← Баляга

Баляга · id 9256

جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع

أحمد الهاشمي

Полный текст (311 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المبحث الثامن في تقسيم التشبيه باعتبار الغرض إلى مقبول وإلى مردود ينقسم التشبيه باعتبار الغرض: إلى حسنٍ مقبول، وإلى قبيح مردود (١) فالحسن المقبول - هو ما وفى بالأغراض السابقة، كأن يكون المشبه به أعرف من المشبه في وجه الشبه، إذا كان الغرض بيان حال المشبه، أو بيان المقدار، أو أن يكون أتم شيء في وجه الشبه، إذا قصد الحاق الناقص بالكامل، أو أن يكون في بيان الامكان مسلم الحكم، ومعروفاً عند المخاطب، إذا كان الغرض بيان امكان الوجود، وهذا هو الأكثر في الشبيهات، إذ هي جارية على الرَّشاقة، سارية على الدًقة والمبالغة ثم إذا تساوى الطرفان في وجه التشبيه عند بيان المقدار كان التشبيه كاملا في القبول، والا فكلما كان المشبه به أقرب في المقدار إلى المشبه كان الشبه أقرب إلى الكمال والقبول. (٢) والقبيح المردود - هو ما لم يف بالغرض المطلوب منه، لعدم وجود وجه بين المشبه والمشبه به: أو مع وجوده لكنه بعيد. تنبيهات (الأول) بعض اساليب التشبيه أقوى من بعض في المبالغة، ووضوح الدلالة ولها مراتب ثلاثة: «أ» (أعلاها) وأبلغها ما حذف فيها الوجه والأداة، نحو: على أسد - وذلك أنك ادعيت الاتحاد بينهما بحذف الأداة - وادعيت التشابه بينهما في كل شيء بحذف الوجه ولذا سمى هذا تشبيها بليغا. «ب» (المتوسطة) ما تحذف فيها الأداة وحدها، كما تقول (على أسد شجاعة) أو يحذف فيها وجه الشبه - فنقول على كالأسد، وبيان ذلك: أنك بذكرك الوجه حصرت

стр. 212

التشابه، فلم تدع للخيال مجالا في الظن، بأن التشابه في كثير من الصفات - كما أنك بذكر الاداة نصصت على وجود التفاوت بين المشبه والمشبه به، ولم تترك بابا للمبالغة. «جـ» (أقلها) ما ذكر فيها الوجه والأداة، وحينئذ فقدت المزيتين السابقتين. (الثاني) قد يكون الغرض من التشبيه حسنا جميلا، وذلك هو النمط الذي تسمو إليه نفوس البلغاء، وقد أتوا فيه بكل حسن بديع، كقول ابن نباتة في وصف فرس أغر محجل وكانما لطم الصباح جينه فاقتص منه فخاض في أحشائه وقد لا يوفق المتكلم إلى وجه الشبه، أو يصل إليه مع بعد - وما أخلق مثل هذا النوع بالاستكراه، وأحقه بالذم، لما فيه من القبح والشناعة - بحيث ينفر منه الطبع السليم. (الثالث) علم مما سبق أن أقسام التشبيه من حيث الوجه والاداة كالآتي. ١- التشبيه المرسل: هو ما ذكرت فيه الأداة. ٢- التشبيه المؤكد: هو ما حذفت منه الأداة. ٣ - التشبيه المجمل: هو ما حذف منه وجه الشبه. ٤ - التشبيه المفصل: هو ما ذكر فيه وجه الشبه. ٥- التشبيه البليغ: هو ما حذفت فيه الأداة، ووجه الشبه، وهو أرقى أنواع التشبيه بلاغة: وقد تقدم الكلام عليه مستوفياً. ٦- التشبيه الضمني: هو تشبيه لا يوضع فيه المشبه، والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، بل يلمح المشبه، والمشبه به، ويفهمان من المعنى نحو: علا فما يستقر المال في يده وكيف تمسك ماء قنة الجبل فالمشبه الممدوح، وهو ضمير (علا) والمشبه به (قنة الجبل) ووجه الشبه عدم الاستقرار والأداة محذوفة أيضاً، وهذا النوع يؤتى به ليفيد أن الحكم الذي أستد إلى المشبه ممكن

стр. 213

أسئلة تطلب أجوبتها ما هو علم البيان لغة واصطلاحاً؟ ما هو التشبيه؟ ما أركان التشبيه؟ طرفا التشبيه حسيان أم عقليان؟ ما المراد بالحسّي؟ ما هو التشبيه الخيالي؟ ما المراد بالعقلي؟ - ما هو التشبيه الوهمي؟ - ما هو وجه الشبه؟ ما هي أدوات التشبيه؟ هل الاصل في أدوات التشبيه أن يليها المشبه، أو المشبه به؟ - متى تفيد كأن التشبيه؟ ما هو التشبيه البليغ؟ ما هو التشبيه الضمني؟ ما هو التشبيه المرسل؟ كم قسما للتشبيه باعتبار طرفيه؟ كم قسما للتشبيه باعتبار تعدد طرفيه؟ ما هو التشبيه الملفوف؟ ما هو التشبيه المفروق؟ ما هو تشبيه التسوية؟ ما هو تشبيه الجمع؟ كم قسما للتشبيه باعتبار وجه الشبه؟ ما هو تشبيه التمثيل؟ ما هو تشبيه غير التمثيل؟ ما هو التشبيه المفصل؟ ما هو التشبيه المجمل؟ كم قسما للتشبيه باعتبار الغرض منه.

стр. 214

تطبيق عام على أنواع التشبيه اشتريت ثوبا أحمر كالورد - في هذه الجملة تشبيه مرسل مفصل - المشبه ثوبا، والمشبه به الورد، وهما حسيان مفردان، والأداة الكاف، ووجه الشبه: الحمرة في كل - والغرض منه بيان حال المشبه. ... ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا أتى الربيع أتاك النور والنور ... فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة والنبت فيروزج والماء بلور «الأرض ياقوتة «تشبيه بليغ مجمل المشبه الارض، والمشبه به ياقوته - وهما حسيان مفردان، ووجه الشبه محذوف، وهو الخضرة في كل، والاداة محذوفة والغرض منه تحسينه «والجو لؤلؤة، والنبت فيروزج «والماء بلور» كذلك وفي البيت كله تشبيه مفروق - لأنه أتى بمشبه ومشبه به، وآخر وآخر. ... العمر والانسان والدنيا همو كالظل في الاقبال والادبار فيه تشبيه تسوية مرسل مفصل، المشبه العمر والانسان والدنيا، والمشبه به الظل والمشبه بعضه حسي، وبعضه ع قلي والمشبه به حسي، والكاف الاداة، ووجه الشبه الاقبال والادبار، والغرض تقرير حاله في نفس السامع. ... كم نعمة مرت بنا وكأنها فرس يهرول أو قسيم ساري في البيت: تشبيه جمع مرسل مجمل، والمشبه نعمة، والمشبه به فرس يهرول، أو نسيم ساري، وهما حسيان، وكأن الاداة ووجه الشبه السرعة في كل، والغرض منه بيان مقدار حاله. ليل وبدر وغصن شعر ووجه وقد فيه تشبيه بليغ مجمل ملفوف، المشبه شعر وهو حسي، والمشبه به ليل، وهو عقلي، والاداة محذوفة، ووجه الشبه السواد في كل - والغرض منه بيان مقدار حاله، وفي الثاني - المشبه وجه، والمشبه به بدر، وهما حسيان، ووجه الشبه الحسن في كل، والاداة محذوفة - والغرض تحسينه، وفي الثالث المشبه قد، والمشبه به غصن، وهما حسيان، ووجه الشبه الاعتدال في كل، والاداة محذوفة، والغرض بيان مقداره - هذا. وان شئت فقل هذا (تشبيه مقلوب) بجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبها به لغرض المبالغة، بأن تجعل الليل مشبها، والشعر مشبها به. وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى كعنقود ملاحية حين نورا فيه تشبيه تمثيل مرسل مجمل، المشبه هيئة الثريا الحاصلة من اجتماع أجرام مشرقة مستديرة منيرة - والمشبه به هيئة عنقود العنب المنور، والجامع الهيئة

