وقال الإمام النووي بعد أن ذكره: [ويغني عن هذا الحديث الضعيف القياس على صلاة الكسوف فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة فيها:
منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (لما كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ نودي بالصلاة جامعة) سيوفي رواية: (أن الصلاة جامعة) رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة ﵂: (أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ فبعث منادياً الصلاة جامعة) رواه البخاري ومسلم.
ويستحب أن يقال الصلاة جامعة لما ذكرناه من القياس على الكسوف ... ] (١).
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكره: [وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوت ذلك فيها] (٢).
وقد أجاب العلماء على هذا الاستحباب بأن الحديث مرسل ضعيف كما ذكره الإمام النووي، وبأنه لم يثبت ذلك من هدي الرسول ﷺ .
قال الإمام مالك إنه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول الله إلى اليوم، قال مالك: [وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا] (٣).
وقال ابن القيم: [وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة أنه لا يفعل شيء من ذلك] (٤).
стр. 142
وقال الشيخ ابن قدامة: [وقال بعض أصحابنا: ينادى لها: الصلاة جامعة وهو قول الشافعي، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع] (١).
وقال الشيخ محمود خطاب السبكي: [وما روي من أنه ﷺ كان يأمر المؤذن أن يقول الصلاة جامعة فهو مرسل عن الزهري ضعيف كما ذكره النووي فلا تقوم به حجة.
وما قيل من أنه يقال فيها ذلك قياساً على الكسوف لا يعول عليه لأن محل القياس مسألة لم يعلم فيها نص، وصلاة العيد تكررت منه ﷺ في مجمع من الصحابة، ومثل هذا تتوفر الدواعي على نقله تواتراً فلا محل للقياس فيه. وروى مسلم عن عطاء عن جابر قال: (أخبرني جابر أن لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا ما بعد يخرج ولا إقامة ولا شيء) وهو بعمومه يشمل نفي قولهم الصلاة جامعة ونحوها] (٢).
ولم يرتض الصنعاني هذا القياس فقال: [وأما القول بأنه يقال في العيد عوضاً عن الأذان " الصلاة جامعة " فلم ترد به سنة في صلاة العيدين. قال في الهدى النبوي: وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة: أي صلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا قول الصلاة جامعة، والسنة أن لا يفعل شيء من ذلك، وبه يعرف أن قوله في الشرح: ويستحب في الدعاء إلى الصلاة في العيدين وغيرهما مما لا يشرع فيه أذان كالجنازة: الصلاة جامعة، غير صحيح إذ لا دليل على الاستحباب ولو كان مستحباً لما تركه ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده، نعم ثبات ذلك في صلاة الكسوف لا غير، ولا يصح فيه القياس، لأن ما وجد سببه في عصره ﷺ ولم يفعله ففعله بعد
стр. 143
عصره بدعة فلا يصح إثباته بقياس ولا غيره] (١).
وقال الشيخ الصاوي: [تنبيه لا ينادى الصلاة جامعة أي لا يندب ولا يسن بل مكروه أو خلاف الأولى لعدم ورود ذلك فيها فبالكراهة صرح في التوضيح وقال: ابن ناجي وابن عمر إنه بدعة وما ذكره الخرشي من أنه جائز هنا فغير صواب بل ما ورد ذلك إلا في صلاة الكسوف ومحل كونه مكروهاً أو خلاف الأولى إن اعتقد مطلوبية ذلك وأما مجرد قصد الإعلام فلا بأس به] (٢) وما قاله أخيراً غير مسلّم.
ونقل الحطاب عن ابن ناجي في شرح الرسالة قوله: [الذي تلقيناه من مشايخنا أن مثل هذا اللفظ بدعة لعدم وروده] (٣).
ويمكن أن يقال إن صلاة الكسوف قد ثبتت المناداة لها بالصلاة جامعة حيث إن الكسوف يحدث فجأة فيحتاج إلى مناداة الناس وتنبيههم إلى الصلاة.
وأما صلاة العيد فوقتها معلوم والناس يجتمعون لها فلا حاجة فيها لهذا النداء والله أعلم.
الثاني: إن قول المؤذن بأن الصلاة تقام على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بدعة ما أنزل الله بها من سلطان وهذا التقييد للصلاة بأنها على مذهب أبي حنيفة تقييد باطل ما جاء به الشرع فلم يعهد عن أبي حنيفة ولا عن غيره من الأئمة المتبوعين أنهم يقييدون الصلاة بأن تكون على مذهبهم ولا أعتقد أن أبا حنيفة لو كان حياً يرضى بذلك.
стр. 144
والأصل أن الصلاة تكون كما كانت صلاة النبي ﷺ القائل: [صلوا كما رأيتموني أصلي] رواه البخاري (١).
ومن المعلوم أن أبا حنيفة وغيره من الأئمة هم أتباع للنبي ﷺ وليس النبي ﷺ تابعاً لواحد منهم.
ومن العجيب الغريب أنهم يزعمون أن الصلاة على مذهب أبي حنيفة ثم يخالفونه في مسألة مشهورة وهي الجهر بالبسملة في الصلاة وقد صليت أكثر من مرة في مسجد كبير ينادى فيه لصلاة العيد بالعبارة المذكورة ثم صلى إمام المسجد صلاة العيد وخالف مذهب أبي حنيفة فجهر بالبسملة في أربعة مواضع من صلاة العيد قبل قراءة الفاتحة وقبل السورة في الركعة الأولى وكذلك فعل في الركعة الثانية.
مع أنه من المعلوم أن مذهب أبي حنيفة الإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم في هذه المواضع.
قال صاحب المختار: [ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويخفيها ثم إن كان إماماً جهر بالقراءة في الفجر والأوليين من المغرب والعشاء وفي الجمعة والعيدين] (٢).
الثالث: إن الالتزام بأداء صلاة العيد على مذهب أبي حنيفة والذي ينص على أن التكبيرات الزوائد ثلاث في الأولى بعد تكبيرة الإحرام ثم يقرأ الفاتحة وسورة، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر التكبيرات الثلاث الزوائد وتكبيرة للركوع (٣).
стр. 145
إن هذه الكيفية مرجوحة عند المحققين من العلماء والراجح هو مذهب جمهور أهل العلم أنه يكبر سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية وتكون التكبيرات الزوائد قبل القراءة في الركعتين ويدل على ذلك ما يلي:
١. عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني صحيح (١).
٢. وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة) رواه الترمذي ثم قال: [حديث جد كثير حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي ﷺ واسمه عمرو بن عوف المزني، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وهكذا روي عن أبي هريرة أنه صلى بالمدينة نحو هذه الصلاة وهو قول أهل المدينة وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق] (٢).
