Полный текст (2 483 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
الله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وما بعث هؤلاء الكفار القائلون للمؤمنين: ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ﴾ حافظين عليهم بأعمالهم، يقول: إنما كلفوا الإيمان بالله والعمل بطاعته، ولم يُجعلوا رقباء على غيرهم يحفظون عليهم أعمالهم وينتقدونها.
وعن ابن عباس: قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ ، قال: يعني: السرر المرفوعة عليها الحجال. وكان ابن عباس يقول: (إن السور الذي بين الجنة والنار يفتح لهم فيه أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار والمؤمنون على السور ينظرون كيف يعذبون فيضحكون منهم) ، فيكون ذلك مما أقر به أعينهم كيف ينتقم الله منهم.
وعن مجاهد: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ ، قال: جزي. وعن سفيان: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ، حين كانوا يسخرون؟ قال البغوي: ومعنى الاستفهام ها هنا: التقرير. وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ؟ أي: هل جوزي
الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله.
* * *
стр. 2382
[سورة الانشقاق]
مكية، وهي خمس وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (٨) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (١١) وَيَصْلَى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) ﴾ .
* * *
стр. 2383
قوله : ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (٨) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (١١) وَيَصْلَى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) ﴾ .
عن أبي رافع قال: (صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ فسجد فقلت له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه) . متفق عليه.
قال البغوي: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ انشقاقها من علامات القيامة
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: سمعت أمر ربها بالانشقاق وأطاعته، من الإذن: وهو الاستماع ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: وحق لها أن تطيع ربها ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ مد الأديم وزيد في سعتها، ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ قال مجاهد: أخرجت ما فيها من الموتى؛ وقال قتادة: أخرجت أثقالها وما فيها، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ ، وقال قتادة: إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله. وقال ابن زيد: ﴿كَدْحاً﴾ : العمل
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ
стр. 2384
حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ ، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عذب» ، فقلت: يا رسول الله أفليس قال الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ قال: «ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» . متفق عليه. وعن قتادة: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ ، قال: إلى أهل أعد الله لهم في الجنة.
وعن مجاهد: قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ﴾ ، قال: يجعل يده من وراء ظهره، ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ ، قال ابن جرير: وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾ يقول: فسوف ينادي بالهلاك وهو أن يقول: واثبوراه واويلاه ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ قال قتادة: أي: في الدنيا، ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ أن لن ينقلب، يقول: أن لن يبعث. قال البغوي: ثم قال: ﴿بَلَى﴾ ، أي: ليس كما ظن، بل يحور إلينا ويبعث، ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ من يوم خلقه إلى أن بعثه.
قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) ﴾ .
عن ابن عباس: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قال: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ وما جمع ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ يقول: إذا استوى. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ﴾ يقول: حالاً بعد حال. قال ابن زيد: الآخرة بعد
стр. 2385
الأولى ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: بهذا الحديث وبهذا الأمر. ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ ، قال مجاهد: يكتمون، ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال ابن كثير: أي: فأخبرهم يا محمد بأن الله قد أعد لهم عذابًا أليماً.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ هذا استثناء منقطع، يعني: لكن ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: بقلوبهم ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: بجوارحهم ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال البغوي: غير مقطوع ولا منقوص.
* * *
стр. 2386
الدرس الثاني بعد الثلاثمائة
[سورة البروج]
مكية، وهي اثنتان وعشرون آية
... عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة: بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق) . رواه أحمد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢) ﴾ .
* * *
стр. 2387
قوله : ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) ﴾ .
عن مجاهد: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ، قال: النجوم. وقال ابن جرير: ذات منازل الشمس والقمر، وقال ابن عباس: قصور في السماء ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ قال قتادة: يعني: يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال ابن عباس: (الشاهد محمد والمشهود يوم القيامة ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ . وقال مجاهد: الشاهد: ابن آدم، والمشهود: يوم القيامة. وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَشَاهِدٍ﴾ يقول: الله: ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يقول: يوم القيامة. وقال وابن عمرو بن الزبير: الشاهد يوم الذبح، والمشهود يوم الجمعة. وعن أبي هريرة أنه قال في هذه الآية: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة. وروى مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : « ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ يوم القيامة، ﴿وَشَاهِدٍ﴾ يوم الجمعة، وما طلعت الشمس
ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا
стр. 2388
أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم عرفة» . وعن أبي الدراداء قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا عليّ الصلاة يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة» . رواه ابن جرير.