стр. 215

الحاصلة من اجتماع اجرام منيرة مستديرة في كل - والأداة الكاف، والغرض منه بيان حاله تمرين بين أنواع التشبيه فيما يأتي: (١) الورد في أعلا الغصون كأنه ملكٌ تحفُّ به سراة جنوده (٢) إذا ارتجل الخطاب بدا خليج بفيه يمدّه بحرُ الكلام كلام بل مدام بل نظام من الياقوت بل حب الغمام (٣) يا صاحبي تيقظاً من رقدة تزري على عقل اللبيب الاكيس هذي المجرة والنجوم كأنها نهر تدفَّق في حديقة نرجس (٤) وكأن الصبح لمّا لاح من تحت الثريا ملك أقبل في التا ج يفدى ويحيّا (٥) إنما النفس كالزجاجة والعلـ م سراج وحكمة الله زيت فاذا أشرقت فانك حيٌّ وإذا أظلمت فانك ميت (٦) وغير تقيٍ يأمر الناس بالتقى طبيبٌ يداوى الناس وهو مريض (٧) إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفَّت له عن عدو في ثياب صديق (٨) جمرة الخد أحرقت عنبر الخا لِ فمن ذلك العذار دخانُ (٩) كالبدر من حيث التفتّ رأيته بهدى إلى عينيك نورا كافيا (١٠) وأشرق عن بشر هو النور في الضحا وصافى بأخلاق هي الطَّلُّ في الصبح تمرين آخر لبيان أنواع التشبيه: البليغ، والضمني، والتمثيل، والمقلوب والمُؤكد والمفصل، والمُجمل. (١) خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا كالحسن شيب لمغرم بدلال (٢) شقائقٌ يحملنَ النَّدى فكأنه دموعُ التصابي في خدودِ الخرائِدِ (٣) عذبَ الفِراق لنا قبيل وداعنا ثم اجترعناه كُسمٍ ناقِع فكأنما أثر الدّموعِ بخدِّها طل تناثر فوق ورد يانع (١) (٤) وترى الغصون تميل في أوراقها مثل الوصائف في صنوف حرير (٥) وحديقةٍ ينساب فيها جدول طرفي برونق حسنه مدهوش يبدو خيالُ غصونها في مائهٍ فكأنما هو معصم منقوش (٦) انظر إلى حسن تكوين السماء وقد لاحت كواكبها والليلُ ديجورُ كأنها خيمة ليست على عمدٍ زرقاء قد رصِّعت فيها الدنانير (٧) وقد سفر الدجى عن ضوء فجر منير مثلما سفر النِّقاب فخلت الصبح في إثر الثريا بشيراً جاء في يده كتاب (٨) ولقد ذكرتك والنجوم كأنها دُرر على أرض من الفيروزج يلمعن من خلل السحاب كأنها شررٌ تطاير من دخان العرفجِِ (٩) ونارنجة بين الرياض نظرتُها على غصن رطب كقامة أغيد إذا ميلتها الريح مالت كأكرة بدت ذهبا من صولجان زمرد (١٠) وحديقة غنَّاء ينتظم النّدى بفروعها كالدر في الأسلاك والبدرُ يشرق من خِلال غصونها مثل المليح يُطلُّ من شباك (١١) لو كنت تشهد يا هذا عشيتنا والمزنُ يسكب أحيانا وينحدر والأرض مصفرة بالمزن كاسية أبصرت تبراً عليه الدّرّ ينتشر (١٢) وللأقاحي قصورٌ كلها ذهبٌ من حولها شرفات كلها درر (١٣) كأنما النار في تلهُبها والفحم من فوقها يغطِّيها زنجية شبّكت أناملها من فوق نارنجة لتخفيها (١٤) والورد في شط الخليج كأنه رمدٌ ألم بمقلةٍ زرقاء (١٥) هذي المجرَّة والنجوم كأنها نهر تدفق في حديقة نرجس (١٦) أنظر إلى حسن هلال بدا يهتك من أنواره الحندسا (٢) كمنجل قد صيغ من عسجدٍ يحصدُ من زهر الدجى نرجسا (١٧) والبدر يستر بالغيوم وينجلي كتنفس الحسناء في مرآتها كأنما الأغصان لما انثنت أمام بدرِ التِّمّ في غيهبه (١٨) بنت مليكٍ خلف شباكها تفرجت منه على موكبه (١٩) كان شعاع الشمس في كل غدوة على ورق الأشجار أول طالع دنانير في كف الأشل يضمّها لقبض فتهوى من فروج الأصابع (٢٠) لئن بسط الزمان يدى لئيم فصبراً للذي فعل الزمان فقد تعلو على الرأس الذُّنا بي كما يعلو على النار الدخان (٢١) دهرٌ علا قدر الوضيعِ به وغذا الشريفُ يحطّه شرفه كالبحر يرسب فيه لؤلؤه سقلا وتطفو فوقه جيفه (٢٢) لو أورقت من دم الأبطال سمرقنا لأورقت عنده سمر القنا الذُّبل إذا توجه في أولي كتائبه لم تفرق العين بين السهل والجبل فالجيش ينقض حوليه أسنتهُ نفض العقاب جناحيه من البلل (٢٣) لو كنت شاهدنا عشية أنسها والمزن يبكينا بعيني مذنب والشمس قد مدت أديم شعاعها في الأرض تجنح غير أن لم تذهب خلت الرذاذ برادةً من فضة قد غربلت من فوق نطع مُذهَّبِ (٣) (٢٤) لله دولابٌ يفيض بسلسلٍ في روضة قد أينعت أفنانا قد طارحته بها الحمائم شجوها فيجيبها ويرجع الألحانا فكأنه دنفٌ (٤) يدور بمعهد (٥) يبكي ويسأل فيه عمن بانا (٦) ضاقت مجاري طرفه عن دمعه فتفتحت أضلاعه أجفانا (٢٥) أخرس ينبيك بإطراقه عن كل ما شئت من الأمر يذرى على قرطاسه دمعه يبدى لنا السر وما يدرى كعاشقٍ أخفى هواه وقد نمت عليه عبرة تجري (٢٦) الشمسُ من مشرقها قد بدت مشرقة ليس لها حاجب كأنها بودقةٌ أحميت يجول فيها ذهبٌ ذائب (٢٧) قال الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح) (٢٨) إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع وأسفر تحت النقع حتى كأنه صباح مشى في ظلمة الليل ساطع (٢٩) وكأن أجرام السماء لوامعاً درر نثرن على بساط أزرق (٣٠) قال الله تعالى (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف) . (٣١) وقال تعالى (والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) (٣٢) وقال تعالى (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس) . (٣٣) حمر السيوف كأنما ضربت لهم أيدى القيون صفائحا من عسجد في فتية طلبوا غبارك إنه رهج ترفع عن طريق السؤدد كالرمح فيه بضع عشرة فقرة منقادة خلف السَّنان الأصيد (٣٤) خبّريني ماذا كرهت من الشيب فلا علم لي بذنب المشيبِ أضياء النهار أم وضح اللؤ لؤ أم كونه كثغر الحبيب واذكرى لي فضل الشباب وما يجمع من منظر يروق وطيب غدره بالخليل أم حبه للغيِّ أم أنه كدهر الأديب (٣٥) والبدر أوّل ما بدا متلثماً يبدى الضياء لنا بخدٍ مسفر فكأنما هو خوذةٌ من فضةٍ قد ركبَّت في هامة من عنبر (٣٦) خلتها في المعصرات القواني وردة في شقائق النعمان (٣٧) شبّهت بدر سمائنا لمّا دنت منه الثريا في قميص سندس ملكا مهيبا قاعداً في روضة حيّاه بعض الزائرين بنرجس (٣٨) وإنّى على اشفاق عيني من البُكا لتجمح منِّى نظرةٌ ثم أطرق كما حلِّئت عن ماء بئرٍ طريدة تمد إليها جيدها وهي تفرق (٣٩) أنا كالورد فيه راحةُ قوم ثم فيه لآخرين زكام (٤٠) يا حبذا يومنا ونحن على رؤوسنا نعقد الأكاليلا في جنة ذللت لقاطفها قطوفها الدّانيات تذليلا كأن أترجَّها تميل بها أغصانها حاملا ومحمولا سلاسلٌ من زبرجد حملت من ذهب أصفر قناديلا (٤١) كم والد يحرم أولاده وخيره يحظى به الأبعد كالعين لا تنظر ما حولها ولحظها يدرك ما يبعد (٤٢) ريم يتيه بحسن صورته عبث الفتور بلحظ مقلته فكأن عقرب صدغه وقفت لما دنت من نار وجنته (٤٣) وشادن أهيف حيَّا بنرجسةٍ كأنها إذ بدت في غاية العجب كف من الفضة البيضا ساعدها زبرجدٌ حمِّلت كأساً من الذهب (٤٤) نثر الجو على الأرض برد أيّ درّ لنحور لو جمد لؤلؤ أصدافه السّحب التي أنجز البارق منها ما وعد (٤٥) أبصرتُ طاقة نرجس في كف من أهواه غضَّه فكأنها برج الزبر جد أنبتت ذهبا وفضة (٤٦) كأن الأفق محفوفٌ بنار وتحت النار آساد تزير (٤٧) وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها وغدواً بلاقع بلاغة التشبيه (٧) وبعض ما اثر منه عن العرب والمحدثين تنشأ بلاغة التشبيه: من أنه ينتقل بك من الشيء نفسه، إلى شيء طريف يشبهه، أو صورة بارعة تمثّله وكلما كان هذا الانتقال بعيداً، قليل الخطور بالبال، أو ممتزجاً بقليل أو كثير من الخيال، كان التشبيه أروع للنفس، وأدعى إلى إعجابها واهتزازها فإذا قلت: فلان يشبه فلانا في الطول، أو أن الأرض تشبه الكرة في الشكل، لم يكن في هذه التشبيهات أثر للبلاغة، لظهور المشابهة، وعدم احتياج العثور عليها إلى براعة، وجهد أدبي، ولخلوّها من الخيال،

