Полный текст (856 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الرسول ﷺ . وقد بلغنا أن سفيهاً من سفهائناً تعرض (لك) فنسألك بحق الله ورسوله إلا ما حفظت فينا وصية رسول الله ﷺ ، وروي أن النابغة، كان يرد عكاظ، كل سنة، فتضرب له قبة من أدم، ويقيم بها إلى انقضاء الموسم، وتأتيه الشعراء عارضة عليه شعرها، مصيرة إليه، في التقديم والتأخير أمرها.
فورد عليه في بعض الأعوام الأعشى ميمون بن قيس، فذهب في تفضيله كل مذهب، وقال له: قم فأنت أشعر العرب!.
ثم تلاه حسان بن ثابت، فأنشده حتى بلغ قوله: "لنا الجفنات الغر" والبيت الذي يليه "ولدنا بني العنقاء".
فقال له: ما أحسن ما قلت!، ولولا أن أبا بصير، أنشدني قبلك لقضيت لك.
فقال له حسان: أنا أشعر منك، ومن أبي بصير.
قال: كلا، انك لست تحسن أن تقول:
فإنَّك كالليل الذي هو مُدركي ... وإن خلتُ أنَّ المنتأَى عنك واسعُ
ثم قال لحسان: اعد علي بيتك، فلما أعادهما.
قال: إنك قللت الجفان، وقلت: "الغُرّ" ولم تقل: البيض، فاجتزيت
стр. 737
بالوضح اليسير، وقلت: "يلمعن"، ولم تقل: يبرقن وقلت: بالضحى، وكان الدجى أغيا، وقلت: "أسيافنا"، ولم تقل: سيوفنا فقللتها حين الإقدام، كما قللت جفانك حين الإطعام. وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك. فخجل حسان وانصرف.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥٨)
أبعدكُنَّ الله من نياقِ
إن لم تنجينَ من الوثاقِ
هذا الرجز للقلاخ، وهو سعد بن حزن المنقري.
الشاهد فيه
قوله: "نياق"، وهو جمع ناقة، ونظيره من الصحيح رحبة ورحاب، ورقية ورقاب، وقالوا: نوق ونظيره، قارة وقور، وقالوا: أنيق، كما قالوا آكم. وقوله: "من نياق" في موضع التمييز.
وبعدهما:
بأربعٍ من كذبٍ سَّماقِ
أنقذُ هداكَ الله من خناقِ
стр. 738
وضعفةَ العاملِ للرُّستاقِ
أقبلَ من يشربَ في الرفَّاقِ
معاوداً للجوعِ والإملاقِ
يغضبُ إن قال الغُرابُ غاقِ
خناق وضعفة: رجلان، والسماقُ: الخالص وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٥٩)
يقومُ تاراتٍ ويمشي تيرا
الشاهد فيه
قوله: "تيرا" جمع تارة، مثل قوله، قامة وقيم، والقياس: تيلر بالألف، لأن تارة "فعلةٌ" في الأصل، كرحبة ورحاب، إلاّ أنَّ المعتل من "فعال" قد تحذف ألفه، كما قالوا: ضيعة وضيع، طلباً للتخفيف بالاعتلال.
ومعنى"يقوم" يثبت قائماً غير ماشٍ.
وينبغي أن تكون عين تارة، واواً، اشتقاقاً جميعاً.
أما الاشتقاق: فإنه من معنى التور، والتور: الرسول، قال الشاعر:
والتورُ فيما بيتتا معملٌ ... يرضى به المأتي والمرسل
стр. 739
واتقاؤهما أن الرسول من شأنه أن يذهب ويجيء، والتارة هكذا معناها.
ألا ترى أنها تردد الشيء طوراً كذا طوراً كذا، كما أن الرسول مرة يرد وأخرى يصدر.
ويؤكد عندك كون عينها أيضاً "واواً" قولهم في معناها: طوراً، وأطوار، والطاءُ أخت التاء، فكأنها لذلك حرف واحد.
وقد ترى تعاقبها في قولهم: الترياق والطرياق، والطرنجبين وفي قول علقمة:
وفي كلَّ حي قد خبطُّ بنعمةٍ ... فحقَّ لشأشٍ من نداك ذنوبُ
وأنشد أبو علي، في باب الأسماء المفردة، الواقعة على الأجناس التي تخص آحادها منها بإلحاق الهاء لها.
(٢٦٠)
يشبهن السَّفين وهنَّ بختٌ ... عظيماتُ الأباهرِ والمؤونِ
стр. 740
هذا البيت للمثقب العبدي، واسمه عائذ بن محصن.
الشاهد فيه
قوله: "المؤون" جتمع "مأنة".
اللغة
السفين: جمع سفينة، ويجمع أيضاً: على سفن وسفائن.
والبخت: الإبل الخراسانية، من بين عربية وفالح. والواحد: بختي.
والأباهر: الجوانب، وقيل: الأوساط. والأبهران أيضاً: عرقان مكتنفا الصلب. وقيل: هما الأكحلان.
والمؤون: الخواصر. والمأنة أيضاً: لحمة في أسفل الصدر.