وصححه الشيخ الألباني (٣).
٣. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ : (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما) رواه أبو داود، وقال الإمام النووي: [رواه أبو داود وآخرون بأسانيد حسنة فيصير بمجموعها صحيحاً.
стр. 146
قال الترمذي في كتاب العلل: سألت البخاري عنه فقال: هو صحيح) (١) وقال الشيخ الألباني: هو صحيح (٢).
وغير ذلك من الأحاديث.
قال ابن القيم: [وكان ﷺ يبدأ بالصلاة قبل الخطبة فيصلى ركعتين يكبر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح ... فإذا فرغ من القراءة كبر وركع ثم إذا أكمل الركعة وقام من السجود كبر خمساً متوالية فإذا أكمل التكبير أخذ في القراءة فيكون التكبير أول ما يبدأ به في الركعتين والقراءة يليها الركوع] (٣).
وهذا هو مذهب أكثر العلماء فقد نقل عن جماعة من الصحابة كعائشة وعمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجابر وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر ﵃ ونقل عن غيرهم أيضاً.
وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهري والمزني والأوزاعي وإسحاق ومكحول والليث (٤).
وقال الحافظ ابن عبد البر: [وقد روي عن النبي ﷺ أنه كبر في العيدين سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية من طرق حسان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ... ومن حديث جابر ... ومن حديث عائشة ... ومن حديث عمرو بن عوف ... ومن حديث ابن عمر ... ومن حديث أبي واقد الليثي كلها عن النبي ﷺ ... ] (٥).
стр. 147
وقال الشيخ المباركفوري بعد أن ذكر ما احتج به الحنفية: [ ... فلا يصلح هذا الحديث للاستدلال وليس في هذا حديث مرفوع صحيح في علمي والله تعالى أعلم ... فالأولى للعمل هو ما ذهب إليه أهل المدينة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم لوجهين:
الأول: أنه قد جاء فيه أحاديث مرفوعة عديدة وبعضها صالح للاحتجاج والباقية مؤيدة لها.
وأما ما ذهب إليه أهل الكوفة فلم يرد فيه حديث مرفوع غير حديث أبي موسى الأشعري وقد عرفت أنه لا يصلح للاحتجاج.
والوجه الثاني: أنه قد عمل به أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وقد تقدم في كلام الحافظ الحازمي أن أحد الحديثين إذا كان عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني فيكون آكد وأقرب إلى الصحة وأصوب بالأخذ ... ] (١). ثم ذكر قول الحنفية ثم قال: [ليس يروى عن النبي ﷺ من وجه قوي ولا ضعيف مثل قول هؤلاء ... ]. ويضاف إلى ما سبق أن الأخذ بمذهب الحنفية في هذه المسألة يوقع كثيراً من المصلين في الخطأ أثناء الصلاة وذلك في الركعة الثانية حيث إن الإمام يبدؤها بالقراءة فيقرأ الفاتحة ثم سورة ثم يكبر التكبيرة الأولى من التكبيرات الثلاث الزوائد فيظن كثير من المصلين أنها تكبيرة الركوع فيركعون وعندما يكبر الإمام التكبيرة الثانية من الزوائد يعلمون أنها لم تكن للركوع فيرفعون. فيحدث بسبب ذلك أخطاء في الصلاة وبلبلة في صفوف المصلين.
وأخيراً يقال إن الناس معتادون في هذه البلاد على تقليد مذهب الشافعي في جميع الصلوات وأئمة المساجد ملتزمون بهذا التقليد فتراهم في صلاة الفجر يقنتون كما هو مذهب الشافعي فلماذا في صلاة العيد ينتقلون لمذهب أبي حنيفة؟! إنها التقاليد الموروثة منذ زمن الدولة العثمانية.
стр. 148
المسألة الثانية: فرقة التكبير وما تقوم به من أمور مبتدعة:
وتوضيح ذلك أن مجموعة من المؤذنين والقراء يجلسون على شكل حلقة ثم يبدؤون بالتكبير الجماعي ويرددون بعض الأذكار ثم يصيح أحدهم في نهاية كل وصلة تكبير بصوت مرتفع الفاتحة، وهكذا يعيدون الكرة مرة بعد مرة ثم ينقطعون فيتلو أحد القراء آيات من القرآن الكريم ثم يعودون إلى التكبير ويصيح أحدهم الفاتحة وهكذا دواليك وتستمر المجموعة في الزعق والصياح إلى أن يحين موعد الصلاة فيقوم أحدهم وينادي بقوله: [الصلاة جامعة على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان يا أمة الهادي ﵇].
وهذه الأمور مبتدعة وبيان ذلك فيما يلي:
إن أصل التكبير مشروع في العيدين وهو من السنن الثابتة عن النبي ﷺ وهو نوعان عند أهل العلم.
الأول: التكبيرات الزوائد في صلاة العيد.
الثاني: التكبير في غير صلاة العيد وهو قسمان:
القسم الأول: التكبير المرسل أو المطلق وهو الذي لا يتقيد بحال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلاً ونهاراً وفي غير ذلك.
القسم الثاني: المقيد وهو الذي يقصد الإتيان به في أدبار الصلوات وهو مشروع في عيد الأضحى دون عيد الفطر لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ (١).
ومن الأحاديث الثابتة في التكبير ما جاء في الحديث عن محمد بن أبي بكر الثقفي قال: (سألت أنساً ونحن غادون من منى إلى عرفات عن التلبية كيف كنتم تصنعون
стр. 149
مع النبي ﷺ ؟ قال: كان الملبي يلبي لا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) رواه البخاري (١).
وعن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: (كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها حتى نخرج الحيض فيكنَّ خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) رواه البخاري ومسلم (٢).
قال الإمام النووي: [وقولها: (يكبرن مع الناس) دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين وهو مجمع عليه] (٣).
وقال الإمام البخاري: [باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه وتلك الأيام جميعاً وكانت ميمونة تكبر يوم النحر وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد] (٤).
إذا ثبت هذا فإن التكبير في جملته مشروع فأما قراءة القرآن بين كل وصلة من التكبيرات فلم يرد في ذلك أثر وإنما كان الصحابة يقتصرون على التكبير فقط وما كانوا يقولون بعد انتهاء وصلة التكبير (الفاتحة)،
فإن هذه بدعة فليس هذا المقام محلاً لقراءة الفاتحة وسيأتي تفصيل الكلام على هذه البدعة عند الكلام على البدع المتعلقة بقراءة القرآن الكريم.
стр. 150
المبحث الثامن
بدع الجنائز
تشييع الجنازة واتباعها وحضور دفنها من السنن الثابتة عن الرسول ﷺ فقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس، ردُّ السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس) رواه البخاري ومسلم (١)
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله).