стр. 216

وهذا الضرب من التشبيه، يقصد به البيان والإيضاح، وتقريب الشيء إلى الأفهام، وأكثر ما يستعمل في العلوم والفنون، ولكنك تأخذك روعة التشبيه، حينما تسمع قول المعري يصف نجماً يسرع اللمح في احمرار كما تسـ رعُ في اللمح مقلة الغضبان فان تشبيه لمحات النجم وتألقه مع احمرار ضوئه، بسرعة لمحة الغضبان من التشبيهات النادرة، التي لا تنقاد إلا لأديب، ومن ذلك قول الشاعر: وكأن النجوم بين دجاها سنن لاح بينهن ابتداع فإن جمال هذا التشبيه: جاء من شعورك ببراعة الشاعر وحذقه، في عقد المشابهة بين حالتين - ما كان يخطر بالبال تشابههما، وهما حالة النجوم في رقعة الليل، بحال السنن الدينية الصحيحة، متفرقة بين البدع الباطلة. ولهذا التشبيه: روعة أخرى، جاءت من أن الشاعر: تخيل أن السنن مضيئة لمّاعة، وأن البدع مظلمة قاتمة. ومن أبدع التشبيهات قول المتنبي: بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه يدعو الشاعر: على نفسه بالبلى والفناء، إذا هو لم يقف بالأطلال، ليذكر عهد من كانوا بها، ثم أراد أن يصور لك هيئة وقوفه، فقال: كما يقف شحيح فقد خاتمه في التراب، من كان يوفَّق إلى تصوير حال الذاهل المتحير المحزون، المطرق برأسه، المنتقل من مكان إلى مكان في اضطراب ودهشة، بحال شحيح فقد في التراب خاتماً ثميناً. هذه بلاغة التشبيه من حيث مبلغ طرافتهن وبعد مرماه، ومقدار ما فيه من خيال. أما بلاغته من حيث الصورة الكلامية التي يوضع فيها، فمتفاوتة أيضاً فأقل التشبيهات مرتبة في البلاغة ما ذكرت أركانه جميعها، لأن بلاغة التشبيه مبنية على ادعاء أن المشبه عين المشبه به، ووجود الاداة، ووجه الشبه معاً، يحولان دون هذا الادعاء، فإذا حذفت الاداة وحدها، أو وجه الشبه وحده، ارتفعت درجة التشبيه في البلاغة قليلا، لأن حذف أحد هذين يقوى ادعاء اتحاد المشبه والمشبه به بعض التقوية - أما أبلغ أنواع التشبيه «فالتشبيه البليغ» لانه مبنى على ادعاء أن المشبه والمشبه به شيء واحد، هذا - وقد جرى العرب والمحدثون على تشبيه: الجواد بالبحر، والمطر والشجاع

стр. 217

بالأسد، والوجه الحسن بالشمس والقمر، والشهم الماضي في الأمور بالسيف، والعالي المنزلة بالنجم، والحليم الرَّزين بالجبل، والأماني الكاذبة بالاحلام، والوجه الصبيح بالدينار، والشعر الفاحم بالليل، والماء الصافي باللجين، والليل بموج البحر، والجيش بالبحر الزاخر، والخيل بالريح والبرق، والنجوم بالدرر والأزهار، والأسنان بالبرد واللؤلؤ والسفن بالجبال، والجداول بالحيات الملتوية، والشيب بالنهار، ولمع السيوف وغرة الفرس بالهلال، ويشبهون الجبان بالنعامة والذبابة، واللئيم بالثعلب، والطائش بالفراش، والذليل بالوتدِ، والقاسي بالحديد والصخر، والبلييد بالحمار، والبخيل بالأرض المجدية، وقد اشتهر رجال من العرب بخلال محمودة، فصاروا فيها أعلاماً - فجري التشبيه بهم: فيشبه الوفى بالسموءل (١) ، والكريم بحاتم، والعادل بعمر (٢) والحليم بالأحنف (٣) ، والفصيح بسحبان، والخطيب بقس (٤) والشجاع بعمرو بن معد يكرب، والحكيم بلقمان (٥) ، والذكي بُياس، واشتهر آخرون بصفات ذميمة، فجرى التشبيه بهم أيضاً، فيشبه العي بباقل (٦) والأحمق بهبنقة (٧) والنادم بالكُسعى (٨) والبخيل بمادر (٩) والهجّاء بالحطيئة (١٠)

стр. 218

والقاسي بالحجاج الثقفي: أحد جبابرة العرب المتوفى سنة ٩٧ هـ.

стр. 219

الباب الثاني في المجاز (١) المجاز: مشتق من جاز الشيء يجوزه، إذا تعداه - سموا به اللفظ الذي نقل من معناه الاصلي، واستعمل ليدل على معنى غيره، مناسب له والمجاز: من أحسن الوسائل البيانية التي تهدى اليها الطبيعة: لإيضاح المعنى، إذ به يخرج المعنى متصفاً بصفة حسية، تكاد تعرضه على عيان السامع - لهذا شغفت العرب باستعمال (المجاز) لميلها إلى الاتساع في الكلام، والى الدلالة على كثرة معاني الألفاظ، ولما فيها من الدقة في التعبير، فيحصل للنفس به سرور وأريحية، ولأمر ما كثر في كلامهم، حتى أتوا فيه بكل معنى رائق، وزينوا به خطبهم وأشعارهم. وفي هذا الباب مباحث

стр. 220

المبحث الأول في تعريف المجاز وأنواعه المجاز: هو اللفظ السمتعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقةٍ: مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي، والعلاقة: هي المناسبة (١) بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، قد تكون (المشبابهة) بين المعنيين، وقد تكون غيرها. فاذا كانت العلاقة (المشابهة) فالمجاز (استعارة) ، والافهو (مجاز مرسل) والقرينة: هي المانعة من إرادة المعنى الحقيقي، قد تكون لفظية، وقد تكون حالية - كما سيأتي: وينقسم المجاز: إلى أربعة أقسام - مجاز مفرد مرسل، ومجاز مفرد بالاستعارة «ويجريان في الكلمة» ومجاز مركب مرسل، ومجاز مركب بالاستعارة «ويجريان في الكلام» . ومتى أطلق المجاز،، انصرف إلى (المجاز اللّغوي) وأنواع المجاز كثيرة: أهمها (المجاز المرسل) ، وهو المقصود بالذات وسيأتي مجاز، يسمى «المجاز العقلي» ويجرى في الإسناد

стр. 221

المبحث الثاني في المجاز اللّغوي المفرد المرسل، وعلاقاته المجاز المفرد المرسل: هو الكلمة المستعملة قصداً في غير معناها الأصلي لملاحظة علاقة (١) غير (المشابهة) مع قرينة (٢) دالّة على عدم إرادة المعنى الوضعي. وله علاقات كثيرة - أهمها (١) السببية - وهي: كون الشيء المنقول عنه سبباً، ومؤثراً في غيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ السبب، وأريد منه المسبب، نحو: رعت الماشية الغيث - أي النبات، لأن الغيث أي (المطر) سبب فيه (٣) وقرينته (لفظية) وهي (رعت) لأن العلاقة تعتبر من جهة المعنى المنقول عنه ونحو: لفلان على يد: تريد باليد: النعمة، لأنها سبب فيها.

стр. 222

(٢) والمسببية - هي أن يكون المنقولُ عنه مسبباً، وأثراً لشيء آخر وذلك فيما إذا ذكر لفظ المسبب، وأريد منه السبب، نحو: (وينزل لكم من السماء رزقا) أي: مطراً يسبِّب الرزق. (٣) والكلية - هي كون لاشيء متضمناً للمقصود ولغيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ الكل، وأريد منه الجزء، نحو (يجعلون أصابعهم في آذانهم) أي أناملهم، والقرينة (حالية) وهي استحالة ادخال الأصبع كله في الأذن ونحو: شربت ماء النيل - والمراد بعضهُ، بقرينة شربت. (٤) والجزئية - هي كون المذكور ضمن شيء آخر، وذلك فيما إذا ذكر لفظ الجزء، وأريد منه الكل، كقوله تعالى (فتحريرُ رقبة مؤمنة) ونحو: نشر الحاكم عيونه في المدينة، أي الجواسيس، فالعيون مجاز مرسل، علاقته (الجزئية) لأن كل عين جزء من جاسوسها - والقرينة الاستمالة. (٥) واللازمية - هي كون الشيء يجب وجوده، عند وجود شيء آخر، نحو: طلع الضوء، أي الشمس، فالضوء مجاز مرسل علاقته (اللازمية) لأنه يوجد عند وجود الشمس، والمعتبر هنا اللزوم الخاص، وهو عدم الانفكاك. (٦) والمزومية - هي كون الشيء يجب عند وجوده وجود شيء آخر، نحو: ملأت الشمس المكان، أي الضوء فالشمس مجاز مرسل علاقته (الملزومية) لأنها متى وجدت وجد الضوء، والقرينة «ملأت» . (٧) والآلية - هي كون الشيء واسطةً لإيصال أثر شيء إلى آخر وذلك فيما إذا ذكر اسم الآلة، وأريد الأثر الذي ينتج عنه، نحو (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) أي ذكراً حسناً - (فلسان) بمعنى ذكر حسن مجاز مرسل، علاقته (الآلية) لأن اللسان آلة في الذكر الحسن. (٨) والتقييد: ثم الاطلاق: هو كون الشيء مقيداً بقيد أو أكثر نحو: مشفر زيد مجروح - فان المشفر - لغة: شفة البعير، ثم أريد هنا مطلق شفة، فكان في هذا منقولا عن المقيد إلى المطلق، وكان مجازا مرسلا، علاقته التقييد، ثم نقل من مطلق شفة، إلى شفة الانسان، فكان مجازاً مرسلا: بمرتبتين، وكانت علاقته (التقييد والإطلاق) (٩) والعموم - هو كون الشيء شاملاً لكثير - نحو قوله تعالى (أم يحسدون الناس)

