← Акыда

Акыда · id 9257

اتباع لا ابتداع - قواعد وأسس في السنة والبدعة

حسام الدين عفانة

Полный текст (270 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الصحابة التلفظ بالنية ولو كان التلفظ مشروعاً لنقل إلينا كما نقلت إلينا أدق أعمال الصلاة وغيرها. قال العلامة ابن القيم: [كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: (الله أكبر) ولم يقل شيئاً قبلها ولا تلفظ بالنية البتة ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مستقبل الكعبة أربع ركعات إماماً أو مأموماً. ولا قال: أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة. بل ولا عن أحد من أصحابه ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة] (١). وقال العلامة القسطلاني: [وبالجملة فلم ينقل أحد أنه ﷺ تلفظ بالنية ولا علم أحداً من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك بل المنقول عنه في السنن أنه قال: [مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم]. وفي الصحيحين أنه ﷺ لما علم المسيء صلاته قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) فلم يأمره بالتلفظ بشيء قبل التكبير] (٢). وقال العلامة القسطلاني أيضاً: [ ... ولقد صلَّى ﷺ أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أن أصلي صلاة كذا وكذا وتركه ﷺ سنة، كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله ... ] (٣). ونقل ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: [ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه واحدة منها فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت أداء لله تعالى إماماً أو مأموماً

стр. 107

أربع ركعات مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويثني جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ولو مكث أحدهم عمر نوح ﵇ يفتش هل فعل رسول الله ﷺ أو أحد من أصحابه شيئاً من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خيرٌ لسبقونا إليه ولدلونا عليه فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال] (١). كما أنه ثبت أن الرسول ﷺ لم يكن يتلفظ بالنية بل كان يبدأ الصلاة بالتكبير كما صح في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين) رواه مسلم (٢). وثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال للمسيء صلاته عندما قال له: (علمني يا رسول الله، قال له: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ... ) رواه البخاري ومسلم (٣). وقال العلامة ملا علي القاري: [وقد ثبت أنه ﵊ قام إلى الصلاة فكبر فلو نطق بشيء آخر لنقلوه. وورد في حديث المسيء صلاته أنه قال له: (إذا

стр. 108

قمت إلى الصلاة فكبر) فدل على عدم وجود التلفظ] (١). ثالثاً: لم يقل أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من العلماء الكبار بالتلفظ بالنية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشرع إذا فعل ذلك معتقداً أنه من الشرع فهو جاهل ضال ... ] (٢). وقال شيخ الإسلام أيضاً: [إن التلفظ بالنية لا يجب عند أحد من الأئمة] (٣). وقال الشيخ ابن أبي العز الحنفي: [فإنه لم يقل أحد من الأئمة الأربعة لا الشافعي ولا غيره باشتراط التلفظ بالنية وإنما النية محلها القلب باتفاقهم ... ] (٤). وقال القاضي جمال الدين أبو الربيع سليمان بن عمر الشافعي: [وأما الجهر بها وبالقراءة خلف الإمام ليس من السنة بل مكروه. فإن حصل به تشويش على المصلين فحرام، ومن قال بأن الجهر بلفظ النية من السنة فهو مخطىء ولا يحل له ولا لغيره أن يقول في دين الله تعالى بغير علم. ومنهم أبو عبد الله محمد بن القاسم التونسي المالكي، قال: النية من أعمال القلوب فالجهر بها بدعة مع ما في ذلك من التشويش على الناس. ومنهم الشيخ علاء الدين بن العطار عفا الله عنه قال: ورفع الصوت بالنية مع التشويش على المصلين حرام إجماعاً ومع عدمه بدعة قبيحة فإن قصد به الرياء كان حراماً من وجهين كبيرة من الكبائر والمنكر على من قال بأن ذلك من السنة مصيب ومصوبه مخطئ. ونسبته إلى دين الله اعتقاداً كفر وغير اعتقاد معصية.

стр. 109

ويجب على كل مؤمن تمكّن من زجره زجره ومنعه وردعه ولم ينقل هذا النقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ولا عن أحد ممن يقتدى به من علماء الإسلام. ومنهم الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن الحريري الأنصاري، قال في هذه المسألة: ما كان النبي ﷺ ولا أصحابه ﵃ ولا أحد من الأئمة الأربعة ولا علماء المسلمين يفعل مثل ذلك ... فإن زعم الفاعل لذلك أن هذا هو دين الله تعالى فقد كذب على الله تعالى وعلى رسول الله ﷺ وأدخل في دين الله ما ليس منه يستتاب بعد التعريف وتزاح عنه الشبهة التي عرضت له فإن تاب وإلا قتل بذلك] (١). رابعاً: نسب بعض الشافعية وهو أبو عبد الله الزبيري للإمام الشافعي أنه يوجب التلفظ بالنية تعلقاً بأن الشافعي قال في كتاب " المناسك " ولا يلزمه إذا أحرم بقلبه أن يذكره بلسانه وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق، فتأول ذلك على وجوب النطق بالنية. قال الماوردي: [وهذا فاسد وإنما أراد - الشافعي - وجوب النطق بالتكبير ثم مما يوضح فساد هذا القول حجاجاً: أن النية من أعمال القلب فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح كما أن القراءة لما كانت من أعمال اللسان لم تفتقر إلى غيره من الجوارح] (٢).

стр. 110

وقال الإمام النووي مخطئاً كلام الزبيري: [قال أصحابنا غلط هذا القائل وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا بل مراده التكبير] (١). خامساً: قول من قال باستحباب التلفظ بالنية ليساعد اللسان القلب (٢)، لا دليل عليه من الشرع ولم يقل بالاستحباب أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة السابقين بل المنصوص عن الإمامين مالك وأحمد أنه لا يستحب التلفظ بالنية كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). وقد سأل أبو داود - في مسائل أحمد - الإمام أحمد فقال: [يقول المصلي قبل التكبير شيئاً؟ قال: لا] (٤). ويجاب على قولهم باستحباب التلفظ بالنية بوجوه: الأول: إن الاستحباب حكم شرعي لا يكون إلا بدليل، ولا دليل. قال الإمام الأذرعي: [ولا دليل للندب] (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولو كان مستحباً لفعله النبي ﷺ ولعظمه المسلمون] (٦). وقال شيخ الإسلام أيضاً: [وكل ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التي لم يشرعها رسول الله ﷺ فهي بدعة بل كان ﷺ يداوم في العبادات على تركها،

