Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الصافات: ١٣٩-١٤٤) .
يونس ﵇ أحد الأنبياء ركب مع قوم في سفينة فضاقت به، وقالوا: إن بقينا كلنا على طهرها هلكنا وغرقت، لابد أن ننزل بعضنا في البحر. فمن ننزل؟ أول راكب، أم أكبر راكب، أم أكبر بدناً؟ فعملوا قرعة، فصارت القرعة على جماعة منهم يونس، أو هو وحده؛ لأن الآية تقول (نساهم وكان من: إذا معه ناس، نزلوهم، والذين معه الله أعلم بهم لا نعرف ماذا صار لهم.
أما هو فالتقمه حوت عظيم، أي ابتلعه بلعاً دون أن يعلكه فصار في بطن الحوت، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فلفظه الحوت على سيف البحر، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين (يقطين) قال العلماء: إنها قرع النجد. قَرع النجد لين وأوراقه لينة كالإبريسم، ومن خصائصه أنه لا يقع عليه الذباب فأنبت الله عليه شجرة من يقطين حتى ترعرع بعد أن بقي في بطن الحوت، ثم أنجاه الله .
والقرعة من الأمور المشروعة الثابتة بالكتاب والسنة وقد ذكر أبن رجب ﵀ في كتابه القواعد الفقهية، قاعدة في الأشياء التي تستعمل فيها القرعة، من أول الفقه إلى آخره.
* * *
стр. 1017
١٨٨-السادس: عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة رضية الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برى، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة" رواه مسلم.
معناه: من كره بقلبه ولم يستطع إنكارا بيد ولا لسان فقد برى من الإثم، وأدى وظيفتهُ، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بفعلهم وتابعهم، فهو العاصي.
[الشَّرْحُ]
في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف، أخبر ﵊ " أنه يستعمل علينا أمراء" يعني يولون علينا من قبل ولي الأمر" فتعرفون وتنكرون" يعني أنهم لا يقيمون حدود الله، ولا يستقيمون على أمر الله، تعرف منهم وتنكر، وهم أمراء لولي الأمر الذي له البيعة، فمن كره فقد برىء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع يعني أنه يهلك كما هلكوا. ثم سألوا النبي ﷺ : ألا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة".
فدلّ هذا على أ، هم - أي الأمراء- إذا رأينا منهم ما ننكر، فإننا نكره ذلك، وننكر عليهم، فإن اهتدوا فلنا ولهم، وإن لم يهتدوا فلنا وعليهم،
стр. 1018
وأنه لا يجوز أن نقاتل الأمراء الذين نرى منهم المنكر؛ لأن مقاتلتهم فيها شر كثير، ويفوت بها خيرا كثير؛ لأنهم إذا قوتلوا أو نوبذوا لم يزدهم ذلك إلا شر، فإنهم أمراء يرون أنفسهم فوق الناس، فإذا نابذهم الناس أو قاتلوهم؛ ازداد شرهم، إلا أن النبي ﷺ شرط ذلك بشرط، قال: " ما أقاموا فيكم الصلاة" فدل على أنه إذا لم يقيموا الصلاة فإننا نقاتلهم.
وفي هذا الحديث دليلٌ على أن ترك الصلاة كفر، وذلك لأنه لا يجوز قتال وُلاة الأمور إلا إذا رأينا كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، فإذا إذن لنا النبي ﷺ أن نقاتلهم إذا لم يقيموا الصلاة، دل ذلك على أن ترك الصلاة كفر بواح عندنا فيه من الله برهان.
وهذا هو القول الحق؛ أن تارك الصلاة تركاً مطلقاً، لا يصلي مع الجماعة ولا في بيته كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ولم يرد عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة في الجنة، أو أنه مؤمن، أو أنه ناج من النار، أو ما أشبه ذلك.
فالواجب إبقاء النصوص على عمومها في كفر تارك الصلاة. ولم يأت أحدٌ بحجة تدل على أنه لا يكفر إلا حُججاً لا تنفع؛ لأنها تنقسم إلى خمسة أقسام:
١- إما أنه ليس فيها دليلٌ أصلاً.
٢- وإما أنها مقيدة بوصف لا يمكن معه ترك الصلاة.
٣- وإما أنها مقيدة بحال يعذر فيه من ترك الصلاة.
٤- وإما أنها عامة خُصت بنصوص كفر ترك الصلاة.
٥- وإما أنها ضعيفة.
стр. 1019
فهذه خمسة أقسام لا تخلو أدلة من قال إنه لا يكفر منها أبداً.
فالصواب الذي لا شك فيه عدي: أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة وأنه أشد كفراً من اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى يُقرون على دينهم، وأما هو فلا يُقر؛ لأنه مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
* * *
١٨٩- السادس: عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعاً يقولُ: لا إله إلا الله" ويل للعرب من شرً قد أٌقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحُون؟ قال: " نعم إذا كثر الخبثُ" متفقٌ عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أم المؤمنين زينب بنت جحش- ﵂ أن النبي ﷺ محمراً وجهُه يقول: " لا إله إلا الله ويلٌ للعرب من شر قد اقترب" دخل عليها بهذه الصفة، متغير اللون، محمر الوجه يقول: لا أله إلا الله" تحقيقاً للتوحيد وتثبيتاً له؛ لأن التوحيد هو القاعدة التي تبنى عليها جميع الشريعة. قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) ، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا
стр. 1020
مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء: ٢٥) .
فتوحيد الله بالعبادة، والمحبة، والتعظيم، والإنابة، والتوكل، والاستعانة، والخشية، وغير ذلك، هو أساس الملة.
ولهذا قال النبي ﵊: " لا إله إلا الله " في هذه الحال التي كان فيها فزعاً متغير اللون، تثبيتاً للتوحيد وتطميناً للقلوب. ثم حذر العرب فقال: " ويل للعرب من شر قد اقترب" وهم حاملو لواء الإسلام فالله تعالى بعث محمداً ﷺ في الأميين، في العرب: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الجمعة: ٢-٣) ، فبين النبي عليهال صلاة والسلام هذا الوعيد للعرب؛ لأنهم حاملوا لواء الإسلام.
وقوله: " من شر قد اقترب" الشرّ هو الذي يحصل بيأجوج ومأجوج، ولهذا فسره بذلك فقال: " فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " وأشار بالسبابة والإبهام، يعني انه جزء ضعيف ومع ذلك فإنه يهدّد العرب.
فالعرب الذين حملوا لواء الإسلام من عهد الرسول ﵊ إلى يومنا هذا، مُهددون من قبل يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض، كما حكى تعالى عن ذي القرنين أنه قيل له: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض) فهم أهل الشر وأهل الفساد. ثم قالت زينب: " يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم إذا كثُر الخبث" الصالح لا يهلك
стр. 1021
وإنما هو سالمٌ ناج، لكن إذا كثر الخبث هلك الصالحون؛ لقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال: ٢٥) ، والخبث هنا يُراد به شيئان:
الأول: الأعمال الخبيثة.
والثاني: البشر الخبيث.