ويقول: (والذي نفسي بيده ما توادَّ اثنان فيفرَّق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما).
وكان يقول: (للمسلم على المسلم ست يشمته إذا عطس ويعوده إذا مرض وينصحه إذا غاب أو شهد ويسلّم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويتبعه إذا مات) رواه أحمد بإسناد حسن كما قال الشيخ الألباني (٢)
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة، من عاد مريضاً وشهد جنازة وصام يوماً وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة) رواه ابن حبان وقال الشيخ الألباني صحيح (٣)
стр. 151
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه كان قاعداً عند ابن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها واتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد ومن صلَّى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد).فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة صدق أبو هريرة فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يديه الأرض ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة). رواه مسلم (١).
وعن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى على جنازة فله قيراط وإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط مثل أحد) رواه مسلم (٢).
وجاء في الحديث أيضاً عن أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل: وما القيراطان، قال: مثل الجبلين العظيمين) رواه البخاري ومسلم (٣).
وينبغي للمسلم الذي يحضر الجنازة عند تشييعها ودفنها، أن يستذكر مصيبة الموت وأن يتعظ ويتفكر في هذا الميت، وأن حال هذا المشيع سيصير إلى مثل ما صار إليه الميت، وهذا التذكر يدفع الإنسان إلى محاسبة النفس والنظر والتفكر في أحواله، فإن كان محسناً ازداد إحساناً وإن كان مسيئاً رجع وثاب إلى الرشد، وهذا التفكر والاتعاظ مقصود من حضور الجنائز فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁
стр. 152
أن النبي ﷺ قال: (عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكّركم الآخرة) رواه أحمد وابن حبان وصححه وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات (١) ١)، وقال الشيخ الألباني: إسناده حسن (٢).
وقد روي في الحديث: (أنه ﵊، كان إذا اتبع جنازة أكثر الصمت، ورؤي عليه الكآبة وأكثر حديث النفس) رواه وكيع في الزهد وابن المبارك في الزهد أيضاً والطبراني وذكره السيوطي (٣)، وله شاهد صحيح. فعن البراء بن عازب ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فانتهينا إلى القبر فجلس كأن على رؤوسنا الطير) رواه ابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: صحيح (٤)
وقال الفضيل بن عياض: [كانوا إذا اجتمعوا في جنازة يعرف فيهم ثلاثة أيام]. ورأى عبد الله بن مسعود ﵁ رجلاً يضحك في جنازة فقال:
[أتضحك مع الجنازة! لا أكلمك أبداً].
وكره العلماء أن يتكلم أحد في الجنازة ولا بقول القائل: استغفروا لأخيكم، فقد سمع عبد الله بن عمر ﵄ رجلاً في جنازة يصيح ويقول: استغفروا لأخيكم، فقال ابن عمر: لا غفر الله لك.
وسُئل سفيان بن عيينة عن السكوت في الجنازة وماذا يجيء به؟ قال:
[تذكر به حال يوم القيامة، ثم تلا قوله تعالى: (وَخَشَعَتْ الأصوات لِلرَّحْمَنِ فلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا)] (٥).
стр. 153
وقال قتادة: [بلغنا أن أبا الدرداء ﵁ نظر إلى رجل يضحك في جنازة فقال له: أما كان فيما رأيت من هول الموت ما يُشغلك عن الضحك].
وكان مطرف يلقى الرجل من خاصة أهله في الجنازة فعسى أن يكون غائبا فما يزيده على السلام ثم يعرض عنه اشتغالاً بما هو فيه.
ذكر هذه الآثار السيوطي (١) ثم قال: [فهذا خوف هؤلاء السادات من الموت فأما اليوم فغالب من تراه يشهد الجنازة يلهون ويضحكون، وما يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه لورثته] (٢).
وقال الإمام النووي ﵀: [يستحب له - أي الماشي مع الجنازة - أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه وما يكون مصيره وحاصل ما كان فيه، وأن هذا آخر الدنيا ومصير أهلها، وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإن هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغفلة واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلام بما لا فائدة فيه منهيٌ عنه في جميع الأحوال فكيف هذا الحال.
واعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوتاً بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق ولا تغترنّ بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين] (٣).
стр. 154
وبعد أن بينت ما هي السنة في تشييع الجنازة أذكر بعض البدع والمخالفات التي تقع في الجنائز وفي ذلك مسائل:
المسألة الأولى: رفع الصوت بالذكر أثناء تشييع الجنازة:
كقول أحدهم: وحدوا الله. فيجيبه المشيعون بقولهم: لا إله إلا الله.
وكقول بعضهم: استغفروا لأخيكم، ونحو ذلك من العبارات وهذه بدعة لأن هذه الأذكار ليس محلها حال تشييع الجنازة وقد كرهها كثير من العلماء.
ذكر أبو شامة المقدسي عن سعيد بن المسيب أنه قال في مرضه: [إياي وحاديهم هذا الذي يحدو لهم يقول: استغفروا لأخيكم] وكرهه الحسن والنخعي وابن جبير وأحمد وإسحاق وقال البيهقي: [وروينا عن سعيد والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي أنهم كرهوا أن يقال في الجنازة استغفروا له غفر الله لكم] (١).
وقال الشيخ علي محفوظ: [ومن البدع السيئة الجهر بالذكر أو بقراءة القرآن أو البردة أو دلائل الخيرات ونحو ذلك.
وكل هذا مكروه للإجماع على أن السنة في تشييع الجنازة السكوت وجمع الفكر للتأمل في الموت وأحواله وعليها عمل السلف رضوان الله عليهم] (٢).
ويلحق بهذه البدعة ما تعارف عليه كثير من الناس في زماننا هذا أثناء نقل الميت بسيارة مخصصة لنقل الموتى من قراءة القرآن الكريم بواسطة آلة تسجيل في السيارة مع تركيب جهاز مكبر للصوت وقراءة آيات مخصوصة من القرآن الكريم.
стр. 155
كما وأنهم اعتادوا على أن يكتبوا آيات معينة من القرآن الكريم على السيارات الخاصة بنقل الموتى.
وأما تشييع الجنائز على أنغام الموسيقى الحزينة ورفع الأعلام وحمل أكاليل الورود وحمل صور الميت وحمل بعض الأموات على عربة مدفع فكل ذلك من الأمور الممنوعة شرعاً.