стр. 223

أي «النبي» ﷺ ، فالناس مجاز مرسل، علاقته العموم، ومثله قوله تعالى (الذين قال لهم الناس) فان المراد من الناس واحد، وهو «نعيم بن مسعود الاشجعي» . (١٠) والخصوص - هو كون اللفظ خاصاً بشيء واحد، كاطلاق اسم الشخص على القبيلة - نحو ربيعة - وقريش. (١١) واعتبار ما كان - هو النظر إلى الماضي: أي تسمية الشيء باسم ما كان عليه، نحو: (وآتوا اليتامى أموالهم) أي الذين كانوا يتامى ثم بلغوا، فاليتامى: مجاز مرسل، علاقته (اعتبار ما كان) وهذا إذا جرينا على أن دلالة الصفة على الحاضر حقيقة، وعلى ما عداه مجاز. (١٢) واعتبار ما يكون - هو النظر إلى المستقبل، وذلك فيما إذا أطلق اسم الشيء على ما يؤول إليه، كقوله تعالى (إني أراني أعصر خمراً) أي: عصيرا يؤول أمره إلى خمر، لأنه حال عصره لا يكون خمراً، فالعلاقة هنا: اعتبار (ما يؤول إليه) ونحو: (ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً) والمولود حين يولد، لا يكون فاجراً، ولا كافراً، ولكنه قد يكون كذلك بعد الطفولة، فاطلق المولود الفاجر، وأريد به الرجل الفاجر، والعلاقة، اعتبار (ما يكون) (١٣) والحاليّة - هي كون الشيء حالا في غيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ الحال، وأريد المحل لما بينهما من الملازمة، نحو: (ففي رحمة الله هم فيها خالدون) فالمراد من (الرحمة) الجنة التي تحل فيها الرحمة، فهم في جنة تحل فيها رحمة الله، ففيه مجاز مرسل، علاقته (الحالية) وكقوله تعالى (خذوا زينتكم عندكل مسجد) أي لباسكم، لحلول الزينة فيهن فالزينة حال واللباس محلها، ونحو: أرى بياضاً يظهر ويختفي، وأرى حركة تعلو وتسفل. (١٤) والمحلية - هي كون لاشيء يحلُّ فيه غيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ المحل، واريد به الحال فيه - كقوله تعالى (فليدعُ ناديهُ) والمراد من يحل في النادي. وكقوله تعالى (يقولون بأفواههم) أي ألسنتهم، لأن القول لا يكون عادة إلا بها. (١٥) والبداية - هي كون الشيء بدلاً عن شيء آخر - كقوله تعالى (فإذا قضيتم الصلاة) والمراد: الأداء. (١٦) والمبدلية - هي كون الشيء مبدلاً منه شيءٌ آخر، نحو أكلت دم زيد، أي ديتهُ، فالدم (مجاز مرسل) علاقته (المبدلية) لأن الدم: مبدل عنه (الدية) (١٧) والمجاورة - هي كون الشيء، مجاوراً لشيء آخر، نحو كلمت الجدار والعامود، أي الجالس بجوارهما، فالجدار والعامود مجازان مرسلان (المجاورة) (١٨) والتعلق الاشتقاقي - هو إقامة صيغة مقام أخرى - وذلك.

стр. 224

(أ) كإطلاق المصدر على اسم المفعول، في قوله تعالى (صنع الله الذي أتقن كل شيء) - أي مصنوعه. (ب) وكاطلاق اسم الفاعل على المصدر، في قوله تعالى (ليس لوقعتها كاذبة) أي تكذيب. (جـ) وكإطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول، في قوله (لا عاصم اليوم من أمر الله) - أي لا معصوم. (د) وكإطلاق اسم المفعول على اسم الفاعلن في قوله تعالى (حجاباً مستورا) أي ساتراً. والقرينة على مجازية ما تقدم، هي ذكر ما يمنع ارادة المعنى الأصلي. المبحث الثالث في تعريف المجاز العقلي وعلاقاته (١) المجاز العقلي: هو إسنادُ الفعل، أو ما في معناه (من اسم فاعل، أو اسم مفعول أو مصدر) إلى غير ما هو له في الظاهر، من حال المتكلم، لعلاقة مع قرينة تمنع من أن يكون الإسناد إلى ما هو له. أشهر علاقات المجاز العقلي (١) الإسناد إلى الزمان، نحو: (من سره زمن ساءته أزمان) أسند الاساءة والسرور إلى الزمن، وهو لم يفعلهما، بل كانا واقعين فيه على سبيل المجاز (٢) الاسناد إلى المكان، نحو: (وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم) فقد أسند الجرى إلى الانهار، وهي أمكنة للمياه، وليست جارية بل الجاري ماؤها. (٣) الاسناد إلى السبب، نحو: إنّي لمن معشر أفنى أوائلهم قيلُ الكماة ألا أين المُحامونا؟ فقد نسب الافناء إلى قول الشجعان، هل من مبارز؟؟ وليس ذلك القول بفاعل له، ومؤثر فيه، وإنما هو سبب فقط (٤) الاسناد إلى المصدر - كقول أبي فراس الحمداني سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر فقد أسند الجد إلى الجد، أي الاجتهاد، وهو ليس بفاعل له، بل فاعله الجاد - فأصله جد الجاد جدا، أي اجتهد اجتهاداً، فحذف الفاعل الأصلي وهو الجاد، واسندَ الفعل إلى الجد. (٥) إسناد ما بني للفاعل إلى المفعول - نحو: سرني حديث الوامق فقد استعمل اسم الفاعل، وهو الوامق، أي (المُحبُّ) بدل الموموق، أي المحبوب، فان المراد: سررت بمحادثة المحبوب. (٦) إسناد ما بني للمفعول إلى الفاعل، نحو: (جعلت بيني وبينك حجاباً مستوراُ) أي ساتراً، فقد جعل الحجاب مستورا، مع أنه هو الساتر. تنبيهات (أ) كما يكون هذا المجاز في الإسناد، يقع في النسبة الاضافية، نحو جرى الأنهار، وغراب البين، ومكر الليل: فنسبة الجري إلى الأنهار مجاز علاقته المكانية، ونسبة البين إلى الغراب، مجاز علاقته السببية، ونسبة المكر إلى الليل مجاز، علاقته الزّمانية (ب) الفعل المبني للفاعل، واسم الفاعل، إذا أسندا إلى المفعول فالعلاقة المفعولية، والفعل المبني للمجهول، واسم المفعول، إذا أسندا إلى الفاعل فالعلاقة الفاعلية، واسم المفعول المستعمل في موضع اسم الفاعل مجاز، علاقته الفاعلية، واسم الفاعل المستعمل في موضع اسم المفعول مجاز، علاقته المفعولية. (جـ) هذا المجاز: مادةُ الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وطريق من طرق البيان، التي لا يستغنى عنها واحد منهما. تطبيق على أشهر علاقات المجاز العام اذكر علاقات المجاز المرسل: فيما يلي (١) أبا المسك أرجو منك نصراً على العِدا وآمل عزا تخضب البيض بالدم (٢) ويوماً يغيظ الحاسدين وحالةً أقيم الشقا فيها مقام التنعمُّ (٣) (٢) قال الله تعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم). (٣) ذهبنا إلى حديقة غناء (٤) بنى اسماعيل كثيرا من المدارس بمصر (٥) تكاد عطاياه يجنُ جنونها إذا لم يعوذها برقية طالب (٤) الاجابة (١) عزاً يخضب البيض بالدم إسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي، لأن العز لا يخضب السيوف، ولكنه سبب القوة، وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم، ففي العبارة مجاز عقلي، علاقته السببيه. «ب» ويوماً يغيظ الحاسدينن

стр. 225

إسناد غيظ الحاسدين إلى ضمير اليوم غير حقيقي، غير أن اليوم هو الزمان الذي يحصل فيه الغيظ، ففي الكلام مجاز عقلي، علاقته الزمانية. (جـ) لا عاصم اليوم من أمر الله. المعنى لا معصوم (١) اليوم من امر الله إلا من رحمة الله، فاسم الفاعل أسند إلى المفعول، وهذا مجاز عقلي، علاقته المفعولية. (د) ذهبنا إلى حديقة غناء غناء مشتقة من الغن، والحديقة لا تغن، وإنما الذي يغن (عصافيرها) أو ذبابها - ففي الكلام مجاز عقلي، علاقته المكانية. (هـ) بنى اسماعيل كثيراً من المدارس إسماعيل: أمير مصر - لم يبن بنفسه - ولكنه أمر، ففي الاسناد مجاز عقلي، علاقته السببية (و) تكاد عطاياه يجن جنونها - إسناد الفعل إلى المصدر مجاز عقلي، علاقته المصدرية. نموذج آخر بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي: (١) أهلكنا الليل والنهار (٢) (٢) منزل عامر بنعم الله (٣) (٣) أنشأ وزير المعارف عدة مدارس (٤) (٤) مشربٌ عذبٌ (٥) (٥) هذا يوم عصيب (٦)

стр. 226

(٦) ربحت تجارتهم (١) بلاغة المجاز المرسل (٢) والمجاز العقلي إذا تأملت أنواع المجاز المرسل والعقلي رأيت أنها في الغالب تؤدى المعنى المقصود بايجاز، فاذا قلت (هزَم القائد الجيش) أو (قرر المجلس كذا) كان ذلك أوجز من أن تقول (هزم جنود القائد الجيش) أو (قرر أهل المجلس كذا) ولا شك أن الايجاز ضربٌ من ضروب البلاغة. وهناك مظهرٌ آخر للبلاغة في هذين المجازين، هو المهارة في تخيّر العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، بحيث يكون المجاز مصور للمعنى المقصودخيرَ تصوير - كما في إطلاق العين على الجاسوس، والأذن على سريع التأثر بالوشاية، والخف والحافر على الجمال والخيل، في المجاز المرسل وكما في إسناد الشيء: إلى سببه، أو مكانه، أو زمانه، في المجاز العقلي فإن البلاغة توجب أن يختار السبب القوى، والمكان والزمان المختصان وإذا دققت النظر رأيت أن أغلب ضروب المجاز المرسل، والمجاز العقلي لا تخلو من مبالغة بديعة، ذات أثر في جعل المجاز رائعاً خلاباً، فإن إطلاق الكل على الجزء مبالغة، ومثله إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، كما إذا قلت «فلان فمٌ» تريد أنه شرهٌ، يلتقم كل شيء، ونحو: «فلان أنف» عندما تريد أن تصفه بعظم الأنف، فتبالغ فتجعله كله أنفا؟ ومما يؤثر عن بعض الأدباء: في وصف رجل أنافي (٣) قوله: «لست أدرى: أهو في أنفه، أم أنفه فيه»؟؟