стр. 111

ففعلها والمداومة عليها بدعة وضلالة من وجهين: من حيث اعتقاد المعتقد أن ذلك مشروع مستحب أي يكون فعله خير من تركه مع أن النبي ﷺ لم يكن يفعله البتة فيبقى حقيقة هذا القول إنما فعلناه أكمل وأفضل مما فعله رسول الله ﷺ . وقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإحرام قبل الميقات فقال: أخاف عليك الفتنة. فقال له السائل: أي فتنة في ذلك؟ وإنما زيادة أميال في طاعة الله . قال: وأي فتنة أعظم من أن تظن في نفسك أنك خصصت بفضل لم يفعله رسول الله ﷺ . وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: (من رغب عن سنتي فليس مني) فأي من ظن أن سنة أفضل من سنتي فرغب عما سنيته معتقداً أنما رغب فيه أفضل مما رغب عنه فليس مني، لأن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد ﷺ ) كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يخطب بذلك يوم الجمعة. فمن قال: إن هدي غير محمد ﷺ أفضل من هدي محمد فهو مفتون بل ضال، قال الله تعالى - إجلالاً له وتثبيت حجته على الناس كافة -: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: وجيع. وهو ﷺ قد أمر المسلمين باتباعه، وأن يعتقدوا وجوب ما أوجبه واستحباب ما أحبه وأنه لا أفضل من ذلك فمن لم يعتقد هذا فقد عصى أمره، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (هلك المتنطعون - قالها ثلاثاً -) أي المشددون في غير موضع التشديد، وقال أبي بن كعب وابن مسعود: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة] (١).

стр. 112

الوجه الثاني: ثبت أنه ﵊ لم يتلفظ بالنية كما سبق وقد ذكرت أدلة ذلك تحت قولي ثانياً. الوجه الثالث: إن المتلفظ بالنية يفعل ويداوم على فعل لم يفعله الرسول ﷺ ولم يداوم عليه وهذا بدعة واضحة عند أهل العلم. الوجه الرابع: لا مدخل للتلفظ بالنية في حصولها في القلب والتلفظ بها عبث والقصد أمر ضروري لفعل الفاعل: لقد ظن القائلون بالاستحباب أن للتلفظ مدخلاً في تحصيل النية بأن يؤكد عزيمة القلب وهذا خطأ فإن القائل - إذا قال نويت صلاة الظهر أو نويت رفع الحدث - إما أن يكون مخبراً أو منشئاً فإن كان مخبراً فإما أن يكون إخباره لنفسه أو لغيره وكل ذلك عبث لا فائدة فيه، لأن الإخبار إنما يفيد إذا تضمن تعريف المخبر ما لم يكن عارفاً وهذا محال في إخباره لنفسه، وإن كان إخباراً لغيره بالنية فهو عبث محض وهو غير مشروع ولا مفيد وهو بمثابة إخباره بسائر أفعاله من صومه وصلاته وحجه وزكاته بل بمنزلة إخباره له عن إيمانه وحبه وبغضه بل قد يكون في هذه الأخبار فائدة وأما إخبار المأمومين أو الإمام بالنية فعبث محض. ولا يصح أن يكون ذلك إنشاءً فإن اللفظ لا ينشئ وجود النية وإنما إنشاؤها إحضار حقيقتها في القلب لا إنشاء اللفظ الدال عليها. والذي يوجد حقيقتها في القلب العلم الذي يتقدمها ويسبقها فالنية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله لا بد أن ينويه ضرورة كمن قدم بين يديه طعام ليأكله فإذا علم أنه يريد الأكل فلا بد أن ينويه وكذلك الركوب وغيره. ولو كلف العباد أن يعملوا بغير نية كلفوا ما لا يطيقون فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملاً مشروعاً أو غير مشروع فعلمه سابق إلى قلبه وذلك هو النية وإذا علم الإنسان أنه يريد صلاة أو صوماً أو طهارة فلا بد أن ينويه - إذا علمه - ضرورة وإنما يتصور عدم

стр. 113

النية إذا لم يعلم ما يريد مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد أو من يريد أن يعلّم غيره الوضوء ولم يرد أن يتوضأ لنفسه أو من لا يعلم أن غداً من رمضان فيصبح ناوياً للصوم وأما الذي يعلم أن غداً من رمضان وهو يريد الصوم فهذا لا بد أن ينويه ضرورة ولا يحتاج أن يتكلم به (١). الوجه الخامس: إن القول بوجوب التلفظ أو استحبابه له آثار سيئة فقد أوقع كثيراً من الناس في الوسوسة في الصلاة وغيرها. قال ابن الجوزي: [واعلم أن الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل العقل وجهل بالشرع، ومعلوم أن من دخل عليه عالم فقام له وقال: نويت أن أنتصب قائماً تعظيماً لدخول هذا العالم لأجل علمه مقبلاً عليه بوجهي، سفه في عقله فإن هذا قد تصور في ذهنه منذ رأى العالم، فقيام الإنسان إلى الصلاة ليؤدي الفرض أمر يتصور في النفس في حالة واحدة لا يطول زمانه وإنما يطول زمان نظم هذه الألفاظ والألفاظ لا تلزم والوسواس جهل محض، وإن الموسوس يكلف نفسه أن يحضر في قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها وهو يطالعها وذلك محال، ولو كلف نفسه ذلك في القيام للعالم لتعذر عليه فمن عرف هذا عرف النية] (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [بل التلفظ بالنية نقص في العقل والدين، أما في الدين فلأنه بدعة وأما في العقل فلأنه بمنزلة من يريد يأكل طعاماً فيقول: نويت بوضع يدي في هذا الإناء أني أريد آخذ منه لقمة فأضعها في فمي فأمضغها ثم ابلعها لأشبع. مثل القائل الذي يقول: نويت أصلي فريضة هذه الصلاة المفروضة علي حاضر الوقت أربع ركعات في جماعة أداء لله تعالى، فهذا كله حمق وجهل وذلك أن

стр. 114

النية بليغ العلم، فمتى علم العبد ما يفعله كان قد نواه ضرورة، فلا يتصور مع وجود العلم بالعقل أن يفعل بلا نية ولا يمكن مع عدم العلم أن تحصل نية. وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع بل من اعتاد ذلك فإنه ينبغي له أن يؤدب تأديباً يمنعه عن ذلك التعبد بالبدع وإذاء الناس برفع صوته لأنه قد جاء الحديث: (أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهرن بعضكم على بعض بالقراءة) فكيف حال من يشوش على الناس بكلامه بغير قراءة؟ بل يقول: نويت أصلي، أصلي فريضة كذا وكذا، في وقت كذا وكذا من الأفعال التي لم يشرعها رسول الله ﷺ ] (١). وقال ابن الحاج: [وما تقدم من أن النية لا يجهر بها فهو عام في الإمام والمأموم والفذ فالجهر بها بدعة على كل حال إذ أنه لم يرو أن النبي ﷺ ولا الخلفاء ولا الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين جهروا بها فلم يبق إلا أن يكون الجهر بها بدعة] (٢). وهذا الحكم وهو عدم جواز التلفظ بالنية وأنه بدعة يعم جميع العبادات من الطهارة والصلاة والصيام والاعتكاف والحج وغيرها.