المعنى
وصف إبلاً بما عليها، شبهها في السراب، بالسفن في البحر. يقال: شبهته كذا، وشبهته بكذا. وقال امرؤ القيس:
فشَّهتهمْ في الآلِ لما نكمَّشُوا ... حدائقَ دومٍ أو سفيناً مقيَّرا
стр. 741
أفاطمَ قبلَ نأيك متَّعيني ... ومنعكِ ما سألتُ كأن تبيني
ولا تعدِي مواعدَ كاذباتٍ ... نمرُّ بها رياحُ الصيف دوني
فإني لو تخالفين شماليِ ... خلافكِ ما وصلتُ بها يميني
إذا لقطعتُها ولقلتُ بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني
لمن ظعن تطالع من صبيب ... فما خرجت من الوادي لحينِ
وهنَّ كذالك يوم قطعنَ فلجاً ... كأن حدُوجهنَّ على سفينِ
يشبهن السفينَ وهنَّ بختٌ ... عظيماتُ الأباهر والمؤون
وهنَّ على الوثاثر راكباتٍ ... قواتلَ كلَّ أشجعَ مستكينِ
رفعنَ محاسناً وخبأنَ أخرَى ... وثقَّبنَ الوصاوصَ للعيونِ
وبهذا البيت، سمي المثقَّب.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٦١)
بتيهاء قفرٍ والمطُّي كأنَّها ... قطا الجونِ قد كانت فراخاً بيوضُها
стр. 742
ذكر أن هذا البيت لذي الرمَّة.
الشاهد فيه
قوله: "بيوضها" جمع بيضة، كبيت وبيوت، وشيخٍ وشيوخٍ.
اللغة
أرض تيهاء، وبلد أيته، تتيه سالكها، أي، تتلفُه وتحيره.
والقطا: من الطير، وهو جنسان: كدريَّ، وجوني.
فالكدريُّ: غبر الألوان، رقش الظهور والبطون، صفر الحلوق، قصارُ الأذناب والجوني منها: سود البطون، سود بطون الأجنحة والقوادم، بيض الصدور، غبر الظهور، وفي عنق كل واحدة منها طوقان، أصفر وأسود.
ويروى "قطا الحزن". والحزن: ما غلط من الأرض.
الإعراب
كانت هنا: بمعنى صارت. قال شمعلة بن أخضر بن هبيرة بن المنذز بن ضرار الضبي:
стр. 743
فجرّ على الألاءة لم يوسدَّ ... وقد كان الدَّماءُ له خمارا
أي قد "صار". وبعضهم يحمله على القلب.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٦٢)
عُلين بكديون وأشعرن كرة ... فهن إضاء صافيات الغلائل
هذا البيت للنابغة الذبياني.
الشاهد فيه
قوله: "إضاء" جمع"أضاً" جمع "أضاة". والأضاء: الغدر. وصف دروعا، فجعلها كالغدر في صفائها.
وقد تقدم هذا البيت، بما يغني عن إعادته.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٦٣)
يا ليت شعري عن نفسي أزاهقةٌ ... نفسي ولم أفضِ ما فيها من الحاجِ
الشاهد فيه
قوله: "من الحاج" جمع حاجة، وتقديره "فعلة وفعل"، كما تقول: هامة وهام وساعة وساع، قال القطامي:
стр. 744
وكنا كالحريقِ أصابَ غابا ... فيخبُو ساعةً ويشبُّ ساعا
وفي أدنى العدد: حاجات، وساعاتُ، وهامات.
وقال أبو العباس المبرد: "فأما قولهم في "حاجة": حوائج فليس من كلام العرب، على كثرته على ألسنة المولدين، ولا قياس له.
ويقال: في قلبي منك حوجاء، أي: حاجة، قال:
من كانَ في قلبهِ حوجاءُ يطلبُها ... عندي فإني له رهنٌ بإصحارِ
لو جمع على هذا الكان "حواجي" يا فتى، وأصله "حواجي"، ولكن في مثل هذا يخفف، كما تقول في صحراء: صحارٍ، وأصله صحاريُّ وقيل: كسرت حوجاء على حوائج، وكان أصله حواجي، ثم قلب.
وحكى المطرز: حائجة وحوائج، فهذا على أصله
الأعراب
قوله: "ليت شعري" معناه: ليتني شعرت.
قال سيبويه: قالوا ليت شعري فحذفوا التاء الإضافة، للكثرة.
كما قالوا: "ذهب بعذرتها"، وهو أبو عذرها، فحذفوا التاء مع الأب خاصة ويقال: ليت شعري لفلان، وعن فلان، وليت شعري فلاناً ما صنع، حكى
стр. 745
ذلك اللحياني عن الكسائي، وأنشد:
ليتَ شعري عن حماري ما صنع
وأنشد أيضاً:
ليتَ شعري مسافرَ بن أبي عم ... رٍو وليت يقولها المحزونُ
ومعنى البيت ظاهر.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٦٤)
ترى النعرات الخضر تحت لبانه ... أحادَ ومثنى أصعقتها صواهله
هذا البيت لتميم بن مقبل.
الشاهد فيه
قوله: "النعرات" جمع "نعرة"، وهو الذباب الأزرق، ويدخل في أنوف الحمير، قال أمرؤ القيس:
стр. 746
كما يستدير الحمارُ النَّعر
وهو الذي دخلت النعرة في أنفه، يقال: نعر نعراً، فهو نعر.
