← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) . والمنافق له علامات، يعرها الذي أعطاه الله تعالى فراسة ونوراً في قلبه، يعرف المنافق من تتبع أحواله. وهناك علامات ظاهرة لا تحتاج إلى فراسة؛ منها هذه الثلاث التي بينها النبي ﷺ : " إذا حدث كذب" يقول مثلاً: فلأن فعل كذا وكذا، فإذا بحثت وجدته كذب، وهذا الشخص لم يفعل شيئاً، فإذا رأيت الإنسان يكذب؛ فاعمل أن في قلبه شعبة من النفاق. الثاني: " إذا وعد أخلف" يعدك ولكن يخلف، يقول لك مثلاً: سآتي إليك في الساعة السابعة صباحاً ولكن لا يأتي، أو يقول: سآتي إليك غداً بعد صلاة الظهر ولكن لا يأتي.؟ يقول: أعطيك كذا وكذا، ولا يعطيك، فهو كما قال النبي ﷺ : " إذا وعد أخلف "، والمؤمن إذا وعد وفى، كما قال الله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) (البقرة: ١٧٧) ، لكن المنافق يعدك ويغرك، فإذا وجدت الرجل يغدر كثيراً بما يعد، ولا يفي، فاعلم أن في قلبه شعبة من النفاق والعياذ بالله. الثالث: " إذا اؤتمن خان" وهذا الشاهد من هذا الحديث للباب. فالمنافق إذا ائتمنته على مال خانك، وإذا ائتمنته على سر بينك وبينه خانك، وإذا ائتمنته على أهلك خانك، وإذا ائتمنته على بيع أو شراء خانك. كلما ائتمنته على شيء يخونك والعياذ بالله، يدلّ ذلك على أن في قلبه شعبة من النفاق.

стр. 1052

وأخبر النبي ﷺ بهذا الخبر لأمرين: الأمر الأول: أن نحذر من هذه الصفات الذميمة؛ لأنها من علامات النفاق، ويخشى أن يكون هذا النفاق العملي مؤدياً إلى نفاق في الاعتقاد والعياذ بالله، فيكون الإنسان منافقاً نفاقاً اعتقادياً فيخرج من الإسلام وهو لا يشعر فأخبرنا الرسول ﵊ لنحذر من ذلك. الأمر الثاني: لنحذر من يتصف بهذه الصفات، ونعلم أنه منافق يخدعنا ويلعب بنا، ويغرنا بحلاوة لفظه وحسن قوله، فلا نثق به ولا نعتمد عليه في شيء؛ لأنه منافق والعياذ بالله، وعكس ذلك يكون من علامات الإيمان. فالمؤمن إذا وعد أوفى. والمؤمن إذا ائتمن أدى الامانة على وجهها، وكذلك إذا حدّث كان صادقاً في حديثه مخبراً بما هو الواقع فعلاً. ومن الأسف فإن قوماً من السفهاء عندنا إذا وعدته بوعد يقول: " وعد انجليزي ام وعد عربي" يعني أن الإنجليز هم الذين يوفون بالوعد، فهذا بلا شك سفه وغرور بهؤلاء الكفرة، والإنجليز فيهم مسلمون ومؤمنون ولكن جملتهم كفار، ووفاؤهم بالوعد لا يبتغون به وجه الله، لكن يبتغون به أن يحسنوا صورتهم عند الناس ليغتر الناس بهم. والمؤمن في الحقيقة هو الذي يفي تماماً فيمن أوفي بالوعد؛ فهو مؤمن، ومن أخلف الوعد؛ كان فيه من خصال النفاق. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النفاق العملي والعقدي، أنه جواد كريمٌ. * * *

стр. 1053

٢٠٠-وعن حذيفة بن اليمان- ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا انتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعملوا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانةُ من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومةً، فتقبض الأمانةُ من قلبهِ فيظلُ أثرها مثل المجلِ، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراهُ منتبرا وليس فيه شيءُ" ثم أخذ حصاة فدحرجه على رجلهِ" فيصبح الناسُ يتبايعون، فلا يكادُ أحدٌ يؤدي الأمانة حتى يقالَ: إن في بني فُلانٍ رجُلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمانٍ، ولقد أتى علي زمانٌ وما أُبالي أيكم بايعتُ: لئن كان مسلماً ليردنه على دينهُ، ولئن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه على ساعيه، وأما اليوم فما كنتُ أُبايع منك إلا فُلاناً وفُلاناً " متفق عليه. قوله: " جذر" بفتحِ الجيمِ وإسكان الذالِ المعجمةِ: وهو أصلُ الشيء. و "الوكت" بالتاء المثناة من فوقُ: الأثر اليسيرُ، " والمجلُ" بفتح الميم وإسكان الجيم، وهو تنفظ في اليد ونحوها من أثرِ عمل وغيره. قوله: " منتبرا" مُرتفعاً قوله: " ساعيه" الوالي عليه.

стр. 1054

[الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن حذيفة بن اليمان- ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر، وكان النبي ﷺ يحدث أصحابه أحياناً بما يراه مناسباً، والنبي ﵊ إذا حدث بشيء، فإنه حديث له وللأمة إلى يوم القيامة. وحذيفة بن اليمان- ﵁ يُقال له: صاحب السر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسمل حدثه عن قوم من المنافقين، علهم النبي ﷺ فأخبر بهم حذيفة، وكانوا نحو ثلاثة عشر رجلاً، سماهم بأسماءهم. وكان عمر بن الخطاب- ﵁ لشدة خوفه من الله، يلتقى بحذيفة فيقول: أنشدك الله هل سماني لك رسول الله ﷺ مع من سمى من المنافقين؟ هذا وهو عمر بن الخطاب ﵁، الذي هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها وأبي بكر بضي الله عنهم أجمعين، فهو الثاني بعد الرسول ﵊ في هذه الأمة، وله من اليقين والمقامات العظيمة ما هو معلوم، حتى قال النبي ﵊: " إن يكن فيكم محدثون فعمر" يعني إن كان فيكم أحد ملهم للصواب فهو عمر، يمدحه ويثني عليه لموافقته للصواب، وإيمانه ﵁ معروف مشهور ومع ذلك يقول: " أنشدك الله هل سماني لك رسول الله مع من سماهم من المنافقين؟ فيقول حذيفة: لا. ولا أزكي بعدك أحداً.

стр. 1055

فذكر ﵁ ما حدثه به النبي ﷺ من نزع الأمانة من قلوب الرجال، فقوله ﷺ : "إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال" يعني في أصلها، ثم أنزل عليهم من القرآن والسنة ما يثبت ويؤيد هذا الأصل، فجاء القرآن والسنة مؤيداً الفطرة التي فطر الناس عليها، وعلموا من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فازدادوا بذلك إيماناً وثباتاً وأداءً للأمانة. ولكن أخبر بالحديث الثاني أن هذه الأمانة سوف تنزع من قلوب الرجال والعياذ بالله، تنزع فيصبح الناس يتحدثون أن في بني فلان رجلاً أميناً، يعني أنك لا تكاد تجد في القبيلة رجلاً واحداً أميناً، والباقي كلهم على خيانة، لم يؤدوا الأمانة. ولقد شاهد الناس اليوم مصداق هذا الحديث عن رسول الله ﷺ فإنك تستعرض الناس رجلاً رجلاً حتى تبلغ إلى حدّ المائة أو المئات، لا تجد الرجل الأمين الذي أدى الأمانة كما ينبغي في حق الله ولا في حقِّ الناس. قد تجد رجلاً أميناً في حق الله، ويؤدي الصلاة، ويؤدى الزكاة، ويصوم، يحج، يذكر الله كثيراً، يسبح، لكنه في المال ليس أميناً، إن وكل إليه عملٌ حكومي فرط وصار لا يأتي للدوام إلا متأخراً، ويخرج قبل انتهاء الوقت، ويضيع الأيام الكثيرة في أشغاله الخاصة، ولا يبالي، مع أنك تجده في مقدمة الناس في المساجد، وفي الصدقات، وفي الصيام، وفي الحج، لكنه ليس أميناً من جهة أخرى. كذلك تجد الرجل أميناً في عبادة الله، يقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة ويصوم، ويحج، ويتصدق، لكنه ليس أميناً في وظيفته، يعرف أنه لا يجوز

