
الشاهد فيه
قوله: "بأجراحٍ" جمع جرح، وهو شاذ، وإنما المستعمل، "جروح".
قال أبو علي: يجوز على قول سيبويه، أن يكون جاء في الشعر، للضرورة. ولم يستعمل في الكلام.
стр. 728
المعنى
وصف ثوراً وكلاباً، يقول: ولى الثور، وصرعت الكلاب، فمنهن مجرحات، ومنهن مقتول.
وروى أبو حاتم: "مخرجات بأجراح". وقال: التخريج: لونان، بياض وسواد، وغير ذلك من الألوان. وقال أبو الحسن الأخفش: ما أعلم أحداً روى"مخرجات". غير أبي حاتم.
وبعد البيت:
كأنَّه بَعْدَ مَا جَدَّ النَّجَاءُ بهِ ... سيفٌ جَلاَ مَتْنُه الأصنَاعُ مَصْقُولُ
مستقبل الريح يهفو وهو متبرك ... لسانه عن شمال الشدق معدول
ومنها قوله:
لمَّا نَزَلنا رَفَعْنا ظلَّ أَرْديةٍ ... وفارَ باللحم للقوم المَرَاجِيلُ
وَرْدٌ وأشقرُ لم يُهْنِئْه طابخُه ... ما غَيَّرَ الغَلْيُ منه فهو مأكولُ
ثُمَّتَ قُمْنَا إلى جُرْدٍ مُسوَّمَةٍ ... أَعْرَافُهُنَّ لأيدينا مَنَادِيلُ
وأنشد أبو علي في باب جمع ما لحقته تاء التأنيث، من الأبنية على ثلاثة أحرف.
(٢٥٦)
أَبَتْ ذِكَرُ عَوَّدْنَ أحشاءَ قلبِه ... خُفُوقاً ورفْضَاتُ الهوى في المفاصلِ
стр. 729
هذا البيت، لذي الرمة.
الشاهد فيه
قوله: "وَرَفْضَات" ساكنة الثاني، جمع "رفضةٍ" وكان وجه الكلام "رفضات" بتحريمك الثاني، لأنه اسمٌ، فخففه في الشعر، ضرورة. ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنه لما كان مصدراً، والمصدر يوصف به، راعى ذلك فيه، فسكنه، ومثله قول أبي صخر الهذلي:
ولكنْ يُقِرُّ العينَ والنفسَ أَنْ ترى ... بعَقْدَته فَضْلاتِ زُرْقٍ رَوَاعِبِ
فأسكن "فضلات"، وهو اسم، لا صفة، ضرورة.
وقال آخر:
ولكنَّ نَظْراتٍ بعينٍ مريضِةٍ ... أُلاَك اللَّواتي قد مَثَلْنَ بنا مَثْلاَ
وقال آخر:
فَرَاعَ ودَعْوَاتُ الحبيبِ تَرُوعُ
وقال آخر:
стр. 730
عَلَّ صروفَ الدهرِ أو دُوْلَاتِها
يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ من لَمَّاتِها
فتستريحُ النفسُ من زَفْرَاتِها
اللغة
ذِكَرٌ: جمع ذكرةٍ.
وخفق الفؤاد والبرق، والسيف والراية والريح، ونحوها، يخفق خفقاً وخفوقاً وخفقاتاً، وأخفق واختفق: اضطرب.
ورفضات الهوى: ما تفرق في المفاضل.
المعنى
يقول: تفرق هوها في مفاصلي، فلا أستطيع السلو عنها. تأبى ذكرها، وتفرق هواها في مفاصلي.
وقلبه:
إِذا قُلْتُ وَدَّع وصلَ خَرْقاَءَ واجتنِتْ ... زيارَتها تُخْلقْ حبالُ الوسائلِ
أبت ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أحْشَاءَ قَلْبِهِ ... خُفُوقاً ورفضاتُ الهوى في المفاضلِ
أَبَا الدَّهْرُ مِنْ خَرْقَاءَ إلاَّ كَمَا أَرَى ... حنينٌ وتَذْرَافُ الدموع الهَوَامِلِ
стр. 731
أفي كلّ عامٍ رائعُ القلبِ رَوْعَةً ... تَشَاءَى النوى بعد ائيلافِ الجَمَائِلِ
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥٧)
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
هذا البيت لحسان بن ثابت.