قال ابن القيم: (فالشاهد هو: المطلع والرقيب والمخبر، والمشهود هو: المطلع عليه المخبر به المشاهد، إلى أن قال: فكل ما وقع عليه اسم: شاهد ومشهود، فهو داخل في هذا القسم، فلا وجه لتخصيص بعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل) .
عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني كبر سني وحضر أجلي، فادفع إلي غلامًا لأعلمه السحر، فدفع إليه غلامًا كان يعلمه السحر؛ وكان الساحر وبين الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر. قال: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر؛ قال فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك
وأرضى من أمر الساحر فاقتل
стр. 2389
هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها ومضى الناس، فأخبر الراهب بذلك فقال: أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ.
فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس فعمي، فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما ها هنا أجمع، فقال: ما أنا أشفي أحدًا، وإنما يشفي الله ، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا الله فشفاه، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فقال: أنا؟ قال: لا، ربي وربك الله، قال: أولك رب غيري؟ قال: نعم ربي وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فبعث إليه فقال: أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟ قال: ما أشفي أحدًا إنما يشفي الله ، قال: أنا؟ قال: لا، قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه أيضًا بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب؛ فأتى بالراهب فقال: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض؛ وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال: إذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه، فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما
شئت، فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى.
فبعث به مع نفر في قرقور فقال: إذا لججتم به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر، فلججوا به البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرقوا أجمعون؛ وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى؛ ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لا تستطيع قتلي؛ قال: وما هو؟ قال:
стр. 2390
تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهمًا من كنانتي، ثم قل: باسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني، ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه، وقال: بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك، قد آمن الناس كلهم. فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها. قال فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق» . رواه أحمد وغيره.
وعن ابن عباس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ حرقوا المؤمنين والمؤمنات، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ
الْحَرِيقِ﴾ ، قال ابن كثير: وذلك أن الجزاء من جنس العمل. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ .
قوله : ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢) ﴾ .
قال البغوي: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة لشديد ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أي: يخلقهم أولاً في الدنيا ثم
стр. 2391
يعيدهم أحياء بعد الموت ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ قال ابن عباس يقول: الحبيب ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ قال البغوي: قرأ حمزة والكسائي: (المجيد) بالجر على صفة الْعَرْشِ أي: السرير العظيم؛ وقيل: أراد حسنه فوصفه بالمجد كما وصفه بالكرم، فقال: (رب العرش الكريم) ومعناه: الكمال، والعرش أحسن الأشياء وأكملها. وقرأ الآخرون: بالرفع على صفة ذو العرش، فقال: لما يريد لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وأنزل عليهم من
النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ . وعن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ فقام يسمع فقال: «نعم قد جاءني» . رواه ابن أبي حاتم.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ قال البغوي: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك يا محمد، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ لك وللقرآن كدأب من قبلهم ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ عالم بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، يقدر أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان قبلهم. ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾ كريم شريف كثير الخير، ليس كما زعم المشركون أنه شعر وكهانة، ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ وهو أم الكتاب ومنه تنسخ الكتب ﴿مَّحْفُوظٍ﴾ من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان. قال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش.
* * *
стр. 2392
[سورة الطارق]
مكية، وهي سبع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) ﴾ .
* * *
стр. 2393
قوله : ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) ﴾ .