والنعرة: داء يأخذ الإبل في رؤوسها، النعرات من أدنى العدد، وفي الكثرة، نعر. قال سيبويه: نعر من الجمع الذي لا يفارق واحده إلا بالهاء وأراه سمع من العرب النعر فحمله ذلك على أن تأول نعراً من الجمع الذي بيته وبين واحده الهاء.
والنعرة والنعرة: الخيشوم. ونعر الرجل ينعر وينعر نعيراً ونعاراً: صاح وصوت بخيشومه.
والنعير والنعار: الصياح في حرب أو شر.
ورجل نعر: لا يستقر في مكان.
والنعرة والنعر: ما أجنت حمر الوحش في أرحامها، قبل أن يتم خلقه.
وقيل: إذا استحالت المضفة في الرحم، فهي نعرة.
ونية نعور: بعيدة: واللبان: الصدر. ومعنى أصعقته صواهله: قتلته وصف فرساً.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٦٥)
كأنها درةٌ منعَّمةٌ ... في نسوةٍ كن قلبها دررا
стр. 747
هذا البيت للربيع بن ضبع الفزاري.
الشاهد فيه
قوله: "درر"، جمع درة، ونظيره برة وبر. والدر: اللؤلؤ العظيم. وقد تقدم.
والشعر:
أقفزَ من ميَّةَ الجريبُ إلى الزُّ ... جين إلا الظباء والبقرا
كأنها درة منعمةٌ..... البيت
أصبح منّي الشبابُ مبتكرا ... إن ينأ عني فقد ثوى عصرا
فارقنا قبلَ أنْ نُفَارقه ... لَمَّا قضي من جماعنا وطردا
أصبت لا أحمل السلاحَ ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن مرت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
هاأنذا آمل الحياة وقد ... أدرك سني ومولدي حجرا
أبا امرئ القيس هل سمعت به ... هيهات طال ذا عمرا
стр. 748
وأنشد أبو علي في باب ما جاء من الأسماء المحذوفة، منها ما لا علامة فيه للتأنيث، ومنها ما فيه علامة له.
(٢٦٦)
لحاكِ الله يا أستاهَ نيبٍ ... تنفر وهي حامضةُ رواءُ
الشاهد فيه
قوله: "أستاه"، رد اللاَّم المحذوفة، من الواحد في الجمع، وهي الهاء. والواحد: آست. والأصل ستة، "فعل"حذفت الهاء التي هي لام.
ومن قال: سه: أصلها ستة، حذفت التاء التي هي العين.
فإذا حقرت أو كسرت، رددت ما حذفت، فقلت في التحقير: ستيهة. وفي التكسير: أستاه، لأن التحقير والتكسير يردان الشيء إلى أصله.
اللغة
لحوت العود: قشرته، فمعنى لحاه الله: أي لعنه وأبعده والنيب: النوق المسان، وقد تقدم القول فيها.
وتنفر: تفرق. ونفرت الدابة تنفر وتنفر نفاراً.
وقال ابن الأعرابي: لا يقال نافرة.
والحمض من البنات: كل نبات مالحٍ أو حامض. وحمضت الإبل تحمض حمضاً وحموضاً: أكلت الحمض. وأحمضها صاحبها. والحمض إذا أكلته الإبل سلحت. ورواء: جمع ريان ورياً
стр. 749
المعنى
هجا قوماً، فجعلهم في الدناءة، كأستاه النيب والنيب جمع ناب، وهي المسنة من الإبل، ومثله قول عنترة العبسي:
تفاديتم أستاه نيبٍ تجمعتْ ... على رمةٍ من العظامِ تفاديَا
ويروى:
ألا تُوفُونَ يا أستاهَ نيبٍ
وهي الرواية الصحيحة، وكذا أنشده يعقوبُ.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٦٧)
فأمَّا واحاً فكفاك مثلي ... فمن ليدٍ تطاوحها الأيادي
هذا البيت لرجل من بني عبد شمس، واسمه نقيع، وهو جاهلي قديم.
الشاهد فيه
قوله: "الأيادي" جمع يد، ويجمع أيضلً على"أيد" وتقديره، "أفعل" كأحق وأدل. وأجرى النعمة والجارحة سواء.
وقال أبو عمرو الجرمي: سمعت أبا عبيدة يقول: سمعت أب عمرو يقول: إذا أرادوا المعروف، قالوا: له عندي أياد، فإذا أرادوا جمع اليد، قالوا: أيد. فذكرت
стр. 750
ذلك لأبي الخطاب الأخفش. فقال: ألم يسمع أبو عمرو قول عدي:
ساءها ما تأملت في أيادي ... نا وأشناقها إلى الأعناق
وروى أبو بكر بن السراج، عن أبي العباس، نحو هذا، وزاد قول أبي الخطاب: "إنها لقي علم الشيخ، يعني أبا عمرو ولكنه لم يحضره".
وقد جمعوا أيضاً علي "يدي"، كما جمعوا كلباً على كليب، وأنشد أبو زيد:
فلنْ أذكر النعمان إلا بصالحٍ ... فإن لهُ عندي يديّاً وأنعما
قال أبو الفارسي: يد كلمة نادرة، ولا يعرف لها نظيراً، وذلك أن الفاء منه ياء، والعين دال، واللام أيضاً ياء، يدلك على ذلك قولهم: يديت إليه، فظهرت اللام الساقطة من "يد"في اشتقاق الفعل، كما ظهرت الواو المحذوفة، من "غد" في قوله تعالى: (وإذا غدوت من أهلك) .