стр. 227

المبحث الرابع في المجاز المفرد بالاستعارة تمهيد سبق: أن التشبيه أول طريقة دلّت عليها الطبيعة، لايضاح أمر يجهله المخاطب، بذكر شيء آخر، معروف عنده، ليقيسه عليه، وقد نتج من هذه النظرية، نظرية أخرى في تراكيب الكلام، ترى فيها ذكر المشبه به فقط، وتسمى هذه بالاستعارة، وقد جاءت هذه التراكيب المشتملة على الاستعارة أبلغ من تراكيب التشبيه، وأشد وقعاً في نفس المخاطب، لأنه كلما كانت داعية إلى التحليق في سماء الخيال، كان وقعها في النفس أشد، ومنزلتها في البلاغة أعلى وما يبتكره أمراء الكلام من أنواع صور الاستعارة البديعة، التي تأخذ بمجامع الأفئدة، وتملك على القارئ والسامع لبهما وعواطفهما، (هو سر بلاغة الاستعارة) فمن الصور المجملة التي عليها طابع الابتكار وروعة الجمال قول شاعر الحماسة قومٌ إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا فانه قد صور لك الشر، بصور حيوان مفترس، مكشر عن أنيابه، مما يملا فؤادك رعباً، ثم صور القوم الذين يعنيهم، بصور طيور جوارح تطير إلى مصادمة الأعداء، طيراناً مما يستثير إعجابك بنجدتهم، ويدعوك إلى إكبار حميتهم وشجاعتهم. ومنهم: من يعمد إلى الصورة التي يرسمها، فيفصّل أجزاءها، ويبين لكل جزء مزيته الخاصة، كقول امرئ القيس في وصف الليل بالطول: فقلت له لمّا تمطّى بصُلبه وأردف أعجازاً وناء بكلكَلِ (١) فانه لم يكتف بتمثيل الليل، بصورة شخص طويل القامة، بل استوفى له جملة أركان الشخص، فاستعار له صلباً يتمطى به، إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله تمطيه، وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازاً يردف بعضها بعضاً، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره، فاستعار له كلكلاّ ينوء به (أي يثقل به) ولا يخفى عليك ما يتركه هذا التفصيل البديع في قلب سامعه من الأثر العظيم، والارتياح الجميل. ومنهم: من لا يكتفى بالصورة يرسمها، بل ينظر إلى ما يترتب على الشيء، فيعقّب تلك الصورة بأخرى أشد وأوقع، كقول أبي الطيب المتنبيء: رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال (٢) فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال (٣) فانه لم يكتف بتصويره المصائب سهاماً في سرعة انصيابها، وشدة إيلامها، ولا بالمبالغة في وصف كثرتها، بأن جعل منها غشاء محيطاً بفؤاده، حتى جعل ذلك الغشاء من المتانة والكثافة، بحيث إنَّ تلك النصال مع استمرار انصيابها عليهن لا تجد منفذاً إلى فؤاده، لأنها تتكسر على النّصال التي سبقتها > فانظر إلى هذا التمثيل الرائع، وقل لي: هل رايت تصوير أشد منه لتراكم المصائب والآلام؟؟ تعريف الاستعارة وبيان انواعها الاستعارة لغة: من قولهم، استعار المال: إذا طلبه عارية واصطلاحاً: هي استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة (المشابهة) بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه، مع (قرينة) صارفة عن إرادة المعنى الأصلي (والاستعارة) ليست إلى (تشبيهاً) مختصراً، لكنها أبلغ منه (٤) كقولك: رايت اسداً في المدرسة، فأصل هذه الاستعارة «رأيت رجلا شجاعاً كالأسد في المدرسة «فحذفت المشبه «لفظ رجل» وحذفت الأداة الكاف - وحذفت وجه التشبيه «الشجاعة» وألحقته بقرينة «المدرسة» لتدل على أنك تريد بالأسد شجاعاً. وأركان (١) مستعار منه - وهو المشبه به الاستعارة (٢) ومستعار له - وهو المشبه ثلاثة (٣) ومستعار - وهو اللفظ المنقول فكل مجاز يبنى على التشبيه (يسمى استعارة) ولا بُد فيها من عدم ذكر وجه الشبه، ولا أداة التشبيه، بل ولا بدّ أيضاً من (تناسى التشبيه) الذي من أجله وقعت الاستعارة فقط، مع ادّعاء أن المشبه عين المشبه به، أو أدعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به الكلى «بأن يكون «اسم جنس ««أو علم جنس» ولا تتأتى الاستعارة في «العلم الشخصي» (٥) لعدم إمكان دخول شيء في

стр. 228

الحقيقة الشخصية - لأن نفس تصور الجزئي يمنع من تصور الشركة فيه، إلا إذا أفاد العلم الشخصي وصفاً، به يصح اعتباره كليا، فتجوز استعارته: كتضمن «حاتم» للجود، و «قس» ودخول المشبه في جنس الجواد - والفصيح، وللاستعارة أجمل وقع في الكتابة، لأنهما تجدى الكلام قوة، وتكسوه حسنا ورونقاً، وفيها تثار الأهواء والإحساسات.

стр. 229

المبحث الخامس في تقسيم الاستعارة باعتبار ما يُذكر من الطرفين إذا ذكر في الكلام لفظ المشبه به فقط، فاستعارة تصريحية أو مصرّحة (١) نحو فأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ورداً وعضت على العناب بالبرد فقد استعار: اللؤلؤ، والنرجس، الورد، والعناب، والبرد للدموع، والعيون، والخدود، والأنامل، والأسنان. وإذا ذكر في الكلام لفظ المشبه فقط، وحذف فيه المشبه به، وأشير إليه بذكر لازمه: المسمى «تخييلاً» فاستعارة مكنية (٢) أو بالكناية، كقوله

стр. 230

إذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع فقد شبه المنية، بالسبع، بجامع الاغتيال في كلٍ، واستعار السبع للمنية وحذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو (الأظفار) علىطريق الاستعارة المكنية الأصلية، وقر ينتها لفظة «أظفار» ثم أخذ الوهم: في تصوير المنية بصورة السبع، فاخترع لها مثل صورة الأظفار، ثم أطلق على الصورة التي هي مثل صورة الأظفار، لفظ (الإظفار) فتكون لفظة (أظفار) استعارة (تخييلية) لأن المستعار له لفظ أظفار صورة وهمية، تشبه صورة الأظفار الحقيقية، وقرينتها اضافتها إلى المنية ونظراً إلى أن (الاستعارة التخييلية) قرينة المكنية، فهي لازمة لا تفارقها، لأنّه لا استعارة بدون قرينة. وإذاً: تكون أنواع الاستعارة ثلاثة: تصريحّية، ومكنّية، وتخييليةّ

стр. 231

المبحث السادس في الاستعارة باعتبار الطرفين (١) إن كان المستعار له محققاً حساً «بأن يكون اللفظ قد نقل إلى أمر معلوم، يمكن أن

стр. 232

يشار إليه إشارة حسية» كقولك: رأيت بحرا يعطى أو كان المستعار له محققاً عقلا «بأن يمكن أن ينص عليه، ويشار إليه إشارة عقلية» كقوله تعالى (إهدنا الصراط المستقيم) أي (الدين الحق) (فالاستعارة تحقيقة) وان لم يكن المستعار له محققاً، لا حساً ولا عقلاً «فالاستعارة تخييلية» وذلك: كالأظفار، في نحو: أنشبت المنية أظفارها بفلان.

стр. 233

المبحث السابع في الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار (١) إذا كان اللفظ المستعار «اسما جامداً لذاتٍ» كالبدر: إذا استعير للجميل «أو اسماً جامداً لمعنى» كالقتل: إذا استعير للضرب الشديد، سميت الاستعارة «أصلية في كل من التصريحيةوالمكنية» كقوله عالى (كتاب انزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) (١) وكقوله تعالى (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) (٢) وسميت أصلية: لعدم بنائها على تشبيه تابع لتشبيه آخر معتبر أولاً كقول البحتري: يودون التحية من بعيد إلى قمر من الإيوان باد (٢) وإذا كان اللفظ المُستعار «فعلاً» (٣) أو اسم فعلٍ، أو اسما سنقا أو اسما مبهماً أو حرفا فالاستعارة «تصريحية تبعية» نحو: نامت همومي عنّي، ونحو: صهٍ: الموضوع للسكوت عن الكلام، والمستعمل مجازاً في ترك الفعل، ونحو: الجندي قاتل اللص، بمعنى ضاربه ضرباً شديداً، ونحو: هذا: الموضوعة للاشارة الحسية، والمستعملة مجازاً في الاشارة العقلية نحو: هذا رأى حسن، ونحو: قوله تعالى (ولأصلبنكم في جذوع النخل) ونحو: قوله تعالى (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنا)

стр. 234

(٣) وإذا كان اللفظُ المستعار اسماً مشتقاً، أو اسماً مبهماً، «دون باقي أنواع التبعية المتقدمة» فالاستعارة «تبعية مكنية»

стр. 235

وسميت (تبعية) لأن جريانها في المشتقات، والحروف، تابعٌ لجريانها أولاً: في الجوامد، وفي كليات معاني الحروف، يعني: أنها سميت تبعية لتبعيتها لاستعارة أخرى، لأنها في المشتقات تابعة للمصادر، ولأنها في معاني الحروف تابعة لمتعلّق معانيها، إذ معاني الحروف جزئية، لا تتصور الاستعارة فيها إلا بواسطة كلي مستقل بالمفهومية ليتأتى كونها مشبهاً، ومشبها بها، أو محكوماً عليها، أو بها. نحو: ركب فلان كتفي غريمه (١) أي: لازمه ملازمة شديدة وكقوله تعالى (اولئك على هدى من ربهم) أي تمكنوا من الحصول