стр. 115

المسألة الثانية: طلب الإمام من المأمومين أن يستحضروا النية: اعتاد كثير من أئمة المساجد بعد إقامة الصلاة وقبل أن يكبروا تكبيرة الإحرام أن يقولوا للمصلين استحضروا النية. وهذا الأمر باستحضار النية بدعة مخالفة لهدي الرسول ﷺ وما فعله ﷺ ولا أحد من أصحابه. والنية تكون في قلب الإنسان حاضرة ولا تحتاج إلى استحضار فهي حاصلة في قلبه وتحصيل الحاصل محال. فالمصلون حينما تقام الصلاة ويقفون في الصفوف ويسمعون الإمام يأمر بتسوية الصفوف لا شك أن نياتهم حاصلة في قلوبهم فهم يوقنون أنهم سيصلون تلك الصلاة التي أقيمت فمن العبث أن يقال لهم استحضروا النية كما أنه من العبث أن يقال لمن وضع الطعام أمامه ليأكل قيل له استحضر نية الأكل فهذه النية موجودة في القلب ويستقبح القول باستحضارها لأنها حاضرة. ويضاف إلى ذلك أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر الصحابة باستحضار النية وكان ﷺ يؤمهم في كل يوم خمس مرات وصلى بهم إماماً آلاف الصلوات فلو وقع ذلك منه ﷺ لنقله لنا الصحابة كما نقلوا لنا دقائق الأمور في صفة صلاته وغيرها من الأعمال والثابت أن الرسول ﷺ كان يأمر بتسوية الصفوف ثم يكبر تكبيرة الإحرام وقد ورد في ذلك عدة أحاديث منها: ١. عن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول، تراصوا واعتدلوا) رواه البخاري ومسلم (١).

стр. 116

٢. عن النعمان بن بشير قال: (كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف فقال: عباد الله لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله وجوهكم) رواه مسلم (١). ٣. وفي رواية أخرى عن النعمان قال: (كان رسول الله ﷺ يسوي يعني صفوفنا إذا قمنا للصلاة فإذا استوينا كبر) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني صحيح (٢). ومثل ذلك ورد عن الصحابة ﵃ فقد روى مالك بإسناده عن نافع أن عمر ابن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف فإذا جاءوه فأخبروه أن قد استوت كبر. وروى مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه انه قال: [كنت مع عثمان ابن عفان فقامت الصلاة وأنا أكلمه في أن يفرض لي فلم أزل أكلمه وهو يسوي الحصباء بنعليه حتى جاءه رجال قد كان وكلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن الصفوف قد استوت، فقال لي: استو في الصف ثم كبر] (٣). فهذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ والآثار عن الصحابة ﵃ في صفة ما كانوا يفعلون قبل تكبيرة الإحرام من تسوية الصفوف والأمر بها ثم تكبيرة الإحرام ولم ينقل أنهم كانوا يقولون للمصلين استحضروا النية. وهذا واضح الدلالة لكل منصف أن هذا القول بدعة ينبغي تركها.

стр. 117

المبحث الثالث ختم الصلاة الجماعي اعتاد كثير من أئمة المساجد والمصلين بعد التسليم من صلاة الجماعة أن يستقبل إمام المسجد المصلين ثم يبدؤون بقراءة الأذكار المأثورة وغير المأثورة على هيئة الاجتماع ورفع الصوت. فيسبحون ويحمدون ويكبرون ثم يقرؤون بعض السور بشكل جماعي ثم يدعو إمام المسجد وهم يؤمنون على دعائه ثم يختمون ذلك بقراءة الفاتحة لأرواح أموات المسلمين. وهذه الهيئة المسماة ختم الصلاة بدعة غير مشروعة ومخالفة لما كان عليه الهدي النبوي كما سأبينه بعد قليل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [أما دعاء الإمام والمأمومين جميعاً عقيب الصلاة فهو بدعة لم يكن على عهد النبي ﷺ ] (١). وقال الشيخ علي محفوظ: [ومن البدع المكروهة ختم الصلاة على الهيئة المعروفة من رفع الصوت به وفي المسجد والاجتماع له والمواظبة عليه حتى اعتقد العامة أنه من تمام الصلاة وأنه سنة لا بد منها مع أنه مستحب انفراداً سراً فهذه الهيئة محدثة لم تعهد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا عن الصحابة وقد اتخذها الناس شعاراً للصلوات المفروضة عقب الجماعة وقد صرح كثير من الفقهاء بأن إحداث الشعار في الدين مكروه ولذا قال الإمام ابن الصلاح بكراهة ما يفعله الناس بعد فراغهم من السعي بين الصفا والمروة من صلاة ركعتين على متسع المروة وكيف يجوز رفع الصوت

стр. 118

به والله تعالى يقول في كتابه الحكيم: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) والتضرع من الضراعة وهي الذلة والخشوع والاستكانة والخفية بضم الخاء وكسرها الإسرار به فإنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء وانتصابهما على الحال أي ادعوه متضرعين بالدعاء مخفين له مسرين به ثم علل ذلك بقوله: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) في الدعاء بترك ما أمروا به من التضرع والإخفاء كما لا يحب الاعتداء في سائر الأشياء والاعتداء تجاوز الحدود فيها فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد اعتدى والله لا يحب المعتدين ولا يشملهم برحمته وإحسانه وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولاً أولياً وحسبك في تعيين الإسرار بالدعاء اقترانه بالتضرع في هذه الآية الكريمة فالإخلال به كالإخلال بالتضرع في الدعاء وإن دعاءً لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا إسرار ولا وقار] (١). وقال العلامة ابن القيم: [وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه ﷺ ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن] (٢). وختم الصلاة بهذه الطريقة غير معروف عن الرسول ﷺ بل كان هديه ﷺ بعد الصلاة كما يلي: قال الإمام النووي: [وروينا في صحيح مسلم عن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

стр. 119

قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقول أستغفر الله أستغفر الله. وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة وسلَّم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وروينا في صحيح مسلم عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلّم: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. قال ابن الزبير: وكان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة] (١). وقال العلامة ابن القيم: [فصل: فيما كان رسول الله ﷺ يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة الانتقال منها وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها. كان إذا سلّم استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك بل يسرع الانتقال إلى المأمومين. وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره وقال ابن مسعود: رأيت رسول الله ﷺ كثيراً ينصرف عن يساره.

