ومرجعك في ادراك أسرار البلاغة إلى الذوق الأدبي والإحساس الروحي
المبحث الثاني في الإطناب وأقسامه
الإطناب: زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، أو هو تأدية المعنى بعبارة زائدة عن متعارف أوساط البلغاء: لفائدة تقويته وتوكيده - نحو (رب إني وهنَ العظم مني واشتعل الرأس شيبا) - أي: كبرتُ فاذا لم تكن في الزيادة فائدة، يسمى «تطويلا» إن كانت الزيادة في الكلام غير متعينة.
ويسمى «حشواً» إن كانت الزيادة في الكلام متعينة لا يفسد بها المعنى فالتطويل - كقول عدي العبادي: في جذيمةَ الأبرش
وقدَّدت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذباً وميناَ (١)
فالمينُ والكذب بمعنى واحد. ولم يتعين الزائد منهما، لأن العطف بالواو: لا يفيد ترتيباً ولا تعقيباً ولا معية، فلا يتغير المعنى باسقاط أيهما شئت والحشو - كقول زهير بن أبي سلمى:
стр. 177
وأعلمُ علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي (١)
وكل من الحشو والتطويل معيبٌ في البيان، وكلاهما بمعزل عن مراتب البلاغة
واعلم ان دواعي الاطناب كثيرة، منها تثبيت المعنى، وتوضيح المراد والتوكيد، ودفع الايهام، وإثارة الحمية - وغير ذلك وأنواع الاطناب كثيرة (٢)(١) منها - ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) وفائدته التنبيه على مزية: وفضلٍ في الخاص حتى كأنه لفضله ورفعته، جزءٌ آخرُ، مغاير لما قبله ولهذا خص الصلاة الوسطى (وهي العصر) بالذكر لزيادة فضلها.
(٢) ومنها - ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى (٣) (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات)
وفائدته شمول بقية الأفراد، والاهتمام بالخاص لذكره ثانياً في عنوان عام، بعد ذكره أولا في عنوان خاص.
(٣) ومنها - الإيضاح بعد الإبهام، لتقرير المعنى في ذهن السامع بذكره مرتين، مرة على سبيل الإبهام والأجمال، ومرّة على سبيل التفصيل والإيضاح، فيزيده ذلك نبلا وشرفاً كقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) - وكقوله تعالى (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوعٌ مصبحين) فقوله (أن دابر هؤلاء) تفسير وتوضيح لذلك (الأمر) المبهم وفائدته توجيه الذهن إلى معرفته، وتفخيم شأن المبين، وتمكينه في النفس فأبهم في كلمة (الأمر) ثم وضحه بعد ذلك تهويلا لأمر العذاب.
(٤) ومنها - التوشيع: وهو أن يؤتى في آخر الكلام بمثنى مفسر بمفردين ليُرى المعنى في صورتين، يخرج فيهما من الخفاء المستوحش إلى الظهور المأنوس، نحو: العلم علمان، علم الأبدان، وعلم الأديان.
(٥) ومنها - التكرير - وهو ذكر الشيء مرتين أو أكثر - لأغراض
стр. 178
الأوّل - التأكيد وتقرير المعنى في النفس كقوله تعالى (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) (١) وكقوله تعالى (فانَّ مع العُسر يُسراً إن مع العُسر يُسراً)
الثاني - طول الفصل - لئلا يجىء مبتوراً ليس له طلاوة كقوله تعالى «يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رايتهم لي ساجدين» ، فكّرر (رأيت) لطول الفصل - ومن هذا قول الشاعر:
وإنَّ امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا إنه لكريمُ (٢)
الثالث - قصد الاستيعاب: نحو - قرأت الكتاب باباً باباً - وفهمته كلمة كلمة
الرابع - زيادة الترغيب في العفو - كقوله تعالى (إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم، وإن تعفو وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم)
الخامس - الترغيب في قبول النصح باستمالة المخاطب لقبول الخطاب كقوله تعالى (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاعٌ وإن الآخرة هي دار القرار) - ففي تكرير (يا قوم) تعطيف لقلوبهم، حتى لا يشكوا في إخلاصه لهم في نصحه.
السادس - التنويه بشأن المخاطب: نحو - إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن ابراهيم.
السابع - الترّديد: وهو تكرار اللفظ متعلقاً بغير ما تعلق به أولا نحو - السخي: قريب من الله، قريب ٌ من الناس، قريب من الجنة والبخيل: بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الناس، بعيدٌ من الجنة.
الثامن - التلذذ بذكره، نحو قول مروان بن أبي حفصة
... سقى الله نجداً والسلام على نجد وياحبذا نجد على القُرب والبعد
التاسع - الارشاد إلى الطريقة المثلى، كقوله تعالى (أولى لك فأولى ثمّ أولى لك فأولى)
(٦) ومنها - الاعتراض لغرض يقصده المتكلم - وهو أن يؤتى في اثناء الكلام، أو بين كلامين متَّصلين في المعنى، بجملة معترضة: أو أكثر، لا محل لها من الاعراب (٣)
стр. 179
وذلك لأغراض يرمي إليها البليغ - غيرَ دَفع الإيهام
(أ) كالدعاء - نحو: إني «حفظك الله» مريضٌ.
وكقول عوف بن محلم الشيباني
إن الثمانين وبُلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان (١)
(ب) والتنبيه على فضيلة العلم - كقول الآخر
واعلم فعلمُ المرء ينفعُه أن سوف يأتي كل ما قُدرا
(جـ) والتّنزيه - كقوله تعالى (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون)
(د) وزيادة التأكيد - كقوله تعالى (وَوَصينا الإنسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولولديكَ إليَّ المصير)
(هـ) والاستعطاف - كقول الشاعر:
وخفوقِ قلب لو رأيت لهيبه يا جنّتي لرأيت فيه جهنَّما
(و) والتهويل - نحو (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)
(٧) ومنها الإيغال - وهو ختم الكلام بما يُفيد نُكتة، يتم المعنى بدونها- كالمبالغة: في قول الخنساء:
وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علمٌ في رأسه نارُ
فقولها: «كأنه علم» وافٍ بالمقصود، لكنها أعقبته بقولها «في رأسه نار «لزيادة المبالغة، ونحو: قوله تعالى (والله يرزق من يشاء بغير حساب) .
(٨) ومنها التذييلُ - وهو تعقيب جملة بجملة أخرى مستقلّة، تشتمل على معناها، تأكيداً لمنطوق الأولى، أو لمفهومها - (٢) نحو: قوله تعالى (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) .
стр. 180
ونحو: قوله تعالى (ذلكَ جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور)
والتَّذييلُ «قسمان» قسمٌ يستقلُّ بمعناه، لجريانه مجرى المثل وقسمٌ لا يستقل بمعناه، لعدم جريانه مجرى المثل، فالأول: الجاري مجرى الأمثال، لاستقلال معناه، واستغنائه عما قبله كقول طرفةَ:
كلُّ خليل قد كنت خاللته لا ترك الله له واضحه
كلّكم أروغُ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحة
والثاني: غير الجاري مجرى الأمثال، لعدم استغنائه عمّا قبله، ولعدم استقلاله بافادة المعنى المراد، كقول النّابغة:
لم يُبق جُودك لي شيئاً أؤمِّلهُ تركَتني أصحب الدنيا بلا أملِ
فالشطر الثاني: مؤكد للأول، وليس مستقلا عنه، فلم يجر مجرى المثل.
(٩) ومنها الاحتراس - ويقال له التكميل، وهو أن يُؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود، بما يدفع ذلك الوهم)
فالاحتراس: يوجد حينما ياتي المتكلم بمعنى، يمكن أن يدخل عليه فيه لومٌ، فيفطن لذلك: ويأتي بما يخلّصه، سواء أوقع الاحتراس في وسط الكلام.
كقول طرفة بن العبد:
فَسَقى ديارَك غير مُفسدها صوبُ الرَّبيع وَديمَةٌ تهمى (١)
فقوله: غير مفسدها: للاحتراس
أو وقع الاحتراس في آخره، نحو: (ويُعمون الطعام على حبه أي: مع حب الطعام: واشتهائهم له، وذلك أبلغ في الكرم، فلفظ على حبه فضلة للاحتراس ولزيادة التحسين في المعنى، وكقول أعرابية لرجل (أذلَّ الله كل عدوّ لك إلا نفسك) .
(١٠) ومنها التَّتميم - وهو زيادةُ فضلة، كمفعول - أو حال أو تمييز - أو جار ومجرور، توجد في المعنى حُسنا بحيث لو حذفت صار الكلام مبتذلا كقول ابن المعتز يصف فرساً
صَببنا عليها (ظالمين) سياَطنا فطارت بها أيد سراعٌ وأرجلُ
إذ لو حذف (ظالمين) لكان الكلام مُبتذلا، لا رقة فيه ولا طلاوة وتوهَّم أنها بليدة تستحق الضرب، ويُستحسن الإطناب في الصلح بين العشائر، والمدح، والثناء، والذّم والهجاء،
стр. 181
والوعظ، والإرشاد، والخطابة: في أمر من الأمور العامة، والتهنئة ومنشورات الحكومة إلى الأمة، وكتب الولاة إلى الملوك، لاخبارهم بما يحدث لديهم من مَهام الأمور، وهناك أنواع أخرى من الإطناب، كما تقول في الشيء المستبعد: رأيته بعيني، وسمعته بأدنى، وذقته بفمي: تقول ذلك لتأكيد المعنى وتقريره.
وكقوله تعالى (فخرّ عليهم السَّقفُ من فوقهم) والسقف لا يخر طبعاً إلا من فوق، ولكنه دلّ بقوله (من فوقهم) على الإحاطة والشمول واعلم: أن الأطناب أرجحُ عند بعضهم من الإيجاز، وحُجَته في ذلك أن المنطق إنما هو البيان، والبيان لا يكون الا بالاشباع، والإشباع لا يقع إلا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينُه، وأبينُه أشده إحاطة بالمعاني - ولا يحاط بالمعاني إحاطة تامة، إلا بالاستقصاء والاطناب.