стр. 236

على الهداية التّامة (١) . ونحو: (أذقته لباس الموت) (٢) أي ألبسته إياه. تنبيهات عشرة التنبيه الأول - كل تبعية قرينتها مكنية التنبيه الثاني - إذا أجريت الاستعارة في واحدة من الاستعارة التصريحية، أو من الاستعارة المكنية، امتنع اجراؤها في الأخرى. التنبيه الثالث - تقسيم الاستعارة إلى (أصلية وتبعية) عام في كل من الاستعارة التصريحية والمكنية. التنبيه الرابع - تبين أن الاستعارة هي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي (٣) أو هي: (مجاز لغوي) علاقته المشابهة، كقول زهير: لدى أسدٍ شاكي السلاح مُقذَف له لبدٌ أظفارُه لم تُقلَّم فقد استعار الأسد: للرجل الشجاع، لتشابههما في الجراءة والمستعار له هنا: لفظ رجل (محقق حساً) ، وكقوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم) ، فقد استعار الصراط المستقيم للدين الحق، لتشابههما في أن كلا يوصل إلى المطلوب، والدين الحق (محقق عقلا) لأنه أئر معنوي، له ثبوت ٌ في ذاته وكقوله تعالى (كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) أي: من الضلال إلى الهدى، فقد استعير لفظ الظلمات للضلال، لتشابههما في عدم اهتداء صاحبيهما، ثم استعير لفظ الظلمات للضلال، وكذلك استعير لفظ النور للإيمان، لتشابههما في الهداية، والمستعار له وهو الضلال والإيمان، كل منهما (محقق عقلا) وتسمى هذه الاستعارات (تصريحية) وتسمى أيضاً (تحقيقية) - وأما قول أبي ذؤيب الهذلى وإذا المنَّية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع فشبه المنية، بالسبع، في اغتيال النفوس قهراً، من غير تفرقة بين نفّاع وضرَّار، ولم يذكر لفظ المشبه به بل ذكر بعض لوازمه وهو أظفارها التي لا يكمل الاغتيال في السبع إلا بها، تنبيهاً على المشبه به المحذوف فهو استعارة (مكنية) - وكقوله: ولئن نطقت بشكر برّك مفصحاً فلسان حالي بالشكاية أنطقُ فشبه الحال، بانسان ناطق في الدلالة على المقصود، ولم يصرح بلفظ المشبه به، بل ذكر لازمه، وهو (اللسان) الذي لا تقوم الدلالة الكلامية إلا به، تنبيهاً به عليه - فهو أيضاً استعارة (مكنية) ، وقد أثبت للمشبه لازم من لوازم المشبه به، لا يكون إلا به كماله أو قوامه في وجه الشبه، (كالأظفار) التي لا يكمل الافتراس إلا بها كما في المثال الأول، (واللسان) الذي لا تقوم الدلالة الكلامية في الانسان إلا به، كما في المثال الثاني، وليس (للمنية) شيء كالأظفار نقل إليه هذا اللفظ، ولا (للحال) شيء (كاللسان) نقل إليه لفظ اللسان، وما كان هذا حاله يعتبر طبعاً (تخييلا أو استعارة تخييلية) . التنبيه الخامس - تقدم أن الاستعارة التصريحية، أو المصّرحة: هي ما صُرّح فيها بلفظ المشبه به. وأنّ المكنية، هي ما حذف فيها لفظ المشبه به، استغناء ببعض لوازمه، التي بها كمالهُ، أو قوامه في وجه الشبه (٤) وأنّ إثبات ذلك الّلازم تخييل - أو استعارة تخييلية. غير أنهم اختلفوا في تعريف كل من المكنية والتّخييلية، فمذهب السّلف: أن المكنية: اسم المشبه به، المستعار في النفس للمشبه، وأنّ إثبات لازم المشبه به للمشبه (استعارة تخييلية) (٥) فكلٌّ من (الأظفار) في قوله: «وإذا المنية أنشبت أظفارها» ، (واللّسان) في قوله: «فلسان حالي بالشكاية أنطق» حقيقةٌ، لأنه مستعمل فيما وضع له. ومذهب (الخطيب القزويني) أنّ المكنية هي التشبيه المضمر في النفس، المرموز إليه باثبات لازم المشبه به للمشبه، وهذا الاثبات هو الاستعارة (التخييلية) (٦) ومذهب (السكاكي) أن المكنية لفظ المشبه، مراداً به المشبه به (٧) ، فالمراد (بالمنية) في قوله: «وإذا المنية ُ انشبت أظفارها» هو السبع بادعاء السبعية لها، وإنكار أن تكون شيئاً غير السبع، بقرينة إضافة الأظفار التي هي من خواص السبع إليها، و (التخييلية) عنده ما لا تحقق لمعناه (لا حسّا ولا عقلا) بل هو صورة وهمية محضه: كالأظفار في ذلك المثال فانه لما شبه المنية، بالسبع في الاغتيال، أخذ الوهم يصورها بصورته، ويخترع لها لوازمه، فاخترع لها صورة كصورة الأظفار، ثم أطلق عليها لفظ الأظفار فيكون لفظ الأظفار استعارة (تصريحية تخييلية) أمّا أنها تصريحية: فلأنه صُرّح فيها بلفظ المشبه به، وهو اللازم الذي أطلق على صورة وهمية شبيهة بصورة الأظفار المحققة، وأما أنها (تخييلية) فلأن المستعار له غير محقق (لا حساً ولا عقلا) والقرينة على نقل الأظفار من معناها الحقيقي إلى المعنى المتخيل، إضافتها إلى المنية (٨) هذا - ومذهب السكاكي في المكنية مردود عليه، بأن لفظ المشبه فيها مستعمل فيما وضع له تحقيقاً، للقطع بأن المراد بالمنية (الموت) لا غير: فليس مستعاراً. التنبيه السادس - الاستعارة صفة للفظ على المشهور، والحق أن المعنى يعارُ أولا، ثم يكون اللفظ دليلا على الاستعارة: وذلك. (١) لأنه إذا لم يكن نقل الاسم تابعاً لنقل المعنى تقديراً لم يكن ذلك استعارة، مثل (الأعلام المنقولة) فأنت إذا سميت إنساناً بأسد، أو نمر أو كلب، لا يقال إن هذه الأسماء مستعارة، لأن نقلها لم يتبع نقل معانيها تقديراً. (٢) ولان البُلغاء: جزمُوا بأن (الاستعارة، أبلغ من الحقيقة) فان لم يكن نقل الاسم تابعاً لنقل المعنى، لم يكن فيه مبالغة، إذ لا مبالغة في إطلاقب الاسم المجرد عن معناه. التنبيه السابع - ظهر أن الاستعارة باعتبار اللفظ نوعان (أصلية وتبعية) فالأصلية: ما كان فيها المستعار اسم جنس غير مشتق، سواء أكان اسم ذات، كأسد للرجل الشجاع، أم اسم معنى، كقتل للإذلال، وسا أكان اسم جنس (حقيقة) كأسد وقتل، أم (تأويلا) كما في الأعلام المشهورة بنوع من الوصف، كحاتم في قولك: رأيت اليوم حاتماً، تريد رجلا كامل الجود، فاعتبر لفظ (حاتم) في قوة الموضوع لمفهوم كلي، حتى كاد يغلب استعماله في كل من له وصف حاتم، فكما أن أسداً يتناول الحيوان المفترس والرجل الشجاع ادّعاء، كذلك حاتم يتناول الطائي وغيره ادعاء، ويكون استعماله في (الطائي) حقيقة، وفي غيره مجازاً، لأن الاستعارة مبنية على ادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، فلابدّ أن يكون المشبه به كلياً ذا أفرادٍ، والمراد (باسم الجنس) غير المشتق (ما صلح لأن يصدق على كثيرين، من غير اعتبار وصف من الأوصاف في الدلالة) . وليس العلم الشخصي واسم الاشارة والضمير والموصول من الكليات، فلا يصح أن تجري فيها الاستعارة الأصلية، أمّا المشتق فالصفة جزء من مدلوله وضعاً، لأنه موضوع لذات متصفة بصفة، (فكريم) موضوع لذات متصفة بالكرم، (وقتيل) موضوع لذات متصفة بوقوع القتل عليها. وقد اعتبرت (الأعلام) التي تتضمن معنى الوصف اسم جنس تأويلاً ولم تعتبر من قبيل المشتق، لأن الوصف ليس جزءا من معناها وضعاً، بل هو لازم لهن غير داخل في مفهومه، فحاتم: لم يوضع للدلالة على الجود ولا على ذات متصفة به، ولكن الجود عرض له ولزمه فيما بعد. التنبيه الثامن - التبعية (٩) ما كان فيها المستعار مشتقا، ويدخل في هذا: الفعل، والاسم المشتقّ، والحرف. فاستعارة الفعل (١٠) نحو: قوله تعالى «إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية» ونحو: قوله تعالى (وقطعناهم في الأرض أمما) ونحو: قوله تعالى «فبشِّرهم بعذاب أليم» (١) يقال: شبه زيادة الماء زيادة مفسدة، بالطغيان - بجامع مجاوزة الحد في كلّ، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه: على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، ثم اشتق من الطغيان بمعنى الزيادة، طغى بمعنى زاد، وعلا، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. هذا: وقد يستعمل لفظ الماضي موضع المضارع، بناء على تشبيه المستقبل المحقق، بالماضي الواقع، بجامع تحقق الوقوع في كل، ونحو: قوله تعالى (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا) وقد يعبر بالمضارع عن الماضي، بناء على تشبيه غير الحاضر بالحاضر، في استحضار صورته الماضية، لنوع غرابة فيها، نحو: قوله تعالى «إني أرى في المنام أني أذبحك» . التنبيه التاسع - استعارة المشتق: إمّا صفة (١١) ، وإما اسم زمان، أو مكان أو آلة فالصفة نحو: حكم على قاتلك بالسِّجن، من القتل بمعنى الضّرب الشديد، مجازاً، ونحو: أصادق الأصم عن الخنى، واجاور الأعمى عن العورات، ونحو: فلسان حالي بالشكاية أنطق: أي أدلّ، ونحو: قوله تعالى (من بعثنا من مرقدنا) ونحو: جئت بمقتالِك (١٢) أي بالآلة التي أضربك بها ضربا شديداً. التنبيه العاشر - مدار قرينة التبعية في الفعل والمشتق على ما يأتي: (١) على الفاعل - نحو: إنا لما طغى الماء، ونطقت الحال بكذا (١٣) (٢) أو على نائبه - نحو: ضربت عليهم الذلة والمسكنة (١٤) (٣) أو على المفعول به - نحو: جُمِعَ الحقّ لنا في إمامٍ قتل البخل وأحيا السّماحاً (١٥) (٤) أو على المفعول به الثاني، نحو: صبحنا الخزرجية مرهفات أباد ذوى أرومتها ذووها (١٦) (٥) أو على الفاعل والمفعولين، كقول الشاعر: تقرى الرّياح رياض الحزن مزهرة إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا (١٧) (٦) أو على المفعولين، كقوله تعالى (وقطعناهم في الأرض أمما) (٧) أو على المجرور، نحو: «فبشرهم بعذاب أليم (١٨) » ونحو: «فاصدع بما تؤمر» ونحو: «بل نقذف بالحق» هذا - وقد تكون قرينة التبعية غير ذلك، نحو: «قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا (١٩) » إذ القرينة في هذه الآية، كونه من كلام الموتى، مع قوله: «هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون» . التنبيه العاشر - استعارة الحرف (٢٠) نحو: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) فقد شبه مطلق ترتب علة واقعية على فعل، (٢١) بمطلق ترتب علة غائية على فعل (٢٢) ، بجامع مطلق الترتب في كل (٢٣) ، فسرى التشببيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعمل في جزئي المشبه (٢٤) (اللام) الموضوعة لجزئي المشبه به (٢٥) على سبيل الاستعارة التبعية، ونحو: قوله تعالى (ولأصلبنكم في جذوع النخل (٢٦)) ، ونحو: قوله تعالى (أولئك على هدى من ربهم) (٢٧) ، ونحو: (زيد في نعمة (٢٨)) .. ومن هذه الأمثلة السابقة: تتبين أنه لا يشترط أن يكون للمشبه حرف موضوع له يدل عليه. واختار (السّكاكيّ) تقليلا لأقسام الاستعارة: أن يستغنى عن التبعية في الفعل، والمشتق، والحرف، بأن يجعل قرينة التبعية، استعارة مكنية، وأن يجعل التبعية، قرينة للمكنية، ففي قوله تعالى: (إنّا لمّا طغى الماء حملناكم في الجارية) يجعل القوم الطغيان مستعاراً للكثرة المفسدة. ويقول (السكاكي) في لفظ (الماء) استعارة مكنية ونسبة الطغيان إليه قرينة.