стр. 120

وقال أنس: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه والأول في الصحيحين والثاني في مسلم. وقال عبد الله بن عمرو: رأيت رسول الله ﷺ ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة. ثم كان يقبل على المأمومين بوجهه ولا يخص ناحيةً منهم دون ناحية وكان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس] (١). ثم ذكر نحو كلام النووي السابق ثم قال: [وندب أمته إلى أن يقولوا في دبر كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين والحمد لله كذلك والله أكبر كذلك. وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وفي صفة أخرى: التكبير أربعاً وثلاثين فيتم به المائة. وفي صفة أخرى: خمساً وعشرين تسبيحة ومثلها تحميدة ومثلها تكبيرة ومثلها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وفي صفة أخرى: عشر تسبيحات وعشر تحميدات وعشر تكبيرات] (٢). وقال الشيخ علي محفوظ: [وغير خاف عليك أن ختم الصلاة على الحالة المعلومة من البدع الإضافية التي هي مثار الخلاف بين أنصار السنة والبدعة فإنه مشروع باعتبار، غير مشروع باعتبار آخر، فإنك إذا نظرت إليه من جهة كونه قرآناً وذكراً ودعاءً وجدته مشروعاً وإذا نظرت إليه من ناحية ما عرض له من الهيئة برفع الصوت، واجتماع المستغفرين، وفي المسجد والمواظبة عليه وجدته غير مشروع فما أكثر التباس

стр. 121

الباطل بالحق على كثير من الناس اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه إنك رب التوفيق والهداية يا رحمن] (١).

стр. 122

المبحث الرابع بدعة المصافحة بعد الصلاة وقول المصلي للآخر: تقبل الله منا ومنكم كثيرٌ من المصلين وبمجرد انتهاء الإمام من التسليم يمدون أيديهم لمن هم على أيمانهم وشمائلهم لمصافحتهم قائلين: تقبل الله منَّا ومنكم. وهذه بدعة مخالفة لهدي النبي ﷺ وبيان هذا من وجوه: الأول: إن المصافحة من السنن المتفق عليها عند لقاء المسلم مع أخيه المسلم. فقد روى الإمام البخاري بإسناده عن قتادة قال ﵁: (قلت لأنس ﵁ أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ قال: نعم) (١). وجاء في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يتفرقا) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢). ووردت أحاديث أخرى في المصافحة، ويؤخذ من هذه الأحاديث أن المصافحة سنة عند كل لقاء بين مسلمين. الثاني: إن ما اعتاده الناس من المصافحة بعد الصلوات لا أصل له في الشرع على هذا الوجه بل هو بدعة لأن المصافحة مشروعة عند القدوم واللقاء ويستثنى من هذا من

стр. 123

قدم إلى الصلاة ولم يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة فالمصافحة في حقهما مشروعة حينئذ. وما قاله بعض العلماء من أن المصافحة عقب الصلوات بدعة مباحة فقد أجاب عليه الحافظ ابن حجر بقوله: [قلت: وللنظر فيه مجال فإن أصل صلاة النافلة سنة ومع ذلك فقد كره المحققون تخصيص وقت بها دون وقت، ومنهم من أطلق تحريم مثل ذلك كصلاة الرغائب التي لا أصل لها] (١). وأجاب على ذلك أيضاً العلامة علي القاري فقال: [إن إتيان السنة في بعض الأوقات لا يسمى بدعة مع أن عمل الناس في الوقتين المذكورين ليس على وجه الاستحباب المشروع فإن محل المصافحة المشروعة أول الملاقاة وقد يكون جماعة يتلاقون من غير مصافحة ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم وغيره مدة مديدة ثم إذا صلوا يتصافحون فأين هذا من السنة المشروعة؟ ولهذا صرح بعض علمائنا بأنها مكروهة حينئذ وأنها من البدع المذمومة، نعم لو دخل أحد في المسجد والناس في الصلاة أو على إرادة الشروع فيها فبعد الفراغ لو صافحهم لكن بشرط سبق السلام للمصافحة فهذا من جملة المصافحة المسنونة بلا شبهة] (٢). إذا تقرر هذا فأقول إن المصافحة عقب الصلاة بدعة وليس لها دليل من سنة ولا أثر والالتزام بها هدي لم يدل عليه الشرع فيكون بدعة (٣). وقد نص على بدعتيها كثير من أهل العلم قال العز بن عبد السلام: [المصافحة عقيب الصبح والعصر من البدع إلا لقادم لم يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة فإن المصافحة مشروعة عند القدوم] (٤).

стр. 124

وقال التركماني: [وأما المصافحة في الصلاتين بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح فبدعة من البدع التي استوى طرفاها لا أصل لها في الشرع واختار بعض العلماء تركها لأنها زيادة في الدين] (١). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المصافحة عقيب الصلاة هل هي سنة أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة بل هي بدعة] (٢). ونقل ابن عابدين عن بعض فقهاء الحنفية قوله: [تكره المصافحة بعد أداء الصلاة بكل حال لأن الصحابة ﵃ ما صافحوا بعد أداء الصلاة ولأنها من سنن الروافض] (٣). وقال ابن الحاج: [وينبغي ... أن يمنع ما أحدثوه من المصافحة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وبعد صلاة الجمعة بل زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس وذلك كله من البدع وموضع المصافحة في الشرع إنما هو عند لقاء المسلم لأخيه لا في أدبار الصلوات الخمس وذلك كله من البدع فحيث وضعها الشرع نضعها فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى من خلاف السنة] (٤). وقال اللكنوي: [إنهم قد اتفقوا على أن هذه المصافحة ليس لها أصل في الشرع ثم اختلفوا في الكراهة والإباحة والأمر إذا دار بين الكراهة والإباحة ينبغي الإفتاء بالمنع فيه لأن دفع مضرّة أولى من جلب مصلحة فكيف لا يكون أولى من فعل أمر مباح على أن المصافحين في زماننا يظنونه أمراً حسناً ويشنعون على مانعه تشنيعاً بليغاً ويصرون