فإذا كثرت الأعمال الخبيثة السيئ في المجتمع ولو كانوا مسلمين، فإنهم عرضوا أنفسهم للهلاك. وإذا كُثر فيه الكفار فقد عرضوا أنفسهم للهلاك أيضاً. ولهذا حذّر النبي ﵊ من بقاء اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب، حذر من ذلك فقال: " أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب"
وقال في مرض موته: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"
وقال في آخر حياته: " لئن عشتُ لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب"
وقال: " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها
стр. 1022
إلا مسلماً" هكذا صحّ عنه ﵊. ومع الأسف الشديد الآن تجد الناس كأنما يتسابقون إلى جلب اليهود والنصارى والوثنيين إلى بلادنا للعمالة، ويدعي بعضهم أنهم أحسن من المسلمين. نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
هكذا يلعب الشيطان بعقول بعض الناس حتى يفضل الكافر على المؤمن، والله يقول: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة: ٢٢١) .
فالحذر الحذر من استجلاب اليهود النصارى والوثنيين من البوذيين وغيرهم إلى هذه الجزيرة؛ لأنها جزيرة إسلام، منها بدأ وإليها يعود، فكيف نجعل هؤلاء الخبث بين أظهرنا وفي أولادنا، وفي أهلنا، وفي مجتمعنا. هذا مؤذنٌ بالهلاك ولابد.
ولهذا من تأمل أخوالنا اليوم وقارن بينها وبين أحوالنا بالأمس، وجد الفرق الكبير، ولولا الناشئة الطيبة التي من الله عليها بالالتزام، والتي نسأل الله أن يثبتها عليه، لولا هذا لرأيت شراً كثيراً ولكن لعل الله أن يرحمنا بعفوه، ثم بهؤلاء الشباب الصالح الذين لهم نهضة طيبة آدام الله عليهم
стр. 1023
فضله، وأعاذنا وإياهم من الشيطان الرجيم.
* * *
١٩٠- السابع: عن أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي ﷺ قال" إياكم والجلوس في الطرقاتِ" فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بدٌ؛ نتحدث فيهاّ! فقال رسول اله ﷺ : " فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حقٌ الطريق يا رسول الله قال: " غضٌ البصر، وكف الأذى، وردُّ السلام والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكرِ" متفقٌ عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: " إياكم والجلوس في الطرقات" هذه الصيغة صيغة تحذير، يعني أحذركم من الجلوس على الطرقات، وذلك لأن الجلوس على الطرقات يؤدي إلى كشف عورات الناس؛ الذاهب والراجع، وإلى النظر فيما معهم من الأغراض التي قد تكون خاصة مما لا يحبون أن يطلع عليها أحد، وبما يفضي أيضاً إلى الكلام والغيبة فيمن يمر، إذا مرَّ من عندهم أحد أخذوا يتكلمون في عرضه.
стр. 1024
المهم أن الجلوس على الطرقات يؤدي إلى مفاسد، ولكن لما قال" إياكم والجلوس في الطرقات" وحذرهم. قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدّ، يعني أننا نجلس نتحدث، ويأنس بعضنا ببعض، ويألف بعضنا بعضاً، ويحصل في ذلك خير.
فلما رأى النبي ﵊ أنهم مصّممون على الجلوس قال: " فإن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه" ولم يشدّد عليهم ﵊، ولم يمنعهم من هذه المجالس التي يتحدث بعضهم فيها إلى بعض، ويألف بعضهم بعضاً، ويأنس بعضهم ببعض، ولم يشق عليهم في هذا، وكان ﵊ من صفته أنه بالمؤمنين رؤوف رحيم فقال: " إن أبيتم إلا المجلس" يعني إلا الجلوس " فاعطوا الطريق حقه " قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال " غض البصر، وكفٌ الأذى، وردُ السلام، والأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر" خمسة أشياء:
أولاً: غض البصر: أن تغضوا أبصاركم عمن يمر، سواء كان رجلاً أو امرأة، لأن المرأة يجب أن يغض الإنسان من بصره عنها. والرجل كذلك، تغض المرأة البصر عنه، لا تُحد البصر فيه حتى تعرف ما معه. وكان الناس في السابق يأتي الرجل بأغراض البيت يومياً فيحملها في يده، ثم إذا مرّ بهؤلاء شاهدوها وقالوا: ما الذي معه؟ وما أشبه ذلك، وكانوا إلى قوت غير بعيد إذا مرّ الرجل ومعه اللحم لأهل بيته صاروا يتحدثون: فلان قد أتى اليوم بلحم لأهله، فلان أتي بكذا، فلان أتى بكذا، فلهذا أمر النبي ﷺ أصحابه بغض البصر.
стр. 1025
ثانياً: كف الأذى: أي كفّ الأذى القولي والفعلي.
أما الأذى القولي فبأن يتكلموا على الإنسان إذ مرّ، أو يتحدثوا فيه بعد ذلك بالغيبة والنميمة.
والأذى الفعلي: بان يضايقوه في الطريق، بحيث يملؤون الطريق حتى يؤذوا المارة، ولا يحصل المرور إلا بتعب ومشقة.
ثالثاً: ردُ السلام: إذا سلم أحد فردوا ﵇، هذا من حق الطريق؛ لأن السنة أن المار يسلم على الجالس، فإذا كانت السنة أن يسلم المار على الجالس فإذا سلم فردوا السلام.
رابعاً: الأمر المعروف: فالمعروف هو كلّ ما أمر الله تعالى به أو أمر به رسول الله ﷺ فإنك تأمر به، فإذا رأيتم أحداً مقصراً سواء كان من المارين أو من غيرهم فأمروه بالمعروف، وحثوه على الخير ورغبوه فيه.
خامساً: النهي عن المنكر: فإذا رأيتم أحداً مرّ وهو يفعل المنكر، مثل أن يمرّ وهو يشرب الدخان أو ما أشبه ذلك من المنكرات، فأنهوه عن ذلك، فهذا حق الطريق.
ففي هذا الحديث يُحذر النبي ﷺ المسلمين من الجلوس على الطرقات، فإن كان لابد من ذلك، فإنه يجب أن يعطى الطريق حقَّه.
وحق الطريق خمسة أمور؛ بينها النبي ﵊ وهي: " غضُّ البصر، وكف الأذى، وردُ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ". هذه حقوق الطريق لمن كان جالساً فيه كما بينها النبي ﷺ ، والله الموفق.
* * *
стр. 1026
١٩١- الثامن: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجلٍ، فنزعهُ فطرحهُ وقال: " يعمدُ أحدكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلها في يدهّ" فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله ﷺ : " خذ خاتمك؛ انتفع به قال: لا والله لا آخذهُ أبداً وقد طرحه رسول الله ﷺ . رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
أتى المؤلف- ﵀ بهذا الحديث في باب: " الأمر المعروف والنهي عن المنكر"؛ لأن فيه تغيير المنكر باليد، فإن لباس الرجل الذهب محرم ومنكر، كما قال النبي ﵊ في الذهب والحرير، أنهما أُحلا لنساء أمتي وحُُرما على ذكروها.