стр. 156
المسألة الثانية: بدعة التلقين بعد الدفن:
بعد دفن الميت وتسوية القبر عليه يقوم رجل ويلقن الميت بقوله: [كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، الموت باب وكل الناس داخله الموت كأس وكل الناس شاربه واعلم يا عبد الله وابن أمته أنك مت وأن الموت حق وأن دخول القبر حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن سؤال الملكين حق، فإذا جاءك الملكان الموكلان بك وبالناس أجمعين فلا يزعجاك ولا يرعباك واعلم أنهما خلق من خلق الله كما أنت خلق من خلقه، فإذا سألاك ما ربك، وما قبلتك، وما دينك، وما منهاجك، وما الذي عشت ومت عليه؟ فقل لهما بلسان طلق لبق من غير تلجلج ولا وجل ولا خوف منهما ولا جزع فقل لهما الله ربي حقاً، الله ربي حقاً، الله ربي حقاً، ومحمد نبيي صدقاً، وإبراهيم الخليل أبي وملته ملتي والكعبة قبلتي، وعشت ومت على قول لا إله إلا الله، محمد رسول الله فإذا عادا وسألاك ثانيةً ماذا تقول في الرجل المبعوث فينا وفيكم وفي الخلق أجمعين فاعلم أنهما يعنيان النبي محمد ﷺ فقل لهما هو نبينا وشفيعنا ورسولنا محمد أتانا بالحق دين الهدى فاتبعناه وآمنا برسالته وصدقناه آمين آمين آمين، يا مؤنس كل وحيد ويا حاضراً لست تغيب آنس اللهم وحدته وارحم غربته ولقنه حجته وعرِّفه نبيه.
اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته اللهم أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله ونقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واغسله بالماء والثلج والبرد ووسع مدخله وأكرم نزله اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله وللمسلمين] ثم يقول الملقن للناس: انصرفوا مأجورين والتعزية من السنة يرحمكم الله.
стр. 157
وهذا التلقين مبتدع وليس له سند من السنة عن الرسول ﷺ وقد نص على أنه بدعة طائفة من أهل العلم، قال العز بن عبد السلام ﵀: [لم يصح في التلقين شيء وهو بدعة وقوله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) محمول على من دنا موته ويئس من حياته] (١).ونُقِل عن الإمام مالك القول بكراهة التلقين بعد الموت (٢).
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما التلقين بعد الدفن فلم أجد فيه عن أحمد شيئاً ولا أعلم فيه للأئمة قولاً سوى ما رواه الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت: يقف الرجل ويقول: يا فلان ابن فلان اذكر ما فارقت عليه شهادة أن لا إله إلا الله؟! فقال: ما رأيت أحداً فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء إنسانٌ فقال ذلك، قال: وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه ... ] (٣).
وقال الشيخ المرداوي بعد أن ذكر أن مذهب الحنابلة إثبات التلقين بعد الدفن: [ ... والنفس تميل إلى عدمه ... ] (٤).
وقال شمس الحق العظيم آبادي: [والتلقين بعد الموت قد جزم كثير أنه حادث] (٥).
وقال العلامة ابن القيم: [ولم يكن يجلس - أي الرسول ﷺ يقرأ عند القبر ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم] (٦).
стр. 158
وقد احتج المثبتون للتلقين بعد الدفن بما روي في الحديث عن جابر بن سعيد الأزدي قال: [دخلت على أبي أمامة وهو في النزع فقال لي: يا أبا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا فإنه قال: إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة! فإنه يستوي قاعداً فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول أرشدني رحمك الله فليقل: اذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول له ما نصنع عند رجل قد لقن حجته؟ فيكون الله حجيجهما دونه] قال الشيخ الألباني: منكر، أخرجه القاضي الخلعي في الفوائد ٥٥/ ٢. قلت - أي الألباني -: [وهذا إسناد ضعيفٌ جداً لم أعرف أحداً منهم غير عتبة بن السكن. قال الدارقطني: متروك الحديث. وقال البيهقي: واهٍ منسوبٌ إلى الوضع. والحديث أورده الهيثمي وقال: [رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جماعة لم أعرفهم]. فالعجب من قول الحافظ في التلخيص بعد أن عزاه للطبراني: وإسناده صالح .... فأنى لهذا الإسناد الصلاح والقوة وفيه هذا الرجل المجهول؟! بل فيه جماعة آخرون مثله في الجهالة ... ثم ذكر الشيخ الألباني أن النووي وابن الصلاح والحافظ العراقي وابن القيم قد ضعفوا الحديث (١).
وقال العلامة ابن القيم بعد أن ساق الحديث: [فهذا حديث لا يصح رفعه] (٢). وذكر ابن علان قول الحافظ ابن حجر بعد تخريج حديث أبي أمامة: [هذا حديث غريب وسند الحديثين من الطريقين ضعيفٌ جداً] (٣).
стр. 159
وقال الصنعاني: [ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله] (١).
وقال الشيخ الألباني: [واعلم أنه ليس للحديث ما يشهد له، وكل ما ذكره البعض إنما هو أثر موقوف على بعض التابعين الشاميين لا يصلح شاهداً للمرفوع بل هو يعله وينزل به من الرفع إلى الوقف وفي كلمة ابن القيم السابقة ما يشير إلى ما ذكرته عند التأمل، على أنه شاهد قاصر إذ غاية ما فيه: أنهم كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل لا إله إلا الله، قل أشهد أن لا إله إلا الله " ثلاث مرات " قل: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد.
فأين فيه الشهادة على بقية الجمل المذكورة في الحديث مثل "ابن فلانة " و"أرشدني " وقول الملكين "ما نصنع عند رجل " ... وجملة القول أن الحديث منكر عندي إن لم يكن موضوعاً .... ولا يرد هنا ما اشتهر من القول بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال فإن هذا محله فيما ثبت مشروعيته بالكتاب أو السنة الصحيحة، وأما ما ليس كذلك فلا يجوز العمل فيه بالحديث الضعيف لأنه تشريع ولا يجوز ذلك بالحديث الضعيف لأنه لا يفيد إلا الظن المرجوح اتفاقاً فكيف يجوز العمل بمثله؟! فليتنبه لهذا من أراد السلامة في دينه فإن الكثيرين عنه غافلون نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق] (٢).
وقد احتج المثبتون للتلقين بما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه مسلم (٣).
стр. 160
وهذا الحديث ليس فيه التلقين بعد الموت وبعد الدفن وإنما هو في التلقين عند الاحتضار.
قال الإمام النووي: [قوله: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) معناه من حضره الموت والمراد ذكروه لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه كما في الحديث: (من كان آخر كلامه لا إله الله دخل الجنة) والأمر بهذا التلقين أمر ندب وأجمع العلماء على هذا التلقين] (١).
وسبق كلام العز بن عبد السلام أن هذا الحديث محمولٌ على من دنا موته ويئس من حياته.