والمختار: أن الحاجة إلى كل من الاطناب، والإيجاز، ماسة: وكل موضع لا يسدّ أحدهما مكان الآخر فيه
وللذوق السليم: القول الفصل في موطن كلٍ منهما.
стр. 182
المبحث الثالث في المُساواة
المُساواة - هي تأديةُ المعنى المراد: بعبارة مساوية له (١)
- بأن تكون الألفاظ على قدر المعاني، لا يزيد بعضها على بعض، ولسنا بحاجة إلى الكلام على المساواة، فإنها هي الأصل المقيس عليه، والدستور الذي يُعتمد عليه، كقوله تعالى (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) ، وكقوله تعالى (كل امرىء بما كسب رهين) وكقوله تعالى (من كفر فعليه كُفره) ، وكقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى) فإن اللفظ فيه على قدر المعنى، لا ينقص عنه، ولا يزيد عليه، وكقول طرفةَ بن العبد:
ستُبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزَود
هذه أمثلة للمساواة، لا يستغنى الكلام فيها عن لفظ منه، ولو حُذف منه شيء لأخلّ بمعناه.
اسئلة على الايجاز والاطناب والمساواة تطلب أجوبتها
ما هي المساواة؟ - ما هو الايجاز؟ -
стр. 183
ما هو الاطناب؟ - كم قسما للإيجاز؟ - ما هو إيجاز القصر؟ - ما هو ايجاز الحذف؟ بأي شيء يكون إيجاز الحذف؟ كم قسما للإطناب،؟ ما هو ذكر الخاص بعد العام؟ ما هو ذكر العام بعد الخاص؟ ما هو الايضاح بعد الابهام؟ ما هو التكرار؟ ماهو الاعتراض؟. ما هو الايغال؟ ما هو التوشيع؟ ما هو الذييل؟ ما هو التكميل؟ ما هو التتميم؟ ما هو الاحتراس؟ ماهو الفرق بين التطويل والحشو؟ ما هي دواعي الايجاز؟ ما هي دواعي الاطناب كم قسما للتذييل؟ أيكون الاطناب بغير هذه الانواع.
تطبيق عام على الايجاز والاطناب والمساواة
درست الصرف - فيه مساواة: لأن اللفظ على قدر المعنى - (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) فيه اطناب بالتتميم: فان (على حبه) فضلة لزيادة التحسين في المعنى (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) - فيه مساواة.
стр. 184
المرء بأدبه - فيه إيجاز قصر: لتضمن العبارة القصيرة معاني كثيرة (تالله تفتأ تذكر يوسف) - فيه ايجاز حذف وهو لا، (وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق) - فيه إيجاز حذف جملة أي فضرب فانفلق، ألا كل شيء ما خلا الله باطل - فيه اطناب بالاحتراس:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
فيه الاطناب بالتذييل، والجملة الثانية جارية مجرى المثل.
جوزى المذنب بذنبه وهل يجازي الا المذنب، فيه إطناب بالتذييل، وليس جاريا مجرى المثل، (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) - فيه أطناب بالاحتراس البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة - فيه أطناب بالترديد ولكن البر من اتقى - فيه ايجاز حذف مضاف - أي ذا البر.
واهتم للسفر القريب فانه أنأى من السفر البعيد وأشنع
فيه إطناب بالايغال، فان (أشنع) مزيدة للترتيب في الاهتمام.
(خلطوا عملا صالحا وآخر) ، فيه ايجا سيئاز حذف - أي خلطوا عملا صالحا يسيء وعملا سيئا بصالح (والليل إذا يسر) - فيه ايجاز بحذف الياء، وسبب حذفها ان الليل لما كان غير سار وانما يسرى من فيه، نقص منه حرف اشارة إلى ذلك جريا على عادة العرب في مثل ذلك (ليحق الحق ويبطل الباطل) - فيه ايجاز بحذف جملة - أي فعل ذلك.
تمرين
بين الايجاز، والاطناب والمساواة: وأقسام كل منها فيما يأتي:
قال الله تعالى (إنَّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرِّياح والسحاب المُسخر بين السماء والأرض لآيات لقومٍ يعقلون) (١))
وقال تعالى
стр. 185
(خُذ العَفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين) (١)
وقال تعالى (يأخذ كل سفينة (٢) غصبا)
أنا ابن جلا (٣) وطلاَّع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
(فالله هو الولي) (٤) (وإن يُكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) (٥)
فقلت يمينُ الله أبرح (٦) قاعداً ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ويستحل دم الحجاج في الحرم (٧)
وقال تعالى: (تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (٨)
وقال تعالى: (ومن اراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن (٩) فأولئك كان سعيهم مشكورا) - وقال الشاعر
لله لذة عيش بالحبيب مضت ولم تدم لي وغير الله لم يدم (١٠)
وقال تعالى (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) (١١)
وقال تعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)
وقال تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) (١٢)
حليم إذا ما الحلم زين لأهلة مع الحلم في عين العدو مهيب (١٣)
стр. 186
أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرَّهم واتيناهُ على هرم (١)
وألفيته بحراً كثيرا فُضوله جواد متى يذكر له الخير يزدد (٢)
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فذرني أبادرها بما ملكت يدي
ما أحسن الأيام إلا أنها يا صاحبي إذا مضت لم ترجع
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه على شعث أيُ الرجال المهذب
تأمل من خلال السجف وانظر بعينك ما شربتُ ومن سقاني
تجد شمس الضحى تدنو بشمسٍ إلى من الرَّحيق الخسرواني
стр. 187
خاتمة
علمت أن البلاغة متوقفة على مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ورأيت في ما تقدم من الأحكام، أن مقتضى الحال يجري على مقتضى الظاهر وهذا بالطبع هو الأصل، ولكن قد يُعدل عمّا يقتضيه الظاهر إلى خلافه، مما تقتضيه الحال في بعض مقامات الكلام، لاعتبارات يراها المتكلم وقد تقدَّم كثير من ذلك العدول (المسمّى باخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر) في الأبواب السابقة:
وبقى من هذا القبيل أنواع أخرى كثيرة:
الأول - الالتفات: وهو الانتقال من كل من التكلم - أو الخطاب أو الغيبة - إلى صاحبه، لمقتضيات ومناسبات تظهر بالتأمل في مواقع الالتفات، تفنناً في الحديث، وتلويناً للخطاب، حتى لا يمل السّامع من التزام حالة واحدة، وتنشيطا وحملا له على زيادة الاصغاء: «فان لكل جديد لذة» ولبعض مواقعه لطائف، ملاكُ إدراكها الذوق السليم، واعلم أن صور العدول إلى الالتفات ستة.
(١) عدول من التَّكلم إلى الخطاب - كقوله تعالى (ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) والقياس «واليه أرجع»
(٢) عدولٌ من التكلّم إلى الغيبة - كقوله تعالى (ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)
(٣) عدول من الخطاب إلى التّكلم - كقوله تعالى (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود)
стр. 188
(٤) عدول من الخطاب إلى الغيبة - كقوله تعالى (ربنا إنكَ جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد)
(٥) عدول من الغيبة إلى التّكلم - كقوله تعالى (وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهورا)
والقياس «وأنزل» .
(٦) عدول من الغيبة إلى الخطاب - كقوله تعالى (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)
الثاني - تجاهل العارف، وهو سوق المعلوم مساق المجهول، بأن يجعل العارف بالشيء نفسه جاهلاً به، وذلك لأغراض.
(١) كالتعجب - نحو قوله تعالى (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون)
(٢) والمبالغة في المدح - نحو، وجهك بدر أم شمس.
(٣) والمبالغة في الذَّم - كقول الشاعر:
وما أدرى وسوف إخالُ أدرى أقومٌ آلُ حصن أم نساء
(٤) والتوبيخ وشدة الجزع - كقول الشاعر
أيا شجر الخابور مالك مورقا كانكَ لم تجزع على ابن طريف (١)(٥) وشدّة الوله - كقول الشاعر:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ليلاى منكنَّ أم ليلى من البشر
(٦) والفخر - كقوله
أيُّنا تعرف المواقف منه وثبات على العدا وثباتا
الثالث القلب - (٢) وهو جعل كل من الجزأين في الكلام مكان صاحبه،
стр. 189
لغرض المبالغة - نحو: قول رؤبة بن العجاج.
ومهمهٍ مُغبرةٍ أرجاؤهُ كأنَّ لونَ أرضه سماؤه (١)
أي: كأنّ لون سمائه لغبرتها لون أرضه، مبالغة في وصف لون السماء بالغُبرة، حتى صار بحيث يشبه به لون الأرض.
ونحو: أدخلت الخاتم في أصبعي: والقياس «أدخلت أصبعي في الخاتم» وعرضت الناقة على الحوض.
الرابع - التعبير عن المضارع بلفظ الماضي - وعكسه، فمن أغراض التعبير عن المضارع بلفظ الماضي.
«أ» التنبيه على تحقّق وقوعه - نحو: (أُتى أمرُ الله) - أي: يأتي.
«ب» أو قرب الوقوع - نحو: قد قامت الصلاة - أي: قرب القيام لها.
«جـ» والتفاؤل - نحو: إن شفاك الله تذهب معي.
«د» والتعريض - نحو: قوله تعالى: (لئن أشركت لحبطن عملك)
فيه تعريض للمشريكن بأنهم قد حبطت أعمالهم.
ومن أغراض التعبير عن الماضي بلفظ المضارع.
«أ» حكاية الحالة الماضية باستحضار الصورة الغريبة في الخيال (٢)
كقوله تعالى (الله الذي أرسل الرياح فتثيرُ سحاباً) بدل - فأثارت.
«ب» وإفادة الاستمرار فيما مضى - كقوله تعالى: (لو يطيعكم فيكثير من الأمر لعنتم) أي: لو استمرَّ على إطاعتكم لهلكتم.
الخامس - التعبير عن المستقبل بلفظ اسم «الفاعل»
نحو: قوله تعالى (إن الدِّين لواقع) أو بلفظ اسم «المفعول» نحو: قوله تعالى (ذلك يوم مجموع له الناس) وذلك: لأن الوصفين المذكورين حقيقة في الحال، مجاز فيما سواه.