قال ابن كثير: يقسم ﵎ بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ قال قتادة وغيره: إنما سمي النجم طارقًا لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار. ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ قال البغوي: ما كل نفس إلا عليها حافظ وهي لغة هذيل يجعلون ﴿لَّمَّا﴾ بمنزلة (إلا) يقولون: نشدتك الله لما قمت أي: إلا قمت. وعن قتادة: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك، إذا توفيته يا ابن آدم قبضت إلى ربك. وقال الكلبي: حافظ من الله يحفظها ويحفظ قولها وفعلها، حتى يدفعها ويسلمها إلى المقادير، ثم يخلي عنها.
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ، قال البغوي: أي: فليتفكر من أيّ شيء خلقه ربه ﴿خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ﴾ مدفوق: أي: مصبوب في الرحم، وهو: المني. وقال ابن كثير: يخرج دفقًا من الرجل ومن المرأة، فيتولد منهما الولد بإذن الله ؛
стр. 2394
ولهذا قال: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ
الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ، يعني: صلب الرجل، وترائب المرأة وهو صدرها. وقال قتادة: يخرج من بين صلب الرجل ونحره.
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ ، قال: على بعثه وإعادته. ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ ، قال: إن هذه السرائر مختبرة، فأسروا خيرًا أو أعلنوه إن استطعتم ولا قوة إلا بالله، ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ ، قال: ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ يمتنع بها ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ ينصره من الله.
قوله : ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ قال: ترجع بأرزاق العباد كل عام، لولا ذلك هلكوا وهلكت مواشيهم. وقال الضحاك: يعني: المطر. ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ قال قتادة: تصدع عن الثمار وعن النبات كما رأيتم. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ، قال ابن عباس: يقول: حق.
﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ قال مجاهد: باللعب، وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنها ستكون فتن» ، قلنا: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله» . الحديث.
قال ابن كثير: ثم أخبر عن الكافرين بأنهم يكذبون به ويصدون عن سبيله فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ ، أي: يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن،
стр. 2395
﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ ، قال البغوي: وكيد الله استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون. قال ابن كثير: ثم قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: أَنْظِرْهُمْ ولا تستعجل لهم ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ أي: قليلاً. أي: وسترى ماذا حلّ بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ . وقال في جامع البيان: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ إمهالاً يسيراً كرّر وخالف بين الفعلين لزيادة التسكين والتصبير، والحمد لله رب العالمين.
* * *
стр. 2396
الدرس الثالث بعد الثلاثمائة
[سورة الأعلى]
مكية، وهي تسع عشر آية
عن النعمان بن بشير: (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما) . رواه مسلم وغيرهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى (٥) سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى (٦) إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩) ﴾ .
* * *
стр. 2397
قوله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى (٥) سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى (٦) إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) ﴾ .
عن قتادة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان إذا قرأها قال: «سبحان ربي الأعلى» . وعن عقبة بن عامر الجهنيّ قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا رسول الله ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، قال: «اجعلوها في سجودكم» .
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ أي: خلق الخليقة وسوّى كل مخلوق على هيئته ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ أي: قدّر قدراً وهدى الخلائق إليه. ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى﴾ قال قتادة: يعود يبسًا بعد خضرة. وقال ابن عباس: هشيماً متغيراً. وعن مجاهد: قوله: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ قال: كان يتذكّر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى. وقال قتادة: كان ﷺ لا ينسى شيئاً إلاَّ ما شاء الله.
стр. 2398
قال البغوي: وهو ما نسخ الله تلاوته من القرآن، كما قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ .
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ قال ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ قال ابن كثير: أي: ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن ها هنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله. ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سيتعظ ﴿مَن يَخْشَى﴾ الله ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾ ، أي: الذكرى، ويتباعد عنها ﴿الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة تنفعه.
قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩) ﴾ .
عن ابن عباس: قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ ، يقول: من تزكى من الشرك ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ يقول: الصلوات الخمس. وعن الحسن في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ قال: من كان عمله زاكيًا. ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قال قتادة: فاختار الناس العاجلة إلا من عصم الله.