стр. 1056

للموظف أن يتاجر أو يفتح محل تجارة، ولكنه لا يبالي، ويفتح محل تجارة، إما باسمه صريحاً، أو باسم مستعار، وإما برجل أجنبي يجعله في هذا الدكان وما أشبه ذلك. فيكذب، ويخون الدولة، ويأكل المال بالباطل، ويكون هذا المال الذي يكسبه من كسب حرام مانعاً من إجابة دعوته، والعياذ بالله. قال النبي ﵊: " إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: ١٧٢) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: ٥١) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، اشعث أغبر يمدُ يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذي بالحرام، فإني يستجاب لذلك". يقول النبي ﷺ : " أني يستجاب لذلك" بعيد أن يستجيب الله لهذا الرجل، الذي هو أشعث أغبر، يمد يديه للسماء: يا رب يا رب، ومع ذلك يبعد أن الله يستجيب له؛ لأنه يأكل الحرام. هذا الذي يكون موظفاً بمقتضى عقد الوظيفة فإنه يمنع من مزاولة التجارة، ثم يزاول التجارة، فكلُ كسب كسبه من هذه التجارة فهو حرام عليه، سحت والعياذ بالله ولا يبالي، نقول لمثل هذا: أنت الآن بالخيار؛ إن شئت أن تبقي على الوظيفة

стр. 1057

فاترك التجارة، وأن رأيت أن التجارة أنسب لك وأكثر فائدة فاترك الوظيفة. أمران لا يجتمعان حسب العهد الذي بينك وبين الدولة، أنت تعرف أن الدولة تمنع من مزاولة التجارة فلماذا تتاجر؟ قال الله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١) ، (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (الاسراء: ٣٤) ، يتعلل بعض الناس فيقول: كيف تمنعوني من التجارة وهناك وزراء يتاجرون بالأراضي وعندهم شركات كبيرة، فنقول: إذا ضلّ الناس لم يكن ضلالهم هدى، وإذا كانوا هم ضالين ظالمين بما صنعوا فلا تضل أنت، فإذا قال مثلاً: هذه النظم جاءت من تحت أيديهم، هم الذين شرعوها فكيف يخالفونها؟ نقول: حسابهم على الله، سيكونون هم أول من يحزن ويتحسر على ما صنع يوم القيامة، حيث لا مال عندهم يفدون به أنفسهم، ولا خدم ولا حراس يحجزون عنهم، ولا نسب ولا قرابة تنفعهم. فأنت لا تتخذ من مخالفات الناس دليلاً وسلماً لمعصية الله، ولكن عليك بالوفاء بما عاهدت غيرك عليه، وإن كان غيرك يخالف ذلك فليس لك أن تخالفه أنت. نسأل الله لنا ولكم الهداية، وأن يجعلنا وإياكم من الأمناء المؤدين للأمانة في حق الله وحق عباده. * * * ٢٠١-وعن حذيفة، وأبي هريرة- ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ " يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنةُ، فيأتُون آدم صلواتُ الله عليه، فيقولُون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقولُ: وهل

стр. 1058

أخرجكم من الجنة إلا خطيئةُ أبيكم! لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى إبني إبراهيم خليل الله، قال: فيأتون إبراهيم فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلاً من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليما، فيأتون موسى فيقول: لست بصاحب ذلك؛ اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمداً ﷺ ، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانةُ والرحم فيقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرقِ" قلتُ: بأبي وأمي، أي شيءٍ كمر البرقِ؟ قال: " ألم تروا كيف يمرُ ويرجعُ في طرفة عين؟ ثم كمر الريح ثم كمر الطيرِ، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائماٌ على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمالُ العبادِ حتى يجيء الرجلُ لا يستطيع السير إلا زحفا، وفي حافتي الصراط كلاليبُ معلقةٌ مأمورةٌ بأخذ من أمرت به، فمخدوشٌ ناجٍ ونكردسٌ في النار" والذي نفسُ أبي هريرة بيدهِ إنّ قعر جهنم لسبعون خريفاً" رواه مسلم. قوله: " وراء وراء" هو بالفتح فيهما وقيل: بالضم بلا تنوين ومعناه: لست بتلك الدرجة الرفيعة، وهي كلمةٌ تذكرُ على سبيل التواضُعِ. وقد بسطت معناها في شرح صحيح مسلم، والله أعلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن حذيفة وأبي هريرة ﵄ في حديث الشفاعة. وذلك أن النبي صلى الله عيه وسلم وعده ربهُ أن يبعثه مقاماً

стр. 1059

محموداً فقال جل وعلا: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء: ٧٩) ، وإذا جاءت "عسى" من الله فهي واجبة، بخلاف "عسى" من الخلق، فإنها للترجي. فإذا قلت: عسى الله أن يهديني، عسى الله أن يغفر لي، عسي الله أن يرحمني، فهذا رجاء. أما إذا قال الله " عسى" فهذا وعد لذلك قالوا: " عسى من الله واجبة" مثل قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) (النساء: ٩٩) ، وقوله (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه) (المائدة: ٥٢) ، وما أشبه ذلك. فالله وعد نبيه ﷺ أن يبعثه مقاماً محموداً، أي مقاماً يحمد فيه الأولون والآخرون، وذل من عدة أوجه: منها حديث الشفاعة، فإن الناس يُبعثون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، حفاة ليس عليهم نعال، وعرأة ليس عليهم ثياب وغرلاً أي غير مختونين، يعني أن الجلدة التي تقطع في الختان للطهارة تعود يوم القيامة كما قال تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (الانبياء: ١٠٤) . فيجمع الله الخلائق، والشمس فوقهم قدر ميل، أهوال عظيمة، يشاهدون الجبال تمر مرّ السحاب، تكون هباءً منثوراً، فيلحقهم من الهمّ والغمّ ما لا يطيقون، فيقول بعضهم لبعض: ألا تطلبون من يشفع لنا عند الله، فيذهبون إلى آدم فيطلبونه للشفاعة، فيذكر خطيئته التي وقعت منه. والخطيئة التي وقعت منه هي أن الله قال له ولزوجه حين أسكنهما الجنة: (وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: ٣٥) ، شجرة عيَّنها الله وليس لنا في معرفة