стр. 125

عليه إصراراً شديداً وقد مرّ أن الإصرار على المندوب يبلغه إلى حدّ الكراهة فكيف إصرار البدعة التي لا أصل لها في الشرع وعلى هذا فلا شك في الكراهة وهذا هو غرض من أفتى بالكراهة مع أن الكراهة إنما نقلها من نقلها من عبارات المتقدمين والمفتين فلا يوازيها روايات مثل صاحب " جمع البركات " و" السراج المنير " و" مطالب المؤمنين " من تساهل مصنفيها في تحقيق الروايات أمر مشهود وجمعهم كل رطب ويابس معلوم عند الجمهور والعجب من صاحب " خزانة الرواية " حيث قال فيها في عقد اللآلئ، قال ﵇: (صافحوا بعد صلاة الفجر يكتب الله لكم بها عشراً) وقال ﵊: (صافحوا بعد العصر تؤجروا بالرحمة والغفران) ولم يتفطن أن هذين الحديثين وأمثالهما موضوعان وضعهما المصافحون فإن لله وإنا إليه راجعون] (١). الثالث: إن قول المصلي لمن هو على يمينه وشماله عند مصافحته " تقبل الله " بدعة أيضاً [ولم نعلم عن أحد من الصحابة أو السلف الصالح ﵃ أنهم كانوا إذا فرغوا من صلاتهم التفت أحدهم عن يمينه وشماله مصافحاً من حوله مباركاً له بقبول الصلاة ولو فعل ذلك أحد منهم لنقل إلينا ولو بسند ضعيف ولنقله لنا أهل العلم الذين خاضوا في كل بحر فغاصوا في أعماقه واستخرجوا منه أحكامه الكثيرة ولم يفرطوا في سنة قولية أو فعلية أو تقريرية أو صفة] (٢). الرابع: إن هذه المصافحة وقولهم تقبل الله منا ومنكم تقطع على كثير من المصلين تسبيحهم وذكرهم المشروع ولا ينبغي للمسلم أن يقطع تسبيح أخيه المسلم إلا بسبب شرعي وهذه المصافحة ليست كذلك (٣).

стр. 126

الخامس: إن كثيراً من المصلين الذين يداومون على هذه البدعة يتركون في مقابلها سنة ثابتة عن الرسول ﷺ فنراهم يصافحون من حولهم من المصلين ثم بعد ذلك يقومون إلى صلاة السنة البعدية ثم يخرجون من المسجد ويتركون سنة التسبيح والأذكار الواردة بعد الصلوات المفروضات فهؤلاء أساءوا حيث إنهم التزموا البدعة وتركوا السنة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 127

المبحث الخامس بدع محدثة في دعاء القنوت ثبت أن النبي ﷺ قنت في الفجر بعد الركوع شهراً ثم ترك القنوت وثبت أنه ﷺ كان يقنت في النوازل وترك القنوت عند عدمها وثبت أنه ﷺ قنت في الوتر وتركه أحياناً أخرى (١). وجاء في الحديث أن النبي علّم دعاء القنوت لابن بنته الحسن بن علي ﵃، قال الحسن ﵁: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة (٢). وفي رواية عند البيهقي زيادة: (ولا يعز من عاديت) بعد قوله: (ولا يذل من واليت) (٣). وزاد النسائي في آخر الدعاء: (وصلى الله على النبي محمد) وقال النووي: وإسناده حسن أو صحيح (٤). وقال الترمذي: [هذا حديث حسن لا نعرفه

стр. 128

إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي واسمه ربيعة بن شيبان. ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئاً أحسن من هذا] وصححه الشيخ الألباني (١). وقد أحدث الناس بدعاً كثيرة في القنوت أذكر منها: أولاً: تقليب اليدين عند الدعاء وقول المأمومين بعض الكلمات عند دعاء الإمام كقولهم: حق، حق، أشهد، ونحو ذلك. وهذا التقليب للكفين لم يرد عن الرسول ﷺ في دعاء القنوت لا في قنوت الفجر ولا في قنوت الوتر وإنما ورد تقليب الكفين في دعاء الاستسقاء خاصة ولعل الحكمة في الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقليب الحال كما قيل في تحويل الرداء كما أفاده الشوكاني (٢). ولم يرد عن الصحابة ﵃ حال القنوت في الصلاة إلا التأمين وأما زيادة هذه الألفاظ نحو: حق، وأشهد فليس لها مستند، بل هي بدعة لأن الدعاء من العبادة والأصل في العبادة التوقيف (٣). ولو فعله الصحابة ﵃ لنقل إلينا كما نقل أنهم كانوا يؤمنون على دعاء النبي ﷺ كما جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: [قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من بني سليم ويؤمن من خلفه] رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح كما قال الإمام النووي (٤).

стр. 129

ثانياً: مسح الوجه والبدن في دعاء القنوت: إن مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من دعاء القنوت أمر مشهور بين عامة الناس ولكن هذا الأمر مع شهرته وانتشاره وعمل كثير من الناس به لا سند له عن رسول الله ﷺ ولا عن السلف الصالح ﵃ وإن قال به بعض الفقهاء. قال الإمام النووي ﵀ عند حديثه عن هذه المسألة إن فيها وجهين: الأول أنه يستحب وذكر جماعة من الفقهاء الذين قالوا بذلك ثم قال النووي: والثاني لا يمسح وهذا هو الصحيح صححه البيهقي والرافعي وآخرون من المحققين (١). ثم ذكر كلام البيهقي التالي وأنقله من سننه ﵀ حيث قال: [فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظ عن أحد من السلف في دعاء القنوت وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة وقد روي عن النبي ﷺ حديث ضعيف وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة. وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس، فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف ﵃ من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة وبالله التوفيق] (٢). وأقول جزى الله أئمتنا وعلماءنا خيراً فإنهم وقَّافون عند موارد النصوص فإن الخير كل الخير في الاتباع وإن الشر كل الشر في الابتداع. وأما الحديث الذي أشار إليه البيهقي فهو ما رواه أبو داود في سننه بسنده عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم) قال أبو داود