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ قال: تتابعت كتب الله كما تسمعون: إن الآخرة خير وأبقى. وعن أبي الخلد قال: (أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست ليال خلون من رمضان، وأنزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة، وأنزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين) . وفي
стр. 2399
حديث أبي ذر المشهور
قلت: يا رسول الله فهل في الدنيا شيء مما كان في أيدي إبراهيم وموسى؟ قال: «نعم، اقرأ يا أبا ذر: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ » .
* * *
стр. 2400
[سورة الغاشية]
مكية، وهي ست وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) ﴾ .
* * *
стр. 2401
قوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) ﴾ .
قال ابن عباس: (الغاشية من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده) . ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ ، قال قتادة: ذليلة، ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ ، قال الحسن: لم تعمل لله في الدنيا فأعملها في النار، ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ، قال: أنى طبخها منذ يوم خلق الله الدنيا. ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ، قال ابن عباس: الضريع: الشبرق. قال عكرمة: هي شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض، فإذا كان الربيع سمتها قريش الشبرق، فإذا هاج العود سمتها الضريع ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ .
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ أي: يعرف النعيم فيها ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قال سفيان: قد رضيت بعملها ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ قال ابن عباس: يقول لا تسمع أذى ولا باطلاً ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ . أي: سارحة. قال ابن كثير: وهذه نكرة في سياق الإثبات وليس المراد بها عينًا واحدة، وإنما هذا جنس، يعني: فيها عيون جاريات ﴿فِيهَا
سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ ، قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما لم يجيء أهلها، فإذا أراد أن
стр. 2402
يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها ثم ترتفع إلى موضعها؛ ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ عندهم ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قال قتادة: والنمارق الوسائد ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قال ابن عباس: الزرابي: البسط. قال البغوي: يعني: البسط العريضة. قال ابن عباس: هي الطنافس التي لها خمل، واحدتها: زربية، ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مبسوطة. انتهى.
قلت: وهي الزوالي بلسان بعض أهل الوقت.
قوله : ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) ﴾ .
قال البغوي: قال أهل التفسير: لما نعت الله تعالى في هذه السورة ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه، فذكر لهم الله تعالى صنعه فقال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ . وكانت الإبل أعظم عيش العرب لهم فيها منافع كثيرة، فلما صنع لهم ذلك في الدنيا صنع لأهل الجنة فيها ما صنع، وتكلمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات، فقال مقاتل: لأنهم لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم يشاهد الفيل إلا الشاذ منهم. وقال الكلبي: لأنها تنهض بحملها وهي
باركة. وقال قتادة: ذكر الله ارتفاع سرر الجنة وفرشها فقالوا: كيف نصعدها؟ فأنزل الله هذه الآية. وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة، فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد بها، ثم هو خنزير لا يركب ظهرها ولا يؤكل لحمها، ولا يحلب درها، والإبل من أعز مال العرب وأنفسها، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، وهو مع عظمها تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، حتى إن الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث شاء. وكان شريح القاضي
стр. 2403
يقول: اخرجوا بنا إلى كناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أي: عن الأرض حتى لا ينالها شيء يغيرها، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ ؟ وعن قتادة: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ تصاعد إلى الجبل الصخر عامة يومك فإذا أفضيت إلى أعلاه أفضيت إلى عيون متفجرة وثمار متهدلة ثم لم تحرثه الأيدي ولم تعمله نعمة من الله وبلغة إلى أجل، ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ، أي: بسطت، يقول: أليس الذي خلق هذا بقادر على أن يخلق ما أراد في الجنة؟
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ قال ابن كثير: أي: فذكر يا محمد الناس بما أرسلت به إليهم، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب. ولهذا قال: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ قال ابن عباس: يقول: لست عليهم بجبار.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، - ثم قرأ -: ﴿إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطرٍ﴾ » . رواه ابن جرير وغيره.
وعن مجاهد: قوله: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ، قال: حسابه على الله ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ ، قال ابن جرير: وهو عذاب جهنم. وعن قتادة: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ، يقول: إن إلى الله الإياب وعليه الحساب.
* * *
стр. 2404
الدرس الرابع بعد الثلاثمائة
[سورة الفجر]
مكية، وهي ثلاثون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً (٢١) وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) ﴾ .