فلا يجوز للرجل أن يلبس خاتماً من ذهب، ولا أن يلبس قلادة من ذهب، ولا أن يلبس ثياباً فيها أزرّةٌ من ذهب، ولا غير ذلك، يجب أن يتجنب الذهب كله، وذلك أن الذهب إنما يلبسه من يحتاج إلى الزينة والتجمل، كالمرأة تتجمل لزوجها حتى يرغب فيها. قال الله : (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (الزخرف: ١٨) ، يعني النساء. فالنساء ينشأن في الحلية ويرُبين عليها (فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) أي عييّة لا تفُصح.
على كل حال: الذهب يحتاج إليه الناس للتجمل للأزواج، والرجل
стр. 1027
ليس بحاجة إلى ذلك. الرجل يتجملُ له ولا يتجملُ لغيره، اللهم إلا الرجل فيما بينه وبين زوجه، كل يتجمل للآخر، لما في ذلك من الألفة، ولكن مهما كان، فإن الرجل لا يجوز له أن يلبس الذهب بأي حال من الأحوال.
وأما لباس الفضة فلا بأس به، فيجوز أن يلبس الرجل خاتماً من فضة، ولكن بشرط أن لا يكون هناك عقيدة في ذلك، كما يفعله بعض الناس الذين اعتادوا عادات النصارى في مسألة " الدّبلة"، التي يلبسها البعض عند الزواج.
يقولون عن الدبلة: إن النصارى إذا أراد الرجل مهم أن يتزوج، جاء إليه القسيس وأخذ الخاتم ووضعه في أصابعه: إصبع بعد إصبع، حتى ينتهي إلى ما يريد ثم يقول: هذا الرباط بينك وبين زوجتك، فإذا لبس الرجل هذه الدبلة معتقداً ذلك فهو تشبه بالنصارى، مصحوب بعقيدة باطلة، فلا يجوز حينئذ للرجل أن يلبس هذه الدبلة.
أما لو لبس خاتماً عادياً بغير عقيدة، فإن هذا لا بأس به.
وليس التختم من الأمور المستحبة؛ بل هو من الأمور التي إذا دعت الحاجة إليها فعلت وإلا فلا تفعل، بدليل أن الرسول ﵊ كان لا يلبس الخاتم لكنه لما قيل له: إن الملوك والرؤساء لا يقبلون الكتاب إلا بختم، اتخذ خاتماً نقش في فصِّه: " محمد رسول الله " حتى إذا انتهى من الكتاب ختمه بهذا الخاتم.
وفي هذا الحديث دليلٌ على استعمال الشدة في تغيير المنكر إذا دعت
стр. 1028
الحاجة إلى ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يقل له: إن الذهب حرام فلا تلبسه، أو فاخلعه؛ بل هو بنفسه خلعه وطرحه في الأرض.
ومعلوم أن هناك فرقاً بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين تغيير المنكر؛ لأن تغيير المنكر يكون من ذي سلطة قادر، مثل الأمير من جعل له تغييره، ومثل الرجل في أهل بيته، والمرأة في بيتها وما شابه ذلك. فهذا له السلطة أن يغير بيده، فإذا لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
أما الأمر فهو واجب بكلّ حال، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجب بكل حال؛ لأنه ليس فيه تغيير، بل فيه أمر بالخير ونهي عن الشر، وفيه أيضاً دعوة إلى الخير والمعروف وإلى ترك المنكر، فهذه ثلاث مراتب: دعوة، وأمر ونهي، وتغيير. ن، يعظهم ويذكرهم ويدعوهم إلى الهدى.
وأما الأمر: فإن يأمر أمراً موجهاً إلى شخص معين، أو إلى طائفة معينة. يا فلان احرص على الصلاة، واترك الكذب، اترك الغيبة، وما أشبه ذلك.
أما التغيير: فإن يغير هذا الشيء، يزيله من المنكر إلى المعروف، كما صنع النبي ﷺ حين نزع الخاتم من صاحبه نزعاً، وطرحه على الأرض طرحاً.
стр. 1029
وفيه أيضاً دليلٌ على جواز إتلاف ما يكون به المنكر؛ لأن الرسول ﵊ طرحه لما نزعه من يده ولم يقل له: خذه وأعطه أهلك مثلاً، ولهذا كان من فقه هذا الرجل أنه لما قيل له: خذ خاتمك، قال: لا آخذ خاتماً طرحه النبي ﷺ ؛ لأنه فهم أن هذا من باب التعزيز وإتلافه عليه؛ لأنه حصلت به المعصية، والشيء الذي تحصل به المعصية أو ترك الواجب، لا حرج على الإنسان أن يتلفه انتقاماً من نفسه بنفسه، كما فعل نبي الله سليمان ﵊، حين عُرضت عليه الخيل الجياد، ولهى بها حتى غربت الشمس فاشتغل بها عن صلاة العصر ففاتته، ثم دعا بها ﵊ وجعل يضربها، يعقرها ويقطع أعناقها، كما قال تعالى: (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (صّ: ٣٣) ، أتلقها انتقاماً من نفسه، لرضا الله .
فإذا رأى الإنسان أن شيئاً من ماله ألهاه عن طاعة الله، وأراد أن يتلفه أنتقاماً من نفسه وتعزيزاً لها، فإن ذلك لا بأس به.
وفي هذا الحديث دليلٌ على أن لبس الذهب موجب للعذاب بالنار والعياذ بالله؛ لقوله ﵊: " يعمد أحدكم على جمرة من نار فيضعها في يده" فإن الرسول ﷺ جعل هذا جمرة من نار، يعني يعذب بها يوم القيامة، وهو عذاب جزئي أي على بعض البدن، على الجزء الذي حصلت به المخالفة. ونظير قوله ﷺ فيمن جرّ ثوبه أسفل الكعبين
стр. 1030
قال: " ما أسفل من الكعبين ففي النار" ونظيره أيضاً حين قصر الصحابة في غسل أرجلهم، فقال النبي ﷺ : " ويلٌ للأعقاب من النار"
فهذه ثلاثة نصوص من السنة كلها فيه إثبات أن العذاب بالنار قد يكون على جزء معين من البدن.
وفي القرآن أيضاً من ذلك كقوله تعالى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) (التوبة: ٣٥) ، ومواضع معينة، فالعذاب كما يكون عاماً على جميع البدن، قد يكون خاصاً ببعض أجزائه وهو ما حصلت به المخالفة.
ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: بيان كمال صدق الصحابة ﵃ في إيمانهم، فإن هذا الرجل لما قيل له: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا آخذ خاتماً طرحه النبي ﵊، وذلك من كمال إيمانه ﵁. ولو كان ضعيف الإيمان، لأخذه وانتفع به؛ ببيعٍ أو بإعطائه أهله أو ما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: أن الإنسان يستعمل الحكمة في تغيير المنكر، فهذا الرجل استعمل معه النبي صلى الله ﵊ شيئاً من
стр. 1031
الشدة. لكن الأعرابي الذي بال في المسجد لم يستعلم معه النبي ﵊ الشدة، ولعل ذلك لأن هذا الذي لبس خاتم الذهب علم النبي ﵊ أنه كان عالماً بالحكم ولكنه متساهل، بخلاف الأعرابي، فإنه كان جاهلاً لا يعرف، جاء ووجد هذه الفسحة في المسجد، فجعل يبول، يحسب نفسه أنه في البر!! ولما قال إليه الناس يزجرونه نهاهم النبي ﷺ عن ذلك.