стр. 1060

نوعها كبير فائدة، ولهذا فنحن لا نعرف نوع هذه الشجرة؛ هل هي من شجر الزيتون، أم من الحنطة، أم من العنب، أم من النخل، لا ندري، فالواجب أن نبهمها كما ابهمها الله ، ولو كان لن في تعيينها فائدة لعينها الله . فقال لآدم وحواء: وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: ٣٥) ، فأتاهما الشيطان فوسوس لهما، ودلاهما بغرور، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، وهكذا يفعل في بني آدم، يغرهم ويغريهم ويوسوس لهم ويقسم إني ناصح وهو كذوب. فيذكر خطيئته هو وزوجته أنه أكل من هذه الشجرة، فأمرهم الله أن يهبطا من الجنة الي الأرض؛ فهبطا إلى الأرض وكانت منهم هذه الذرية التي منها الأنبياء والرسل والشهداء والصالحون، ثم يعتذر بهذا العذر، وفي هذا الحديث - أعني حديث الشفاعة- أن آدم يعتذر بأكله من الشجرة دليلٌ على أن القصة التي رويت عن أبن عباس أن حواء حملت فجاءها الشيطان فقال: سمي الولد عبد الحارث أو لأجعلن له قرن إيل فيخرج من بطنك فيشقه فأبيا أن يطيعا، وجاءهم في المرة الثانية، فأبيا أن يطيعا، فجاءهما في المرة الثالثة فأدركهما حبّ الولد فسمياه عبد الحارث. وجعل ذلك تفسيراً لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (لأعراف: ١٨٩-١٩٠) ،

стр. 1061

فإن هذه القصة قصة مكذوبة ليست بصحيحة، من وجوه: الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن رسول الله ﷺ ، وهذه القصة من الأخبار التي لا تتلقى إلا عن طريق الوحي. الثاني: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء. الثالث: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية، ولو وقع منه الشرك لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى. فهذه الوجوه وغيرها تدل على أنه لا يجوز أن يعتقد أن آدم وحواء يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال. يعتذر آدم عن الشفاعة فيأتي الناس نوحاً ﵇ وهو أول رسول أرسله الله إلى الأرض، فيخاطبه الناس بهذه المنقبه فيقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى الأرض اشفع لنا عند ربك فيعتذر؛ لأنه سأل ربه ما ليس له به علم وذلك حين قال: (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود: من الآية٤٥) . وكان لنوح ولد كافر به. والده رسول ولكنه كفر بالرسول والعياذ بالله؛ لأن النسب لا ينفع الإنسان. فابن العالم لا يأتي عالماً، بل قد يكون

стр. 1062

جاهلاً، وكذلك ابن العابد لا يأتي عابدأً، وقد يكون فاسقاً فاجراً، ابن الرسول لا يكون مؤمناً بل هذا ابن نوح ﵇ أحد أبنائه كان كافراً كان أبوه يقول: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) (هود: ٤٢) فيجيبه قائلاً: (سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود: ٤٣) . غرق الولد مع الكافرين- والعياذ بالله - وكان نوحٌ قد قال ربي إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين. فيعتذر نوح بأنه سأل ما ليس له به علم، والشافع لا يكون بينه وبين المشفوع إليه جفوة؛ بل لا بد أن يكون بينهما صلى قوية لا يخدشها شئ مع أن نوحاً ﵊ غفر الله له، وآدم غفر الله له، اجتباه ربُه فتاب عليه، فغفر الله له، ولكن لكمال مرتبتهم وعلو مقامهم، جعلوا هذا الذنب الذي غفر لهم جعلوه مانعاً من الشفاعة، كل هذا تعظيماً لله وحياء منه، وخجلاً منه. ثم يأتون إلى إبراهيم خليل الله ﵊، فيعتذر ويقول: إنه كذب في ذات الله ثلاث كذبات، وهذه الكذبات التي كذبها ليست كذباً في الواقع؛ لأنه ﵊ قد تأوّل فيها، والتأول ليس بكذب، لكن لشدة لله ، رأى أن هذا مانع للشفاعة أي من أن يتقدم للشفاعة لأحد. ثم يأتون موسى ﵊ ويقولون له: إن الله كلمك، وكتب لك التوراة بيده، فيعتذر بأنه قتل نفساً لم يؤمر بقتلها، وذلك أن

стр. 1063

موسى ﵊ كان من أشد الرجال وأقواهم، فمرّ ذات يوم برجلين يقتتلان، هذا من شيعته، يعني من بني إسرائيل، وهذا من عدوه يعني من آل فرعون من القبط، فاستغاثة الذي من شيعته على الذي عدوّه، يعني طلب منه أن يغيثه وأن يعينه على هذا الرجل، فوكزه موسى إي وكز الذي من عدوه فقضى عليه، أي هلك ومات بوكزة واحدة؛ لأنه كان قوياً شديداً ﵊. فقال (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) (القصص: ١٥) وفي الصباح وجد صاحبه الذي كان بالأمس وجده يتنازع مع شخص آخر، قال تعالى (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (القصص: ١٨) ، يعني بالأمس كنت تنازع رجلاً واليوم تنازع آخر، فهم موسى أن يبطش بالذي هو عدو لهما فقال الإسرائيلي (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ) (القصص: ١٩) وكان الناس يتحسسون من الذي قتل الرجل بالأمس؟ ففطن لذلك الفرعوني، فأخبر الناس أن موسى قاتله، فالشاهد من ذلك أن موسى ﵇ يعتذر إلى الخلق يوم القيامة؛ لأنه قتلك نفساً لم يؤمر بقتلها. ثم يذهبون إلى عيسى ﵊ ويقولون له: أنت كلمة الله وروحه. كلمة الله: يعني إنك خُلقت بكلمة الله. وروحه: أي أنك روح من أرواح الله التي خلقها، فيعتذر ولكنه لا يذكر ذنباً، أو لا يذكر شيئاً يعتذر به، فيحيلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1064

فيقول: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسمل فيقوم فيؤذن له، فيشفع. فيشفع في الناس حتى يُقضى بينهم. وفي هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀: أنّ الأمانة والرحم تقفان على جانبي الصراط. والصراط: جسر ممدود على متن جهنم. واختلف العلماء في هذا الجسر، هل هو جسر واسع أو هو جسر ضيق، ففي بعض الروايات أنه أدق من الشعر وأحدُ من السيف، ولكن الناس يعبرون عليه، والله على كل شيء قدير. وفي بعض الروايات ما يدل على أنه طريق دخض ومزلة. وعلى هذا الجسر كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن الناس من يخطف فيلقى في النار، ومنهم من يمر سريعاً كلمح البرق، ومنهم من يمر كركاب الإبل أو كالريح حسب درجاتهم وأعمالهم، تجرى بهم أعمالهم، كل من كان في هذه الدنيا أسرع إلى التزام صراط الله واتباع شريعته، كان على هذا الصراط أسرع مروراً، ومن كان متباطئاً عن الشرع في الدنيا، كان سيره هناك بطيئاً، ودعا الرسل يومئذ: " اللهم سلّم سلّم" كلٌّ يخاف على نفسه؛ لأن الأمر ليس بهين، الأمر شديد. الناس فيه أشد ما يكونون خوفا ًووجلاً حتى يعبر هذا الصراط إلى الجنة.

стр. 1065

ومن الناس من يكردس في نار جهنم ويعذب على حسب عمله. أما الكفار الخلص فإنهم لا يصعدون على هذا الصراط ولا يمرون عليه، بل يذهب بهم إلى جهنم قبل أن يصعدوا هذا الصراط، ويذهبون إلى جهنم ورداً، إنما يصعده المؤمنون فقط، لكن من كان له ذنوب لم تغفر فإنه قد يقع في نار جهنم، ويعذب بحسب أعماله، والله أعلم.