* * *
стр. 2405
قوله : ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) ﴾ .
وعن عبد الله بن الزبير أنه قال: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ : قسم أقسم الله به. وقال عكرمة: الفجر فجر الصبح. ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ، قال ابن عباس: هن الليالي الأول من ذي الحجة. قال مسروق: هي أفضل أيام السنة. وعن مجاهد: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ، قال: كل خلق الله شفع: السماء والأرض والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، والله الوتر وحده. وعن قتادة: قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ إن من الصلاة شفعًا، وإن منها وترًا. وعن ابن عباس: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ، يقول: إذا ذهب. ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ ، قال: لذي عقل، لذي نهى.
قال ابن جرير: وقوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ ، يقول تعالى ذكره: هل فيما أقسمت به من هذه الأمور مقنع لذي حجر. وإنما عنى بذلك: أن في هذا القرآن مكتفى لمن عقل عن ربه بما هو أغلظ منه في الأقسام. وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ أي: لذي عقل ولبّ ودين وحجى، وإنما سميّ العقل حجرًا
لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من
стр. 2406
الأفعال والأقوال. انتهى. قال بعض الحكماء: العقل للقلب بمنزلة الروح للجسد.
وعن قتادة: قوله ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قال: كنا نحدّث أن إرم قبيلة من عاد مملكة عاد. وقال ابن إسحاق: عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. وعن قتادة: قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ، قال: كانوا أهل عمود لا يقيمون سيارة. وقال الكلبيّ: وكانوا أهل عمد وخيام، وماشية سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا أهل جنان وزرع.
وعن قتادة: قوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ذكر أنهم كانوا اثنتي عشرة ذراعاً طولاً في السماء. وقال البغوي: أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوّة وهم الذين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ وعن ابن عباس: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ ، يعني: ثمود قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، وقال قتادة: نقبوا الصخر. وعن مجاهد: قوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ ، قال: كان يوتد الناس بالأوتاد، ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ ، قال البغوي: يعني: عادًا، وثمود، وفرعون عملوا في الأرض بالمعاصي وتجبّروا، ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ ، قال مجاهد: ما عذّبوا به. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ، قال ابن عباس: يقول: يرى ويسمع.
قوله : ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي
أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً (٢٠) ﴾ .
стр. 2407
وعن قتادة: قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ وحقّ له ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ ما أسرع كفر بني آدم! يقول الله جلّ ثناؤه: ﴿كَلَّا﴾ إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلّتها، ولكن إنما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي.
﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ ، قال: الميراث، ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾ ، أي: شديداً. وقال بكر بن عبد الله: اللمّ الاعتداء في الميراث، يأكل ميراثه وميراث غيره. ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ ، قال قتادة: أي: حبًّا شديدًا.
قوله : ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً (٢١) وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) ﴾ .
قال ابن كثير: يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال تعالى: ﴿كَلَّا﴾ ، أي: حقاً، ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ ، قال ابن جرير: يعني: إذا رجت وزلزلت وحرّكت تحريكاً بعد تحريك، ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ، يقول تعالى ذكره: وإذ جاء ربك يا محمد وأملاكه صفوفًا صفًّا بعد صفّ. وعن ابن عباس ﵄ قال: (إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد جنَّهمُ وإنسهم، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر
стр. 2408
من أهل الأرض جنهم وإنسهم بالضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزعوا منهم فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا، ليس فينا وهو آت؛ ثم تقاض السماء الثانية، ولأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم.
فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض، فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا، ليس فينا وهو آت، ثم تقاض السموات سماء سماء، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك حتى تقاض السماء السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سموات ومن جميع أهل الأرض بضعف
فيجيء الله فيهم والأمم جثيّ صفوف، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال.
قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة؛ ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة؛ ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيقومون فيسرحون إلى الجنة.
فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، خرج عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران، ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، فيلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثانية فيقول: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، فيلتقطهم لقط الطير حب السمسم، فيحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثالثة - قال عوف: قال أبو المنهال: حسبت أنه يقول -: وكلت
стр. 2409
بأصحاب التصاوير فيلتقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فيحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودعي الخلائق للحساب) . رواه ابن جرير.
وقال الضحاك ابن مزاحم: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا بأهلها ونزل من فيها من الملائكة وأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية
، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفًا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رأها أهل الأرض ندوا، فلا يأتون قطرًا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ، وذلك قوله: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ . وعن ابن مسعود في قوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ ، قال: (جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودونها) .
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ ، قال ابن عباس: يقول: وكيف له؟ وعن الحسن في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ ، قال: علم الله أنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها آخر ما عليه؛ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ، قال: قد علم الله أن في الدنيا عذابًا ووثاقًا فقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ في الدنيا، ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ في الدنيا.
وعن قتادة: قوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله، ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ ، قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال:
стр. 2410
حدثنا ابن يمان عن أسامة بن زيد عن أبيه قال: (بشرت بالجنة عند الموت، ويوم الجمع، وعند البعث) . وعن
قتادة: قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ ، قال: ادخلي في عبادي الصالحين ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ .
* * *
стр. 2411
[سورة البلد]
مكية، وهي عشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ (٢٠) ﴾ .
* * *
قوله : ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) ﴾ .
عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني: مكة ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني: بذلك نبي الله ﷺ ، أحل الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحي من شاء، وقال في جامع البيان: قيل معناه: أقسم بمكة حين حلولك
стр. 2412
فيها، فيكون تعظيمًا للمقسم به. وقال ابن القيم: (وعلى كل حال فهي جملة اعتراض في أثناء القسم، موقعها من أحسن موقع وألطفه فهذا القسم متضمن لتعظيم نبيه ورسوله) . ... ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ ، قال مجاهد: الولد آدم ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ ولده.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال ابن عباس: يقول: في نصب. وقال قتادة: لا يلقى ابن آدم إلا مكابد أمر الدنيا والآخرة. وعن ابن عباس قال: يعني: حمله وولادته، ورضاعه وفصاله، ونبت أسنانه وحياته ومعاشه، كل ذلك شدة؛ قال ابن القيم: (ولا راحة له إلا في الجنة) . ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، قال قتادة: ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال: من أين اكتسبه؟ وأين أنفقه؟ ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ أي: كثيرًا. ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ ؟ قال: نعمٌ من الله متظاهرة يقررك
بها كيما تشكره، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال مجاهد: سبيل الخير والشر.
قوله : ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ (٢٠) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ إنها قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ذكر لنا أن نبي الله ﷺ سئل عن الرقاب أيها أعظم أجرًا؟ قال: «أكثرها ثمنًا» . قال قتادة: ثم أخبر عن اقتحامها فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ *
стр. 2413
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ يقول: يوم يشتهى فيه الطعام. وقال ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قال: ذي مجاعة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ قال ابن زيد: ذا قرابة ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ قال ابن عباس: الذي ليس له شيء يقيه من التراب.
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على أمر الله ... ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ لعباد الله: أي: ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة، مؤمن بقلبه محتسب ثواب ذلك عند الله. ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ، أي: أصحاب اليمين الذين يؤخذ بهم إلى الجنة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ ، أي: يؤخذ بهم ذات الشمال،
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قال قتادة: أي مطبقة أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد.
* * *
стр. 2414
الدرس الخامس بعد الثلاثمائة
[سورة الشمس]
مكية، وهي خمس عشر آية
في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ؟» ، يعني: في العشاء الآخرة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥) ﴾ .
* * *
стр. 2415
قوله : ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (١٠) ﴾ .