وكذلك استعمل النبي ﷺ اللين مع معاوية بن الحكم السلمي- ﵁ حين تكلم في الصلاة، وكذلك مع الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، فلكلّ مقام مقال.
فعليك- يا أخي المسلم - أن تستعمل الحكمة في كل ما تفعل وكل ما تقول، فإن الله تعالى يقول في كتابه: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (البقرة: ٢٦٩) ، نسأل الله أن يجعلنا ممن أوتي الحكمة ونال بها خيراً كثيراً.
* * *
١٩٣- العاشر: عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " والذي نفسي بيده، لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجابُ لكم" رواه الترمذي، وقال: حديثٌ
стр. 1032
حسنٌ.
[الشَّرْحُ]
قوله ﵊: " والذي نفسي بيده" هذا قسم، يقسم فيه النبي ﷺ بالله؛ لأنه هو الذي أنفُس العباد بيده جل وعلا، يهديها إن شاء، ويضلها إن شاء، ويميتها إن شاء، ويبقيها إن شاء، فالأنفس بيد الله هدايةً وضلالة، وإحياءًً وإماتة، كما قال الله ﵎: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس: ٧، ٨) ، فالأنفس بيد الله وحده، ولهذا أقسم النبي ﷺ ، وكان يقسم كثيراً بهذا القسم: (والذي نفسي بيده) وأحياناً يقول: " (والذي نفس محمد بيده) ؛ لأن نفس محمد ﷺ أطيبُ الأنفس، فأقسم بها لكونها أطيب الأنفس.
ثم ذكر المقسم عليه، وهو أن نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يعمنا الله بعقاب من عنده حتى ندعوه فلا يستجيب لنا. نسأل الله العافية.
وقد سبق لنا عدة أحاديث كلها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحذير من عدمه، فالواجب علينا جميعاً أن نأمر بالمعروف، فإذا رأينا أخاً لنا قد قصّر في واجب أمرناه به وحذرناه من المخالفة، وإذا رأينا أخاً لنا قد أتى منكراً نهيناه عنه وحذرناه من ذلك، حتى نكون أمة واحدة؛ لأننا إذا تفرقنا وصار كل واحد منا له مشرب؛
стр. 1033
حصل بيننا من النزاع والفرقة والاختلاف ما يحصل، فإذا اجتمعنا كلنا على الحق؛ حصل لنا الخير والسعادة والفلاح.
وفي هذا الحديث دليلٌ على جواز القسم دون أن يُطلب من الإنسان أن يقسم، ولكن هذا لا ينبغي إلا في الأمور التي لها أهمية ولها شأن، فهذه يقسم عليها الإنسان، أما الشيء الذي ليس له أهمية ولا شأن، فلا ينبغي أن تحلف عليه إلا إذا استحلفت للتوكيد فلا بأس.
فهذا دليلٌ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فرض، وهو من أهم واجبات الدين وفروضه، حتى إن بعض العلماء عدّه ركناً سادساً من أركان الإسلام. والصحيح أنه ليس ركناً سادساً، لكنه من أهم الواجبات وأفرض الفروض. والأمة إذ لم تقم بهذا الواجب، فإنها سوف تتفرق بها الأهواء، وسيكون كل قوم لهم منهاج يسيرون عليه، لكنهم إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، اتفق منهاجهم وصاروا أمة واحدة كما أمرهم الله بذلك: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: ١١٠) ، (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: ١٠٤-١٠٥) .
ولكن على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يلاحظ مسألة مهمة، وهي أن يكون قصده بذلك إصلاح أخيه، لا الانتقام منه والاستئثار عليه؛ لأنه ربما إذا قصد الانتقام منه والاستئثار عليه يُعجب بنفسه
стр. 1034
وبعمله، ويحقر أخاه، وربما يستبعد أن يرحمه الله، ويقول: هذا بعيدٌ من رحمة الله، ثم ذلك يحبط عمله. كما جاء ذلك في الحديث الذي صحّ عن النبي ﷺ ، أن رجلاً قال لرجل آخر مسرف على نفسه: " والله لا يغفر الله لفلان" فقال الله : " من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرتُ له، وأحبطت عملك.
فانظر إلى هذا الرجل؛ تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، هلك كلّ عمله وسعيه؛ لأنه حمله إعجابه بنفسهن وإحتفاره لأخيه، واستبعاده رحمة الله على أن يقول هذه المقالة، فحصل بذلك أن أوبقت هذه الكلمة دنياه وآخرته.
فالمهم أنه يجب على الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يستحضر هذا المعنى، أن يكون قصده الانتصار لنفسه أو الانتقام من أخيه، بل يكون كالطبيب المخلف قصده دواء هذا المربض، الذي مرض بالمنكر فيعمل على أن يعالجه معالجة تقيه شر هذا المنكر، أو ترك واجباً فيعالجه معالجةً تحمله على فعل الواجب. وإذا علم الله من نيته الإخلاص، جعل في سعيه بركة، وهدى به من شاء من عباده، فحصل على خير كثير، وحصل منه خير عظيم، والله الموفق.
* * *
стр. 1035
١٩٤- الحادي عشر: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " أفضلُ الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطان جائرٍ" رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسنٌ.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطان جائر".
فللسطان بطانتان: بطانة السوء، وبطانة الخير.
بطانة السوء: تنظر ماذا يريد السلطان، ثم تزينه له وتقول: هذا هو الحق، هذا هو الطيب، وأحسنت وأفدت، ولو كان - والعياذ بالله - من أجور ما يكون، تفعل ذلك مداهنة للسلاطين وطلباً للدنيا.
أما بطانة الحق: فإنها تنظر ما يرضي الله تعالى ورسوله ﷺ ، وتدل الحاكم عليه، هذه هي الباطنة الحسنة.
وكلمة الباطل عند سلطان جائر، هذه - والعياذ بالله- ضد الجهاد.
وكلمة الباطل عند سلطان جائر، تكون بأن ينظر المتكلم ماذا يريد السلطان فيتكلم به عنده ويزينه له.
وقول كلمة الحق عند سلطان جائر من أعظم الجهاد. وقال: " عند
стр. 1036
سلطان جائر" لأن السلطان العادل، كلمة الحق عنده لا تضر قائلها؛ لأنه يقبل، أما الجائر فقد ينتقم من صاحبها ويؤذيه.
فالآن عندنا أربع أحوال:
١- كلمة حق عند سلطان عادل، وهذه سهلة.
٢- كلمة باطل عند سلطان عادل، وهذه خطيرة؛ لأنك قد تفتن السلطان العادل بكلمتك، بما تزينه له من الزخارف.
٣- كلمة حق عند سلطان جائر، وهذه أفضل الجهاد.
٤- كلمة باطل عند سلطان جائر، وهذه أقبح ما يكون.
فهذه أقسام أربعة، لكن أفضلها كلمة الحق عند السلطان الجائر.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يقول الحق ظاهراً وباطناً على نفسه وعلى غيره.