стр. 237

المبحث الثامن في تقسيم الاستعارة المصرّحة باعتبار الطرفين إلى عنادية ووفاقية ، فالعنادية - هي التي لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد، لتنافيهما كاجتماع النور والظلام. والوفاقية - هي التي يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد، لعدم التنافي - كاجتماع النور والهدى. ومثالهما قوله تعالى (أو من كان ميتاً فأحييناه) أي ضالاً فهديناه ففي هذه الآية استعارتان. الأولى - في قوله «ميتاً» شبه الضلال، بالموت، بجامع ترتب نفى الانتفاع في كل، واستعير الموت للضلال، واشتق من الموت بمعنى الضلال، ميتاً بمعنى ضالاً، وهي عنادية، لأنه لا يمكن اجتماع الموت والضلال في شيء واحد. والثانية - استعارة الإحياء، للهداية، وهي (وفاقية) لامكان اجتماع الإحياء والهداية في الله تعالى، فهو محيٍ وهادٍ. ثم العنادية - قد تكون تمليحية، أي المقصود منها التمليح والظرافة وقد تكون تهكمية - أي المقصود منها التهكم والاستهزاء، بأن يستعمل اللفظ الموضوع لمعنى شريف، على ضدِّه أو نقيضه، نحو رأيت أسداً تريد جباناً، قاصداً التّمليح والظّرافة، أو التهكّم والسّخرية: وهما اللتان نُزّل فيهما التضاد، منزلة التَّناسب، نحو: (فبشِّرهم بعذاب أليم) أي (أنذرهم) فاستعيرت البشارة التي هي الخبر السّار، للإنذار الذي هو ضده بادخال الإنذار في جنس البشارة، على سبيل التهكم والاستهزاء. وكقوله تعالى (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) .

стр. 238

المبحث التاسع في تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع الاستعارة المصرحة باعتبار (الجامع) نوعان (١)

стр. 239

(١) عامية - وهي القريبة المبتذلة التي لاكتها الألسن، فلا تحتاج إلى بحث: ويكون الجامع فيها ظاهراً، نحو: رأيت أسداً يرمى. وكقوله: وأدهم يسمتدّ الليل منه وتطلع بين عينيه الثُّريَّا فقد استعار الثريا، لُغرّة المهر، والجامع بين الطرفين ظاهر، وهو البياض وقد يتصرف في العامية بما يخرجها إلى الغرابة.

стр. 240

(٢) وخاصية - وهي الغريبة التي يكون الجامع فيها غامضاً، لا يُدركه إلا أصحاب المدارك (من الخواص) - كقول كثير يمدح عبد العزيز بن مروان غمرُ الرِّداء إذا تبسم ضاحكاً غلقت لضحكته رقابُ المال غمر الرداء «كثير العطايا والمعروف» استعار الرداء للمعروف لأنه يصون ويستر عرض صاحبه، كستر الرِّداء ما يلقى عليه، واضاف إليه الغمر، وهو القرينة على عدم إرادة معنى الثوب: لأنّ الغمر من صفات المال، لا من صفات الثوب. وهذه الاستعارة: لا يظفر باقتطاف ثمارها إلاّ ذووا الفطر السليمة والخبرة التامة.

стр. 241

المبحث العاشر في تقسيم الاستعارة باعتبار ما يتصل بها من الملائمات، وعدم اتصالها تنقسم الاستعارة: باعتبار ذكر «ملائم المستعار منه» أو باعتبار ذكر ملائم المستعار له» أو باعتبار عدم اقترانها بملا يلائم أحدهما إلى ثلاثة أقسام: مطلقة، ومرشحة، ومجردة. (١) فالمطلقة: هي التي لم تقترن بما يلائم المشبه والمشبه به: نحو (ينقضون عهد الله) أو ذكر فيها ملائمها معاً - كقول زهير لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذّف له لبدٌ أظفاره لم تُقلَّم استعار الأسد: للرجل الشجاع، وقد ذكر ما يناسب المستعار له، في قوله «شاكى السلاح مقذف» وهو التجريد، ثم ذكر ما يناسب المستعار منه، في قوله «له لبد أظفاره لم تقلم» وهو الترشيح، واجتماع التجريد والترشيح يؤدى إلى تعارضهما وسقوطهما، فكأن الاستعارة لم تقترن بشيء - وتكون في رتبة (المطلقة) . «ب» والمرشحة - هي التي قرنت بملائم المستعار منه «أي المشبه به» نحو: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) استعير الشراء للاستبدال والاختيار، ثم فرع عليها ما يلائم المستعار منه (من الربح والتجارة) ، ونحو: من باع دينه بدنياه لم تربح تجارته «وسميت مرشحة: لترشيحها وتقويتها بذكر الملائم» وترشيح الاستعارة التصريحية متفق عليه «جـ» والمجردة - هي التي قرنت بملائم المستعار له «أي المشبه» نحو: اشتر بالمعروف عرضك من الأذى. «وسميت بذلك: لتجريدها عن بعض المبالغة، لبعد المشبه حينئذ عن المشبه به بعض بعد» وذلك يبعد دعوى الاتحاد الذي هو مبني الاستعارة، ثم اعتبار الترشيح والتجريد: إنما يكون بعد تمام الاستعارة بقرينتها سواء أكانت القرينة مقالية أم حالية - فلا تعد قرينة المصرحة تجريداً ولا قرينةُ المكنيّة ترشيحا - بل الزائد على ما ذكر

стр. 242

واعلم: أن الترشيح أبلغ من غيره، لاشتماله على تحقيق المبالغة بتناسى التشبيه، وادّعاء أن المستعار له هو نفس المستعار منه «لا شيء شبيهٌ به» وكأن الاستعارة غير موجودة أصلا، والإطلاق أبلغ من التجريد فالتجريد أضعف الجميع، لأنّ به تضعف دعوى الاتحاد. وإذا اجتمع ترشيح وتجريد: فتكون الاستعارة في رتبة المطلقة إذ بتعارضها يتساقطان، كما سبق تفصيله، وكما يجري هذا التقسيم في (التّصريحية) يجرى أيضاً في (المكنية) .