السادس - يوضع المضمر موضع المظهر، خلافاً لمقتضى الظاهر، ليتمكن ما بعده في ذهن السامع، نحو: هو الله عادل، ويوضع المظهر موضع المضمر لزيادة التمكين نحو: خير الناس من نفع الناس.
أو لإلقاء المهابة في نفس السّامع، كقول الخليفة (أمير المؤمنين يأمر بكذا) (أي: انا آمر)
أو للاستعطاف - نحو: أيأذن لي مولاي أن أتكلم (أي: أتأذن)
السابع - التغليب: وهو ترجيح أحد الشيئين على الآخر في اطلاق لفظه عليه (٣) وذلك.
(١) كتغليب المذكر على المؤنث، في قوله تعالى (وكانت من القانتين)
стр. 190
وقياسه (القانتات)
ونحو: الأبوين - (للأب والأم) - والقمرين (للشمس والقمر) .
(٢) وكتغليب الأخف على غيره - نحو: الحسنين (في الحسن والحسين)
(٣) وكتغليب الاكثر على الأقل - كقوله تعالى (لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا من قريتنا أو لتعودُن في ملَّتنا)
أدخل (شُعيب) في العود إلى ملَّتهم، مع أنه لم يكن فيها قطّ، ثم خرَج منها وعاد، تغليباً للأكثر.
(٤) وكتغليب العاقل على غيره، كقوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين..
تم علم المعاني «ويليه علم البيان» والله المستعان أولا وآخرا
стр. 191
علم البيان
(١) البيان (١) لغة - الكشف، والإيضاح، والظهُّور (٢) واصطلاحاً - أصولٌ وقواعدُ، يعرف (٣)
بها إيرادُ المعنى الواحد، بطرق يختلف بعضُها عن بعض، في وُضوح الدّلالة العقلية على نفس ذلك المعنى، فالمعنى الواحد: يُستطاع أداؤه بأساليب مُختلفة، في وضوح الدّلالة عليه فانك: تقرأ في بيان فضل (العلم) مثلا - قول الشاعر:
(١) العلم ينهض بالخسيس إلى العلى ... والجهل يقعد بالفتى المنسوب
ثم تقرأ في المعنى نفسه، كلام الامام (علي) كرم الله وجهه.
(٢) العلم نهرٌ، والحكمة بحر.
(٣) والعلماء حول النهّر يطوفون.
(٤) والحكماء وسط البحر يغوصون.
(٥) والعارفون في سفن النّجاة يسيرون.
فتجد: أنّ بعض هذه التراكيب أوضحُ من بعض، كما تراه يضع أمام عينيك مشهداً حسياً، يقرِّب إلى فهمك ما يُريد الكلام عنه من فضل (العلم) .
فهو: يُشبّهه بنهر، ويشبِّه الحكمة ببحر.
ويصور لك أشخاصاً طائفين حول ذلك النهر - «هُم العلماء» ويُصور لك أشخاصاً غائصين وسط ذلك البحر - «هم الحكماء» ويصور لك أشخاصاً راكبين سفُناً ماخرة في ذلك البحر للنَّجاة من مخاطر هذا العالم - «هم أرباب المعرفة»
ولا شك: أن هذا المشهد البديع: يستوقف نظرك، ويستثير اعجابك من شدَّة الرّوعة والجمال المُستمدّة من التشبيه، بفضل (البيان) الذي هو سر البلاغة.
стр. 192
«ب» وموضوع هذا العلم الألفاظ العربية، من حيث، التشبيه، والمجاز والكناية.
«جـ» وواضعه (أبو عبيدة الذي دونَ مسائل هذا العلم في كتابه المُسمَّى «مجاز القرآن» وما زال ينمو شيئاً فشيئاً، حتى وصل إلى الامام «عبد القاهر» فأحكم أساسه، وشيَّدَ بناءه، ورتَّب قواعده، وتبعه (الجاحظ، وابن المعُتزّ، وقُدامَة، وأبو هلال العسكري)
«د» وثمرته الوقوف على أسرار كلام العرب «منثورِه ومنظومِه» ومعرفة ما فيه من تفاوُت في فنون الفصاحة، وتبايُن في درجات البلاغة التي يصل بها إلى مرتبة إعجاز (القرآن الكريم) الذي حار الجنًّ والإنسُ في مُحاكاته - وعجزوا عن الإتيان بمثله.
وفي هذا الفن أبواب - ومباحث.
стр. 193
الباب الأول في التشبيه
تمهيد
للتّشبيه: روعة وجمال، وموقع حسنٌ في البلاغة: وذلك لإخراجه الخفي إلى الجلي، وإدنائه البعيد من القريب، يزيد المعاني رفعة ووضوحاً ويكسبُها جمالا وفضلا، ويكسوها شرفا ونُبلا، فهو فن واسع النطاق، فسيح الخطو، ممتدُ الحواشي مُتَشعب الأطراف مُتوعر المسلك، غامض المدرك، دقيق المجرى غزير الجدَوى.
ومن أساليب البيان: أنك إذا أردت إثبات صفة لموصوف، مع التوضيح، او وجهٍ من المبالغة، عمدت إلى شيء آخر، تكون هذه الصفة واضحة فيه، وعقدت بين الاثنين مماثلة، تجعلها وسيلة لتوضيح الصفة، أو المبالغة في اثباتها _ لهذا كان التشبيه أول طريقة تدل عليه الطبيعة لبيان المعنى.
تعريف التشبيه وبيان أركانه الأربعة
التشبيه: لغة التمثيل ُ - قال: هذا شبه هذا: ومثيله
والتشبيه: إصطلاحاً - عقد مماثلة بين أمرين، أو: أكثر، قصد اشتراكهما في صفة: أو: أكثر، بأداة: لغرض يقصد المتكلم للعلم.
وأركان التشبيه أربعة.
(١) المُشبه: هو الأمر الذي يُراد الحاقه بغيره
(٢) المُشبه به: هو الأمر الذي يلحق به المشبه
(٣) وجه الشبه: هو الوصف المشترك بين الطرفين، ويكون في المشبه به، أقوى منه في المشبه - وقد يُذكر وجه الشبه في الكلام، وقد يُحذف كما سيأتي توضيحه.
(٤) أداة التشبيه: هي اللفظ الذي يدلُ على التشبيه، ويربط المشبّه بالمشبّه به، وقد تَذكر الأداة في التشبيه، وقد تحذف، نحو: كان عمرُ في رعيَّته كالميزان في العدل، وكان فيهم كالوالد في الرحمة والعطف.
تمرين
على التشبيه وبيان أركانه الأربعة
أنت كالوردة لمساً وشذاً ... جادها الغيثُ على غُصن نَضر
إنما الناس كالسَّوائم في الرِّز ... ق سواء جهولهم والعليم
أنت مثل الغصن ليناً ... وشبيهُ البَدر حُسنا
لك شعرٌ مثلُ حِّظى ... في سوادٍ قد تثنَّى
أنت عندي كليلة القدر في القدر ... ر ولكن لا تستجيب دعائي
العشق كالموت يأتي لا مردّ له ... ما فيه للعاشق المسكين تدبير
وكن كالشمس تظهر كل يوم ... ولاتكُ في التغيب كالهلال
بعض الرجال الميت تمنحه ... أعز شيء ولا يعطيك تعويضاً
وخيل تحاكي البرق لوناً وسرعة ... وكالصّخر إذ تهوى وكالماء في الجرى
أعوام إقباله كاليوم في قصرٍ ... ويومُ إعراضه في الطول كالحِججِ
أورد قلبي الرّدى ... غصُنُ عذار بدا
أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهُدى
لا جزى الله دمَعَ عيني خيراً ... وجزى الله كل خير لساني
نمّ دمعي فليس يكتم شيئا ... ووجدت اللسان ذا كتمانِ
كنت مثل الكتاب أخفاه طيٌّ ... فاستدلوا عليه بالعُنوان
للورد عندي محل ... لأنه لا يُملُ
كل الرياحين جندٌ ... وهو الأمير الأجَلُ
إن غاب عزوا وباهوا ... حتى إذا عاد ذلّوا
стр. 194
المبحث الأول في تقسيم طرفي التشبيه إلى حسِّي، وعقلي
طرفا التشبيه «المشبه، والمشبه به»
(١) إمَّا حسيَّان (١)
«أي: مدركان بإحدى الحواس الخمس الظَّاهرة» نحو - أنتَ كالشمس في الضيّاء - وكما في تشبيه «الخد بالورد»
стр. 195
وإمّا عقليان - أي مدركان بالعقل، نحو، العلم كالحياة ونحو: «الضلال عن الحق كالعَمى» ونحو: «الجهل كالموت» .
(٣) وإمَّا المشبه حسِّي، والمشبه به عقلي - نحو: طبيب السوء كالموت.
(٤) وإما المشبه عقلي، والمشبه به حِسي - نحو - العلم كالنّور، واعلم أن العقلي هو ما عدا الحسي، فيشمل المحقق ذهناً: كالرأي والخلق، والحظ، والأمل والعلم. والعلم، والذكاء والشجاعة، ويشمل أيضاً الوهمي، وهو ما لا وجود له، ولا لأجزائه كلها، أو بعضها في الخارج، ولو وجد لكان مدركا باحدى الحواس.
ويشمل الوجداني: وهو ما يدرك بالقوى الباطنة، كالغم، والفرح، والشبع والجوع، والعطش، والرِّي.
стр. 196
المبحث الثاني في تقسيم طرفي التشبيه: باعتبار الإفراد، والتركيب
طرفا التشبيه «المشبه والمشبه به» .
(١) إمّا مفردان «مطلقان» نحو: ضوءه كالشمس، وخده كالورد
أو «مقيدان (١) » نحو: الساعي بغير طائل كالرَّاقم على الماء
أو مختلفان» نحو ثغره كاللولؤ المنظوم - ونحو: العين الزرقاء كالسّنان - (والمشّبه هو المقيد)
وإما مركبان تركيباً لم يُمكن إفراد أجزائهما، بحيث يكون المركب هيئة حاصلة من شيئين، أو من أشياء، تلاصقت حتى اعتبرها المتكلم شيئاً واحداً، وإذا انتُزع الوجهُ من بعضها دون بعض، اختل قصد المتكلم من التشبيه - كقوله (٢) .