стр. 1066

٢٦- باب تحريم الظلم والأمر بردّ المظالم قال الله تعالى (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاع) (غافر: ١٨) وقال تعالى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) (الحج: ٧١) . وأما الأحاديثُ فمنها حديث أبي ذر ﵁ المتقدمُ في آخر باب المجاهدة. ٢٠٣- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: أتقوا الظلم فإن الظلم؛ ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى-: "باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم" يعني إلى أهلها. هذا الباب يشتمل على أمرين: الأمر الأول: تحريم الظلم والأمر الثاني: وجوب ردّ المظالم. واعلم أن الظلم هو النقص، قال الله تعالى (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) (الكهف: ٣٣) ، يعني لم تنقص منه شيئاً، والنقص إما أن يكون بالتجرؤ على ما لا يجوز للإنسان، وإما بالتفريط فيما يجب عليه. وحينئذٍ يدور الظلم على هذين الأمرين، إما ترك واجب، وإما فعل محرم.

стр. 1067

والظلم نوعان: ظلم يتعلق بحق الله ، وظلم يتعلق بحق العباد، فاعظم الظلم هو المتعلق بحق الله تعالى والإشراك به، فإن النبي صلى الله عليه وسمل سئل: أي الذنب أعظم؟ فقال: " أن تجعل لله نداً وهو خلقك ويليه الظلم في الكبائر، ثم الظلم في الصغائر. أما في حقوق عباد الله فالظلم يدور على ثلاثة أشياء، بينها النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع، فقال: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" الظلم في النفس هو الظلم في الدماء، بأن يعتدي الإنسان على غيره، بسفك الدماء أو الجروح أو ما أشبه ذلك، والظلم في الأموال بأن يعتدي الإنسان ويظلم غيره في الأموال، إما بعدم بذل الواجب، وإما بإتيان محرم، وإما بان يمتنع من واجب عليه، وإما بأن يفعل شيئاً محرماً في مال غيره. وأما الظلم في الأعراض فيشمل الاعتداء على الغير بالزنا، واللواط، والقذف، وما أشبه ذلك. وكل الظلم بأنواعه محرم، ولن يجد الظالم من ينصره أما الله تعالى قال الله تعالى (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) أي أنه يوم القيامة لا يجد الظالم حميماً إي صديقاً ينجيه من عذاب الله، ولا يجد شفيعاً يشفع له

стр. 1068

فيُطاع؛ لأنه منبوذ بظلمه وغشمه وعدوانه، فالظالم لن يجد من ينصره يوم القيامة، وقال تعالى (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (البقرة: ٢٧٠) ، يعني لا يجدون انصاراً ينصرونهم ويخرجونهم من عذاب الله في ذلك اليوم. ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ " قال: "اتقوا الظلم" اتقوا: يعني احذروا، والظلم هو كما سبق يكون في حق الله، ويكون في حق العباد، فقوله ﷺ : " اتقوا الظلم " أي: لا تظلموا أحداً، لا أنفسكم ولا أنفسكم ولا يغركم، " فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" ويوم القيامة ليس هناك نور إلا من أنار الله تعالى له، وأما من لم يجعل الله له نواراً فما له من نور، والإنسان إن كان مسلماً فله نور بقدر إسلامه، ولكن إن كان ظالماً فقد من هذا النور بمقدار ما حصل من الظلم، لقوله ﷺ : " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة". ومن الظلم: مطل الغني يعني أن لا يوفى الإنسان ما عليه وهو غني به لقوله ﷺ : " مطل الغني ظُلم " وما أكثر الذين يماطلون في حقوق الناس، يأتي عليه صاحب الحق فيقول: يا فلان أعطني حقي فيقول: غداً، فيأتيه من غدٍ فيقول: بعد غدٍ وهكذا، فإن هذا الظلم يكون ظلمات يوم القيامة على صاحبه.

стр. 1069

" وأتقوا الشحَّ" الحرص على المال" فإنه أهلك من كان قبلكم" لأن الحرص على المال- نسأل الله السلامة- يوجب للإنسان أن يكسب المال من أي وجه كان، من حلال أو حرام؛ بل قال النبي ﵊: " حملهم" إي حمل من كان قبلنا" على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" يسفك الشحيح الدماء إذا لم يتوصل إلى طمعه إلا بالدماء، كما هو الواقع عند أهل الشحّ، يقطعون الطريق على المسلمين، ويقتلون الرجل، ويأخذون متاعه، ويأخذون بعيره، وكذلك أيضاً يعتدون على الناس في داخل البلاد، يقتلونهم ويهتكون حجب بيوتهم، فيأخذون المال بالقوة والغلبة. فحذّر النبي ﷺ من أمرين: من الظلم ومن الشحّ. فالظلم هو الاعتداء على الغير، والشح هو الطمع فيما عند الغير. فكل ذلك محرم، ولهاذ قال الله تعالى في كتابه: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩) ، فدلت الآية على أن من لم يوق شح نفسه فلا فلاح له. المفلح من وقاه الله شحّ نفسه. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الظلم، وأن يقينا شح أنفسنا وشرورها. * * * ٢٠٤- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لتؤدون الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" رواه مسلم.

стр. 1070

[الشَّرْحُ] في هذا الحديث أقسم النبي ﷺ وهو الصادق المصدق بغير قسم. أقسم أن الحقوق ستؤدى على أهلها يوم القيامة، ولا يضيع لأحد حقٌ، الحق الذي لك إن لم تستوفه في الدنيا استوفيته في الآخرة ولابد، حتى إنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. الجلحاء: التي ليس لها قرن. والقرناء: التي لها قرن. والغالب أن التي لها اقرن إذا ناطحت الجلحاء التي ليس لها قرن تؤذيها أكثر، فإذا كان يوم القيامة قضى الله بين هاتين الشاتين، واقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. هذا وهي بهائم لا يعقلن ولا يفهمن؛ لكن الله حكم عدل، أراد أن يُري عباده كمال عدله حتى في البهائم العجم، فكيف ببني آدم!! وفي هذا الحديث دليلٌ على أن البهائم تُحشر يوم القيامة وهو كذلك، وتحشر الدوابّ، وكل ما فيه روح يحشر يوم القيامة، قال الله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) (الأنعام: ٣٨) ، أمم كثيرة، أمة الذر، أمة الطيور، أمة السباع، أمة الحيّات وهكذا (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: ٣٨) . وكل شيء مكتوب، حتى أعمال البهائم والحشرات مكتوبة في اللوح المحفوظ (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) ، وقال تعالى: (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ) (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) (التكوير: ٤-٥) ، يحشر يوم القيامة كل شيء، يقضى الله تعالى بينهم بحكمه وعدله، وهو السميع

стр. 1071

العليم، يقتص من البهائم بعضها مع بعض، ومن الآدميين بعضهم مع بعض، ومن الجن بعضهم مع بعض، ومن الجن والإنس بعضهم مع بعض، لأن الإنس قد يعتدون على الجن، والجن قد يعتدون على الإنس، فمن عدوان الجن على الإنس الشيء الكثير، من عدوان الإنس على الجن أن يستجمر الإنسان بالعظم؛ لأن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بالعظام وقال: " إنها زاد إخوانكم من الجن " الجن يجدون العظام، فإذا استجمر أحد بها فقد اعتدى عليهم وكدرها عليهم، ويخشى أن يؤذوه إذا أذاهم بها. على كل حال ففي يوم القيامة يُقتص للمظلوم من الظالم، ويؤخذ من حسنات الظالم إلا إذا نفدت حسناته؛ فيؤخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه. قال النبي ﵊: " من تعدون المفلس فيكم" - أي الذي ليس عنده شيء- قالوا: المفلس من لا درهم عنده ولا متاع. قال: " المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات مثل الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء، وإلا أخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه، ثم طرح في النار ". لابد أن يقتص للمظلوم من الظالم، ولكن إذا أخذ المظلوم بحقه في الدنيا، فدعا على الظالم بقدر مظلمته، واستجاب الله دعاءه فيه، فقد