عن قتادة: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ قال: هذا النهار ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يتلوها صبيحة الهلال فإذا سقطت الشمس رؤي الهلال ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ قال: إذا غشيها النهار. قال البغوي: يعني: إذا جلى الظلمة، كناية عن غير مذكور. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ قال قتادة: إذا غشاها الليل ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ وبناؤها: خلقها. وعن مجاهد: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ قال: الله بنى السماء ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ قال: دحاها، وقال ابن زيد: بسطها ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ قال مجاهد: عرفها. وقال ابن عباس: علمها الطاعة والمعصية.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ يقول: قد أفلح من زكى الله نفسه ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ يقول: وقد خاب من دسى الله نفسه فأضله. وقال قتادة: من عمل خيرًا زكاها بطاعة الله؛ قال: قد وقع القسم ها هنا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ . وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: « ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ » . قال: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها
ومولاها» . وقال قتادة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ من زكى نفسه بعمل صالح ... ﴿وَقَدْ خَابَ مَن
стр. 2416
دَسَّاهَا﴾ قال: آثمها وأفجرها. وقال الحسن: أهلكها وأضلها وحملها على المعصية.
قال ابن القيم: (وهذا يستلزم القول الأول، فإن العبد إذا زكى نفسه ودساها، فإنما يزكيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، وإنما يدسيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه، فتضمنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية) . انتهى ملخصًا.
قوله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ... (١٥) ﴾ .
قال ابن زيد في قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ قال: بطغيانهم وبمعصيتهم. ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ قدار بن سالف. قال النبي ﷺ : ... «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة» . رواه ابن جرير وغيره. وعن قتادة في قوله: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ ، يعنى: أحيمر ثمود. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ قسم الله الذي قسم لها من هذا الماء، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء.
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال الحسن: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم وعن أبي الطفيل قال: (قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت
من الصادقين، فقال لهم صالح: اخرجوا إلى هضبة من الأرض، فخرجوا فإذا هي تمتخض كما
стр. 2417
تمتخض الحامل، ثم إنها انفرجت فخرجت من وسطها الناقة، فقال صالح: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ فلما ملوها عقروها؛ فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ .
وعن جابر قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: «لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني: الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلاً واحدًا كان في حرم الله» فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» . رواه أحمد. وعن قتادة: (أن صالحًا قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام؛ قال لهم: آية هلاككم أن تصبح وجوهكم مصفرة، ثم تصبح اليوم الثاني محمرة، ثم تصبح اليوم الثالث مسودة، فأصبحت كذلك) .
قال ابن كثير: وأصبح ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة، ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح ﵇، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من
стр. 2418
أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم
مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا، وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه - عياذًا بالله من ذلك - لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب، وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة، فأصبحوا في دارهم جاثمين.
* * *
стр. 2419
[سورة الليل]
مكية، وهي إحدى وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) ﴾ .
* * *
قوله : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ، قال: آيتان عظيمان يكورهما الله على الخلائق، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ ، قال في بعض الحروف: (والذكر والأنثى) . وعن الحسن أنه كان يقرؤها: (وما خلق الذكر والأنثى) ، يقول:
стр. 2420
والذي خلق الذكر والأنثى. قال أبو عمرو: وأهل مكة يقولون للرب: سبحان ما سبحت له.
وعن قتادة: قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ، يقول: لمختلف؛ قال وقع القسم ها هنا: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى﴾ حق الله واتقى محارم الله التي نهى عنها ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالمجازاة على ذلك. وقال ابن عباس: ﴿وَصَدَّقَ﴾ بالخلف من الله. وقال مجاهد: بالجنة. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ قال ابن عباس: يعني: للخير. قال ابن القيم: (فسرت الحسنى: بلا إله إلا الله، وبالجنة، وبالخلف، وهي ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء، فرجع التصديق بالحسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه) . انتهى ملخصًا.
﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ أي: بخل بماله، واستغنى عن ربه ، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالجزاء في الدار الآخرة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ أي: لطريق الشر ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ قال قتادة: إذا تردى في النار. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: «ما منكم من واحد وما من نفس منفوسة، إلا كتب مكانها من الجنة والنار - أو - إلا قد كتبت شقية أو سعيدة» . فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء. فقال: «أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء - ثم قرأ -: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ » . رواه الجماعة. وفي
следующие страницы →