ومثال يد في الفعل "فعل"ساكنة العين، الدليل على ذلك أن الحركة زائدة ولا سبيل إلى الحكم بالزيادة، حتى تقوم عليها دلالة.
فإن قيل: فهلا جعلت الدلالة على أن العين متحركة قول الشاعر:
стр. 751
يديانِ بيضاوانِ عندَ محرَّقِ ... قدْ يمنايكَ أنْ تضَّامَ وتضهدا
فحرك العين في التثنية: قيل: تحريك العين في التثنية، لا يدل على أن العين في الواحد أصلها الحركة، كما لم يدل في قول الشاعر:
جرى الدَّميانِ بالخيرِ اليقينِ
على أن أصل العين الحركة، وذلك أن اللام لما حذقت، فصارت العين حرف إعراب، وتعاقبت عليها حركاته، ثم ردت اللام، لم تسكن العين التي كانت جرت متحركة، إذ لو أسكنت كان الرد يصير كلا رد.
ألا ترى أن الحركة قد كانت لزمته، فلو أسكنت من أجل رد اللام لصار الحرف بدلاً من الحركة، وبمنزلتها، فيصير كأنه لم يرد، وكان ذلك نقضاً للغرض الذي قصد من الرد. والحرف قد يقوم مقام الحركة في مواضع كثيرة.
المعنى
يقول: أنا أكفيك وحداً، وأما إذ كثرت الأيادي فلا أقدر عليها، ولا طاقة بها. ومعنى تطاوحها: تراميها.
الإعراب
نصب "واحداً" على المفعول الثاني "لكفى" والكاف: هو المفعول الأول، كما تقول: أما درهماً فأعطاك زيد، وليس نصبه على فعل مضمر. و"مثلي" فاعل"كفى".
стр. 752
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٦٨)
فغظناهمُ حتى أتى لغيظ منهم ... قلوباً وأكباداً لهن ورئينا
هذا البيت للأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة. شاعر متقدم، من شعراء الجاهلية.
الشاهد فيه
قوله: "رئينا" جمع رئة، العضو المتنفس عن القلب.
الإعراب
هذه الزيادة التي في آخر في الجمع، عوض من لام الكلمة المحذوفة، وله نظائر: ثبون، وقلون، وعضون، وسنون، وعزون، ومنهم من لا يغير أول هذا النوع. والتغيير أقيس.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٦٩)
نحن هبطنا بطن والغينا ... والخيل تعدو عصباً ثبينا
الشاهد فيه
قوله: "ثبينا"جمع ثبة، وهي الجماعة. ويجمع أيضاً ثبات. وقال أبو عبيدة:
стр. 753
في تفسير "ثبات": جماعات في تفرقة، وفي القرآن: (فانفروا ثبات أو أنفروا جميعاً)
اللغة
البطن: ما انخفض من الأرض، وجمعه القلة: أبطنة، وهو نادر. والكثير: بطنان. والبطنان وأيضاً: مسائل الماء.
والغين: موضع بعينه. وتعدو: تسرع، والعصبة والعصابة: الجماعة من الرجال ما بين العشرة إلى الأربعين. وكل جماعة رجال أو خيل بفرسانها، أو جماعة طير وغيرها عصبة وعصابة.
وبعدهما:
بفاقراتٍ تحت فاقرينا
نقارع السنينِ عن بنينا
الغمراتِ ثم تنجلينا
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٧٠)
أرى ابن قد جفاني وملني ... على هنوات شأنها متتابع
الشاهد فيه
قوله: "هنوات" جمع "هنة"، فرد في الجمع المحذوف من الواحد، وهي "الواو" التي هي لام الكلمة من "هنة".
стр. 754
اللغة
الهنوات: الخلال من الشر.
ويروى: "متتابع" بالباء، و"متتابع" بالياء، والتتابع في الشر أخص، وهو كالتتابع في الخير. وقيل: التتابع في الشر، وعلى الشيء: التهافت فيه، والمتابعة عليه، والإسراع إليه.
وفي حديثه ﷺ : "ما يحملكم على أن تتايعوا في الكذب، كما يتتابع الفراش في النار".
ومنه قول الحسن بن علي ﵄: "إن عليا أراد أمرأ، فتتايعت عليه الأمور" يعني في أمر يوم الجمل. وقال الآخر:
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتايعت جدبا
ويروى: "تتابعت" بالباء وقال عنترة: وتتابع الرجل: رمى بنفسه في الأرض سريعاً. وتتايع الحيران: رمى بنفسه في الأمور من غير تثبيت. وتتابع الجمل في مشيه: إذا حرك ألواحه حتى تكاد تنفك.