كأن سهيلاً والنجوم وراءه صفوف صلاة قام فيها إمامها
(إذ لو قيل كأن سهيلاً إمام، وكأن النجوم صفوف صلاة، لذهبت فائدة التشبيه) .
(٢) أو مركبان تركيباً: إذا أفردت أجزاؤه زال المقصود من هيئة (المشبه به) كما ترى في قول الشاعر الآتي:
حيث شبَّه النجوم الَّلامعة في كبد السَّماء، بدر مُنتثر على بساط أزرق
وكأنّ أجرامَ النجوم لوامعاً دُررٌ نُثرنَ على بساط أزرق
(إذ لو قيل: كأن النجوم دُرر - وكأن السماء بساط أزرق، كان التشبيه مقبولا - لكنه قد زال منه المقصود بهيئة المشبه به)
стр. 197
(٣) وإما مفرد بمركب - كقول الخنساء (١)
أغر أبلجُ تأتم الهُداةُ بهِ كأنه علمٌ في رأسه نارُ
(٤) وإما مركب بمفرد - نحو: الماء المالح كالسّم (٢)
واعلم: انه متى رُكب أحد الطرفين لا يكاد يكون الآخر مفرداً مطلقاً، بل يكون مركباً، أو مفرداً مقيدا، ومتى كان هناك تقييد أو تركيب كان الوجه مركباً، ضرورة انتزاعه من المركب، أو من القيد، والمُقيد.
стр. 198
المبحث الثالث في تقسيم طرفي التّشبيه: باعتبار تعدّدهما (١)
ينقسم طرفا التشبيه «المشبه والمشبه به» باعتبار تعدّدهما، أو تعدّد أحدهما، إلى أربعة أقسام:
ملفوف، ومفروق، وتسوية، وجمع.
(١) فالتشبيه الملفوف، هو جمع كل طرف منهما مع مثله، كجمع المشبه مع المشبه، والمشبه به مع المشبه به - بحيث يُؤتى بالمشبهات معاً على طريق العطف، أو غيره، ثم يؤتى بالمشبهات بها كذلك كقوله:
ليل وبدر وغصن شعر ووجه وقَدُّ
خمر ودُرٌّ ووَرد ريق وثغر وخدّ
وكقوله: تبسُّم وقطوب في ندى ووغى كالغيث والبرق تحت العارض البرد
وكقوله:
وضوء الشهب فوق الليل بادٍ كأطراف الأسنَّة في الدروع (٢)(٢) والتشبيه المفروق - هو جمع كل مشبه مع ما شُبّه به - كقوله (٣)
ألنَّشر مسكٌ والوجوه دنا نيرُ وأطراف الأكفِّ عنم
(٣) «وتشبيه التسّوية» هو ان يتعدّد المشبه دون المشبه به
كقوله صُدغ الحبيب وحالي كلاهما كاللّيالي
وثغره في صفاء وأدمعي كاللال
стр. 199
ي
سُمِّى بذلك: للتّسوية فيه بين المشبهات
(٤) وتشبيه الجمع - هو أن يتعدَّد المشبه به، دون المشبه - كقوله:
كأنما يبسمُ عن لؤلؤ مُنضّد أو بَردَ أو اقاح (١)
سمُى بتشبيه الجمع - للجمع فيه بين ثلاث مشبهات بها وكقوله:
مرّت بنا رأد الضُّحى تحكى الغزالة والغَزالا
وكقوله:
ذات حسن لو استزادت من الحسن إليه لما أصابت مزيدا
فهي الشمس بهجةً والقضيب اللدنُ قدا والريم طرفاً وجيدا
تمرين
أذكر أحوال طرفي التشبيه فيما يأتي: (٢)
علم لا ينفع، كدواء لا ينجع، الصديق المنافق، والابن الجاهل، كلاهما كجمر الغضا، الحق سيف على أهل الباطل، الحمية من الأنام، كالحمية من الطعام.
قال محمد بن لنكك البصري:
قضى الأمراءُ وانقرضوا وبادُوا وخلّفني الزمان على علوج
وقالوا قد لزمت البيت جداً فقلت لفقد فائدة الخروج
فمن ألقى إذا أبصرتُ فيهم ودار البين في أعلى السروج
زمانٌ عزّ فيه الجود حتى كأن الجودَ في أعلى البُروج
يا شبيه البدر حُسنا وضياء ومنالا
وشبيه الغصن لينا وقواماً واعتدالا
أنت مثل الورد لونا ونسيما وملالا
стр. 200
زارنا حتى إذا ما سرَّنا بالقرب زالا
стр. 201
يا صاحبي تقصّيا نظريكما تريا وجوه الأرض كيف تُصوّرُ
تريا نهاراً مُشمساً قد شابه زهرُ الرّبى فكأنما هو مقمر (١)
فكم معنى بديع تحت لفظٍ هناك تزاوُجٌ كلّ ازدواج
كراح في زجاج أو كروح سرت في جسم معتدل المزاج
ألخدُّ وردٌ والعذار رياض والطرفُ ليلٌ والبياض نهارُ
العمرُ، والإنسان والدنيا همو كالظلِّ في الإقبال والإدبار
كأن مُثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه (٢)
стр. 202
خُودٌ كان بنانها في خضرة النقش المزرد (١)
سمكٌ من البلور في شبك تكون من زبرجد
كأن قلوب الطير ويابساً (٢) لدى وكرها العنَّابُ والحشَف البالِي
من يصنع الخيرَ مع من ليس يعرفه كواقد الشمع في بيتٍ لعميان (٣)
ملخص القول
في تقسيم طرفي التشبيه
أولاً - ينقسم التشبيه باعتبار طرفيه إلى حسيين وعقليين ومختلفين - فالحسيان يشتركان
(١) في صفة مبصرة كتشبيه المرآة بالنهار في الاشراق والشعر بالليل في الظلمة والسود، كما في قول الشاعر:
فرعاء تسحب من قيام شعرها وتغيب فيه وهو ليل اسحم
فكأنها فيه نهار مشرق وكأنه ليل عليها مظلم (٤)(٢) أو في صفة مسموعة - نحو: غرد تغريد الطيور ونحو: سجع سجع القمري ونحو: أن أنين الثكلى، ونحو: أسمع دوياً كدوى النحل، وكتشبيه انقاض الرحل بصوت الفراريج في قول الشاعر:
كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس إنقاض الفراريج (٥)
وكتشبيه الأصوات الحنسة في قراءة القرآن الكريم بالمزامير.
(٣) أو في صفة مذوقة، كتشبيه الفواكه الحلوة بالعسل، وكتشبيه الريق الخمر في قول الشاعر:
كأن المدام وصوب الغمام وريح الخزامى وذوب العسل
يعل به برد أنيابها إذا النجم وسط السماء اعتدل (٦)(٤) أو في صفة ملموسة، كتشبيه الجسم بالحرير: في قول ذي الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نذر (٧)
وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
(٥) أو في صفة مشمومة، كتشبيه الريحان بالمسك - والنكهة بالعنبر والعقليان - هما الذان لم يدركا «هما ولا مادتهما» باحدى الحواس، وذلك كتشبيه السفر بالعذاب، والضلال عن الحق بالعمى، والاهتداء إلى الخير بالابصار
والمختلفان - إما أن يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا - كتشبيه الغضب بالنار من التلظى والاشتعال - وكتشبيه الرأي بالليل في قول الشاعر:
الرأي كالليل مسود جوانبه والليل لا ينجلى إلا باصباح
وإما أن يكون المشبه حسيا والمشبه به عقليا - كتشبيه الكلام بالخلق الحسن وكتشبيه العطر بخلق الكريم في قول الصاحب بن عباد.
أهديت عطراً مثل طيب ثنائه فكأنما أهدى له أخلاقه (٨)
ثانياً - ينقسم التشبيه باعتبار طرفيه إلى مفردين مطلقين، أو مقيدين، أو مختلفين - والى مركبين أو مختلفين.
فالمفردان المطلقان، كتشبيه السماء بالدهان في الحمرة، في قوله تعالى: (فاذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) (٩)
وكتشبيه الكشح بالجديل، والساق بالأنبوب، في قول امرىء القيس
وكشح لطيف كالجديل مخصر وساق كانبوب السقي المذلل (١٠)
والمقيدان، بوصف، أو اضافة، أو حال، أو ظرف - أو نحو ذلك، كقولهم فيمن لا يحصل من سعيه على فائدة: هو «كالراقم على الماء «فالمشبه هو الساعي على هذه الصفة، والمشبه هو الراقم بهذا القيد، ووجه الشبه، التسوية بين الفعل والترك في الفائدة - وكقوله:
والشمس من بين الأْرائك قد حكت سيفا صقيلا في يد رعشاء (١١)
والمختلفان، والمشبه به هو المقيد: كما في قول ذي الرمة
قف العيس في أطلال مية فاسأل رسوما كأخلاق الرداء المسلسل (١٢)
أو المشبه وهو المقيد، كما في قول الشاعر:
كأن فجاج الأرض وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل (١٣)
والمركبان: كقول الشاعر:
البدر منتقب بغيم أبيض هو فيه بين تفجر وتبلج
كتنفس الحسناء في المرآة إذ كملت محاسنها ولم تتزوج
والمختلفان - والمشبه مفرد، كقوله تعالى (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف) - وكقول الشاعر:
أغر أبلج تأتم الهداة به كأنه علم في راسه نار
أو المشبه به مفرد، كقول أبي الطيب المتنبي:
تشرق أعراضهم وأوجههم كأنها في نفوسهم شيم
شبه إشراق الاعراض والوجوه باشراق الشيم (الاخلاق الطيبة) فاشراق الوجوه ببياضها، واشراق الاعراض بشرفها وطيبها.