стр. 1072

اقتص لنفسه قبل أن يموت، لأن النبي ﷺ قال لمعاذ: " واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " فإذا دعا المظلوم على ظالمه في الدنيا واستجيب لدعائه فقد اقتصّ منه في الدنيا، أما إذا سكت فلم يدع عليه ولم يعفف عنه فإنه يتقصّ له منه يوم القيامة، والله المستعان. * * * ٢٠٥- وعن ابن عمر- ﵄ قال: كنا نتحدث عن حجة الوداع، والنبي ﷺ بين أظهرنا، ولا ندري ما حجةُ الوداع، حتى حمد الله رسول الله ﷺ ، وأثني عليه، ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره، وقال: " ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمتهُ: أنذرهُ نوح والنبيون من بعده، وإنه إن يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم، إن ربكم ليس بأعور، وإنه أعور عين اليمنى، كان عينه عنبةٌ طافيةٌ. ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، إلا هل بلغت؟ " قالوا: نعم، قال: " اللهم أشهد - ثلاثاً - ويلكم، أو ويحكم، انظروا: لا ترجعُوا: بعدي كفاراً يضربُ بعضكم رقاب بعضٍ" رواه البخاري. وروى مسلم بعضه.

стр. 1073

[الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى- فيما نقله عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا نقول والنبي ﷺ حي: ما حجة الوداع، ولا ندري ما حجة الوداع، وحجة الوداع هي الحجة التي حجها النبي ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة، وودعّ الناس فيها وقال: " لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا " ولم يحجّ النبيُّ ﷺ بعد الهجرة إلا هذه المرة فقط، وقد ذُكر أنه حجّ قبل الهجرة مرتين، ولكن الظاهر- والله أعمل - أنه حج أكثر؛ لأنه كان هناك في مكة، وكان يخرج في الموسم يدعو الناس والقبائل إلى دين الله فيبعد أنه يخرج ولا يحجّ، وعلى كل حال الذي همنا أنه ﷺ حجّ في آخر عمره في السنة العاشرة من الهجرة، ولم يحج قبلها بعد هجرته، وذلك لأن مكة كانت بأيدي المشركين إلى السنة الثامنة، ثم خرج بعد ذلك إلى الطائف، وغزا ثقيفاً وحصلت غزوة الطائف المشهورة، ثم رجع بعد هذا ونزل في الجعرانة، وأتي بعمرة ليلاً، ولم يطلع عليه كثير من الناس، ثم عاد إلى المدينة. هذا في السنة الثامنة. وفي السنة التاسعة كانت الوفود تردُ إلى النبي ﷺ من كل ناحية، فبقي في المدينة، ليتلقى الوفود، حتى لا يثقل عليهم بطلبه، حتى إذا جاء

стр. 1074

الوفود إلى المدينة وجدوا النبي صلي ﷺ ولم يتعبوا في طلبه ويحلقونه يميناً وشمالاً، فلم يحجّ في السنة التاسعة لتلقي الوفود. هذا من وجه. ومن وجه آخر: في السنة التاسعة حجَّ مع المسلمين المشركون؛ لأنهم لم يمنعوا من دخول مكة، ثم منعوا من دخول مكة، وانزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة: ٢٨) ، وأذن مؤذن رسول الله ﷺ بأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وكان أمير الناس في تكل الحجة- أعني حجة سنة تسع- أبا بكر ﵁ ثم أردفه النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب، وأعلن النبي ﷺ أنه سيحج، وقدم المدينة بشرٌ كثير يقدّرون بنحو مائة ألف، والمسلمون كلهم مائه وأربعة وعشرون ألفاً، أي لم يتخلف عن المسلمين إلا القليل، فحجوا مع النبي ﷺ هذه الحجة التي سميت" حجة الوداع"؛ لأن النبي ﷺ ودّع الناس فيها بقوله: " لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" فصار الأمر كذلك، فإنه تُوفي بعد رجوعه من المدينة في ربيع الأول، أي بعد حجه. فمضي محرم وصفر وأثنا عشر يوماً من ربيع الأول صلوات الله وسلامه عليه. كان ﷺ في حجة الوداع يخطب الناس. فخطبهم في عرفة، وخطبهم في منى، فذكر المسيح الدجال، وعظّم من شأنه، وحذر منه تحذيراً بالغاً، وفعل ذلك أيضاً في المدينة، ذكر الدجال وحذر منه، وبالغ في شأنه، حتى قال الصحابة: كنا نظنُّ أنه في أفراخ النخل أي قد جاء ودخل، من شدة قول النبي ﷺ فيه، ثم أخبر ﵊ أنه ما من نبي إلا

стр. 1075

أنذره قومه، فكل الأنبياء ينذرون قومهم من الدجال، يخوفونهم ويعظمون شأنه عندهم. وإنما كانوا ينذرون قومهم الدجال مع أن الله يعلم أنه لن يكون إلا في آخر الدنيا، من أجل الاهتمام به، وبيان خطورته، وأن جميع الملل تحذر منه، لأن هذا الدجال- وقانا الله وإياكم فتنته وأمثاله- يأتي إلى الناس، يدعوهم إلى أن يعبدوه، ويقول: أنا ربكم، وإن شئتم أريتكم أني ربكم، فيأمر السماء يقول لها: أمطري فتُمطر، ويأمر الأرض فيقول لها: أنبتي فتنبت، أما إذا عصوا أمر الأرض فأمحلت، والسماء فقحطت، وأصبح الناس ممحلين. هذا لا شك أنه خطر عظيم، لاسيما في البادية التي لا يتعرف إلا الماء والمرعى، فيتبعه أناسٌ كثيرون إى من عصم الله. ومع هذا فله علامات بينة تدل على أنه كذاب. منها: أنه مكتوب بين عينيه كافر (ك. ف. ر.) يقرؤها المؤمن فقط وإن كان لا يعرف القراءة، ويعجز عنها الكافر وإن كان يقرأ؛ لأن هذه الكتابة ليست كتابة عادية، إنما هي كتابة إلهية من الله . ومن علاماته: أنه أعور العين اليمنى: والرب ليس بأعور، الرب كامل الصفات، ليس في صفاته نقص بوجه من الوجوه. أما هذا فإنه أعور، عينه اليمنى كأنها عنبة طافية. وهذه علامة حسية واضحة

стр. 1076

كل يعرفها. فإن قال قائل: إذا كان فيه هذه العلامة الظاهرة الحسية فكيف يفتتن الناس به؟ نقول: إن الله قال في كتابه: (وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) (يونس: ١٠١) ، الذين أضلهم الله لا تنفعهم علامات الضلال تحذيراً، ولا علامات الهدى تبشيراً، ولا يستفيدون وإن كانت العلامات ظاهرة. ثم بين الرسول ﷺ أن هذه العلامات لا تخفى على أحد، وبين في حديث آخر أنه إن خرج والنبي ﷺ فيهم فهو حجيجه دونهم، يحجه النبي ﷺ ويكشف زيغه وضلاله قال: " وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيجُ نفسه، والله خليفتي على كلّ مسلم " فوكّل الله . فالحاصل أن الرسول ﵊ حذر من الدجال تحذيراً بالغاً، وأخبر أن الدجال الأكبر يخرج في آخر الزمان، ويبقى في الأرض أربعين يوماً فقط، ولكن اليوم الأول كسنة " اثنا عشر شهراً" تبقى الشمس في أوج السماء ستة أشهر من المشرق إلى المغرب ما تغيب هذه الفترة الطويلة، وتبقى غائبة ليلاً ستة اشهر، هذا أول يوم. واليوم الثاني كشهر، والثالث كجمعة، وبقية الأيام سبعة وثلاثون يوماً كسائر الأيام، ولما حدث النبي ﷺ الصحابة بهذا الحديث، لم يستشكلوا كيف تبقى الشمس سنة كاملة لا تدور على الأرض، وهي تدور عليها في كل أربع