الشاهد فيه
وضع"الجفنات" وهي لما قل من العدد في الأصل، لجريانها في السلامة، مجرى التثنية موضع "الجفان" التي هي للتكثير، وكان أبو علي، يطعن على الحكاية المحفوظة. هنا، المنسوبة إلى النابغة، في قوله لحسان: "لقد قللت جفانك وأسيافك". وقال الله تعالى: (وهم في الغرفات آمنون) وغرف الجنة أكثر مما يظن، وقال تعالى: (هم درجات عند الله) ورتب الناس في علم الله تعالى أكثر من العشر لا محالة.
وقال دريد:
стр. 732
كَميشُ الإزارِ خارجٌ نصفُ ساقهِ ... بَعيدٌ من الآفاتِ طلّاُع أَنجُدِ
و"أنجد" "أفعل"، وهو من تكيسر القلة، والمراد به معنى الكثرة، ألا ترى أنه لا يريد "بأنجد" من الثلاثة إلى العشرة، وإنما من عادته، طلوع النجاد فهو يؤذن بالكثرة، كما قال العجاج:
وقد أكون مرَّةً نَجَّادَا
أطلعُ الفنجادَ والنّجَادَا
وقال الآخر:
وقد يَقْصُرُ القُلُّ الفتى دونَ هَمّه ... وقد كان لولا القُلُّ طَلَّاعَ أنجد
فهذا "أفعل" يراد به "الفعال"، على مامضى.
وليس قوله: "أنجداً"، وهو يريد الكثرة، وهو النَّجاد، وكلَّ واحد، من أقلام وأرسان وأقدام وأرجل، لم يكسر إلا تكسير القلة البتة.
فكان مجيء كل واحد منها مراداً به معنى جمع الكثرة، أسهل من مثال القلة ملفوظا به، مرادا به معنى جمع الكثرة. فتأمله. وقد كثر مجيء لفظ جمع القلة، و المعنى به معنى الكثرة.
стр. 733
اللغة
الغر: البيض. يريد بياض الشحم. ويحتمل أن يريد بالغر: المشهورات. وهن يلمعن: يبرقن يقال: لمع الشيء يلمع لمعاً، ولموعاً، ولميعاً، وتلماعاً، كلُّه: برق.
المعنى
وصف قومه بالكرام والبأس، جفاننا معدة للأضياف، ومساكين الحَّي، وسيوفنا يقطرن دماً، لنجدتنا وكثرة حروبنا.
خبر: زعموا أنَّ الفرزدق قدم المدينة، في إمارة أبان بن عثمان، فوجد بها كثير عزة. فاجتمعا ذات يوم، فبينا يتناشدان الأشعار، إذ طلع عليها غلام شخت، رقيق الأدمة، في ثوبين معصفرين.
فقصد نحوهما، حتى انتهى إليهما، فلم يسلم، وقال: أيكما الفرزدق؟! فقال له كثير: هكذا تقول لسيد العرب، وشاعرها؟.
فقال: لو كان كذلك، ما قلت له هذا.
فقال له الفرزدق: ومن أنت، لا أم لك؟!..
فقال: رجل من الأنصار، ثم من بني النجار، ثم من بن بكر بن حزم بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب، وتزعمه مضر.