ثالثاً - التشبيه ينقسم باعتبار طرفيه إلى:
(١) ملفوف، وهو ما أتى فيه بالمشبهات أولا على طريق العطف، أو غيره، ثم بالمشبهات بها كذلك - كقول الشاعر:
ليل وبدر وغصن شعر ووجه وقد
خمر ودر وورد ريق وثغر وخد
شبه الليل بالشعر، والبدر بالوجه، والغصن بالقد، في البيت الأول، والخمر بالريق، والدر بالثغر، والورد بالخد، في البيت الثاني، وقد ذكر المشبهات أولا - والمشبهات بها ثانيا كما ترى في نظم الشاعر:
(٢) والى مفروق، وهو ما أوتي فيه بمشبه ومشبه به ثم بآخر وآخر كقول أبي نواس
تبكي فتذرى الدر من نرجس وتمسح الورد بعناب
شبه الدمع بالدر لصفائه، والعين بالنرجس، لما فيه من اجتماع السواد بالبياض والوجه بالورد..
رابعاً - ينقسم التشبيه أيضاً باعتبار طرفيه إلى
(١) تشبيه التسوية، وهو ما تعدد فيه المشبه - كقول الشاعر:
صدغ الحبيب وحالي كلاهما كالليالي
وثغره في صفاء وأدمعي كاللآلي (١٤)
شبه في الأول صدغ الحبيب وحاله هو، بالليالي في السواد، وفي الثاني شبه ثغر الحبيب ودموعه، باللآلي في القدر والاشراق.
(٢) تشبيه الجمع، وهو ما تعدد فيه المشبه به كقول البحتري:
بات نديماً لي حتى الصباح أغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤ منضد أو برد أو أفاح (١٥)
شبه ثغره بثلاثة أشياء باللؤلؤ، والبرد، والاقاح - وقد تقدم الكلام على هذه الأقسام.
стр. 203
المبحث الرابع في تقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه
وجه الشبه: هو الوصف الخاص (١)
الذي يقصد اشتراك الطرفين فيه
إما (حقيقة) : كالبأس في قولك (زبد كالأسد) وإما (تخيلا) كما في قوله
يا من له شعر كحظى أسود جسمي تحيل من فراقك أصفر
стр. 204
(١) تشبيه تمثيل - وهو ما كان وَجه الشبه فيه وصفاً منتزعاً من متعدد: - حسيا كان أو غير حسي، كقوله:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يوافى تمام الشهر ثم يغيب
فوجهُ الشبه سرعة الفناء - انتزاعه الشاعر من أحوال القمر المتعددة إذ يبدو هلالا، فيصير بدراً، ثم ينقص ُ ن حتى يدركه المحاق
ويسمى تشبيه التمثيل
(٢) وتشبيه غير تمثيل - وهو مالم يكن وجهُ الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد، نحو: وجَهه كالبدر - وكقول الشاعر:
لا تطلبن بآلة لكَ رتبةً قلمُ البليغ بغير حظٍ مغزل
стр. 205
فوجه الشبه قلة الفائدة، وليس مُنتزعاً من متعدد
(٣) ومفصل - وهو ما ذكر فيه وجه الشيه، أو ملزومه، نحو: طبعُ فريد كالنسيم رقَّة - ويده كالبحر جوداً - وكلامه كالدُّر حسناً - وآلفاظه كالعسل حلاوة وكقول ابن الرّومي
شبيه البدر حسنا وضياء ومنالا وشبيه الغصن ليناً وقواما واعتدالا
(٤) ومُجمل - وهو ما يذكر فيه وجه الشبه، ولا ما يستلزمه - نحو: (النحو في الكلام كالملح في الطعام) فوجه الشبه هو الاصلاح في كل
وكقوله إنما الدنيا كبيتٍ نسجهُ من عنكبوت
واعلم أن وجه الشبه المجمل إما أن يكون خفياً وإما أن يكون ظاهراً ومنه ما وصف فيه أحد الطرفين أو كلاهما بوصف يُشعر بوجه الشبه
ومنه ما ليس كذلك:
(٥) وقريب مبتذل - وهو ما كان ظاهر الوجه ينتقل، فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به، من غير احتياج إلى شدة نظر وتأمل، لظهور وجهه بادىء الرأي
وذلك لكون وجهه لا تفصيل فيه: كتشبيه الخدَّ بالورد في الحُمرة، أو لكون وجهه قليل التفصيل، كتشبيه الوجه بالبدرن في الإشراق والاستدارة، والعيون بالنرجس، وقد يتصرف في القريب بما يخرجه عن ابتذاله إلى الغرابة، كقول الشاعر:
لم تلق هذا الوجه شمسُ نهارنا الاّ بوجهٍ ليس فيه حياءُ
فانّ تشبيه الوجه الحسن، بالشمس: مبتذل، ولكن حديث الحياء أخرجه إلى الغرابة.
وقد يخرج وجه الشبه من الابتذال إلى الغرابة: وذلك بالجمع بين عدة تشبيهات - كقول الشاعر:
كأنما يبسم عن لؤلؤ منضد، اؤ برد أو أقاح
أو باستعمال شرط - كقوله:
عزماتُه مثل النجوم ثواقبِا لو لم يكن للثّاقبات أفول
(٦) وبعيدٌ غريبُ- وهو ما احتاج في الانتقال من المشبه إلى المشبه به، إلى فكر وتدقيق نظر، لخفاء وجهه بادىء الرأي - كقوله:
والشمس كالمرآة في كف الأشل
(فانّ الوجه فيه) هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الاشراق، والحركة السريعة المتصلة مع تموج الاشراق، حتى ترى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض وحكم وجه الشبّه - أن يكون في المشبه به اقوى منه في المشبه - وإلاّ فلا فائدة في التشبيه
تمرين
بين أركان التشبيه وأقسام كل منها فيما يلي:
(١) ومكلّف الأيام ضدَّ طباعها مُتطلبٌ في الماء جذوةَ نار
(٢) والدهر يقرعِني طوراً واقرعه كأنه جبلٌ يهوى إلى جبل (١)(٣) فان أغش قوماً بعده أو أزورهم فكالوحش يدنيها من الأنس المحل (٢)(٤) الشمس من مشرقها قد بدت مشرقة ليس لها حاجب (٣)
كأنها بوتقةُ أحميت يجول فيها ذهب ذائب
(٥) قال أعرابية تصف بنيها (هم كالحلقة المفرغة لا يدى أين طرفاها)
(٦) عزماتهم قضب وفيض أكفهم سحب وبيض وجوههم أقمار (٤)(٧) قال علي: كرم الله وجهه (مثل الذي يعلمُ الخيرَ ولا يعمل به مثلُ السراج يُضيء للناس ويحرق نفسه) .
(٨) قال صاحب كليلة ودمنة الدنيا كالماء الملح، كلّما ازددتَ منه شرباً ازددت عطشاً.
(٩) فانهض بنارٍ إلى فحمٍ كأنهما في العين ظلمٌ وإنصاف قد اتفقا
(١٠) فتراه في ظلم الوغى فتخاله قمرا يكُرّ على الرجال بكوكبِ (٥)(١١) كأن الثريّا في أواخر ليلها تفتح نور أو لجامٌ مفضضُ
(١٢) كأن الدموع على خدّها بقية طلّ على جُلّنار (٦)(١٣) صحوٌ وغيم وضياء وظلم مثل سرور شابه عارض غم
стр. 206
المبحث الخامس في تشبيه التمثيل
تشبيه التمثيل: أبلغ من غيرهن لما في وجهه من التفصيل الذي يحتاج إلى امعان فكر، وتدقيق نظر، وهو أعظم أثراً في المعاني: يرفع قدرها، ويضاعف قواها في تحريك النفوس لها، فان كان مدحاً كان أوقع، أو ذمّا كان أوجع، أو بُرهانا كان أسطع، ومن ثم يحتاجُ اُلى كدّ الذهن في فهمه، لاستخراج الصورة المنتزعة من أمور متعدِّدة، حسية كانت أو غير حسية، لتكون (وجه الشبه) - كقول الشاعر:
ولاحت الشمس تحكي عند مطلعها مرِآةَ تبر بدت في كفِّ مرتعش
فمثّل الشمس: حين تطلع حمراء لامعة مضطربة، بمرآة من ذهب تضطرب في كف ترتعش.
وتشبيه التمثيل نوعان:
الأول: ما كان ظاهر الأداة، نحو: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً) فالمشبه: هم الذين حُمّلو التوراة ولم يعقلوا ما بها: والمشبه به (الحمار) الذي يحمل الكتب النافعة، دون استفادته منها، والأداة الكاف، ووجه الشبه (الهيئة الحاصلة من التعب في حمل النافع دون فائدة)
الثاني: كا كان خفى الأداة: كقولك للذي يتردّد في الشيء بين أن يفعله، وألاّ يفعله (أراك تقدم رجلا وتُؤخر أخرى) - إذ الأصل: أراك في ترددك مثل من يقدم رجلا مرة، ثم يؤخّرها مرة أخرى، فالأداة محذوفة، ووجه الشبه هيئة الإقدام والاحجام المصحوبين بالشَكَ.
مواقع تشبيه التمثيل
لتشبيه التمثيل موقعان:
(١) أن يكون في مفتتح الكلام، فيكون قياساً موضحاً، وبرهانا مصاحباً، وهو كثير جداً في القرآن، نحو: (مثلُ الذين يُنفقونَ أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابلَ في كل سنبلةٍ مائة حبة) .
(٢) ما يجىء بعد تمام المعاني، لإيضاحها وتقريرها، فيُشبه البرهان الذي تثبت به الدعوى، نحو:
وما المالُ والأهلون إلا ودائع ولابدّ يوما أن تُرد الودائع
ونحو: لا ينزلُ المجد في منازلنا كالنّوم ليس له مأوى سوى المقل
تأثير تشبيه التمثيل في النفس
إذا وقع التمثيل في صدر القول: بعث المعنى إلى النفس بوضوح وجلاء مؤيد بالبرهان، ليقنع السامع - واذا أتى بعد استيفاء المعاني كان
(١) إما دليلا على إمكانها، كقول المتنبي:
وما آنا منهم بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرغام (١)(٢) وإما تأييداً للمعنى الثابت، نحو:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
وعلة هذا: أن النفس تأنس إذا أخرجتها من خفي إلى جني، ومما تجهله إلى ما هي به أعلم
ولذا تجد النفس من الأريحية ما لا تقدُر قدره، إذا سمعت قول أبي تمام:
وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدد (٢)
فاني رايتُ الشمس زيدت محبة إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وبعد: فالتمثيل يكسب القول قوة، فان كان في المدح كان أهز للعطف، وأنبل في النفس ن وان كان في الذم كان وقعه أشدّ، وان كان وعظاً كان أشفى للصدر، وابلغ في التنبيه والزجر، وان كان افتخارا كان شأوهُ أبعد، كقول من وصف كاساً علاها الحباب.