стр. 1077

وعشرين ساعة، فقدرة الله فوق ذلك، والله على شيء قدير. والصحابة لا يسألون في الغالب عن المسائل الكونية والقدرية؛ لأنهم يعلمون قدرة الله ، لكن يسألون عن الأمور التي تهمهم، وهي الأمور الشرعية، فلما حدثهم بأن اليوم الأول الذي كسنة: قالوا: يا رسول الله اليوم الذي كسنة. هل تكفينا فيه صلاة واحدة؟ قال: " لا، اقدروا له قدره" يعني قدروا ما بين الصلاتين وصلوا. فمثلاً إذا طلع الصبح نصلى الصبح، وإذا مضى الوقت ما بين الصبح والزوال صلينا الظهر، حتى لو كانت الشمس في أول المشرق، وهي تكون أول المشرق؛ لأنها تبقى ستة أشهر كاملة، فيقدرون له قدره، إذاً نصلي في اليوم الأول صلاة سنة، والصيام نصوم شهراً، ونقدر للصوم، والزكاة كذلك، وهذا ربما يلغز بها فيقال: " مال لم يمض عليه إلا يوم وجبت فيه الزكاة". كذلك اليوم الثاني نقدّر فيه صلاة شهر، والثالث صلاة أسبوع، والرابع تعود الأيام كما هي، وفي إلهام الله للصحابة أن يسألوا هذا السؤال عبرة؛ لأنه يوجد الآن في شمالي الأرض وجنوبي الأرض، أناسٌ تغيب عنهم الشمس ستة أشهر، لولا هذا الحديث لأشكل على الناس، كيف يصلي هؤلاء، وكيف يصومون، لكن الآن نطبّق هذا الحديث على حال هؤلاء فنقول: هؤلاء الذين تكون الشمس عندهم ستة أشهر كاملة يقدرون للصلاة وقتها، كما أرشد النبي ﷺ الصحابة في أيام الدجال. * * *

стр. 1078

٢٠٦- وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه ُمن سبع أرضين" متفق عليه. ٥/٢٠٧- وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله ليملي للظالم فإذا أخذهُ لم يفلتهُ ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة) (هود: ١٠٢) متفق عليه. [الشَّرْحُ] نقل المؤلف- ﵀ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من ظلم من الأرض قيد شبر طُوقه يوم القيامة من سبع أرضين" هذا الحديث يتناول نوعاً من أنواع الظلم وهو الظلم في الأرضي. وظلم الأراضى من أكبر الكبائر؛ لأن النبي ﷺ " لعن من غير منار الأرض". قال العلماء: منار الأرض حدودها؛ لأنه مأخوذ من " المنور" وهو العلامة، فإذا غير إنسان من هذه الأرض، بأن أدخل شيئاً من هذه الأرض إلى أرض غيره، فإنه ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسل م. واللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله. وثمة عقوبة أخرى، وهو ما ذكره في هذا الحديث؛ أنه إذا ظلم قيد

стр. 1079

شبر طُوقه يوم القيامة من سبع أرضين؛ لأن الأرضين سبع، كما جاءت به السنة صريحاً، وكما ذكره الله تعالى في القرآن إشارة في قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (الطلاق: ١٢) ، ومعلوم أن المماثلة هنا ليست في الكيفية؛ لأن بين السماء والأرض من الفرق كما بينهما من المسافة، السماء أكبر بكثير من الأرض، وأوسع، وأعظم. قال الله تعالى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍَ) (الذريات: ٤٧) أي بقوة، وقال تعالى (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً) (النبأ: ١٢) أي قوية. فالإنسان إذا ظلم قيد شبر من الأرض فإنه يطوق من سبع أرضين يوم القيامة، أي يجعل له طوقاً في عنقه والعياذ بالله، يحمله أمام الناس أمام العالم، يخزي به يوم القيامة، ويتعب به. وقوله: " قيد شبر من الأرض" ليس هذا على سبيل القيد، بل هو على سبيل المبالغة، يعني فإن ظلم ما دونه طُوقه أيضاً، لكن العرب يذكرون مثل هذا للمبالغة، يعني ولو كان شيئاً قليلاً قيد شبر فإنه سيطوقه يوم القيامة. وفي هذا الحديث دليلٌ على أن من ملك الأرض ملك قعرها إلى الأرض السابعة، فليس لأحد أن يضع نفقاً تحت أرضك إلا بإذنك، يعني لو فرض أن لك أرضاً مسافتها ثلاثة أمتار بين أرضين لجارك، فاراد جارك أن يفتح نفقاً بين أرضيه ويمر من تحت أرضك، فليس له الحق في ذلك؛ لأنك تملك الأرض وما تحتها إلى ألأرض السابعة، كما أن الهواء لك إلى السماء، فلا أحد يستطيع أن يبني على أرضك سقفاً إلا بإذنك. ولهذا قال العلماء: الهواء تابع للقرار، والقرار ثابت إلى الأرض السابعة، فالإنسان

стр. 1080

له من فوق ومن تحت، لا أحد عليه يتجرأ. قال أهل العلم: ولو كان عند جارك شجرة، فامتدت أغصانها إلى أرضك، وصار الغصن على أرضك، فإن الجار يلويه عن أرضك، فإن لم يمكن ليه فإنه يقطع، إلا بإذن منك وإقرار؛ لأن الهواء لك وهو تابع للقرار. أما حديث أبي موسى الأشعري- ﵁ فقد قال النبي ﷺ : " إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته" يملي له: يعني يُمهل له حتى يتمادى في ظلمه والعياذ بالله، فلا يعالجه العقوبة، وهذا من البلاء نسأل الله أن يعيذنا وإياكم. فمن الاستدراج أن يملى للإنسان في ظلمه، فلا يعاق له سريعاً حتى تتكدس عليه المظالم، فإذا أخذه الله لم يفلته، أخذه أخذ عزيز مقتدر. ثم قرأ النبي ﷺ : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود: ١٠٢) . فعلى الإنسان الظالم أن لا يغتر بنفسه ولا بإملاء الله له، فإن ذلك مصيبة فوق مصيبته؛ لأن الإنسان إذا عوقب بالظلم عادلاً، فربما يتذكر ويتعظ ويدع الظلم، لكن إذا أملي له واكتسب آثاماً أو ازداد ظلماً، ازدادت عقوبته والعياذ بالله فيؤخذ على غرة، حتى إذا أخذه الله لم يفلته، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاعتبار بآياته وأن يعيذنا وإياكم من ظلم أنفسنا ومن ظلم غيرنا، إنه جواد كريم. * * *

стр. 1081

٢٠٨-وعن معاذ ﵁ قال: بعثنى رسول الله ﷺ فقال: " إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعُوا لذلك، فاعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلةٍ فإنهم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردٌ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله من حديث معاذ بن جبل- ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وكانت بعثته إياه في ربيع من السنة العاشرة من الهجرة، بعثه ﷺ إلى اليمن، وكانوا أهل كتاب، وقال له: " إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب" أخبره بحالهم لكي يكون مستعداً لهم؛ لأن الذي يجادل أهل الكتاب لابد أن يكون عنده من الحجة أكثر وأقوى مما عنده للمشرك؛ لأن المشرك جاهل، والذي أوتي الكتاب عنده علم، وأيضاً أعلمه بحالهم، لينزلهم منزلتهم، فيجادلهم بالتي هي أحسن. ثم وجّهه ﵊ إلى أول ما يدعوهم إليه: التوحيد والرسالة، قال له: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" أن يشهدوا أن لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق الله ، فهو