стр. 755
والتيع: ما يسيل على وجه الأرض، من جمد ذائب، ونحوه: وشيء تائع: مائع، وتاع الماء يتيع تيعاً وتوعاً. الأخير نادرة. وتتيع أيضاً: كلاهما انبسط على وجه الأرض، وأتاع الرجل: قاء، قال القطامي:
فظلَّت تعيط الأيدي كلوماً ... تمجُّ عروقها علقاً متاعا
وتاع السنبل: يبس وبعضه وبعضه رطب.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٧١)
وقالت لي النفس أشعب الصدع واهتبل ... لإحدى الهنات المعضلات اهتبالها
هذا البيت للكميت بن زيد الأسدي
الشاهد فيه
قوله: "الهنات"، جمع "هنة" ولم يرد الواو المحذوفة من"هنة" مراعاةً للفظ.
اللغة
الهنات: الخلال من الشر وقوله: "أشعب" أجمع وأصلح، ويكون بمعنى: فرق وأفسد، وهو من الأضداد، يقال: شعبه يشعبه شعباً، فانشعب، فانشعب، وشعبه فتعشب.
стр. 756
والصداع: الشق في الشيء الصلب، كالزجاجة والحائط، وغيرها، وجمعها صدوع.
قال قيس بن ذريح:
أيا كبداً طارتْ صدوعاً نوافذاً ... ويا حسرتا ماذا تغلغل للقلبِ
ذهب فيه إلى أن كل جزء منها صار صدعاً.
وأعضله الأمر: غلبه. وداء مضل وعضال: لا يبرأ، قالت ليلى:
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلامٌ إذ هزَّ القناة رماها
ويعضل الداء الأطباء، وأعضلهم: غلبهم.
وحلفة عضلة: شديدة غير ذات مثنوية، قال:
إنيَّ حلفت حلفة عضالا
وقال ابن الأعرابي: عضال هنا: داهية عجيبة، أي: إني حلفت يميناً داهية شديدة.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٧٢)
يرى الرَّؤوان بالشفرات منا ... كنار أبي حباحب والظبينا
هذا البيت للكميت.
стр. 757
الشاهد فيه
قوله: "والظبينا" جمع "ظبة" والمشهور ظبات.
قال أبو علي: ولعل سيبويه، جعل هذا مما جاء في الشعر دون غيره، للضرورة كما يمكن أن يتأول ذلك في "أجراح".
اللغة
الشفرات: جمع شفرة، ويجمع أيضاً على شفارٍ، وقال أبو حنيفة: شفرنا النصل: جانباه.
وحبحبة النار: أتقادها، ونار الحباحب: ما اقتدح من شرار النار في الهواء، بتصادم حجرين. ويقال: هو ذباب يظهر بالليل، له شعاع كالسراج قال النابغة:
وتوقد بالصُّفاح نار الحُباحبِ
وقيل، أبو حباحب: رجل من محارب خصفة، وكان بخيلاً، فكان لا يوقد ناره إلا بالحطب الشخت، لئلا ترى فيقصد.
قال أبو حنيفة: نار حباحب وأبي حباحب: الشرر التي تسقط من الزناد، قال
стр. 758
النابغة:
ألا إنما نيرانُ قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثلنار الحباحب
وقال أبو حنيفة: "لا يعرف حباحب ولا أبو حباحب، ولم نسمع فيه عن العرب شيئاً. ويزعم قوم أنه اليراع، فراشة إذا طارت في الليل. لم يشك من لم يعرفها، أنها شررة طارت عن نار".
وأم حباحب: دويبة مثل الجندت، تطير، صفراء خضراء رقطاءُ برقط صغرة وخضرة. ويقولون لها، إذا رأوها: أخرجي بردي أبي حباحب، فتنشر جناحيها، وهما مزينان بأحمر وأصفر.
المعنى
وصف سيوفاً، يقول: يرى الراؤون النار تطير من شفراتها، وظباتها من شدة الضرب بها، كأنه نار أبي حباحب، ومثله قول بشار:
كأن مثار النفع فوق رؤوسهم ... وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه
الإعراب
ترك الكميت صرف حباحب، لأنه جعله اسماً لمؤنث، ويجوز أن يكون، ترك صرفه ضرورة، كما قال:
стр. 759
فما كان حصن ولا حابسٌ ... يفوقان مرداس في مجمعِ
وقال:
فإلى ابن أم أناس أرحل ناقتي ... عمرو فتنجح حاجتي أو تتلف
وهذا رأي الكوفيين.
وأما"ظبة" فيجمع: ظبات وظبون وظباً، واللام منها واو، بدليل ضم أولها، مع أن ما حذف منه لامه، وهي واو، أكثر مما حذقت لامه، وهي ياء، نحو أب أخٍ وغدٍ.
ولا يجوز أن يكون المحذوف منها فاءً عيناً.
وأما امتناع الفاء، فلأنها لم يطرد حذفها، إلا في مصادر بنات الواو، نحو عدة وزنه وجدة، ونحوه، وليست"ظبة" من هذا، وتلك المصادر أوائلها مكسورة. ولا تكون محذوفة العين، لأن ذلك لم يأت إلا في سه ومذ، وهما حرفان نادران.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٧٣)
لا خمسَ إلاَّ جندالُ الإحرين ... والخمسُ قد يجشمكَ الأمرين
الشاهد فيه
стр. 760
قوله: "الإحرين" جمع حرة، فغير بإلحاق الهمزة، والكلمة صحيحة لم يلحقها حذف، ووجه ذلك أن "حرة"، لما كانت مضاعفة، والمضاعف قد يعتل، بالبدل والتخفيف في القوافي، فلما كان معرضاً للاعتدال، غير، وجمع بالواو والنون، والياء والنون، كما قالوا: امرؤ، فألحقوه همزة الوصل من حيث أدخلوها في "ابن"، لما كانت الهمزة معرضة للاعتدال، بالحذف وبالإبدال، ومن قال: مرء، راعى صحة الكلمة واستغنى ألف الوصل.