* * *
١٩٧- الرابع عشر:: عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: يا أيها الناسُ أنكم لتقرؤون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمَْ) (المائدة: ١٠٥) ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" رواه أبو داود والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحة.
стр. 1037
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى-فيما نقله عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: إما بعد أيها الناس، فإنكم تقرؤون هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمَْ) (المائدة: ١٠٥) ، وهذه الآية ظاهرها أن الإنسان إذا اهتدى بنفسه فإنه لا يضره ضلالُ الناس؛ لأنه استقام بنفسه، فإذا استقام بنفسه فشأن غيره على الله . فقد يفسرها بعض الناس ويفهم منها معنى فاسداً، يظن أن هذا هو المراد بالآية الكريمة وليس كذلك، فإن الله اشترط لكون من ضلّ لا يضرنا أن نهتدي فقال: (لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمَْ) .
ومن الاهتداء: أن نأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فإذا كان هذا من الاهتداء، فلابد أن نسلم من الضرر، وذلك بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال ﵁: وإني سمعت النبي ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أو فلم يأخذوا على يد الظالم، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" يعني أنهم يضرهم من ضلّ إذا كانوا يرون الضال ولا يأمرونه بالمعروف، ولا ينهونه عن المنكر، فإنه يوشك أن يعمهم الله بالعقاب؛ الفاعل والغافل، الفاعل للمنكر، والغافل الذي لم ينه عن المنكر.
وفي هذا دليلٌ على أنه يجب على الإنسان العناية بفهم كتاب الله ، حتى لا يفهمه على غير ما أراد الله، وأن الناس قد يظنون المعنى على خلاف ما أراد الله في كتابه، فيضلوا بتفسير القرآن، ولهذا جاء في
стр. 1038
الحديث الوعيد على من قال في القرآن برأيه، أي فسره بما يرى ويهوى، لا بمقتضى اللغة العربية والشريعة الإسلامية، فإذا فسر الإنسان القرآن بهواه ورأيه فليتبوأ مقعده من النار.
أما من فسره بمقتضى اللغة العربية، وهو ممن يعرف اللغة العربية، فهذا لا إثم عليه؛ إن القرآن نزل باللسان العربي، فيفسر بما يدل عليه. وكذلك إذا كانت الكلمات قد نقلت من المعنى اللغوى إلى المعنى الشرعي، وفسرها بمعناها الشرعي فلا حرج عليه.
فالمهم أنه يجب على الإنسان أن يكون فاهماً لمراد الله في كتابه، وكذلك لمراد النبي ﷺ في سنته، حتى لا يفسرهما إلا بما أراد الله ورسوله، والله الموفق.
стр. 1039
٢٤- باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهي عن منكر وخالف قوله فِعله
قال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٤٤) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢، ٣) ، وقال تعالى إخباراً عن شُعيب ﷺ : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) (هود: ٨٨) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى-: باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف فعله قوله" لما كان الباب الذي قبله في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان المناسب ذكر هذا الباب في تغليظ عقوبة من أمر بمعروف ولم يفعله، أو نهى عن منكر وفعله - والعياذ بالله - وذلك أن من هذه حالة، لا يكون صادقاً في أمره ونهيه؛ لأنه لو كان صادقاً في أمره، معتقداً أن ما أمر به معروف، وأنه نافع؛ لكان هو أول من يفعله لو كان عاقلاً. وكذلك لو نهى عن منكر وهو يعتقد أنه ضار، وأن فعله إثم؛ لكان أول من يتركه لو كان عاقلاً. فإذا أمر بمعروف ولم يفعله، أو نهى عن منكر وفعله؛ علم أن قوله هذا ليس مبنياً على عقيدة والعياذ بالله.
ولهذا أنكر الله على فعل ذلك فقال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ
стр. 1040
بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٤٤) والاستفهام هنا للإنكار، يعني: كيف تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم فلا تفعلونه، وأنتم تتلون الكتاب وتعرفون البر من غير البر (أَفَلا تَعْقِلُونَ؟) هذا الاستفهام للتوبيخ؛ يقول لهم: كيف يقع منكم هذا الشيء؟ أين عقولكم لو كنتم صادقين؟
مثال ذلك: رجل يأمر الناس بترك الربا، ولكنه يتعامل به أو يفعل ما هو أعظم منه فهو يقول للناس مثلاً: لا تأخذوا الربا في معاملات البنوك، ثم يذهب هو فيأخذ الربا بالحيلة والمكر والخداع، ولم يعلم أن ما وقع هو فيه من الحيلة والمكر والخداع أكبر ذنباً، وأعظم إثماً، ممن أتى الأمر على وجهه.
ولهذا قال أيوب السختياني- ﵀ في أهل الحيل والمكر: " أنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون" وصدق ﵀.
كذلك أيضاً رجل يأمر الناس بالصلاة، ولكنه هو نفسه لا يصلي!! فيكيف يكون هذا؟ كيف تأمر بالصلاة، وترى أنها معروف، ثم لا تصلي؟ هل هذا من العقل؟ ليس من العقل فضلاً أن يكون من الدين، فهو مخالف للعقل، وسفه في الدين نسأل الله العافية.
* * *
стр. 1041
وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢-٣)
[الشَّرْحُ]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) خاطبهم بالإيمان؛ لأن مقتضى الإيمان ألا يفعل الإنسان هذا، وألا يقول ما لا يفعل، ثم وبخهم بقوله: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) ثم بيّن أن هذا الفعل مكروه عند الله، مبغضٌ عنده أشد البعض، فقال: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) والمقت: قال العلماء: هو أشد البغض، فالله تعالى يبغض الرجل الذي هذه حاله؛ يقول ما لا يفعل، ويبين الله لعباده أن ذلك مما يبغضه من أجل أن يبتعدوا عنه؛ لأن المؤمن حقاً يبتعد عما نهى الله عنه.
وقال عن شعيب: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْه) (هود: ٨٨) ، يعني انه يقول لقومه: لا يمكن أن أنهاكم عن الشرط، وأنهاكم عن نقص المكيال والميزان وأنا أفعله، لا يمكن أبداً؛ لأن الرسل ﵈ هم أنصح الخلق للخلق، وهم أشد الناس تعظيماً لله، وامتثالاً لأمره واجتناباً لنهيه، فلا يمكن أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه فيفعله.
وفي هذا دليلٌ على أن الإنسان الذي يفعل ما ينهى عنه، أو يترك ما أمر به مخالف لطريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم لا يمكن أن يخالفوا الناس إلى ما ينهونهم عنه. وستأتي الأحاديث إن شاء الله في بيان عقوبة من ترك ما أمر به، أو فعل ما نهى عنه، والله الموفق.
* * *
стр. 1042
١٩٨- وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: " يؤتى بالرجل يوم القيامة فليقي في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدورُ الحمارُ في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟ ألم تك تأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت أمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه" متفق عليه.
قولهُ" تندلقُ" هو بالدلٍ المهملة، ومعناه تخرجُ و " الأقتابُ ": الأمعاءُ، واحدُها قتب.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث فيه التحذير الشديد من الرجل الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، والعياذ بالله.