وقال صاحب الهداية الحنفي: [ولُقن الشهادتين لقوله ﷺ : (لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله) والمراد الذي قرب من الموت] (٢).
ومما يؤيد تفسير الميت بالمحتضر كما ذهب إليه كثير من أهل العلم ما ورد في الحديث عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني (٣).
ومما يؤيد ذلك أيضاً ما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه من كان آخر كلمته لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) رواه ابن حبان والبزار وقال محقق صحيح ابن حبان: حديث صحيح (٤).
стр. 161
والمشروع عند الانتهاء من دفن الميت هو الاستغفار للميت والدعاء له، قال العلامة ابن القيم: [وكان - أي الرسول ﷺ إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه وسأل له التثبيت وأمرهم أن يسألوا له التثبيت] (١).
ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عثمان ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال النووي إسناده جيد وصححه الألباني أيضاً (٢).
فيجوز الوقوف عند قبر الميت بعد دفنه وإهالة التراب عليه للاستغفار والدعاء له بل ذلك مستحب كما دل عليه الحديث السابق ولم يرد في بيان صفة الاستغفار والدعاء للميت بعد الدفن حديث يعتمد عليه فيما نعلم وإنما ورد الأمر بمطلق الاستغفار والدعاء له بالتثبيت فيكفي في أمثال هذا الأمر أي صفة استغفار ودعاء له كأن يقول: اللهم اغفر له وثبته على الحق ونحو ذلك (٣).
стр. 162
المسألة الثالثة: قراءة الختمة للأموات:
من البدع المنتشرة في أيامنا هذه ما يفعله عامة الناس بعد دفن ميتهم إذ يجلسون بعد صلاة العصر في يوم الوفاة ويومين بعده فيقرؤون السور الأخيرة من القرآن الكريم ابتداءً من سورة الضحى إلى سورة الناس ثم يقرؤون سورة الفاتحة وفواتح سورة البقرة وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة وبعض الآيات الأخرى ثم يأتون ببعض الأذكار ويهللون مئة مرة ونحو ذلك.
وهنالك بعض المشايخ المتخصصين في القراءة على الأموات الذين يحترفون هذا العمل فيحضرونهم ومعهم مكبرات الصوت فيقرؤون الختمة بأجر متفق عليه وبعد الانتهاء يأكلون ما أعد لهم من طعام أو حلويات ويشربون القهوة والشاي وغيرها، ويفعلون هذه البدعة ثلاثة أيام اعتباراً من يوم الدفن، ثم يفعلونها ثلاثة أيام خميس تالية ثم في الأربعين وبعضهم يفعلها في ذكرى مرور سنة على وفاة الميت وبعضهم يزيد على ذلك.
وهذه كلها من البدع المخالفة لهدي الرسول ﷺ وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: لم ينقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم فعل مثل ذلك فهذه الختمة طريقة مبتدعة في قراءة القرآن وفي الذكر.
ثم إن تخصيص هذه الأوقات وهي ثلاثة أيام من يوم الدفن وثلاثة أيام خميس ويوم الأربعين، بهذه الختمة وهذه الأذكار لم يقم عليه دليل من الشرع ولا يصح عند العلماء تخصيص زمان معين بعبادة معينة إلا بدليل شرعي ولا دليل على ذلك.
ثانياً: إن أهل العلم متفقون على أنه لا يجوز التكسب بالقرآن الكريم وهذا التكسب واضح في الأجور التي تدفع لجماعة المقرئين والذين يحددون الأسعار بناء على حالة
стр. 163
الميت وأهله من حيث الغنى والفقر فهذه الأموال التي يأخذها هؤلاء الذين يتكسبون بالقرآن محرمة عليهم ويدل على ذلك ما يلي:
١. ما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (علمت ناساً من أهل الصفة القرآن والكتاب فأهدى إليَّ رجل منهم قوساً فقلت: ليست بمال وأرمي بها في سبيل الله، لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه فأتيته، فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إليَّ قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله تعالى قال: إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها) رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي وصححه الشيخ الألباني (١).
وجاء في رواية أخرى عند أبي داود أن النبي ﷺ قال: (جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها) (٢).
٢. وعن عمران بن حصين أنه مرَّ على قارئ يقرأ ثم سأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وحسنه الشيخ الألباني (٣).
٣. وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً ونحن نقترئ فقال: الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم الأسود
стр. 164
اقرؤه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوَّم السهم يتعجل أجره ولا يتأجله) رواه أبو داود ولأحمد نحوه، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح (١).
وقوله يقيمونه كما يقوم السهم أي يبالغون في القراءة كمال المبالغة لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة (٢).
وهذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على مجرد قراءة القرآن وقد نص أهل العلم على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما الاستئجار لنفس القراءة والإهداء فلا يصح ذلك ... فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق لأن الله تعالى إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا ... وأما إذا كان لا يقرأ إلا لأجل العروض فلا ثواب لهم على ذلك وإذا لم يكن في ذلك ثواب فلا يصل إلى الميت ... ] (٣).
ونقل ابن عابدين عن الفتاوى التاترخانية أن دفع الأجرة للقارئ باطل (٤).
وذكر ابن عابدين أيضاً عن بعض الحنفية قوله: [يمنع القارئ للدنيا والآخذ والمعطي آثمان] (٥).
ونقل أيضاً عن بعض الحنفية: [وبالجملة الممنوع بيع الثواب ونية القراءة لأجل المال غير صحيحة بل هو رياء لقصده أخذ العوض في الدنيا.
стр. 165
ثم قال: والحاصل أن ما شاع في زماننا من قراءة الأجزاء بالأجرة لا يجوز لأن فيه الأمر بالقراءة وإعطاء الثواب للآمر والقراءة لأجل المال فإذا لم يكن للقارئ ثواب لعدم النية الصحيحة فأنى يصل الثواب إلى المستأجر ولولا الأجرة ما قرأ أحدٌ لأحدٍ في هذا الزمان بل جعلوا القرآن العظيم مكسباً ووسيلةً إلى جمع الدنيا إنا لله وإنا إليه راجعون ... ] (١).
стр. 166
المسألة الرابعة: إحياء ذكرى الأربعين:
من البدع المنتشرة في بلادنا وغيرها إحياء ذكرى الأربعين أي أربعون يوماً على موت فلان ففي يوم الأربعين يجددون الأحزان ويعلنون عن ذلك اليوم للملأ وأحياناً يتم الإعلان بالصحف ويدعون الناس للحضور ويعملون ختمة للميت ثم يتناولون ما لذ وطاب من الطعام، وهذه الأمور من البدع المنكرة.