стр. 243

المبحث الحادي عشر في المجاز المرسل المركب المجاز المرسل المركب: هو الكلام المستعمل في غير المعنى الذي وضع له، لعلاقة غير المشابهة: مع قرينة مانعة من إرادة معناه الوضعي. ويقع أولا: في المركبات الخبرية المستعملة في الإنشاء وعكسه، لأغراض (١) منها - التّحسر وإظهار التأسف - كما في قول الشاعر ذهب الصِّبا وتولّت الايامُ فعلى الصِّبا وعلى الزمان سلام فانه وإن كان خبراً في أصل وضعهن إلا أنه في هذا المقام مستعمل في إنشاء التَّحسر والتَّحزَّن على ما فات من الشباب، وكما في قول جعفر ابن عُلبة الحارثي: هواي مع الرَّكب اليمانين مصعدٌ جنيبُ وجثماني بمكة مُوثقُ فهو يشير إلى الأسف والحزن الذي ألم به من فراق الأحبة، ويتحسُّر على ما آل إليه أمرهُ، والقرينة على ذلك حال المتكلم، كما يفهم من الشطر الثاني في قوله (هواي - الخ) . (٢) ومنها- إظهار الضعف - كما في قوله رب إني لا أستطيع اصطباراً فاعف عني يا من يقبلُ العثارا (٣) ومنها - إظهارُ السرور، نحو: كُتِبَ اسمي بين الناجحين. (٤) ومنها - الدعاء - نحو: نجَّح الله مقاصدنا - أيها الوطن لك البقاء. وثانيا ً: في المركبات الانشائية: كالأمر، والنهي، والاستفهام التي خرجت عن معانيها الأصلية، واستعملت في معان أخر: كما في قول المصطفى ﵊. «من كذب علي متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار» إذ المرادُ «يتبوّأ مقعده» والعلاقة في هذا (السببية والمسببية) لأن إنشاء المتكلم للعبارة سبب لاخباره بما تتضمنه، فظاهره أمرُ، ومعناه خبر.

стр. 244

المبحث الثاني عشر في المجاز المركب (١) بالاستعارة التمثيلية المجاز المركب بالاستعارة التمثيلية: هو تركيب استعمل في غير ما وضع له، لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة معناه الوضعي، بحيث يكون كل من المشبه والمشبه به هيأة منتزعة من متعدد - وذلك بأن تشبه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين، أو أمور (بأخرى) ثم تدخل المشبه في الصورة المشبه بها مبالغة في التشبيه - ويسمى بالاستعارة التمثيلية (٢) وهي كثيرة الورود في الأمثال السائرة، نحو: الصيف ضيعت اللبن - يضرب لمن فرط في تحصيل أمر في زمن يمكنه الحصول عليه فيه، ثم طلبه في زمن لا يُمكنه الحصول عليه (٣) فيه، ونحو: (إني أراك تقدم رجلاً وتؤخر اخرى) يصرب لمن يتردد

стр. 245

في أمر، فتارة يقدم، وتارة يحجم، ونحو: (أحشفاً وسوء كيلة) يضرب لمن يظلم من وجهين - وأصله أنّ رجلا اشترى تمراً من آخر) فاذا هو ردىءٌ، وناقص الكيل، فقال المشتري ذلك - ومثل ما تقدم جميع الأمثال السائرة (نثراً ونظماً) فمن النثر قولهم: لمن يحتال على حصول أمر خفي، وهو متستر تحت أمرٍ ظاهرٍ «لأمر ما جدع قصير أنفه» وقولهم: «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها وقولهم: لمن يريد أن يعمل عملا وحده وهو عاجز عنه «اليد لا تصفق وحدها» وقولهم: لمجاهد عاد إلى وطنه بعد سفر «عاد السيف إلى قرابه، وحلّ الليث منيع غابه» وقولهم لمن يأتي بالقول الفصل (قطعت جهيزةُ قول كلِّ خطيب) (١) ومن الشعر قول الشاعر: إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر إذا قالت حذام فصدِّقوها فان القول ما قالت حذام متى يبلغ البنيان يوما تمامهُ إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم (٢) وإذا فشت وشاعت الاستعارة التمثيلية (٣) وكثُر استعمالها تكون مثلاً (٤) لا يغير

стр. 246

مطلقا، بحيث يخاطب به المفرد، والمذكر، وفروعهما، بلفظ واحد من غير تغيير ولا تبديل عن مورده الأول، وإن لم يطابق المضروب له. ولذا: كانت هذه الاستعارة محظ أنظار البلغاء، لا يعدلون بها إلى غيرها إلا عند عدم إمكانها، فهي أبلغ أنواع المجاز مفرداً أو مركباً، إذ مبناها تشبيه التمثيل: الذي قد عرفت أن وجه الشبه فيه هيئةٌ منتزعة من أشياء متعددة ومن ثم كانت هي والتشبيه المبنية عليه غرض البلغاء الذين يتسامون إليه، ويتفاوتون في إصابته، حتى كُثرا في القرآن الكريم كثرة كانت إحدى الحجج على إعجازه. والاستعارة ميدان فسيح من ميادين البلاغة، وهي أبلغ من التشبيه لأنها تضع أمام المخاطب بدلاً من المشبه صورة جديدة تملك عليه مشاعره وتذهله عمّا ينطوي تحتها من التشبيه، وعلى مقدار ما في تلك الصورة من الروعة، وسمو الخيال، تكون البلاغة في الاستعارة. وأبلغ أنواع الاستعارة «المُرشّحة» لذكر ما يناسب المستعار منه فيها «بناء على الدعوى بأن المستعار له هو عين المُستعار منه. ثم تليها «المطلقة» لترك ما يُناسب الطرفين فيها، بناء على دعوى التساوى بينهما ثم تليها «المجردة» لذكر ما يناسب المستعار له فيها، بناء على تشبيهه بالمستعار منه. ولابد في الاستعارة، وفي التمثيل على سبيل الاستعارة، من مراعاة جهات حسن التشبيه، كشمول وجه الشبه للطرفين، ومن كون التشبيه وافياً بافادة الغرض، ومن عدم شم رائحة التشبيه لفظاً، ويجب أن يكون وجه الشبه بين الطرفين جليا، لئلا تصير الاستعارة والتمثيل تعمية.

стр. 247

أسئلة على الاستعارة يطلب اجوبتها ما هي الاستعارة؟ ما أركانها؟ كم قسما الاستعارة باعتبار ذكر الطرفين المشبه به والمشبه؟ - ما أصل الاستعارة؟ - ما هي الاستعارة التصريحية كم قسما لاستعارة التصريحية؟ - كم قسما الاستعارة باعتبار ذكر ملائم المستعار له، والمستعار منه؟ - ما هي الاستعارة المرشحة؟ ما هي الاستعارة المجردة؟ ما هي الاستعارة المطلقة؟ - كم قسما للاستعارة باعتبار إمكان اجتماع طرفيها في شيء؟ - ما هي الاستعارة الوفاقية؟ ما هي الاستعارة العنادية؟ - كم قسما الاستعارة باعتبار الجامع؟ - ماهي العامية؟ ما هي الخاصية؟ ما هي التمليحية؟ - ما هي التهكمية؟ ما مثال الحسيين والجامع حسي؟ ما مثال الطرفين الحسيين والجامع عقلي؟ - ما مثال الطرفين العقليين والجامع عقلي؟ ما مثال المستعار منه الحسي والمستعار له العقلي ما مثال المستعار منه العقلي والمستعار له الحسي؟ - ما هي الاستعارة بالكناية عند الجمهور؟ -

стр. 248

ما هي الاستعارة بالكناية عند السكاكي؟ - ما هي الاستعارة بالكناية عند الخطيب؟ - كم قسما للاستعارة بالكناية؟ - ما هي المكنية الأصلية؟ - ما هي المكنية التبعية؟ - ما هي الاستعارة التخييلية عند الجمهور؟ - لم سميت استعارة؟ لم سميت تخييلية؟ - ما هي الاستعارة المكنية المرشحة؟ - ما هي الاستعارة المكنية المجردة؟ ما هي الاستعارة المكنية المطلقة؟ - كم قسما للمكنية باعتبار امكان اجتماع طرفيها في شيء؟ - ما هي العنادية؟ - ما هي الوفاقية؟ - ما هو المجاز المركب؟ - ما هي الاستعارة التمثيلية؟ - ما هو المجاز المركب بالاستعارة؟ - ما هي محسنات الاستمارة. تمرين آخر على كيفية إجراء الاستعارات (١) فسمونا والفجر يضحك في الشر ق الينا مبشراً بالصباح (١) (٢) عضَّنا الدهر بنابه ليت ما حَلَّ بنابه (٢)

стр. 249

(٣) لسنا وان أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتَّكل (١) (٤) دقّاتُ قلب المرء قائلةٌ له إن الحياة دقائقٌ وثوان (٢) (٥) بكت لؤلؤاً رطبا ففاضت مدامعي عقيقاً فصار الكلّ في نحرها عقداً (٣) (٦) إنّ التّباعد لا يضر إذا تقاربت القلوب (٤) (٧) ذم أعرابي رجلا فقال (يقطع نهاره بالمنى ويتوسد ذراع الهمّ إذا أمسى) (٥) (٨) قومٌ إذا الشر ابدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا (٦) (٩) جاء الشتاء واجثألَّ القُبّرُ وطلعت شمسٌ عليها مغفرُ (٧)

стр. 250

(١٠) سأبكيكَ للدنيا وللدين إن أبت يدُ المعروف بعدك شُلّت (١) (١١) وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ (٢) (١٢) سقاه الردى سيفٌ إذا سلَّ أو مضت إليه ثنايا الموتِ من كلّ مرقد (٣) (١٣) (سنفرغ لكم أيها الثقلان) (٤) (١٤) (إنا لنراك في ضلال مبين) (٥) (١٥) فتى كلما فاضت عُيُونُ قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديثُ والذكرُ (٦)
следующие страницы →