стр. 130

روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضاً (١). وقد علق الشيخ الألباني على هذه الرواية: (فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم) فقال: [وعلى ذلك فهذه الزيادة منكرةٌ ولم أجد لها حتى الآن شاهداً ... ] ثم قال: [ ... لا يصلح شاهداً للزيادة حديث ابن عمر مرفوعاً: (كان النبي ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه) لأن فيه متهماً بالوضع - أي الكذب - وقال أبو زرعة: حديثٌ منكرٌ أخاف أن لا يكون له أصل] (٢). وروى البيهقي بسنده عن علي الباشاني قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الذي إذا دعا مسح وجهه، قال: لم أجد له ثبتاً أي مستنداً (٣). [وسئل الإمام مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء، فأنكر ذلك وقال: ما علمت] (٤). وقال المروزي: [وأما أحمد بن حنبل، فحدثني أبو داود قال: سمعت أحمد وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ من الوتر، فقال: لم أسمع فيه بشيء. ورأيت أحمد لا يفعله] (٥). وأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن سؤال حول مسح الوجه عند الدعاء فقال: [وأما رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة. وأما مسح وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة] (٦).

стр. 131

وقال العز بن عبد السلام: [ولا يمسح وجهه بيديه عقب الدعاء إلا جاهل] (١). وأما مسح غير الوجه بعد الدعاء كالصدر فلم يؤثر فيه شيء من حديث أو أثر كما قال د. بكر أبو زيد فقد حقق مسألة مسح الوجه وما يتعلق بها تحقيقاً موسعاً وأجاد فيه وأفاد (٢). وقال الإمام النووي: [قلت: لا يستحب مسح غير وجهه قطعاً، بل نص جماعة على كراهته] (٣).

стр. 132

المبحث السادس بدع الجمعة وفيه مسائل: المسألة الأولى: الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ قبل أذان الجمعة: ومن البدع ما يفعله المؤذنون من الصلاة والسلام على رسول الله قبل أذان الجمعة الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب حيث إن المؤذن يبدأ بقراءة الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (١) وبعد ذلك يشرع في الأذان. وهذه بدعة وتشريع بغير دليل ولم ينقل ذلك عن رسول الله ﷺ ولا أمر بذلك أحداً من مؤذنيه ولم يفعله أئمة الهدى من الصحابة والتابعين وقد نص الحافظ ابن حجر العسقلاني بأن ما أحدث قبل أذان الجمعة من الصلاة والسلام على النبي ﷺ ليس من جملة الأذان وليس كذلك لا لغة ولا شرعاً (٢). وقال ابن الحاح: [وينبغي له - أي الإمام - أن ينهى المؤذنين عما أحدثوه من أن الإمام إذا خرج على الناس في المسجد يقوم المؤذنون إذ ذاك ويصلون على النبي ﷺ ويكررون ذلك مراراً حتى يصل إلى المنبر وإن كانت الصلاة على النبي ﷺ من أجل العبادات] (٣).

стр. 133

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والسنة في الصلاة على النبي ﷺ أن يصلي عليه سراً كالدعاء، أما رفع الصوت بها قدام بعض الخطباء فمكروهٌ أو محرمٌ اتفاقاً] (١). وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... ) فقال رجل: هذا بدعة فما يجب عليه؟ فأجاب: جهر المؤذن بذلك كجهره بالصلاة والترضي عند رقي الخطيب المنبر أو جهره بالدعاء للخطيب والإمام ونحو ذلك لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين ولا استحبه أحدٌ من الأئمة، وأشدُ من ذلك الجهر بنحو ذلك في الخطبة وكل ذلك بدعة والله أعلم) (٢). وذكر الشيخ ابن حجر المكي أن الصلاة والسلام على النبي ﷺ قبل الأذان ليس من السنة ومن أتى بها معتقداً بسنيتها في ذلك المحل المخصوص ينهي عنه ويمنع منه لأنه تشريع بغير دليل ومن شرع بلا دليل يزجر عن ذلك وينهى عنه (٣).

стр. 134

المسألة الثانية: نداء المؤذن بين يدي خطيب الجمعة بالحديث النبوي: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت): من البدع المنتشرة في كثير من المساجد يوم الجمعة أن المؤذن بعد انتهائه من الأذان الثاني - وهو الذي يكون بين يدي الخطيب - ينادي بالحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) وهذا الحديث ثابت وصحيح فقد رواه البخاري ومسلم (١)، ولكن مناداة المؤذن به في كل جمعة بدعة ليس لها مستند من الشرع. فالرسول ﷺ لم يأمر أحداً من مؤذنيه أن ينادي بهذا الحديث بين يديه ﷺ ولو فعل ذلك لنقل وكذا لم ينقل عن أئمة الهدى من الصحابة والتابعين. وتسمى هذه البدعة وما قبلها الترقية قال الشيخ الألباني عند ذكره لبدع الجمعة: [الترقية، وهي تلاوة آية: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... ) ثم حديث (إذا قلت لصاحبك ... ) يجهر بذلك المؤذنون عند خروج الخطيب حتى يصل إلى المنبر] (٢). قال الشيخ علي محفوظ: [ومن البدع ما يقع عقب هذا الأذان عند المنبر مما يسمى بالترقية وهو تلاوة آية: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... ) ثم حديث: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت) رواه البخاري، ولا شك أنه من البدع المذمومة، ففي الدر المختار أنها بدعةٌ مكروهةٌ تحريماً عند أبي حنيفة لا عند أبي يوسف ومحمد، وأما التأمين عند الدعاء والترضي عن الصحابة والدعاء للسلطان فمكروهٌ اتفاقاً. وفي البحر: اعلم أن ما تعورف من أن