وقد قال شاعرنا حسان بن ثابت شعراً، أنا أعرضه عليك، وأؤجلك فيه سنة،
стр. 734
فإن قلت مثله فأنت أشعر كما قيل، وإلا فأنت منتحل كذاب. ثم أنشد قصيدته التي يقول فيها:
وأبقى لنا مَرُّ الحروبِ ودَوْرُها ... سيوفاً وأَدْراعاً وجَمْعَاً عَرَمْرَما
متى ما تَزُرْنَا من مَعَدَّ عِصَابَةٌ ... وغَسَّانَ نَمْنَعْ حوضَنَا أَنْ يُهَدَّمَا
لنا حاضرٌ فَعْمٌ وبَادٍ كأنَّه ... شماريخُ رَضْوَى عِزَّةً وتَكَرُّمَا
وكلُّ فَتًى عَارِي الأشاجعِ لاَحَه ... قراعُ الكُمَاةِ يَرشَحُ المسكَ والدَّمَا
ولدْنَا بِنَي العنقاءِ وابنيّ مُحَرَّقٍ ... فأكْرِمْ بنا خالاً وأكْرِمْ بِنا اْبَنمَا
نُسَوَّدُ ذا المالِ القليلِ إذا بَدَتْ ... مروءَتُه فينا وإِنْ كَان مُعْدِمَا
وإنَّا لنَقْري الضَّيْفَ إنْ جاءَ طارِقاً ... مت الشَّحْمِ ماأَمْسَى صحيحاً مسلَّما
لنا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يلمَعْن بالضُّحى ... وأسيافُنَا يَقْطُرْنَ من نَجْدَةٍ دَمَا
فلما انتهى إلى آخر القصيدة، قال له: قد أجلتك في جوابها سنة. فانصرف الفرزدق مغضياً يسحب رداءه، وأقبل على كثير وقال له: قاتل الله الأنصاري!، ما أفصح لهجته!، وأوضح حجته!.
فلما كان من الغد، جلس في مجلسه، ثم قال: ما فعل الأنصاري؟!. فنلنا منه وشتمناه.
فقال: الله! ما منيت بمثله، ولا سمعتُ بمثل شعره، فارقته وأتيت منزلي، فأقبلت أصوب وأصعد، في كل فن من الشعر، فكأني ما قلت شعراً قط
стр. 735
حتى نادى منادي الفجر، رحلت ناقتي، وأخذت بزمامها حتى أتيت ذبابا جبلاً بالمدينة ثم ناديت بأعلى صوتي. أخاكم أخاكم، يعني شيطانه.
فجاش صدري كما يجيش المرجل. فعقلت ناقعي وتوسدت ذراعها، فما قمت حتى قلت مئة بيت، وثلاثة عشر بيتاً.
فبينما هو ينشد، إذ طلع عليه الأنصاري، حتى انتهى إلينا، فسلم علينا ثم قال: إني لم آتك لأعجلك عن الأجل الذي وقته لك، ولكني أحببت أن أسالك، أي شيءٍ صنعت؟.
فقال له: اجلس، وأنشده:
عزفتَ بأعشاشٍ وما كِدتَ تَعزفُ ... وأَنكرْتَ من حَدْرَاءَ ما كُنْتَ تَعْرِفُ
وَلَجَّ بك الهُجْرانُ حتَّى كأَنمَّا ... ترى الموتَ في البيتِ الذي كُنْتَ تأْلَفُ
ومنها:
ترى الناسَ ما سِرنا يسيرونَ خَلْفَنا ... وإنْ نحنُ أومانَا إلى الناسِ وقَّفُوا
فقام الأنصاريُ كئيباً، فلما توارى، طلع أبوه أبو بكر بن حزم، في مشيخةٍ من الأنصار، فسَّلموا علينا، وقالوا: يا أبو فراس، قد عرفت حالنا ومكاننا من
стр. 736
الرسول ﷺ . وقد بلغنا أن سفيهاً من سفهائناً تعرض (لك) فنسألك بحق الله ورسوله إلا ما حفظت فينا وصية رسول الله ﷺ ، وروي أن النابغة، كان يرد عكاظ، كل سنة، فتضرب له قبة من أدم، ويقيم بها إلى انقضاء الموسم، وتأتيه الشعراء عارضة عليه شعرها، مصيرة إليه، في التقديم والتأخير أمرها.
فورد عليه في بعض الأعوام الأعشى ميمون بن قيس، فذهب في تفضيله كل مذهب، وقال له: قم فأنت أشعر العرب!.
ثم تلاه حسان بن ثابت، فأنشده حتى بلغ قوله: "لنا الجفنات الغر" والبيت الذي يليه "ولدنا بني العنقاء".
فقال له: ما أحسن ما قلت!، ولولا أن أبا بصير، أنشدني قبلك لقضيت لك.
فقال له حسان: أنا أشعر منك، ومن أبي بصير.
قال: كلا، انك لست تحسن أن تقول:
فإنَّك كالليل الذي هو مُدركي ... وإن خلتُ أنَّ المنتأَى عنك واسعُ
ثم قال لحسان: اعد علي بيتك، فلما أعادهما.