وكأنها وكأن حامل كاسها إذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقَّط وجهها بدر الدجى بكواكب الجوزاء
المبحث السادس في أدوات التشبيه (٣)
أدوات التشبيه - هي ألفاظ تدلّ على المماثلة، كالكاف، وكأنَّ ومثل، وشبه، وغيرها، مما يؤدي معنى التشبيه: كيحكى، ويُضاهي ويضارع، ويماثل، ويساوى، ويشابه، وكذا أسماء فاعلها، فأدوات التشبيه بعضها: اسم، وبعضها فعلٌ، وبعضها حرف وهي إما ملفوظة، وإما ملحوظة، نحو فاروق كالبدر، وأخلاقه في الرقة النسيم ونحو: اندفع الجيش اندفاع السيل، أي كاندفاعه، والأصل في الكاف، ومثل، وشبه، من الاسماء المضافة لما بعدها ان يليها المشبه به لفظاً (٤) أو تقديراً.
والأصل في كأنّ، وشابه، وماثل، وما يُرادفها، أن يليها المُشبه، كقوله:
كأن الثريا راحةٌ تشبر الدجى لتنظر طال الليل أم قد تعرضا
وكأن - تفيد التشبيه: إذا كان خبرهُها جامداً، نحو: كأن البحر مرآة صافية.
وقد تفيد الشك: إذا كان خبرهُها مشتقاً، نحو: كأنّك فاهم - وكقوله:
كأنَّك من كل النفوس مركَّبٌ فأنتَ إلى كل النفوس حبيب
وقد يغنى عن أداة التشبيه «فعلٌ» يدلُ على حال التشبيه، ولا يعتبر أداة.
فان كان (الفعل لليقين) - أفاد قرب المشابهة، لما في فعل اليقين من الدلالة على تيقن الاتحاد وتحققه، وهذا يُفيد التشبيه مبالغة - نحو:
(فلما رأوهُ عارضاً مستقبل أو ديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) ونحو: رأيت الدنيا سراباً غراراً، وإن كان (الفعل للشّك) أفاد بعدها: لما في فعل الرّجحان من الإشعار بعدم التحقق، وهذا يفيد التّشبيه ضعفاً - نحو: (وإذا رايتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً) وكقوله:
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها سحباً مزرَّدةً على أقمار
стр. 207
ونحو: قوله تعالى (حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون)
ونحو: قوله تعالى (وله الجوار المُنشآت في البحر كالأعلام) وكقول الشاعر:
والوجه مثل الصبح مبيض والفرع مثل الليل مُسودّ
ضدّان لما استجمعا حسنا والضدّ يظهر حسنه الضِّد
стр. 208
المبحث السابع في تقسيم التشبيه باعتبار أداته
ينقسم التشبيه باعتبار أداته إلى:
(١) التشبيه المرسل (١) - وهو ما ذكرت فيه الأداة، كقول الشاعر:
إنما الدنيا كبيتٍ نسجُه من عنكبوت
(ب) التشبيه المؤكد - وهو ما حُذفت منه أداته، نحو: يسجع سجع القمري - وكقول الشاعر:
أنت نجم في رفعة وضياءٍ تجتليكَ العيون شرقاً وغرباً
ومن المؤكد: ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه، كقول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ذهب الأصيل على (٢) لجين الماء
أي أصيل كالذهب على ماء كاللجين.
والمؤكد أوجز، وأبلغ، وأشدّ وقعاً في النفس، أما أنه أوجز فلحذف أداته، وأما أنه أبلغ فلإِيهامه أنّ المشبه عين المشبه به
التشبيه البليغ
(جـ) التشبيه البليغ - ما بلغ درجة القبول لحسنه، أو الطّيّب الحسن فكلما كان وجه الشبه قليل الظهور، يحتاج في إداراكه إلى أعمال الفكر كان ذلك أفعل في النفس: وأدعى إلى تأثرها واهتزازها، لما هو مركوز في الطبع، من أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، والاشتيقاق إليه، ومُعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وموقعه في النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وأشغف، وما أشبه هذا الضرب من المعاني، بالجوهر في الصدف، لا يبرز إلا أن تشُقّهُ عينه، وبالحبيب المتحجِّب لا يُريك وجهه، حتى تستأذن وسبب هذه التسمية: أن ذكر (الطّرفين) فقط، يوهم اتحادهما، وعدم تفاضلهما، فيعلو المشبه إلى مستوى المشبه به، وهذه هي المبالغة في قوة التشبيه والتشبيه البليغ - هو ما حُذفت فيه أداة التشبيه، ووجه الشبه، (٣) نحو
فاقضو مآربَكم عِجالاً إنّما أعماركم سفرٌ من الأسفار
ونحو: عزماتهم قضبٌ وفيض أكفهم سُحُبٌ وبيضُ وجوههم أقمار
المبحث الثامن في فوائد التشبيه
الغرض من التّشبيه والفائدة منه، هي الإيضاح والبيان (في التشبيه غير المقلوب) ويرجع ذلك الغرض إلى المشبه - وهو - إمّا.
(١) بيان حاله - وذلك حينما يكون المشبه مبهماً غير معروف الصفة، التي يُراد إثباتها له قبل التشبيه، فيفيده التشبيه الوصف، ويُوضّحه المشبه به، نحو شجر النارنج كشجر البرتقال - وكقول الشاعر:
إذا قامت لحاجتها تثنّت كأن عظامها من خيزُرانِ
(شبه عظامها بالخزران بياناً لما فيها من اللين) (٤)(٢) أو بيانُ إمكان حاله - وذلك حين يُسند إليه أمر مستغرب لا تزول غرابته إلا بذكر شبيه له، معروفٍ واضح مُسَلّم به، ليثبت في ذهن السامع ويتقرّر - كقوله:
ويلاه إن نظرت وان هي أعرضت وقع السِّهام ونزعُهنَّ أليم
(شبّه نظرها: بوقع السهام، وشبه إعراضها بنزعها: بياناً لإمكان إيلامها بهما جميعاً)
(٣) او بيان مقدار حال المشبه في القوّة والضّعف، وذلك إذا كان المشبه معلوماً، معروف الصفة التي يُراد اثباتها له معرفة اجمالية قبل التشبيه بحيث يراد من ذلك التشبيه بيان مقدار نصيب المشبه من هذه الصفة وذلك بأن يعمدَ المتكلَم لأن يبين للسامع ما يعنيه من هذا المقدار - كقوله:
كأن مشيتها من بيت جارتها مر الحساب لا ريث ولا عجلُ
وكتشبيه: الماء بالثلج، في شدة البرودة - وكقوله:
فيها اثنتان واربعون حلُوبةً سوداً كخافية الغراب الأسحم
(شبه النياق السود، بخافية الغراب، بياناً لمقدار سوادها، فالسواد صفة مشتركة بين الطرفين)
(٤) أو تقرير حال المشبه، وتمكينه في ذهن السامع، بابرازها فيما هي فيه أظهر (٥) ، كما إذا كان ما أسند إلى المشبه يحتاج إلى التثبيت والإيضاح فتأتى بمشبه حسى قريب التصور، يزيد معنى المشبه ايضاحاً، لما في المشبه به من قوة الظهور والتمام، نحو: هل دولة الحسن إلا كدولة الزَّهرَ، وهل عمر الصِّبا إلا أصيل أو سحر، وكقوله:
إن القلوبَ إذا تنافر وُدُّها مثل الزجاجة كسرها لا يُجبر (٦)
(شبه تنافر القلوب، بكسر الزجاجة، تثبيتا لتعذر عودة القلوب إلى ما كانت عليه من الأنس والمودَّة)
стр. 209
(٥) أو بيان إمكان وجود المشبه، بحيث يبدو غريباً يُستبعد حدُوثه والمشبه به يزيل غرابته، ويُبين أنه ممكنُ الحصول، كقوله:
فان تفق الأنام وأنت منهم فان المسك بعض دم الغزال (١)(٦) أو مدحه وتحسين حاله، ترغيباً فيه، أو تعظيما له، بتصويره بصورة تهيج في النفس قوى الاستحسان، بأن يعمد المتكلم إلى ذكر مشبه به معجب، قد استقر في النفس حسنه وحبُّه، فيصور المشبه بصورته، كقوله:
وزاد بك الحسن البديع نضارة كأنك في وجه الملاحة خالُ
ونحو: كأنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وكقوله:
سبقت إليك من الحدائق وردة وأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمَّعت فمها إليك كطالب تقبيلا
وكقوله: له خال على صفحات خد كنقطة عنبر في صحن مرمر
والحاظ كاسياف تُنادي على عاصي الهوى الله أكبر
(٧) أو تشويه المشبه وتقبيحه، تنفيراً منه أو تحقيراً له، بأن تصوره بصورة تمجها النفس، ويشمئز منها الطبع، كقوله:
وإذا أشار محدثاً فكأنه قرد يقهقهُ أو عجوزٌ تلطم
وكقوله:
وترى ناملها دبت على مزمارها كخنافسٍ دبت على أوتار
(٨) أو استطرافه «أي عده طريفاً حديثاً» بحيث يجىء المشبه به طريفاً، غير مألوفٍ للذهن.