يقول: " يؤتى بالرجل يوم القيامة" أي تأتي به الملائكة، فيلقى في النار إلقاء، لا يدخلها برفق، ولكنه يلقى فيها كما يلقى الحجر في اليمّ، وتندلق أقتاب بطنه، يعني أمعاءه، الأقتاب: جمع قتب وهو المعني، ومعنى تندلق: تخرج من بطنه من شدة الإلقاء- والعياذ بالله.
" فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا" وهذا التشبيه للتقبيح، شبهه بالحمار الذي يدور على الرحا، وصفة ذلك: أنه في المطاحن القديمة قبل أن توجد هذه المعدات الجديدة، كان يُجعل حجران كبيران وينقشان فيما بينهما أي ينقران، ويوضع للأعلى منها فتحة تدخل منها الحبوب، وفيها
стр. 1043
خشبة تربط بمتن الحمار، ثم يستدير على الرحا، وفي استدارته تطحنُ الرحا.
فهذا الرجل الذي يلقى في النار يدور على أمعائه- والعياذ بالله - كما يدور الحمار على رجاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون له: ما لك؟ أي شيء جاء بك إلى هنا، وأنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول مقراً على نفسه: " كنت آمر بالمعروف ولا آتيه" يقول للناس " صلوا ولا يصلي. ويقول لهم: زكوا أموالكم ولا يزكى. ويقول: بروا الوالدين، ولا يبر والديه، وهكذا يأمر بالمعروف ولكنه لا يأتيه.
" وأنهى عن المنكر وآتيه" يقول للناس: لا تغتابوا الناس، لا تأكلوا الربا، لا تغشوا في البيع، لا تسيئوا العشرة، لا تسيئوا الجيرة، وما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة التي ينهى عنها، ولكنه يأتيها والعياذ بالله، يبيع بالربا، ويغش، ويسيء العشرة، ويسئ إلى الجيران وغير هذا، فهو بذلك يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه - نسأل الله العافية- فيعذب هذا العذاب ويخزى هذا الخزي.
فالواجب على المرء أن يبدأ بنفسه فيأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر؛ لأن أعظم الناس حقاً عليك بعد رسول الله ﷺ نفسك.
ابدأ بنفسٍك فانهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
ابدأ بها ثم حاول نصح إخوانك، وأمرهم بالمعروف، وانههم عن المنكر، لتكون صالحاً مصلحاً. نسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين المصلحين، إنه جواد كريم.
стр. 1044
٢٥- باب الأمر بأداء الأمانة
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨)
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀: باب الأمر بأداء الأمانة.
الأمانة: تطلق على معان متعددة، منها ما ائتمنه الله على عباده من العبادات التي كلفهم بها، فإنها أمانة اتئمن الله عليها العباد.
ومنها: الأمانة المالية، وهي الودائع التي تعطى للإنسان ليحفظها لأهلها، وكذلك الأموال الأخرى التي تكون بيد الإنسان، لمصلحته أو مصلحة مالكها، وذلك أن الأمانة التي بيد الإنسان؛ إما أن تكون لمصلحة مالكها، أو لمصلحة من هي بيده، أو لمصلحتهما جميعاً.
فأما الأول: فالوديعة؛ الوديعة تجعلها عند شخص، تقول مثلاً: هذه ساعتي عندك احفظها لي، أو هذه دراهم احفظها لي وما أشبه هذا، فهذه وديعة بقيت عنده لمصلحة مالكها.
وأما التي لمصلحة من هي بيده: فالعارية يعطيك شخص شيئاً يعيرك إياه من إناء، أو فراش، أو ساعة، أو سيارة، فهذه بقيت في يدك لمصلحتك.
أما التي لمصلحة مالكها ومن هي بيده: فالعينُ المستأجرة، فهذه مصلحتها للجميع؛ استأجرت مني سيارة، وأخذتها، فأنت تنتفع بها في قضاء حاجتك، وأنا أنتفع بالأجرة. وكذلك البيت والدكان وما أشبه ذلك. كل هذه من الأمانات.
стр. 1045
ومن الأمانة أيضاً: أمانة الولاية وهي أعظمها مسؤولية، الولاية العامة والولايات الخاصة، فالسلطان مثلاً الرئيس الأعلى في الدولة، أمين على الأمة كلها، على مصالحها الدينية ومصالحها الدنيوية، على أموالها التي تكون في بيت الماس، لا يبذرها، ولا ينفقها في غير مصلحة المسلمين وما أشبه ذلك.
وهناك أمانات أخرى دونها، كأمانة الوزير مثلاً في وزارته، وأمانة الأمير في منطقته، وأمانة القاضي في عمله، وأمانة الإنسان في أهله، المهم أن الأمانة باب واسعٌ جداً وأصلها أمران:
أمانة في حقوق الله: وهى أمانة العبد في عبادات الله .
وأمانة في حقوق البشر" وهي كثيرة جداً، وقد أشرنا إلى شيء منها، وكلها يؤمر الإنسان بأدائها: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ، تأمل هذه الصيغة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ) صيغة قوة وسلطان لم يقل: أدوا الأمانة، ولم يقل: إني آمركم ولكن قال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ) بأمركم بألوهيته العظيمة، يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، فأقام الخطاب مقام الغائب تعظيماً لهذا المقام ولهذا الأمر، وهذا كقول السلطان - ولله المثل الأعلى - إن الأمير يأمركم، أن الملك يأمركم، فذها أبلغ وأقوى من قوله: إني آمركم كما قال ذلك علماء البلاغة.
(أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ومن لازم الأمر بأداء الأمانة إلى أهلها الأمر بأداء الأمانة إلى أهلها؛ الأمر بحفظها؛ لأنه لا يمكن أداؤها إلى أهلها إلا بحفظها. وحفظها إلا يتعدى فيها ولا يفرك، بل يحفظها حفظاً تاماً ليس فيه تعدّ ولا تفريط، حتى
стр. 1046
يؤديها إلى أهلها.
وأداء الأمانة من علامات الإيمان: فكلما وجدت الإنسان أميناً فيما يؤتمن عليه، مؤدياً له على الوجه الأكمل؛ فاعلم أنه قوي الإيمان. وكلما وجدته خائناً؛ فاعمل أنه ضعيف الإيمان.
ومن الأمانات: ما يكون بين الرجل وصاحبه من الأمور الخاصة التي لا يحب أن يطلع عليها أحد، فإنه لا يجوز لصاحبه أن يخبر بها، فلو استأمنك على حديث حدثك به، وقال لك: هذا أمانة، فإنه لا يحلّ لك أن تخبر به أحداً من الناس، ولو كان أقرب الناس إليك. سواء أوصاك بأن لا تخبر به أحداً، أو عُلم من قرائن الأحوال أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد. ولهذا قال العلماء: إذا حدثك الرجل بحديث والتفت فهذه أمانة، لماذا؟ لأنه كونه يلتفت، فإنه يخشى بذلك أن يسمع أحدٌ، إذاً فهو لا يحب أن يطلع عليه أحد، فإذا ائتمنك الإنسان على حديث، فإنه لا يجوز لك أن تفشيه.