стр. 1082

المستحق للعبادة، وما عداه فلا يستحق للعبادة، بل عبادته باطلة، كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (لقمان: ٣٠) . " وأني رسول الله "، يعني مرسلهُ الذي أرسله إلى الإنس والجن، وختم به الرسالات، فيمن لم يؤمن به فإنه من أهل النار. ثم قال له: " فإن هم أجابوك لذلك" يعني شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله " فاعلهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة" وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، لا يجب شيء من الصلوات اليومية إ لا هذه الخمس، فالسنن الرواتب ليست بواجبة، والوتر ليس بواجب، وصلاة الضحى ليست بواجبة، وأما صلاة العيد والكسوف فإن الراجح هو القول بوجوبهما، وذلك أمر عارض له سببٌ يختص به. ثم قال له: " فن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُ في فقرائهم" وهذه هي الزكاة، الزكاة صدقة واجبة في المال تؤخذ من الغني وترد في الفقير. الغني هنا من يملك نصاباً زكوياً، وليس الغني هنا الذي يملك المال الكثير، بل من يملك نصاباً فهو الغني، ولو لم يكن عنده إلا نصابٌ واحد، فإنه غني. وقوله: " تردٌ في فقرائهم" أي تصرف في فقراء البلد؛ لأن فقراء البلد أحق من تصرف إليهم صدقات أهل البلد. ولهذا يخطئ قوم يرسلون صدقاتهم إلى بلاد بعيدة، وفي بلادهم من

стр. 1083

هو محتاج، فإن ذلك حرامٌ عليهم، لأن النبي ﷺ قال: " تؤخذ من أغنيائهم فتردٌ إلى فقرائهم" ولأن الأقربين أولى بالمعروف، ولأن الأقربين يعرفون المال الذي عندك، ويعرفون أنك غني، فإذا لم ينتفعوا بمالك فإنه سيقع في قلوبهم من العداوة والبغضاء، ما تكون أنت السبب فيه، ربما إذا رأوا أنك تخرج صدقة إلى بلاد بعيدة وهم محتاجون، ربما يعتدون عليك، ويفسدون أموالك، ولهذا كان من الحكمة أنه ما دام في أهل بلدك من هو في حاجة أن لا تصرف صدقتك إلى غيره. ثم قال له ﷺ " فإن هم أطاعوا لذلك" يعني انقادوا ووافقوا، " فإياك وكرائم أموالهم" يعني لا تأخذ من أموالهم الطيب، ولكن خذ المتوسط ولا تظلم ولا تُظلم " واتق دعوة المظلوم" يعني انك إذا أخذت من نفائس أموالهم، فإنك ظالم لهم، وربما يدعون عليك، فاتق دعوتهم" فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" تصعد إلى الله تعالى، ويستجيبها، هذا هو الشاهد من هذا الحديث في الباب الذي ذكره المؤلف فيه، أن الإنسان يجب عليه أن يتقي دعوة المظلوم. ويُستفاد من هذا الحديث فوائد كثيرة، منها ما يتعلق بهذا الباب، ومنها ما يتعلق بغيره، فينبغي أن يعلم أولاً أن الكتاب والسنة نزلا ليحكما بين الناس فيما اختلفوا فيه، والأحكام الشرعية من الألفاظ، مما دلت عليه منطوقاً ومفهوماً وإشارة. والله يفضل بعض الناس على بعض في فهم كتابه وسنة رسوله ﷺ . ولهذا لما سأل أبو جُحيفة على بن أبي طالب ﵁: هل عهد إليكم رسولُ اله ﷺ شيئاً؟ قال: لا؟ إلا

стр. 1084

فهما يؤتيه الله تعالى من شاء في كتابه وما في هذه الصحيفة، وبين له ما في تلك الصحيفة فقال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلمٌ بكافر" الشاهد قوله: " إلا فهما يؤتيه من شاء في كتاب الله ". فالناس يختلفون، والذي ينبغي لطالب العلم خاصة، أن يحرص على استنباط الفوائد والأحكام من نصوص الكتاب والسنة؛ لأنها هي المورد المعين، فاستنباط الأحكام منها بمنزلة الرجل يردُ على الماء فيستقي منه في إنائه فمقلّ ومستكثر. وهذا الحديث العظيم الذي بين فيه معاذ بن جبل ﵁ بماذا بعثه النبي صلى الله عليه وسمل إلى أهل اليمن فيه فوائد كثيرة منها: اولاً: وجوب بعث الدعاة إلى الله، وهاذ من خصائص ولي الأمر، يجب على ولي أمر المسلمين أن يبعث الدعاة إلى الله في كل مكان، كل مكان يحتاج إلي الدعوة، فإن على ولي أمر المسلمين أن يبعث من يدعو الناس إلى دين الله ؛ لأن هذا دأب النبي ﷺ وهديه أن يبعث الرسل يدعون إلى الله . ومنها: أنه ينبغي أن يُذكر للمبعوث حال المبعوث إليه، حتى يتأهب لهم، وينزلهم منازلهم، لئلا يأتيهم على غرة، فيوردون عليه من الشبهات ما ينقطع به، ويكون في هذا مضرة عظيمة على الدعوة. فينبغي على الداعي أن يكون على أُهبة واستعداد لما يلقيه إليه المدعوون، حتى لا يأتيه الأمر على غلة، فيعجز وينقطع، وحينئذٍ يكون في ذلك ضررٌ على الدعوة. ومنها: أن أول ما يدعى إليه الناس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً

стр. 1085

رسول الله وذلك قبل كل شيء. لا تقل للكفار مثلاً إذا أتيت لتدعوهم: اتركوا الخمر اتركوا الزنا، اتركوا الربا، هذا غلط، أصلِ الأصل أولاً، ثم فرع الفروع، فأول ما تدعو: أن تدعوا إلى التوحيد والرسالة؛ أن يشهدوا أن لا إليه إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك عليك ببقية أركان الدين الأهم فالأهم. ومنها: أنه إذا كان المدعو فاهماً للخطاب، فإنه لا يحتاج إلى شرح، فإنه قال: " أن تدعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله" ولم يشرحها لهم؛ لأنهم يعرفون معناها، لسانهم لسانٌ عربي، لكن لو كنا نخاطب بذلك من لا يعرف المعنى، وجب أن نفهمه المعنى؛ لأنه إذا لم يفهم المعنى لم يستفد من اللفظ، ولهذا لم يرسل الله تعالى رسولاً إلا بلسان قومه ولغتهم حتى يبين لهم، فمثلاً إذا كنا نخاطب شخصاً لا يعرف معنى لا إليه ألا الله، فلابد أن نشرحها له، ونقول: معنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله كلٌ ما عبد من دون الله، فهو باطل، كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ) (لقمان: ٣٠) كذلك أيضاً: " أن محمداً رسول الله " لا يكفي أن يقولها الإنسان بلسانه أو يسمعها بأذنه، دون أن يفقهها بقلبه، فبين له معنى أن محمداً رسول الله، فيقال مثلاً: محمد هو ذلك الرجل الذي بعثه الله من بني هاشم، بعثه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، أرسله بالهدى ودين الحق، فبين للناس كلّ خير، ودعاهم إليه، وبين لهم كل شر وحذرهم منه، وهو رسول الله الذي يجب أن يصدق فيما أخبر، ويُطاع