[والأصل الأصيل لهذه المآتم أنها من مخترعات قدماء المصريين بل هو من أهم معتقداتهم فقد كانوا إذا مات فيهم أحدٌ دفنوه ثم يعودون إليه بعد أربعين يوماً لينظروا حال جسده فإن كانت الأرض قد أثرت في جسده فأبلته ظنوا أن روحه قد حلت في شيء حقير وذلك لسوء عمله وإذا لم تؤثر الأرض في جسده ظنوا أن روحه قد حلت في شيء عظيم فيصنعون عنده الطعام والشراب اعتقاداً منهم بعودته إلى الحياة مرة أخرى ومما لا شك فيه أن هذا المعتقد باطل من جهة الشرع والعقل] (١).
وينبغي أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام تجديد الأحزان مرة بعد مرة بل إن بعض العلماء قد كرهوا التعزية بعد ثلاث، قال الإمام النووي: [قال أصحابنا وتكره التعزية بعد الثلاثة لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب والغالب سكونه بعد الثلاثة فلا يجدد له الحزن] (٢).
كما أن أهل الميت يتكلفون إعداد الطعام والشراب لهؤلاء الناس المجتمعين في الأربعين وهذا قد يكلفهم كثيراً من المال وقد يؤدي ذلك إلى ضياع أموال الأيتام مما هو مخالف للشرع.
وقد نص كثير من العلماء على بدعية هذه الأربعين وذكرى مرور سنة أو أكثر على وفاة الميت، وقد بين الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية سابقاً بدعية
стр. 167
ذلك فقال: [إن إقامة مأتم ليلة الأربعين بدعة سيئة مذمومة شرعاً وإن عامة الناس يحرصون على إقامة مأتم ليلة الأربعين فيعلنون عنه في الصحف ويستأجرون القراء ويفد المعزون ولا سند لشيء من ذلك في الشريعة الغراء فلم يكن من هدي النبوة ولا من عمل الصحابة ﵃ ولا من المأثور عن التابعين إقامة هذا المأتم بل لم يكن معروفاً عند جمهور المسلمين وإنما هو أمر استحدث أخيراً ابتداعاً لا اتباعاً وفيه من الابتداع ما نُهي عنه شرعاً وفيه إضاعة الأموال في غير سبيلها المشروع وفيه مع ذلك تجديد الحزن وتكرير العزاء وهو مكروه شرعاً] (١).
وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية جواباً على سؤال حول أصل الذكرى الأربعينية ما نصه: [الأصل فيها أنها عادة فرعونية كانت لدى الفراعنة قبل الإسلام ثم انتشرت عنهم وسرت في غيرهم وهي بدعة منكرة لا أصل لها في الإسلام يردها ما ثبت من قول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ)] (٢).
стр. 168
المسألة الخامسة: بدعة التأبين:
من البدع المنتشرة في بلادنا إقامة حفلات التأبين للميت وخاصة إذا كان الميت ذا مكانة رفيعة في المجتمع فيعين يوم للاحتفال بتأبينه وتوزع رقاع الدعوة فإذا حانت ساعة الاحتفال استهله قارئ بتلاوة آيات من الذكر الحكيم وفي أحيان أخرى استهلوه بالوقوف دقيقة لذكرى الميت أو قراءة الفاتحة على روحه، ثم تلقى الكلمات والخطب.
وهذا الاحتفال بدعة تدور بين الكراهة والحرمة والغالب عليها التحريم لما يقع فيها من المخالفات الشرعية والكذب في وصف حال الميت ومدح الفسقة تاركي الصلاة ووصفهم بأوصاف عظيمة ويزداد الأمر سوءاً عندما يكون المؤبن المادح من المنتسبين للعلم الشرعي المتزيين بزي المشايخ فيذكرون في الميت من الأوصاف جلها من الكذب الصراح وفيها تزوير للحقائق كقولهم إن الأمة قد خسرت بموته خسارة لا تعوض وأن العلم قد تيتم وأنه قد قضى حياته في أعمال البر والتقوى ويعددون من المحاسن ما هو كذب وافتراء محض فالناس يعلمون أن الميت كان على العكس من ذلك فقد كان معلوماً من أمره ترك الصلوات وما دخل المسجد وإلا وهو في النعش (١).
وذكر الشيخ علي محفوظ أنه لما توفي الخليفة ببغداد أيام الملك الصالح عمل الملك له عزاءً جمع فيه الأكابر والأعيان والقراء والشعراء فأنشد بعض الشعراء في مرثيته:
مات من كان بعض أجناده الموت ... ومن كان يختشيه القضاء
فأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى وأمر بتأديبه وحبسه وأقام بعد التعزير في الحبس زماناً طويلاً ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه وأمره أن ينظم قصيدة يثني فيها على الله تعالى كفارة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء
стр. 169
بقوله: من كان بعض أجناده الموت، تعظيماً لشأن هذا الميت، وأن مثله ما كان ينبغي أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتي الأيام بمثل هذا ونحو ذلك.
وقوله: يختشيه القضاء، يشير إلى أن الله تعالى كان يخاف منه وهذا كفرٌ أو قريبٌ منه، رحم الله الشيخ فهكذا تكون الرجال وهكذا تكون العلماء وحسبك أن الله تعالى وصف الشعراء بقوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) هي أودية الهجاء المحرم ونحوه مما لا يحل قوله] (١).
والتأبين بدعة سواء كان قبل الدفن حيث يقف المشيعون على المقبرة فيقوم المؤبنون بإلقاء الكلمات أو كان التأبين بعد الدفن مباشرة أو في ذكرى الأربعين أو غير ذلك.
كما أن افتتاح الاحتفال بالوقوف دقيقة حداداً على الميت أمر غير جائز شرعاً وقد أجاب العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية عن سؤال يتعلق بالوقوف حداداً مع الصمت تحيةً للأموات فأجاب: [ما يفعله بعض الناس من الوقوف زمناً مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء أو تشريفاً وتكريماً لأرواحهم من المنكرات والبدع المحدثة التي لم تكن في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أصحابه ولا السلف الصالح ولا تتفق مع آداب التوحيد ولا إخلاص التعظيم لله بل اتبع فيها بعض جهلة المسلمين بدينهم من ابتدعها الكفار وقلدوهم في عاداتهم القبيحة وغلوهم في رؤسائهم ووجهائهم أحياءً وأمواتاً وقد نهى النبي ﷺ عن مشابهتهم.
والذي عرف في الإسلام من حقوق أهله الدعاء لأموات المسلمين والصدقة عنهم وذكر محاسنهم والكف عن مساويهم إلى كثير من الآداب التي بينها الإسلام وحث المسلم
стр. 170
على مراعاتها مع إخوانه أحياءً وأمواتاً وليس منها الوقوف حداداً مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء بل هذا مما تأباه أصول الإسلام] (١).