ومن ذلك أيضاً: ما يكون بين الرجل وزوجته من الأشياء الخاصة، فإن شر الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة، الجل يفضي على امرأته وتفضي إليه، ثم يتحدث بما جرى بينهما، فلا يجوز للإنسان أن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته.
وكثيرٌ من الشباب السفهاء يتفكهون في المجالس بذكر تلك الخصوصيات، يقول الواحد منهم: فعلت بامرأتي كذا وكذا، من الأمور التي لا تحب هي أن يطلع عليها أحد. وكذلك كل إنسان عاقل له ذوقٌ
стр. 1047
سليم، لا يحب أن يطلع أحد علي ما جرى بينه وبين زوجته.
إذاً علينا أن نحافظ على الأمانات، وأول شيء أن نحافظ على الأمانات التي بيننا وبين ربنا، لأن حقّ ربنا أعظم الحقوق علينا، ثم بعد ذلك ما يكون من حقوق الخلق الأولى فالأولى.
(إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) فأثنى الله على ما يعظنا به من الأوامر التي يريد منا فعلها، والنواهي التي يريد منا تركها، ثم ختم الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء: ٥٨) ، سميعاً لما تقولون، بصيراً بما تفعلون، وختم الآية بهذين الاسمين الكريمين المتضمنين لشامل سمع الله وبصره يقتضي التهديد، فهو يهدد من لم يقم بأداء الأمانات إلى أهلها، والله الموفق.
وقال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب: ٧٢)
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف- ﵀ قوله تعالى:: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) عرض الله الأمانة وهي التكليف والإلزام بما يجب، على السموات والأرض والجبال، ولكنها أبت أن تحملها لما فيها من المشقة، ولما تخشى هذه الثلاثة - الأرض والجبال والسموات - من إضاعتها.
стр. 1048
فإن قال قائل: كيف يعرض الله الأمانة على السموات والأرض والجبال، وهي جماد ليس لها عقل ولا تشعر.
فالجواب: أن كلّ جماد فهو بالنسبة لله عاقل يفهم ويمتثل. أرأيت إلى قوله تعالى فيما أخبر به النبي ﷺ : " إن الله تعالى لما خلق القلم قال له " اكتب". فخاطب الله القلم وهو جماد، وردّ عليه القلم قال: " وماذا اكتب؟ " لأن الأمر مجمل، ولا يمكن الامتثال للأمر المجمل إلا ببيانه، قال " اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" فكتب القلب بأمر الله ما هو كائن إلى يوم القيامة. هذا أمر وتكليف وإلزام.
فهنا بين الله أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبت أن تحملها.
وقال تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت: ١١)
، فخاطبها بالأمر وقال: ائتيا طوعاً أو كرهاً، فقالتا: أتين طائعين. ففهمت السموات والأرض خطاب الله، وامتثلتا وقالتا: أتينا طائعين، وعصاه بني آدم يقولون: سمعنا وعصينا. وفضله به على كثير ممن خلق تفصيلا. والرسل الذين أرسلهم الله للإنسان. ويبينوا لهم الحق من
стр. 1049
الضلال، فلم يبق لهم عذر، ولكن مع ذلك وصف الإنسان بأنه مظلوم جهول، فاختلف العلماء هل " الإنسان" هنا عام، أم خاصّ بالكافر، فقال بعض العلماء: إنه خاص بالكافر، فهو الظلوم الجهول. أما المؤمن فهو ذو عدل وعلم وحكمة ورشد. وقال بعض العلماء: بل هو عام والمراد الإنسان بحسب طبيعته، أما المؤمن فإن اله من عليه بالهداية، فيكون مستثنى من هذا، وإياً كان فمن قام بالأمانة انتفى عنه وصف الظلم والجهالة التي في قول الله تعالى (وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب: ٧٢)
فنسأل الله أن يعيننا وإياكم على أداء ما حملناه، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، إنه جواد كريم.
* * *
١٨٩- عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسمل قال: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" متفقٌ عليه.
وفي رواية: " وإن صام وصلى وزعم انهُ مسلمٌ".
[الشَّرْحُ]
الآية: يعني العلامة، كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ) (الشعراء: ١٩٧) ، يعني أو لم يكن لهم علامة على صدق ما جاء به
стр. 1050
النبي ﷺ ، وصحة وشريعته، وأن هذا القرآن حق: (أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ) ويعلمون انه هو الذي بشّر به عيسى ﵊، وكذلك قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (يّس: ٤١) آية يعنى علامة. فعلامة المنافق ثلاث.
والمنافق هو الذي يسرٌ الشر ويظهر الخير. ومن ذلك: أن يسر الكفر ويظهر الإسلام. وأصله مأخوذ من نافقاء اليربوع. اليربوع- الذي نسميه الجربوع- يحفر له جحراً في الأرض ويفتح له باباً ثم يحفر في أقصى الجُحر خرقاً للخروج، لكنه خرق خفي لا يعلم به، بحيث إذا حجره أحد من عند الباب، ضرب هذا الخرق الذي في الأسفل برأسه ثم هرب منه. فالمنافق يظهر الخير ويبطن الشر، يظهر الخير ويبطن الكفر.
وقد برز النفاق في عهد النبي ﷺ بعد غزوة بدر، لما قُتلك صناديد قريش في بدر، وصارت الغلبة للمسلمين، ظهر النفاق، فأظهر هؤلاء المنافقون أنهم مسلمون وهم كفار، كما قال الله تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة: ١٤) ، وقال الله تعالى (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة: ١٥) ، وقال عنهم أيضاً: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) يؤكد كلامهم بالشهادة و "بأن" و " اللام" فقال الله تعالى: (? وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون: ١) .
فشهد شهادة اقوى منها بأنهم لطاذبون في قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) في أن محمداً رسول الله، ولهذا استدرك فقال: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ
стр. 1051
لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) .
والمنافق له علامات، يعرها الذي أعطاه الله تعالى فراسة ونوراً في قلبه، يعرف المنافق من تتبع أحواله.
وهناك علامات ظاهرة لا تحتاج إلى فراسة؛ منها هذه الثلاث التي بينها النبي ﷺ : " إذا حدث كذب" يقول مثلاً: فلأن فعل كذا وكذا، فإذا بحثت وجدته كذب، وهذا الشخص لم يفعل شيئاً، فإذا رأيت الإنسان يكذب؛ فاعمل أن في قلبه شعبة من النفاق.
الثاني: " إذا وعد أخلف" يعدك ولكن يخلف، يقول لك مثلاً: سآتي إليك في الساعة السابعة صباحاً ولكن لا يأتي، أو يقول: سآتي إليك غداً بعد صلاة الظهر ولكن لا يأتي.؟ يقول: أعطيك كذا وكذا، ولا يعطيك، فهو كما قال النبي ﷺ : " إذا وعد أخلف "، والمؤمن إذا وعد وفى، كما قال الله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) (البقرة: ١٧٧) ، لكن المنافق يعدك ويغرك، فإذا وجدت الرجل يغدر كثيراً بما يعد، ولا يفي، فاعلم أن في قلبه شعبة من النفاق والعياذ بالله.