ويجمع أيضاً على حرون وعلى حرار.
المعنى
هذا الشاعر سمع بأن رجلاً يعطي الوافد عليه خمس مئة، أو خمسة آلاف فقصده ووفد عليه، فضرب وصفح.
فقال: الذي قام مقام الخمس مئة، أو خمسة آلاف، الضرب بجندل الإحرين.
هذا على رواية من روى "خمس" بفتح الخاء.
ومن روى "خمس" بكسر الخاء، فمعناه: الذي يقوم مقام الخمس، وهو الورد لخمسة أيام، الضرب بجندل الإحرين.
ويجشمك: يكلفك، ويروى "يجشمنك" والصحيح أجشمك. والأمرين: الشر والأمر العظيم.
стр. 761
وبعده:
سيراً إلى البصرة من قنسرين
ويروى أن معاوية بن أبي سفيان زاد أصحابه يوم صفين خمس مئة، خمس مئة، لمن أحسن الغناء، على عطائه المرتب له، فلما لقوا علياً رضوان الله عليه في أصحابه من المهاجرين والأنصار، وحصلوا مجدلين على تلك الحرار، قال أصحابُ علي:
لا خمس إلا جندلُ الإِحرَّين
أرادوا: "لا خمس مئة". حكاه الهروي.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٧٤)
تلففه الأرواح السميُّ
هو للعجاج.
الشاهد فيه
جمع"سماء" على "سمي"، ووزنه"فعول"، قلبت واوه ياء، وأدغمت في الياء بعدها، وكسر ما قبلها، لتثبت ياء بعد الكسرة، ونظيره من السالم عناق وعنوق وهو جمع غريب.
стр. 762
وأراد بالسماء هاهنا: المطر، لا السماء التي تظلُّ الأرض، وقيل: أراد السحاب. والأرواح: جمع ريح، ويجمع أيضاً على رياح، قال:
ولقد رأيتك بالقوادم مرةَّ ... وعليَّ من سدف العشي رياح
وقياسها: "رواح"، لأنها من الروح. وقالوا في فلان أريحية، وقياسها: أروحية وحكي عن عمارة، أنه كسر"ريحاً" على"أرياح"، حتى نبه عليه، فعاد فقال: "أوراح".
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٧٥)
كنهور كان من أعقاب السمي
هذا الشاعر، أبو نخيلة السعدي.
الشاهد فيه
جمع سماء على سمي، كما تقدم في الشاهد قبله.
اللغة
الكنهور: السحاب المتراكم بعضه على بعض.
стр. 763
والأعقاب: جمع عقب، وهو آخر الشيء، يريد أنه سحاب ثقيل بالماء، فأتى آخر السحاب، لثقله.
وأنشد أبو علي في باب تكسير، ما كان على أربعة أحرف، ثالثة حرف مد لغير الإلحاق.
(٢٧٦)
من فوقه أنسر سودٌ وأغربة ... وتحته أعنز كلف وأتياس
هذا البيت، لمالك بن خويلد الخناعي، ثم الهذلي، وقيل لأبي ذؤيبٍ الهذلي.
الشاهد فيه
قوله: " أغربة" جمع غراب، ونظيره بغاث وأبغثة ويجمع أيضاً: غربان، قال ذو الرمة:
تقوب عن غربان أوراكها الخطر
ويجمع أيضاً على غرابين، قال الشاعر:
ستشربُ كأساً مرةً تترك الفتى ... تليلاً لفيه للغرابين والرخم
ونظيره عقابين، قال:
стр. 764
عقابين يوم الدجن تعلو وتسفل
وقبله:
يا ميُّ لا يعجز الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآسُ
في رأس شاهقةٍ أنبوبها خصر ... دون السماءِ لها في الجو قرناس
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٧٧)
تستن أعداء قربان تسنمها ... غر الغمام ومرتجاته السود
هذا البيت لذي الرمة.
الشاهد فيه
قوله: "قريان"، وهو جمع قريٌ.
والقري: مسيل الماء إلى الروضة، ويجمع أيضاً أقرية، ونظيره سري وأسريةٌ وسريان، والسري: النهر.
اللغة
يستن: يتبع. وأعداء الطرق: نواحيه، ويقال: خذ عديَّ الطريق. وتسمها: علاها، أي علا القربان، وغر السحاب: بيض.
стр. 765
وقلبه:
تربعتْ جانبي رهبي فمعقلة ... حتى ترفض في الآل القراديد
يستن أعداء قربان......البيت
حتى كأن رياض القف ألبسها ... من وشي عبقر تجليل وتنجيد
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٧٨)
فارحم أصيبيتي الذين كأنهم ... حجلى تدرج في الشربة وقع
هذا البيت لعبد الله بن الحجاج الثعلبي.
الشاهد فيه
قوله: "أصيبيتي" تصغير أصبية، وأصبية جمع صبي، والمعروف صبي وصبية، وإنما جاء أصيبية في الشعر.