إما لاإبرازه في صورة الممتنع عادة، كما في تشبيه: فحم فيه جمر متقد يبحر من المسك موجه بالذهب - وكقوله:
وكأن محمرَّ الشقيق ... ... إذا تصَّوب أو تصعَّد
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
وإما لندور حضور المشبه به في الذهن عند حضور المشبه، كقوله:
أنظر إليه كزورق من فضَّة قد أثقلته حمولة من عنبرٍ (٢)
تشبيه على غير طرقه الاصلية
التشبيه الضمني
هو تشبيه ٌ لا يوضع فيه المشبه والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، بل يلمح المشبه والمشبه به، ويفهمان من المعنى، ويكون المشبه به دائماً برهاناً على امكان ما أسند إلى المشبه، كقول المتنبي
من يهن يسهل الهوانُ عليه ما لجُرحٍ بميَّت إيلامُ
(أي إن الذي اعتاد الهوان، يسهل عليه تحمّله، ولا يتألم له، وليس هذا الادعاء باطلا (لأن الميت إذا جرح لا يتألم) ، وفي ذلك تلميح بالتشبيه في غير صراحة، وليس على صورة من صور التشبيه المعروفة، بل انه (تشابهٌ) يقتضي التَّساوي، وأما (التشبيه) فيقتضي التفاوت.
التشبيه المقلوب
(٢) قد يُعكس التشبيه، فيجعل المشبه مشبهاً به - وبالعكس (٣)
فتعود فائدته إلى
стр. 210
المشبه به، لادِّعاء أن المشبه أتم وأظهر من المشبه به في وجه الشبه - ويسمى ذلك (بالتشبيه المقلوب) (١) أو المعكوس - نحو: كأن ضوء النهار جبينُه - ونحو: كأن نشر الروض حسن سيرته - ونحو: كأن الماء في الصفاء طباعه - وكقول محمد بن وهيب الحميري (٢)
وبدا الصباح كأن غرّته وجهُ الخليفة حين يُمتدحُ
(شبه غرة الصباح، بوجه الخليفة، إبهاماً أنه أتم منها في وجه الشبه وكقول البحتري في وصف بركة المتوكل:
كأنها حين لجَّت في تدفقها يد الخليفة لمّا سال واديها (٣)
وهذا التشبيه مظهرٌ من مظاهر الإفتنان والابداع، كقوله تعالى حكاية عن الكفار (إنما البيعُ مثل الربا) في مقام أن الربا مثل البيع عكسوا ذلك لإيهام أن الربا عندهم أحلّ من البيع، لأن الغرض الرِّبح وهو أثبتُ وجوداً في الربا منه في البيع، فيكون أحق بالحل عندهم.
стр. 211
المبحث الثامن في تقسيم التشبيه باعتبار الغرض إلى مقبول وإلى مردود
ينقسم التشبيه باعتبار الغرض: إلى حسنٍ مقبول، وإلى قبيح مردود
(١) فالحسن المقبول - هو ما وفى بالأغراض السابقة، كأن يكون المشبه به أعرف من المشبه في وجه الشبه، إذا كان الغرض بيان حال المشبه، أو بيان المقدار، أو أن يكون أتم شيء في وجه الشبه، إذا قصد الحاق الناقص بالكامل، أو أن يكون في بيان الامكان مسلم الحكم، ومعروفاً عند المخاطب، إذا كان الغرض بيان امكان الوجود، وهذا هو الأكثر في الشبيهات، إذ هي جارية على الرَّشاقة، سارية على الدًقة والمبالغة ثم إذا تساوى الطرفان في وجه التشبيه عند بيان المقدار كان التشبيه كاملا في القبول، والا فكلما كان المشبه به أقرب في المقدار إلى المشبه كان الشبه أقرب إلى الكمال والقبول.
(٢) والقبيح المردود - هو ما لم يف بالغرض المطلوب منه، لعدم وجود وجه بين المشبه والمشبه به: أو مع وجوده لكنه بعيد.
تنبيهات
(الأول) بعض اساليب التشبيه أقوى من بعض في المبالغة، ووضوح الدلالة ولها مراتب ثلاثة:
«أ» (أعلاها) وأبلغها ما حذف فيها الوجه والأداة، نحو: على أسد - وذلك أنك ادعيت الاتحاد بينهما بحذف الأداة - وادعيت التشابه بينهما في كل شيء بحذف الوجه ولذا سمى هذا تشبيها بليغا.
«ب» (المتوسطة) ما تحذف فيها الأداة وحدها، كما تقول (على أسد شجاعة) أو يحذف فيها وجه الشبه - فنقول على كالأسد، وبيان ذلك: أنك بذكرك الوجه حصرت
стр. 212
التشابه، فلم تدع للخيال مجالا في الظن، بأن التشابه في كثير من الصفات - كما أنك بذكر الاداة نصصت على وجود التفاوت بين المشبه والمشبه به، ولم تترك بابا للمبالغة.
«جـ» (أقلها) ما ذكر فيها الوجه والأداة، وحينئذ فقدت المزيتين السابقتين.
(الثاني) قد يكون الغرض من التشبيه حسنا جميلا، وذلك هو النمط الذي تسمو إليه نفوس البلغاء، وقد أتوا فيه بكل حسن بديع، كقول ابن نباتة في وصف فرس أغر محجل
وكانما لطم الصباح جينه فاقتص منه فخاض في أحشائه
وقد لا يوفق المتكلم إلى وجه الشبه، أو يصل إليه مع بعد - وما أخلق مثل هذا النوع بالاستكراه، وأحقه بالذم، لما فيه من القبح والشناعة - بحيث ينفر منه الطبع السليم.
(الثالث) علم مما سبق أن أقسام التشبيه من حيث الوجه والاداة كالآتي.
١- التشبيه المرسل: هو ما ذكرت فيه الأداة.
٢- التشبيه المؤكد: هو ما حذفت منه الأداة.
٣ - التشبيه المجمل: هو ما حذف منه وجه الشبه.
٤ - التشبيه المفصل: هو ما ذكر فيه وجه الشبه.
٥- التشبيه البليغ: هو ما حذفت فيه الأداة، ووجه الشبه، وهو أرقى أنواع التشبيه بلاغة: وقد تقدم الكلام عليه مستوفياً.
٦- التشبيه الضمني: هو تشبيه لا يوضع فيه المشبه، والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، بل يلمح المشبه، والمشبه به، ويفهمان من المعنى نحو:
علا فما يستقر المال في يده وكيف تمسك ماء قنة الجبل
فالمشبه الممدوح، وهو ضمير (علا) والمشبه به (قنة الجبل) ووجه الشبه عدم الاستقرار والأداة محذوفة أيضاً، وهذا النوع يؤتى به ليفيد أن الحكم الذي أستد إلى المشبه ممكن
стр. 213
أسئلة تطلب أجوبتها
ما هو علم البيان لغة واصطلاحاً؟ ما هو التشبيه؟ ما أركان التشبيه؟ طرفا التشبيه حسيان أم عقليان؟ ما المراد بالحسّي؟ ما هو التشبيه الخيالي؟ ما المراد بالعقلي؟ - ما هو التشبيه الوهمي؟ - ما هو وجه الشبه؟ ما هي أدوات التشبيه؟ هل الاصل في أدوات التشبيه أن يليها المشبه، أو المشبه به؟ - متى تفيد كأن التشبيه؟ ما هو التشبيه البليغ؟
ما هو التشبيه الضمني؟ ما هو التشبيه المرسل؟ كم قسما للتشبيه باعتبار طرفيه؟ كم قسما للتشبيه باعتبار تعدد طرفيه؟ ما هو التشبيه الملفوف؟ ما هو التشبيه المفروق؟ ما هو تشبيه التسوية؟ ما هو تشبيه الجمع؟ كم قسما للتشبيه باعتبار وجه الشبه؟ ما هو تشبيه التمثيل؟ ما هو تشبيه غير التمثيل؟ ما هو التشبيه المفصل؟ ما هو التشبيه المجمل؟ كم قسما للتشبيه باعتبار الغرض منه.
стр. 214
تطبيق عام على أنواع التشبيه
اشتريت ثوبا أحمر كالورد - في هذه الجملة تشبيه مرسل مفصل - المشبه ثوبا، والمشبه به الورد، وهما حسيان مفردان، والأداة الكاف، ووجه الشبه: الحمرة في كل - والغرض منه بيان حال المشبه.
... ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا أتى الربيع أتاك النور والنور
... فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة والنبت فيروزج والماء بلور
«الأرض ياقوتة «تشبيه بليغ مجمل المشبه الارض، والمشبه به ياقوته - وهما حسيان مفردان، ووجه الشبه محذوف، وهو الخضرة في كل، والاداة محذوفة والغرض منه تحسينه «والجو لؤلؤة، والنبت فيروزج «والماء بلور» كذلك وفي البيت كله تشبيه مفروق - لأنه أتى بمشبه ومشبه به، وآخر وآخر.
... العمر والانسان والدنيا همو كالظل في الاقبال والادبار
فيه تشبيه تسوية مرسل مفصل، المشبه العمر والانسان والدنيا، والمشبه به الظل والمشبه بعضه حسي، وبعضه ع قلي والمشبه به حسي، والكاف الاداة، ووجه الشبه الاقبال والادبار، والغرض تقرير حاله في نفس السامع.
... كم نعمة مرت بنا وكأنها فرس يهرول أو قسيم ساري
في البيت: تشبيه جمع مرسل مجمل، والمشبه نعمة، والمشبه به فرس يهرول، أو نسيم ساري، وهما حسيان، وكأن الاداة ووجه الشبه السرعة في كل، والغرض منه بيان مقدار حاله.
ليل وبدر وغصن شعر ووجه وقد
فيه تشبيه بليغ مجمل ملفوف، المشبه شعر وهو حسي، والمشبه به ليل، وهو عقلي، والاداة محذوفة، ووجه الشبه السواد في كل - والغرض منه بيان مقدار حاله، وفي الثاني - المشبه وجه، والمشبه به بدر، وهما حسيان، ووجه الشبه الحسن في كل، والاداة محذوفة - والغرض تحسينه، وفي الثالث المشبه قد، والمشبه به غصن، وهما حسيان، ووجه الشبه الاعتدال في كل، والاداة محذوفة، والغرض بيان مقداره - هذا.
وان شئت فقل هذا (تشبيه مقلوب) بجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبها به لغرض المبالغة، بأن تجعل الليل مشبها، والشعر مشبها به.