стр. 135

المرقي للخطيب يقرأ الحديث النبوي وأن المؤذنين يؤمنون عند الدعاء ويدعون للصحابة بالترضي وللسلطان بالنصر إلى غير ذلك فكله حرام على مقتضى مذهب أبي حنيفة ﵀، وأغرب منه أن المرقي ينهى عن الأمر بالمعروف بمقتضى الحديث الذي يقرؤه ثم يقول: أنصتوا رحمكم الله، ولم أرَ نقلاً في وضع هذا المرقي في كتب أئمتنا. وفي كتب السادة المالكية: ومن البدع المكروهة التي ابتدعها أهل الشام وهم بنو أمية الترقية وما يقوله المرقي من: صلوا عليه، وآمين، ورضي الله عنهم، فهو مكروه وكذا قوله الحديث عند فراغ المؤذن قبل الخطبة] (١). وقال ابن الحاج: [وينهى ... عما أحدثه من ندائه عند إرادة الخطيب الخطبة بقوله للناس: أيها الناس صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت) أنصتوا رحمكم الله] (٢). وقد يقول قائل إن ما يقوم به المؤذن من المناداة بهذا الحديث هي من باب تذكير المصلين حتى يكفوا عن الكلام أثناء خطبة الجمعة. والجواب: إن المناداة بهذا الحديث صارت من شعائر صلاة الجمعة، بحيث إن المؤذن يحافظ عليها محافظة شديدة وقد اعتقد أكثر العامة أنه جزء من صلاة الجمعة وأذكر أن أحد خطباء الجمعة أنكر في مستهل خطبة الجمعة على المؤذن مناداته بالحديث بين يدي ذلك الخطيب فما كان من المصلين إلا أن أنكروا على الخطيب اعتراضه مع أن الخطيب هو المصيب والمتبع للسنة والمؤذن هو المخطئ والمبتدع. ويقال أيضاً إن تذكير المصلين لا يكون باتخاذ هذا الحديث شعاراً ينادى به في كل جمعة والتذكير والتعليم يقوم بهما إمام الجمعة في خطبة الجمعة فإنه إن رأى أحداً

стр. 136

يتكلم أثناء الخطبة طلب منه السكوت وذكر للناس الحكم الشرعي في الكلام أثناء الخطبة. وقد قال جمهور أهل العلم بمنع جميع أنواع الكلام أثناء خطبة الجمعة لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث التي تنهى عن الكلام أثناء الخطبة (١). قال الإمام النووي: [قال القاضي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء يجب الإنصات للخطبة ... ] (٢).

стр. 137

المسألة الثالثة: دعاء المؤذن عند جلوس الخطيب بين الخطبتين: قال الشيخ القاسمي: [ومن المقرر في الفروع أن الخطيب إذا ارتقى المنبر فلا تبتدأ صلاة ولا يجهر بدعاء وذلك تأهباً لسماع الخطبة وإجلالاً للمقام، وتخشعاً لهذه العبادة الأسبوعية، وهذا معلوم من موضوع الاحتفال لأداء فريضة الجمعة وقد اتفق الفقهاء على الحظر من الجهر بالذكر أو الاستغفار أو الدعاء أو النداء في تلك الحالة اتفاقاً لا خلاف فيه استدلالاً بما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت). فأثبت له اللغو بذلك مع أنه ينهى عن منكر فكيف بمن لا يكون قوله كذلك لا جرم أنه أشد منه لغواً وإثماً. إذا تحقق ذلك تبين أن ما يقوله بعض المؤذنين يوم الجمعة بين يدي الخطيب إذا جلس من الخطبة الأولى: غفر الله لك ولوالديك ولنا ولوالدينا والحاضرين ... الخ منكر يلزم إنكاره لأنه ذكر غير مشروع في وقت هو وقت الصمت أو التفكر القلبي للاتعاظ فتفريق جمعية قلوب الحاضرين برفع الصوت بذلك والجرأة على الجهر به في هذا الموضوع الرهيب لا يختلف فقيه في نكارته فلذلك يلزم الخطيب ومن قدر على إزالته أن ينهى عنه أسوة كل منكر والله أعلم] (١).

стр. 138

المسألة الرابعة: رفع الخطيب يديه عند الدعاء في الخطبة: الدعاء خلال خطبة الجمعة من السنة فيدعو الخطيب للمسلمين والمسلمات ويستغفر لهم (١)، فقد روي في الحديث عن سمرة بن جندب: (أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة) رواه الطبراني في الكبير والبزار بإسناد ضعيف كما قال الهيثمي، وقال الحافظ ابن حجر: رواه البزار بإسناد لين (٢). ولكن رفع الخطيب يديه أثناء الدعاء ليس من السنة بل هو بدعة عند كثير من أهل العلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة لأن النبي ﷺ إنما كان يشير بإصبعه إذا دعا] (٣). وقال العلامة ابن القيم: [وكان ﷺ يشير بإصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله ودعائه] (٤). ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث أن عمارة بن رؤيبة رأى بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة فقال: [قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبِّحة] رواه مسلم (٥). قال الإمام النووي: [هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة] (٦).

стр. 139

وقال الشيخ خليل السهارنفوري: [وحاصله أن رسول الله ﷺ إذا كان يخطب على المنبر ما يشير إلا بإلإصبع السبابة وما يشير بيديه فالإشارة باليدين خلاف السنة فهو مكروه] (١). وقال أبو شامة المقدسي: [وأما رفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قديمة] (٢). وقال جلال الدين السيوطي: [ ... ورفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قبيحة] (٣).

стр. 140

المبحث السابع بدع العيدين وفيه مسائل: المسألة الأولى: قول المؤذن عند المناداة لصلاة العيد العبارة التالية: [الصلاة جامعة على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان يا أمة الهادي ﵇] ويكررها ثلاثاً: وهذا النداء بدعة، وتوضيح ذلك من وجوه: الأول: من المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي العيدين بدون أذان ولا إقامة فقد صح في الحديث عن ابن جريح قال أخبرني عطاء عن جابر وابن عباس ﵃ قالا: (لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى) رواه البخاري ومسلم (١). وزاد مسلم: [ثم سألته بعد حين فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة]. وأما المناداة لصلاة العيدين بقولهم: (الصلاة جامعة) فلم تثبت عن النبي ﷺ إلا بخبر مرسل وهو ما رواه الشافعي عن الزهري أنه قال: وكان النبي ﷺ يأمر في العيدين المؤذن أن يقول: الصلاة جامعة) وذكره البيهقي عن الشافعي أيضاً وهو مرسل ضعيف كما قال النووي (٢).

стр. 141

وقال الإمام النووي بعد أن ذكره: [ويغني عن هذا الحديث الضعيف القياس على صلاة الكسوف فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة فيها: منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (لما كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ نودي بالصلاة جامعة) سيوفي رواية: (أن الصلاة جامعة) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة ﵂: (أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ فبعث منادياً الصلاة جامعة) رواه البخاري ومسلم. ويستحب أن يقال الصلاة جامعة لما ذكرناه من القياس على الكسوف ... ] (١). وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكره: [وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوت ذلك فيها] (٢). وقد أجاب العلماء على هذا الاستحباب بأن الحديث مرسل ضعيف كما ذكره الإمام النووي، وبأنه لم يثبت ذلك من هدي الرسول ﷺ . قال الإمام مالك إنه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول الله إلى اليوم، قال مالك: [وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا] (٣). وقال ابن القيم: [وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة أنه لا يفعل شيء من ذلك] (٤).