وقد تقدم هذا البيت، بما فيه.
стр. 766
وأنشد أبو علي في باب ما كان من هذه الأسماء على أربعة أحرف، مؤنثاً ولم تلحقه علامة لتأنيث.
(٢٧٩)
يصور عنوقها أحوى زنيم ... له ظأب كما صخب الغريم
هذا البيت، لجمال بن سلمة العبديّ كذا ذكر أبو عبيدة، معمر بن المثنى، في كتاب"المثالب".
ونسبه أبو عبيد البكري، للملعى العبدي، ونسبه ابن سيدة، في كتابه "المحكم" لأوس بن حجر.
وصواب إنشاده:
وجاءت خلعةٌ دبسٌ صفايا ... يصور عنوقها أحوى زنيم
يفرقُ بينها صدعٌ ثنيَّ ... بتحجيلٍ ورابعةٌ بهيم
стр. 767
وأبو علي وهم في البيت، فركب عجز بيته، على صدر آخر.
الشاهد فيه
قوله: "عنوق"، جمع عناق، وهو من الجمع الكثير، وفي أدنى العدد "أعنق" ويجمع أيضاً على "عنق".
وأما تكسيرهم له على"أفعل" فهو الغالب على هذا البناء من المؤنث، وأما تكسيرهم له على "فعول" فلتكسيرهم إياه على "أفعل" إذ كانا يعقبان على باب "فعل".
وفي المثل "العنوق بعد النوق" يضرب للذي يكون على حالة حسنة، ثم يركب القبيح من الأمر، ويدعُ حاله الأولى، وينحط من علو إلى سفل، وأنشد ابن السكيت:
أبوك الذي يكوي أنوف عنوقه ... بأظفاره حتَّى أنسَّ وأمحقا
وأنشد ابن الأعرابي:
стр. 768
لا أذبح النازي الشَّبُوتَ ولا ... أسلخُ يومَ المقامة العنقا
لا آكل الغثَّ في الشتاء ولا ... أنصح ثوبي إذا هو انخرقا
اللغة
العناق: الأنثى من المعز، أنشد ابن الأعرابي:
حسبتُ بغامَ راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناقِ
ومعنى يصور: يبيل ويضم، قال الله تعالى: (فصرهن إليك) ، قال:
غلامٍ رأيته صار كلباً ... ثم في ساعتين صار غزالاً
ويروى "يصوع عنوقها" ومعناه يفرق يقال: صاع الغنم ويصوعها صوعاً: فرقها.
ابن دريد: "صعت الشيء أصوعه، إذا ثنيته ولويته".
стр. 769
قال الخليل: صاع الشجاع أقرانه: وصاع الراعي ماشيته يصوع. جاءهم من نواحيهم. وصاع القوم: حمل بعضهم على بعض، عن اللحياني.
وصاع الشيء صوعاً: ثناه ولواه، وانصاع القوم: ذهبوا سراعاً.
والظأب: الكلام والجلبة، يقال: سمعت ظأب تيس بني فلان.
وظأم، بالهمز فيهما، وهو صياحه عند هياجه.
وقال أبو العباس، أحمد بن يحيى، ثعلب: ظاب التيس، وظامه، ولا يهمزان.
وقال أبو علي البغدادي: رويناه في "الغريب المصنف"، غير مهموز.
وقيل: الظتء: صوت التيس، وينشد هذا البيت.
ظاء، وظأب الرجل بالهمز: سلفه، يقال: قد تظاءما وتظاءبا، إذا تزوجا أختين.
والصخب: الصياح، والأحوى: الأسود. والزنيم: التيس ذو الزنمة، وهي الزيادة التي تكون في عنقه.
وصف تيساً.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٨٠)
تلفُّهُ الأرواحُ والسُّميُّ
стр. 770
هذا الرجز للعجاج.
الشاهد فيه
قوله: "السمي"، جمع سماء الذي هو المطر.
فأما المظلة، فلا تجمع إلا "سماوات" بالألف والتاء، استغنوا عن تكسيرها، بالألف والتاء.
وقد تقدم هذا الشاهد والكلام عليه.
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٨١)
وبالزُّرقِ أطلالٌ لميَّةَ أقفرتْ ... ثلاثةَ أحوالٍ تراحُ وتمطرُ
هذا البيت، لذي الرمة.
الشاهد فيه
قوله: "تراح وتمطر"، أي: تمر عليها الريح، وينزل بها المطر، فهو مثل قول العجاج:
تلفُّهُ الأرواحُ والسُّميُّ
اللغة
الزرق: أكثبه بالدهناء.
والأطلال: آثار الديار.
وأراد: ثلاثة أعوام، يصيبها الريح والمطر.
стр. 771
وأنشد أبو علي في الباب.
(٢٨٢)
وكأنَّ حيَّاً قبله لم يشربوا ... منها بأقلبةٍ أجنَّ زعاقِ
أنشد أبو زيد هذا البيت، لجبار بن سلمى.
الشاهد فيه
قوله: "أقبله"، جمع قليب، والقليب: البئر، سيذكر ويؤنث، فيجوز أن تكون "أقلبة"، جمعاً على رأي من أنث، كأسمية. ويجوز أن تكون، على رأي من ذكر، كرغيف وأرغفة.