стр. 171
المسألة السادسة: وضع جريد النخيل والزهور والورود على القبور:
اعتاد كثير من الناس أن يضعوا جريد النخيل على القبور وخاصة في يومي العيد عند زيارتهم للقبور وبعضهم يضع أكاليل الزهور والورود على القبور في يومي العيد وفي غيرهما كما اعتاد كثير من الناس أن يحملوا أكاليل الورود في الجنازة ثم بعد الدفن توضع على القبر.
وبعضهم وخاصة من الحكام وأتباعهم يذهبون إلى ما يسمى نصب الجندي المجهول أو نصب زعيم أو كبير فيضعون عليه أكاليل الزهور، وهذه كلها من البدع والمحدثات وبيان ذلك بما يلي:
إن حمل أكاليل الورود في الجنازات ووضعها على القبر بعد الدفن ما هو إلا تقليد أعمى لغير المسلمين وكذلك وضع الأكاليل على ما يسمى نصب الجندي المجهول أو نصب الشهداء أو قبور الزعماء هو تقليد لغير المسلمين وقد نهينا عن تقليدهم.
وقد يستدل بعضهم على جواز وضع الجريد على القبور بما جاء في الحديث عن ابن عباس عن النبي ﷺ : (أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة فقالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) رواه البخاري ومسلم (١).
والاستدلال بهذا الحديث على أن وضع الجريد على القبور مشروع غير مسلم، قال الإمام الخطابي: [وأما غرسه ﷺ شق العسيب على القبر وقوله (ولعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ودعائه بالتخفيف عنهما وكأنه ﷺ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حداً لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب
стр. 172
عنها وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنىً ليس في اليابس والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه والله أعلم] (١).
وما قاله الخطابي يدل على أن وضع الجريد على القبر خاص بالنبي ﷺ لأن الله أعلمه أن الميتين يعذبان في قبرهما ولا أحد بعد رسول الله ﷺ يعلم هل الأموات يعذبون في قبورهم أم ينعمون؟ لأنه لا وحي بعد محمد ﷺ .
وقال ابن الحاج: [فالجواب عن قوله ﵊: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) راجع إلى بركة ما وقع من لمسه ﵊ لتلك الجريدة وقد نص على ذلك الإمام الطرطوشي ﵀ في كتاب " سراج الملوك " له، لمَّا ذكر هذا الحديث فقال عقبه: وذلك لبركة يده ﵊ وما نقل عن واحد من الصحابة ﵃ فلم يصحبه عمل باقيهم ﵃ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحباً] (٢).
وذكر صاحب عون المعبود أن مما يؤيد ما ذهب إليه الخطابي: [ما ذكره مسلم في آخر الكتاب في الحديث الطويل حديث جابر في صاحبي القبر فأحببت بشفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام العودان رطبين] (٣).
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر معقباً على كلام الخطابي المذكور سابقاً: [وصدق الخطابي وقد ازداد العامة إصراراً على هذا العمل الذي لا أصل له وغلوا فيه خصوصاً في بلاد مصر تقليداً للنصارى حتى صاروا يضعون الزهور على القبور ويتهادونها بينهم فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحيةً لهم ومجاملةً للأحياء وحتى صارت
стр. 173
عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدةً من بلاد أوروبا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه الجندي المجهول وضعوا عليها الزهور وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليداً للإفرنج واتباعاً لسنن من قبلهم ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة بل تراهم أنفسهم يصنعون ذلك في قبور موتاهم ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافاً خيريةً موقوفٌ ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع في القبور وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين ولا مستند لها من الكتاب والسنة ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا] (١).
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر أيضاً: [والصحيح أن وضع الجريدة كان خاصاً بالنبي ﷺ وخاصاً بهذين القبرين بدليل أنه ﷺ لم يفعلها إلا هذه المرة ولم يفعلها أصحابه لا في حياته ولا بعده وهم أفهم للدين وأحرص على الخير] (٢).
وقال الشيخ محمود خطاب السبكي: [ولم يثبت أنه ﵊ فعل هذا الوضع على قبر أحد غير هذين فدل ذلك على أنها واقعة حال وشفاعة خاصة وليست سنة عامة ويدل على ذلك أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة ولا سيما الخلفاء الراشدين أنه وضع جريداً ولا غيره على القبور ولو كان ذلك سنة ما تركه أولئك الأئمة وقد قال ﷺ :
(فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) الحديث رواه المصنف - أي أبو داود - وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
стр. 174
وحجة بريدة ﵁ ليست حجة على غيره كما هو معلوم فما قاله الخطابي ومن ذكر معه هو الأولى ولا سيما أن غالب الناس اعتقد في وضع الجريدة ونحوه اعتقاداً تأباه الشريعة المطهرة كما هو معروف من حالهم ونطقهم] (١). وأثر بريدة الذي أشار إليه السبكي هو ما ذكره البخاري تعليقاً: [وأوصى بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدتان] (٢).
قال الحافظ ابن حجر: [وقد وصله ابن سعد من طريق مورق العجلي ... وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصاً بذينك الرجلين قال ابن رشيد: [ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما فلذلك عقبه بقول ابن عمر إنما يظله عمله] (٣).
وذكر الإمام العيني أن ابن عمر ﵄ كان يرى أن وضع الجريد على القبرين خاص بهما (٤).
وقال الشيخ محمد رشيد رضا عن حديث الجريدتين [فإنه واقعة حال في أمرٍ غيبي غير معقول المعنى والظاهر أنه من خصائص النبي ﷺ ] (٥).
وقال الشيخ الألباني: [لو كانت النداوة مقصودة بالذات لفهم ذلك السلف الصالح ولعملوا بمقتضاه ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها ولو فعلوا
стр. 175
لاشتهر ذلك عنهم ثم نقله الثقات إلينا لأنه من الأمور التي تلفت النظر وتستدعي الدواعي نقله فإذ لم ينقل دل على أنه لم يقع وأن التقرب به إلى الله بدعة ... ] (١).
وأجابت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على السؤال المتعلق بوضع الجريد على القبور ونصه: [قال ابن عباس: مرّ النبي ﷺ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله: لم فعلت؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) رواه البخاري.