الثالث: " إذا اؤتمن خان" وهذا الشاهد من هذا الحديث للباب. فالمنافق إذا ائتمنته على مال خانك، وإذا ائتمنته على سر بينك وبينه خانك، وإذا ائتمنته على أهلك خانك، وإذا ائتمنته على بيع أو شراء خانك. كلما ائتمنته على شيء يخونك والعياذ بالله، يدلّ ذلك على أن في قلبه شعبة من النفاق.
стр. 1052
وأخبر النبي ﷺ بهذا الخبر لأمرين:
الأمر الأول: أن نحذر من هذه الصفات الذميمة؛ لأنها من علامات النفاق، ويخشى أن يكون هذا النفاق العملي مؤدياً إلى نفاق في الاعتقاد والعياذ بالله، فيكون الإنسان منافقاً نفاقاً اعتقادياً فيخرج من الإسلام وهو لا يشعر فأخبرنا الرسول ﵊ لنحذر من ذلك.
الأمر الثاني: لنحذر من يتصف بهذه الصفات، ونعلم أنه منافق يخدعنا ويلعب بنا، ويغرنا بحلاوة لفظه وحسن قوله، فلا نثق به ولا نعتمد عليه في شيء؛ لأنه منافق والعياذ بالله، وعكس ذلك يكون من علامات الإيمان. فالمؤمن إذا وعد أوفى. والمؤمن إذا ائتمن أدى الامانة على وجهها، وكذلك إذا حدّث كان صادقاً في حديثه مخبراً بما هو الواقع فعلاً.
ومن الأسف فإن قوماً من السفهاء عندنا إذا وعدته بوعد يقول: " وعد انجليزي ام وعد عربي" يعني أن الإنجليز هم الذين يوفون بالوعد، فهذا بلا شك سفه وغرور بهؤلاء الكفرة، والإنجليز فيهم مسلمون ومؤمنون ولكن جملتهم كفار، ووفاؤهم بالوعد لا يبتغون به وجه الله، لكن يبتغون به أن يحسنوا صورتهم عند الناس ليغتر الناس بهم.
والمؤمن في الحقيقة هو الذي يفي تماماً فيمن أوفي بالوعد؛ فهو مؤمن، ومن أخلف الوعد؛ كان فيه من خصال النفاق.
نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النفاق العملي والعقدي، أنه جواد كريمٌ.
* * *
стр. 1053
٢٠٠-وعن حذيفة بن اليمان- ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا انتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعملوا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانةُ من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومةً، فتقبض الأمانةُ من قلبهِ فيظلُ أثرها مثل المجلِ، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراهُ منتبرا وليس فيه شيءُ" ثم أخذ حصاة فدحرجه على رجلهِ" فيصبح الناسُ يتبايعون، فلا يكادُ أحدٌ يؤدي الأمانة حتى يقالَ: إن في بني فُلانٍ رجُلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمانٍ، ولقد أتى علي زمانٌ وما أُبالي أيكم بايعتُ: لئن كان مسلماً ليردنه على دينهُ، ولئن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه على ساعيه، وأما اليوم فما كنتُ أُبايع منك إلا فُلاناً وفُلاناً " متفق عليه.
قوله: " جذر" بفتحِ الجيمِ وإسكان الذالِ المعجمةِ: وهو أصلُ الشيء. و "الوكت" بالتاء المثناة من فوقُ: الأثر اليسيرُ، " والمجلُ" بفتح الميم وإسكان الجيم، وهو تنفظ في اليد ونحوها من أثرِ عمل وغيره. قوله: " منتبرا" مُرتفعاً قوله: " ساعيه" الوالي عليه.
стр. 1054
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن حذيفة بن اليمان- ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر، وكان النبي ﷺ يحدث أصحابه أحياناً بما يراه مناسباً، والنبي ﵊ إذا حدث بشيء، فإنه حديث له وللأمة إلى يوم القيامة. وحذيفة بن اليمان- ﵁ يُقال له: صاحب السر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسمل حدثه عن قوم من المنافقين، علهم النبي ﷺ فأخبر بهم حذيفة، وكانوا نحو ثلاثة عشر رجلاً، سماهم بأسماءهم.
وكان عمر بن الخطاب- ﵁ لشدة خوفه من الله، يلتقى بحذيفة فيقول: أنشدك الله هل سماني لك رسول الله ﷺ مع من سمى من المنافقين؟ هذا وهو عمر بن الخطاب ﵁، الذي هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها وأبي بكر بضي الله عنهم أجمعين، فهو الثاني بعد الرسول ﵊ في هذه الأمة، وله من اليقين والمقامات العظيمة ما هو معلوم، حتى قال النبي ﵊: " إن يكن فيكم محدثون فعمر" يعني إن كان فيكم أحد ملهم للصواب فهو عمر، يمدحه ويثني عليه لموافقته للصواب، وإيمانه ﵁ معروف مشهور ومع ذلك يقول: " أنشدك الله هل سماني لك رسول الله مع من سماهم من المنافقين؟ فيقول حذيفة: لا. ولا أزكي بعدك أحداً.
стр. 1055
فذكر ﵁ ما حدثه به النبي ﷺ من نزع الأمانة من قلوب الرجال، فقوله ﷺ : "إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال" يعني في أصلها، ثم أنزل عليهم من القرآن والسنة ما يثبت ويؤيد هذا الأصل، فجاء القرآن والسنة مؤيداً الفطرة التي فطر الناس عليها، وعلموا من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فازدادوا بذلك إيماناً وثباتاً وأداءً للأمانة.
ولكن أخبر بالحديث الثاني أن هذه الأمانة سوف تنزع من قلوب الرجال والعياذ بالله، تنزع فيصبح الناس يتحدثون أن في بني فلان رجلاً أميناً، يعني أنك لا تكاد تجد في القبيلة رجلاً واحداً أميناً، والباقي كلهم على خيانة، لم يؤدوا الأمانة.
ولقد شاهد الناس اليوم مصداق هذا الحديث عن رسول الله ﷺ فإنك تستعرض الناس رجلاً رجلاً حتى تبلغ إلى حدّ المائة أو المئات، لا تجد الرجل الأمين الذي أدى الأمانة كما ينبغي في حق الله ولا في حقِّ الناس.
قد تجد رجلاً أميناً في حق الله، ويؤدي الصلاة، ويؤدى الزكاة، ويصوم، يحج، يذكر الله كثيراً، يسبح، لكنه في المال ليس أميناً، إن وكل إليه عملٌ حكومي فرط وصار لا يأتي للدوام إلا متأخراً، ويخرج قبل انتهاء الوقت، ويضيع الأيام الكثيرة في أشغاله الخاصة، ولا يبالي، مع أنك تجده في مقدمة الناس في المساجد، وفي الصدقات، وفي الصيام، وفي الحج، لكنه ليس أميناً من جهة أخرى.
كذلك تجد الرجل أميناً في عبادة الله، يقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة ويصوم، ويحج، ويتصدق، لكنه ليس أميناً في وظيفته، يعرف أنه لا يجوز
следующие страницы →