قال: إنك قللت الجفان، وقلت: "الغُرّ" ولم تقل: البيض، فاجتزيت
стр. 737
بالوضح اليسير، وقلت: "يلمعن"، ولم تقل: يبرقن وقلت: بالضحى، وكان الدجى أغيا، وقلت: "أسيافنا"، ولم تقل: سيوفنا فقللتها حين الإقدام، كما قللت جفانك حين الإطعام. وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك. فخجل حسان وانصرف.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥٨)
أبعدكُنَّ الله من نياقِ
إن لم تنجينَ من الوثاقِ
هذا الرجز للقلاخ، وهو سعد بن حزن المنقري.
الشاهد فيه
قوله: "نياق"، وهو جمع ناقة، ونظيره من الصحيح رحبة ورحاب، ورقية ورقاب، وقالوا: نوق ونظيره، قارة وقور، وقالوا: أنيق، كما قالوا آكم. وقوله: "من نياق" في موضع التمييز.
وبعدهما:
بأربعٍ من كذبٍ سَّماقِ
أنقذُ هداكَ الله من خناقِ
стр. 738
وضعفةَ العاملِ للرُّستاقِ
أقبلَ من يشربَ في الرفَّاقِ
معاوداً للجوعِ والإملاقِ
يغضبُ إن قال الغُرابُ غاقِ
خناق وضعفة: رجلان، والسماقُ: الخالص وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥٩)
يقومُ تاراتٍ ويمشي تيرا
الشاهد فيه
قوله: "تيرا" جمع تارة، مثل قوله، قامة وقيم، والقياس: تيلر بالألف، لأن تارة "فعلةٌ" في الأصل، كرحبة ورحاب، إلاّ أنَّ المعتل من "فعال" قد تحذف ألفه، كما قالوا: ضيعة وضيع، طلباً للتخفيف بالاعتلال.
ومعنى"يقوم" يثبت قائماً غير ماشٍ.
وينبغي أن تكون عين تارة، واواً، اشتقاقاً جميعاً.
أما الاشتقاق: فإنه من معنى التور، والتور: الرسول، قال الشاعر:
والتورُ فيما بيتتا معملٌ ... يرضى به المأتي والمرسل
стр. 739
واتقاؤهما أن الرسول من شأنه أن يذهب ويجيء، والتارة هكذا معناها.
ألا ترى أنها تردد الشيء طوراً كذا طوراً كذا، كما أن الرسول مرة يرد وأخرى يصدر.
ويؤكد عندك كون عينها أيضاً "واواً" قولهم في معناها: طوراً، وأطوار، والطاءُ أخت التاء، فكأنها لذلك حرف واحد.
وقد ترى تعاقبها في قولهم: الترياق والطرياق، والطرنجبين وفي قول علقمة:
وفي كلَّ حي قد خبطُّ بنعمةٍ ... فحقَّ لشأشٍ من نداك ذنوبُ
وأنشد أبو علي، في باب الأسماء المفردة، الواقعة على الأجناس التي تخص آحادها منها بإلحاق الهاء لها.
(٢٦٠)
يشبهن السَّفين وهنَّ بختٌ ... عظيماتُ الأباهرِ والمؤونِ
стр. 740
هذا البيت للمثقب العبدي، واسمه عائذ بن محصن.
الشاهد فيه
قوله: "المؤون" جتمع "مأنة".
اللغة
السفين: جمع سفينة، ويجمع أيضاً: على سفن وسفائن.
والبخت: الإبل الخراسانية، من بين عربية وفالح. والواحد: بختي.
والأباهر: الجوانب، وقيل: الأوساط. والأبهران أيضاً: عرقان مكتنفا الصلب. وقيل: هما الأكحلان.
والمؤون: الخواصر. والمأنة أيضاً: لحمة في أسفل الصدر.
المعنى
وصف إبلاً بما عليها، شبهها في السراب، بالسفن في البحر. يقال: شبهته كذا، وشبهته بكذا. وقال امرؤ القيس:
فشَّهتهمْ في الآلِ لما نكمَّشُوا ... حدائقَ دومٍ أو سفيناً مقيَّرا
следующие страницы →