стр. 142

وقال الشيخ ابن قدامة: [وقال بعض أصحابنا: ينادى لها: الصلاة جامعة وهو قول الشافعي، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع] (١). وقال الشيخ محمود خطاب السبكي: [وما روي من أنه ﷺ كان يأمر المؤذن أن يقول الصلاة جامعة فهو مرسل عن الزهري ضعيف كما ذكره النووي فلا تقوم به حجة. وما قيل من أنه يقال فيها ذلك قياساً على الكسوف لا يعول عليه لأن محل القياس مسألة لم يعلم فيها نص، وصلاة العيد تكررت منه ﷺ في مجمع من الصحابة، ومثل هذا تتوفر الدواعي على نقله تواتراً فلا محل للقياس فيه. وروى مسلم عن عطاء عن جابر قال: (أخبرني جابر أن لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا ما بعد يخرج ولا إقامة ولا شيء) وهو بعمومه يشمل نفي قولهم الصلاة جامعة ونحوها] (٢). ولم يرتض الصنعاني هذا القياس فقال: [وأما القول بأنه يقال في العيد عوضاً عن الأذان " الصلاة جامعة " فلم ترد به سنة في صلاة العيدين. قال في الهدى النبوي: وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة: أي صلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا قول الصلاة جامعة، والسنة أن لا يفعل شيء من ذلك، وبه يعرف أن قوله في الشرح: ويستحب في الدعاء إلى الصلاة في العيدين وغيرهما مما لا يشرع فيه أذان كالجنازة: الصلاة جامعة، غير صحيح إذ لا دليل على الاستحباب ولو كان مستحباً لما تركه ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده، نعم ثبات ذلك في صلاة الكسوف لا غير، ولا يصح فيه القياس، لأن ما وجد سببه في عصره ﷺ ولم يفعله ففعله بعد

стр. 143

عصره بدعة فلا يصح إثباته بقياس ولا غيره] (١). وقال الشيخ الصاوي: [تنبيه لا ينادى الصلاة جامعة أي لا يندب ولا يسن بل مكروه أو خلاف الأولى لعدم ورود ذلك فيها فبالكراهة صرح في التوضيح وقال: ابن ناجي وابن عمر إنه بدعة وما ذكره الخرشي من أنه جائز هنا فغير صواب بل ما ورد ذلك إلا في صلاة الكسوف ومحل كونه مكروهاً أو خلاف الأولى إن اعتقد مطلوبية ذلك وأما مجرد قصد الإعلام فلا بأس به] (٢) وما قاله أخيراً غير مسلّم. ونقل الحطاب عن ابن ناجي في شرح الرسالة قوله: [الذي تلقيناه من مشايخنا أن مثل هذا اللفظ بدعة لعدم وروده] (٣). ويمكن أن يقال إن صلاة الكسوف قد ثبتت المناداة لها بالصلاة جامعة حيث إن الكسوف يحدث فجأة فيحتاج إلى مناداة الناس وتنبيههم إلى الصلاة. وأما صلاة العيد فوقتها معلوم والناس يجتمعون لها فلا حاجة فيها لهذا النداء والله أعلم. الثاني: إن قول المؤذن بأن الصلاة تقام على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بدعة ما أنزل الله بها من سلطان وهذا التقييد للصلاة بأنها على مذهب أبي حنيفة تقييد باطل ما جاء به الشرع فلم يعهد عن أبي حنيفة ولا عن غيره من الأئمة المتبوعين أنهم يقييدون الصلاة بأن تكون على مذهبهم ولا أعتقد أن أبا حنيفة لو كان حياً يرضى بذلك.

стр. 144

والأصل أن الصلاة تكون كما كانت صلاة النبي ﷺ القائل: [صلوا كما رأيتموني أصلي] رواه البخاري (١). ومن المعلوم أن أبا حنيفة وغيره من الأئمة هم أتباع للنبي ﷺ وليس النبي ﷺ تابعاً لواحد منهم. ومن العجيب الغريب أنهم يزعمون أن الصلاة على مذهب أبي حنيفة ثم يخالفونه في مسألة مشهورة وهي الجهر بالبسملة في الصلاة وقد صليت أكثر من مرة في مسجد كبير ينادى فيه لصلاة العيد بالعبارة المذكورة ثم صلى إمام المسجد صلاة العيد وخالف مذهب أبي حنيفة فجهر بالبسملة في أربعة مواضع من صلاة العيد قبل قراءة الفاتحة وقبل السورة في الركعة الأولى وكذلك فعل في الركعة الثانية. مع أنه من المعلوم أن مذهب أبي حنيفة الإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم في هذه المواضع. قال صاحب المختار: [ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويخفيها ثم إن كان إماماً جهر بالقراءة في الفجر والأوليين من المغرب والعشاء وفي الجمعة والعيدين] (٢). الثالث: إن الالتزام بأداء صلاة العيد على مذهب أبي حنيفة والذي ينص على أن التكبيرات الزوائد ثلاث في الأولى بعد تكبيرة الإحرام ثم يقرأ الفاتحة وسورة، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر التكبيرات الثلاث الزوائد وتكبيرة للركوع (٣).

стр. 145

إن هذه الكيفية مرجوحة عند المحققين من العلماء والراجح هو مذهب جمهور أهل العلم أنه يكبر سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية وتكون التكبيرات الزوائد قبل القراءة في الركعتين ويدل على ذلك ما يلي: ١. عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني صحيح (١). ٢. وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة) رواه الترمذي ثم قال: [حديث جد كثير حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي ﷺ واسمه عمرو بن عوف المزني، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وهكذا روي عن أبي هريرة أنه صلى بالمدينة نحو هذه الصلاة وهو قول أهل المدينة وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق] (٢). وصححه الشيخ الألباني (٣). ٣. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ : (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما) رواه أبو داود، وقال الإمام النووي: [رواه أبو داود وآخرون بأسانيد حسنة فيصير بمجموعها صحيحاً.
следующие страницы →