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى كعنقود ملاحية حين نورا
فيه تشبيه تمثيل مرسل مجمل، المشبه هيئة الثريا الحاصلة من اجتماع أجرام مشرقة مستديرة منيرة - والمشبه به هيئة عنقود العنب المنور، والجامع الهيئة
стр. 215
الحاصلة من اجتماع اجرام منيرة مستديرة في كل - والأداة الكاف، والغرض منه بيان حاله
تمرين
بين أنواع التشبيه فيما يأتي:
(١) الورد في أعلا الغصون كأنه ملكٌ تحفُّ به سراة جنوده
(٢) إذا ارتجل الخطاب بدا خليج بفيه يمدّه بحرُ الكلام
كلام بل مدام بل نظام من الياقوت بل حب الغمام
(٣) يا صاحبي تيقظاً من رقدة تزري على عقل اللبيب الاكيس
هذي المجرة والنجوم كأنها نهر تدفَّق في حديقة نرجس
(٤) وكأن الصبح لمّا لاح من تحت الثريا
ملك أقبل في التا ج يفدى ويحيّا
(٥) إنما النفس كالزجاجة والعلـ م سراج وحكمة الله زيت
فاذا أشرقت فانك حيٌّ وإذا أظلمت فانك ميت
(٦) وغير تقيٍ يأمر الناس بالتقى طبيبٌ يداوى الناس وهو مريض
(٧) إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفَّت له عن عدو في ثياب صديق
(٨) جمرة الخد أحرقت عنبر الخا لِ فمن ذلك العذار دخانُ
(٩) كالبدر من حيث التفتّ رأيته بهدى إلى عينيك نورا كافيا
(١٠) وأشرق عن بشر هو النور في الضحا وصافى بأخلاق هي الطَّلُّ في الصبح
تمرين آخر
لبيان أنواع التشبيه: البليغ، والضمني، والتمثيل، والمقلوب والمُؤكد والمفصل، والمُجمل.
(١) خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا كالحسن شيب لمغرم بدلال
(٢) شقائقٌ يحملنَ النَّدى فكأنه دموعُ التصابي في خدودِ الخرائِدِ
(٣) عذبَ الفِراق لنا قبيل وداعنا ثم اجترعناه كُسمٍ ناقِع
فكأنما أثر الدّموعِ بخدِّها طل تناثر فوق ورد يانع (١)(٤) وترى الغصون تميل في أوراقها مثل الوصائف في صنوف حرير
(٥) وحديقةٍ ينساب فيها جدول طرفي برونق حسنه مدهوش
يبدو خيالُ غصونها في مائهٍ فكأنما هو معصم منقوش
(٦) انظر إلى حسن تكوين السماء وقد لاحت كواكبها والليلُ ديجورُ
كأنها خيمة ليست على عمدٍ زرقاء قد رصِّعت فيها الدنانير
(٧) وقد سفر الدجى عن ضوء فجر منير مثلما سفر النِّقاب
فخلت الصبح في إثر الثريا بشيراً جاء في يده كتاب
(٨) ولقد ذكرتك والنجوم كأنها دُرر على أرض من الفيروزج
يلمعن من خلل السحاب كأنها شررٌ تطاير من دخان العرفجِِ
(٩) ونارنجة بين الرياض نظرتُها على غصن رطب كقامة أغيد
إذا ميلتها الريح مالت كأكرة بدت ذهبا من صولجان زمرد
(١٠) وحديقة غنَّاء ينتظم النّدى بفروعها كالدر في الأسلاك
والبدرُ يشرق من خِلال غصونها مثل المليح يُطلُّ من شباك
(١١) لو كنت تشهد يا هذا عشيتنا والمزنُ يسكب أحيانا وينحدر
والأرض مصفرة بالمزن كاسية أبصرت تبراً عليه الدّرّ ينتشر
(١٢) وللأقاحي قصورٌ كلها ذهبٌ من حولها شرفات كلها درر
(١٣) كأنما النار في تلهُبها والفحم من فوقها يغطِّيها
زنجية شبّكت أناملها من فوق نارنجة لتخفيها
(١٤) والورد في شط الخليج كأنه رمدٌ ألم بمقلةٍ زرقاء
(١٥) هذي المجرَّة والنجوم كأنها نهر تدفق في حديقة نرجس
(١٦) أنظر إلى حسن هلال بدا يهتك من أنواره الحندسا (٢)
كمنجل قد صيغ من عسجدٍ يحصدُ من زهر الدجى نرجسا
(١٧) والبدر يستر بالغيوم وينجلي كتنفس الحسناء في مرآتها
كأنما الأغصان لما انثنت أمام بدرِ التِّمّ في غيهبه
(١٨) بنت مليكٍ خلف شباكها تفرجت منه على موكبه
(١٩) كان شعاع الشمس في كل غدوة على ورق الأشجار أول طالع
دنانير في كف الأشل يضمّها لقبض فتهوى من فروج الأصابع
(٢٠) لئن بسط الزمان يدى لئيم فصبراً للذي فعل الزمان
فقد تعلو على الرأس الذُّنا بي كما يعلو على النار الدخان
(٢١) دهرٌ علا قدر الوضيعِ به وغذا الشريفُ يحطّه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه سقلا وتطفو فوقه جيفه
(٢٢) لو أورقت من دم الأبطال سمرقنا لأورقت عنده سمر القنا الذُّبل
إذا توجه في أولي كتائبه لم تفرق العين بين السهل والجبل
فالجيش ينقض حوليه أسنتهُ نفض العقاب جناحيه من البلل
(٢٣) لو كنت شاهدنا عشية أنسها والمزن يبكينا بعيني مذنب
والشمس قد مدت أديم شعاعها في الأرض تجنح غير أن لم تذهب
خلت الرذاذ برادةً من فضة قد غربلت من فوق نطع مُذهَّبِ (٣)(٢٤) لله دولابٌ يفيض بسلسلٍ في روضة قد أينعت أفنانا
قد طارحته بها الحمائم شجوها فيجيبها ويرجع الألحانا
فكأنه دنفٌ (٤) يدور بمعهد (٥) يبكي ويسأل فيه عمن بانا (٦)
ضاقت مجاري طرفه عن دمعه فتفتحت أضلاعه أجفانا
(٢٥) أخرس ينبيك بإطراقه عن كل ما شئت من الأمر
يذرى على قرطاسه دمعه يبدى لنا السر وما يدرى
كعاشقٍ أخفى هواه وقد نمت عليه عبرة تجري
(٢٦) الشمسُ من مشرقها قد بدت مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بودقةٌ أحميت يجول فيها ذهبٌ ذائب
(٢٧) قال الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح)
(٢٨) إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع
وأسفر تحت النقع حتى كأنه صباح مشى في ظلمة الليل ساطع
(٢٩) وكأن أجرام السماء لوامعاً درر نثرن على بساط أزرق
(٣٠) قال الله تعالى (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف) .
(٣١) وقال تعالى (والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً)
(٣٢) وقال تعالى (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس) .
(٣٣) حمر السيوف كأنما ضربت لهم أيدى القيون صفائحا من عسجد
في فتية طلبوا غبارك إنه رهج ترفع عن طريق السؤدد
كالرمح فيه بضع عشرة فقرة منقادة خلف السَّنان الأصيد
(٣٤) خبّريني ماذا كرهت من الشيب فلا علم لي بذنب المشيبِ
أضياء النهار أم وضح اللؤ لؤ أم كونه كثغر الحبيب
واذكرى لي فضل الشباب وما يجمع من منظر يروق وطيب
غدره بالخليل أم حبه للغيِّ أم أنه كدهر الأديب
(٣٥) والبدر أوّل ما بدا متلثماً يبدى الضياء لنا بخدٍ مسفر
فكأنما هو خوذةٌ من فضةٍ قد ركبَّت في هامة من عنبر
(٣٦) خلتها في المعصرات القواني وردة في شقائق النعمان
(٣٧) شبّهت بدر سمائنا لمّا دنت منه الثريا في قميص سندس
ملكا مهيبا قاعداً في روضة حيّاه بعض الزائرين بنرجس
(٣٨) وإنّى على اشفاق عيني من البُكا لتجمح منِّى نظرةٌ ثم أطرق
كما حلِّئت عن ماء بئرٍ طريدة تمد إليها جيدها وهي تفرق
(٣٩) أنا كالورد فيه راحةُ قوم ثم فيه لآخرين زكام
(٤٠) يا حبذا يومنا ونحن على رؤوسنا نعقد الأكاليلا
في جنة ذللت لقاطفها قطوفها الدّانيات تذليلا
كأن أترجَّها تميل بها أغصانها حاملا ومحمولا
سلاسلٌ من زبرجد حملت من ذهب أصفر قناديلا
(٤١) كم والد يحرم أولاده وخيره يحظى به الأبعد
كالعين لا تنظر ما حولها ولحظها يدرك ما يبعد
(٤٢) ريم يتيه بحسن صورته عبث الفتور بلحظ مقلته
فكأن عقرب صدغه وقفت لما دنت من نار وجنته
(٤٣) وشادن أهيف حيَّا بنرجسةٍ كأنها إذ بدت في غاية العجب
كف من الفضة البيضا ساعدها زبرجدٌ حمِّلت كأساً من الذهب
(٤٤) نثر الجو على الأرض برد أيّ درّ لنحور لو جمد
لؤلؤ أصدافه السّحب التي أنجز البارق منها ما وعد
(٤٥) أبصرتُ طاقة نرجس في كف من أهواه غضَّه
فكأنها برج الزبر جد أنبتت ذهبا وفضة
(٤٦) كأن الأفق محفوفٌ بنار وتحت النار آساد تزير
(٤٧) وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها وغدواً بلاقع
بلاغة التشبيه (٧)
وبعض ما اثر منه عن العرب والمحدثين
تنشأ بلاغة التشبيه: من أنه ينتقل بك من الشيء نفسه، إلى شيء طريف يشبهه، أو صورة بارعة تمثّله وكلما كان هذا الانتقال بعيداً، قليل الخطور بالبال، أو ممتزجاً بقليل أو كثير من الخيال، كان التشبيه أروع للنفس، وأدعى إلى إعجابها واهتزازها فإذا قلت: فلان يشبه فلانا في الطول، أو أن الأرض تشبه الكرة في الشكل، لم يكن في هذه التشبيهات أثر للبلاغة، لظهور المشابهة، وعدم احتياج العثور عليها إلى براعة، وجهد أدبي، ولخلوّها من الخيال،