стр. 1086

فيما أمر، ويترك ما عنه نهى وزجر. ويبين له أيضاً بأنه رسول وليس برب، وليس بكذاب، بل هو عبدٌ لا يُعبد، ورسول لا يكذّب صلوات الله وسلامه عليه. ويبين له أيضاً أن هاتين الشهادتين هما مفتاح الإسلام، ولهذا لا تصح أي عبادة إلا بشاهدة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. ومن فوائد هذا الحديث: أن أهم شيء بعد الشهادتين هو الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال: " فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة. ومن فوائده: أن الوتر ليس بواجب؛ لأن النبي صلى الله عليه لم يذكره، ولم يذكر إلا خمس صلوات فقط، وهذا القول هو القول الراجح من أقوال أهل العلم. ومن العلماء من قال: إن الوتر واجب، ومنهم من فصّل وقال: من كان له وردٌ من الليل وقيام من الليل، فالوتر عليه واجب، ومن لا فلا. والصحيح أنه ليس بواجب مطلقاً؛ لأنه لو كان واجباً لبينه الرسول ﷺ . ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة واجبة، وهي فرض من فروض الإسلام، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، والثاني بعد الشهادتين. ولهذا قال: " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم". ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة واجبةٌ في المال لا في الذمة. لكن الصحيح أنها واجبة في المال، ولها تعلق بالذمة، ويتفرع على هذا فوائد منها:

стр. 1087

لو قلنا: إنها واجبة في الذمة لسقطت الزكاة على من عليه دين؛ لأن محل الدين الذمة، وإذا قلنا: محل الزكاة الذمة، وكان عليه ألف وبيده ألف، ولم تجب عليه الزكاة؛ لأن الحقين تعارضا. والصحيح أنها واجبة في المال لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) (التوبة: ١٠٣) ، وقال في هذا الحديث: " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم" لكن لها تعلق الذمة، بمعنى أنها إذا وجبت وفرط والإنسان فيها فإنه يضمن، فلها تعلق بالذمة. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: أن الزكاة لا تجب على الفقير، لقوله: " من أغنيائهم فترد في فقرائهم" ولكن من هو الغني؟ أهو الذي يملك ملايين؟ الغني في هذا الباب هو الذي يملك نصاباً. إذا ملك الإنسان نصاباً فهو غني تجب عليه الزكاة، وإن كان فقيراً من وجه آخر، لكنه غني من حيث وجوب الزكاة عليه. ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة تصرف في فقراء البلد؛ لقوله: فتردّ في فقرائهم" ولا تُخرج عن البلد إلا لسبب، أما ما دام في البلد مستحقون فإنهم أولى من غيرهم. وقد حرم بعض العلماء إخراج الزكاة عن البلد إذا كان فيهم مستحقون، واستدل بهذا الحديث، وبأن فقراء البلد تتعلق أنفسُهم بما عند أغنيائهم، وبأن الأغنياء إذا صرفوها إلى خارج البلد ربما يتعدي الفقراء عليهم ويقولون: حرمتمونا من حقّنا، فيتسلطون عليهم بالنهب والإفساد، ولا شك أنه من الخطأ أن يخرج الإنسان زكاة ماله إلى البلاد البعيدة، مع وجود مستحق في بلده؛ لأن الأقرب أولى

стр. 1088

بالمعروف. والمراد بالصدقة في هذا الحديث هي الزكاة، وهي بذل النصيب الذي أوجبه الله تعالى في الأموال الزكوية. وسميت صدقة لأن بذل المال دليلٌ على صدق باذله، فإن المال محبوب إلى النفوس، كما قال الله تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) (الفجر: ٢٠) ، والإنسان لا يبذل المحبوب إلا لما هو أحب منه، فإذا كان هذا الرجل أو المرأة بذل المال مع حبه له، دلّ ذلك على أنه يحب ما عند الله أكثر من حبه لماله، وهو دليلّ على صدق الإيمان، وفي قوله: " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" دليلٌ على أن لولي الأمر أن يأخذ الزكاة من أهلها ويصرفها في مصارفها، وأنه إذا فعل ذلك برئت الذمة. ولكن لو قال قائل: أنا لا آمن أن يتلاعب بها من ياخذها ثم يصرفها في غير مصرفها، نقول له: أنت إذا أديت ما عليك؛ فقد برئت ذمتك سواء صُرفت في مصارفها أم لم تصرف، لكن قال الإمام أحمد: إذا رأى أن الإمام لا يصرفها في مصرفها، فلا يعطه إلا إذا طلب منه ذلك، وألزمه به، وحينئذ تبرأ ذمته، وبناء على هذا فلا بأس أن يخفي الإنسان شيئاً من ماله إذا كان الذي يأخذها لا يصرفها في مصارفها، لأجل أن يؤدي هو نفسه الزكاة الواجبة عليه. وإذا قدر أن ولي الأمر أخذ أكثر مما يجب، فإن ذلك ظلم لا يحل لولي الأمر، أما صاحب المال فعليه السمع والطاعة، لقول النبي ﷺ :

стр. 1089

" اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك". وإذا قدر أن ولي الأمر أخذ دون الواجب، وجب على صاحب المال أن يخرج البقية، ولا يقول إنه أخذ مني وبرئت الذمة؛ لأنه إذا كانت الزكاة ألفا وأخذ ثمانمائه أن تكمل المائتين فتخرجها. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز صرف الزكاة في صنف واحد من أصناف الزكاة، وأصناف ثمانية: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فإذا أداه المزكي إلى صنف من هذه الأصناف أجزأ، بل إذا أداها إلى فرد في نوع من هذه الأنواع أجزأ. مثل لو أعطى مُزكٍّ زكاته كلها فقيراً واحداً فلا حرج، فلو قدر مثلاً أن شخصاً عليه مائة ألف ريال ديناً، وزكاتك مائة ألف ريال وقضيت دينه كله فإن ذمتك تبرأ بهذا. وعليه فيكون معني قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) الآية (التوبة: ٦٠) ، بيان المصارف فقط، ولا يجب أن تعطي كل الأصناف الثمانية، ولا يجب أن تعطي ثلاثة من كل صنف، بل إذا أديتها لواحد من صنف واحد أجزأ ذلك كما في هذا الحديث. ويُستفاد منه أن الزكاة تصرف في بلدها أي في بلد المال، وقد سبق ذكر ذلك وبيان انه لا يجوز أن تخرج الزكاة عن البلد الذي فيه المال، إلا

стр. 1090

إذا كان هناك مصلحة أوحاجة أكثر، وأما ما دام فيه مستحقون فلا يخرجها، بل يؤد الزكاة في نفس البلد. وفي الحديث أيضاً دليلٌ على تحريم الظلم، وأنه لا يجوز للساعي على الزكاة أن يأخذ اكثر من الواجب، ولهذا حذر النبي ﷺ معاذاً، فقال له: " إياك وكرائم أموالهم" والكرائم جمع كريمة وهي الحسنة المرغوبة. وفيه دليلٌ على أن دعوة المظلوم مستجابة؛ لقوله: " فإنه ليس بينها وبين الله حجاب". وفيه دليلٌ على أنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم؛ لأن الرسول ﷺ أمر بذلك، قال: " اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب". * * * ٢١٠- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو من شيٍ، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عمل صالحٌ أخذ منهُ بقدر مظلمتهِ، وإن لم يكن لهُ حسناتٌ أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" رواه البخاري. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من كان عنده مظلمة لأخيه؛ من عرضه أو من شيء؛
следующие страницы →