وقوله: "أجن" فعل، وفيه ضمير راجع على الأقلبة، في موضع الصفة ومعناه: تغيرن. والآجن: الماء المتغير.
والزعاق: الماء المر، الذي لا يطاق شربه، الواحد والجميع فيه سواء، وأزعق الرجل: أنبط ماء زعاقاً. وبئر زعقة: مرة. وطعام زعاق: كثير الملح، وزعق القدر يزعقها زعقاً، وأزعقها: أكثر ملحها.
стр. 772
أنشد أبو علي في باب ما كان آخره ألف التأنيث، أو الهمزة المنقلبة عنها.
(٢٨٣)
تربَّعنَ من وهبينَ أو من سويقةٍ ... مشقَّ السَّوابي عن رؤوس الجآذرِ
هذا البيت لذي الرمة.
الشاهد فيه
جمعه "سابياء" على "السوابي".
ويروى موضع "تربعن" تحلون. ويروى "عن أنوف".
اللغة
السابياء: هي الجلدة التي تنشق عن رأس المولود، وهي من الناقة: الحولاء والسابياء أيضاً: المال الكثير.
ووهبين وسويقة: موضعان.
ومشق: موضع الشق عن رؤوس أولاد البقر، وهي الجآذر.
وبعده:
أعاريبُ طوريونَ في كلِّ بلدةٍ ... يحيدون عنها من حدازِ المقادرِ
стр. 773
وأنشد أبو علي في باب، ما جاء جمعه على غير بناء واحده المستعمل.
(٢٨٤)
منَ آلِ أبي موسى ترى الناسَ حوله ... كأنَّهمُ الكروانُ أبصرنَ بازيا
هذا البيت لذي الرمة.
الشاهد فيه
قوله: "الكروان" جمع كروان، وهو طائر معروف، وليس هذا الجمع لهذا الاسم بكماله ، ولكنه على حذف الزيادة، كأنه جمع "فعلاً"، فراعى حذف الألف والنون، لأنهما زائدان، فبقي "كرو" فقلبت واوه ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها طرفاً، فصارت "كرا" ثم كسرا "كرا" على "كروان"، كشبث وشيبثان، وخرب وخربان، وورل وورلان، وبرق وبرقان، وأخ وإخوان.
وعليه قولهم: "أطرق كرا إن النعام بالقرى"، إنما هو ترخيم "كروان" على قوله: يا حار.
فالواو الآن في "كروان" إنما هي بدل من ألف "كرا" المبدلة من واو "كروان"، ومثله قوله تعالى: (حتَّى إذا أبلغ أشدَّهُ) .
стр. 774
هو عند سيبويه على تكسير "شدة"، على حذف زائدته، وذلك أنه لما حذف التاء، بقي الاسم على "شد"، ثم كسر على "أشد"، فصار كذئب وأذؤب، وقطع وأقطع.
ونظير شدة وأشد، قولهم: نعمة وأنعم.
وقال أبو عبيدة: هو جمع "أشد" على حذف الزيادة، قال: وربما استكرهوا على ذلك في الشعر، قال عنترة:
عهدي بها شدَّ النَّهارِ كأنَّما ... خصبَ اللَّبانُ ورأسه بالعظلمِ
ألا تراه لما حذف همزة "أشد" بقي معه "شد" كما ترى، فكسره على "أشد"، فصار كضب وأضب، وصك وأصك، وله نظائر.
المعنى
مدح بهذا الشعر بلال بن أبي بردة، وكان أمير البصرة وقاضيها وفيه يقول رؤبة: وأنت يا ابنَ القاضيينَ قاضي
الإعراب
قوله: "من آل أبي موسى ترى القوم"، ولم يقل "ترين" وكانت المخاطبة أولاً للمرأة، ألا تراه يقول:
стр. 775
تقولُ عجوزٌ مدرجي متروِّحا ... على بيتها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجةٌ في المصر أم ذو خصومةٍ ... أراك لها بالبصرةِ العامَ ثاويا
فقلتُ لها لا إنَّ أهلي لجيرةٌ ... لأكثبة الدَّهنا جميعاً ومالياً
وما كنتُ مذْ أبصرتني في خصومةٍ ... أراجعُ فيها يا ابنةَ الخير قاضيا
ثم حول المخاطبة إلى رجل، فقال: "من آل أبي موسى".
والعرب تفعل ذلك كثيراً، قال الله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم، بريح طيبة) . فكأن الخطاب والله أعلم كان للناس، ثم حولت المخاطبة لرسول الله ﷺ ، قال عنترة:
شطتْ مزارُ العاشقينَ فأصبحتْ ... عسراً على طلابكِ ابنةَ مخرمِ
وقال جرير:
ما للمنازلِ لا تجيبُ حزيناً ... أصممنَ أمْ قدمَ الهوى فبلينا
وترى العواذلَ يبتدرونَ ملامتي ... وإذا أردنَ سوى هواكِ عصينا
قال أولاً لرجل: "وترى العواذل"، ثم قال: "سوى هواك".
حكاية
روي أن بلالاً وفد على عمر بن عبد العزيز بخناصرة، فسدك بسارية من المسجد، فجعل يصلي إليها، ويديم الصلاة.
следующие страницы →