فهل يصح لنا الاقتداء بالنبي ﷺ في ذلك؟ وهل يجوز وضع ما شابه الجريدة من الأشياء الرطبة الخضراء قياساً على الجريدة أو يجوز غرس شجرة على القبر لتكون دائمة الخضرة لهذا الغرض؟
الجواب: إن وضع النبي ﷺ الجريدة على القبرين ورجاءه تخفيف العذاب عمن وضعت على قبرهما واقعة عين لا عموم لها في شخصين أطلعه الله على تعذيبهما وأن ذلك خاص برسول الله ﷺ وأنه لم يكن منه سنة مطردة في قبور المسلمين وإنما كان مرتين أو ثلاثاً على تقدير تعدد الواقعة لا أكثر ولم يعرف فعل ذلك عن أحد من الصحابة وهم أحرص المسلمين على الاقتداء به ﷺ وأحرصهم على نفع المسلمين إلا ما روي عن بريدة الأسلمي: أنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان ولا نعلم أن أحداً من الصحابة ﵃ وافق بريدة على ذلك، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم] (٢).
стр. 176
ويجب أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام في إكرام الشهداء الذين يستشهدون في سبيل الله إقامة ما يسمى بنصب الشهداء أو نصب الجندي المجهول أو نحو ذلك من المسميات فهذه أمور مبتدعة ووافدة إلى ديار الإسلام.
стр. 177
المسألة السابعة: زيارة القبور يومي العيدي:
جرت عادة كثير من الناس زيارة القبور يومي العيد ويكون ذلك بعد انتهاء صلاة العيد فيخرجون من المساجد - حيث إنهم يصلون العيد في المساجد والسنة أن تصلى في مصلى العيد وهو غير المسجد - فيذهبون إلى المقابر لزيارتها رجالاً ونساءً ويحملون معهم الحلويات والقهوة والشاي والزهور والورود ويضعون جريد النخل على القبور ويختلط الرجال بالنساء وتنتهك الحرمات ويهان الأموات بالجلوس على القبور وكل ذلك على خلاف السنة النبوية وبيان ذلك فيما يلي:
إن الأصل في زيارة القبور أنها سنة مشروعة ثابتة عن النبي ﷺ فقد ثبت في الحديث عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم (١).
وفي رواية لأبي داود: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها تذكرة) قال الشيخ الألباني: صحيح (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (زوروا القبور فإنها تذكر الموت) رواه مسلم (٣)، وغير ذلك من الأحاديث.
فزيارة القبور سنة ثابتة ولكن الشارع الحكيم لم يخصص زماناً معيناً لزيارتها فتخصيص يومي العيد لزيارتها بدعة مكروهة لأنه تخصيص للعبادة بوقت معين بدون دليل شرعي. وقد تكون حراماً إذا رافقتها الأمور المنكرة التي تقع في أيامنا هذه من خروج النساء متبرجات واختلاطهن بالرجال ويضاف إلى ذلك انتهاك حرمات الأموات من الجلوس على القبور ووطئها بالأقدام.
стр. 178
قال ابن الحاج: [ومن عادته الذميمة - أي إبليس - أنه لا يأمر بترك سنة حتى يعوض لهم عنها شيئاً يخيل إليهم أنه قربة عوَّض لهم عن سرعة الأوبة زيارة القبور قبل أن يرجعوا إلى أهليهم يوم العيد وزين لهم ذلك وأراهم أن زيارة القبور من الموتى في ذلك اليوم من باب البر وزيادة الود لهم وأنه من قوة التفجع عليهم إذ فقدهم في مثل هذا العيد.
وفي زيارة القبور في غير هذا اليوم من البدع المحرمات ما تقدم ذكره في زيارة القبور فكيف به في هذا اليوم الذي فيه النساء يلبسن ويتحلين ابتداء ويتجملن فيه بغاية الزينة مع عدم الخروج فكيف بهن في الخروج في هذا اليوم فتراهن يوم العيد على القبور متكشفات قد خلعن جلباب الحياء عنهن فبدل لهم موضع السنة محرماً ومكروهاً ... ] (١).
قلت رحم الله ابن الحاج إذا كان هذا ما وصفه في زمانه من أحوال النساء فكيف لو رأى ما يحصل في زماننا من تهتك وعري وانحلال وفساد فإنا لله وإنا إليه راجعون. ويضاف إلى ذلك أن النساء ممنوعات من زيارة القبور على الراجح من أقوال أهل العلم فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله زائرات القبور) رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حبان وقال محققه إسناده حسن، وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢).
стр. 179
وعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان وقال محققه إسناده صحيح، وقال الشيخ أحمد شاكر: حسن (١).
وعن علي ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ ، فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة، قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات) رواه البيهقي وابن ماجة وفي سنده اختلاف (٢).
وغير ذلك من الأحاديث التي دلت على تحريم زيارة النساء للقبور، فهذه أحاديث صريحة في معناها، فإن رسول الله ﷺ لعن النساء على زيارة القبور، واللعن على الفعل من أول الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [فإن قيل فالنهي عن ذلك منسوخ، كما قال أهل القول الآخر، قيل هذا ليس بجيد، لأن قوله ﷺ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) هذا خطاب للرجال دون النساء فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور، أو متناول لغيرهم بطريق التبع فإن كان مختصاً بهم فلا ذكر للنساء وإن كان متناولاً لغيرهم كان هذا اللفظ عاماً وقوله: (لعن الله زوَّارات القبور) خاص بالنساء دون الرجال، ألا تراه يقول (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)، فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله، سواء أكانوا ذكوراً أو إناثاً وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارات دون الرجال، وإذا كان
стр. 180
هذا خاصاً ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان متقدماً على العام عند عامة أهل العلم كذلك لو علم أنه كان بعدها] (١).
قال الشيخ أحمد محمد شاكر: [وقد تأول بعضهم هذا الحديث في لعن زائرات القبور، فقال الترمذي فيما سيأتي في الجنائز:" وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلماء رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن " ويشير الترمذي بذلك إلى حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم وأبو داود والنسائي. قال في عون المعبود (ج٣ص٢١٢) " الأمر للرخصة أو للاستحباب وظاهره الإذن في زيارة القبور للرجال. قال الحافظ في الفتح: واختلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الأذن وهو قول الأكثر ومحله ما إذا أمنت الفتنة، وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة، وقيل: الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور، انتهى ". قال العيني:" وحاصل الكلام أن زيارة القبور مكروهة للنساء بل حرام في هذا الزمان، ولا سيما نساء مصر، لأن خروجهن على وجه الفساد والفتنة، وإن ما رخصت الزيارة لتذكر أمر الآخرة وللاعتبار بمن مضى وللتزهد في الدنيا انتهى ".
هذا قول العيني في منتصف القرن التاسع فماذا يقول لو رأى ما رأينا في منتصف القرن الرابع عشر وإنا لله وإنا إليه لراجعون. والقول الصحيح الذي نرضاه تحريم زيارة القبور على النساء مطلقاً فإن النهي ورد خاصاً بهن والإباحة لفظها عام والعام لا ينسخ الخاص، بل الخاص حاكم عليه ومقيد له] (٢).