Полный текст (3 784 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
١٨٣- الثالث: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبٌ لنفسه" متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم؛ هذه ثلاثة أشياء: حق محض لله، وحق للآدمي محض، وحق مشترك، أما الحق المحض لله؛ فهو قوله" أقام الصلاة".
ومعني " إقام الصلاة " أن يأتي بها الإنسان مستقيمة على الوجه المطلوب، فيحافظ عليها في أوقاتها، ويقوم بأركانها وواجباتها وشروطها، ويتمم ذلك بمستحباتها.
ومن هذا بالنسبة للرجال إقامة الصلاة في المساجد مع الجماعة، فإن هذا من إقامة الصلاة، ومن تخلف عن الجماعة بلا عذر فهو آثم، بل هو عند بعض العلماء - كشيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ إذا صلى بدون عذر مع غير الجماعة؛ فصلاته باطلة مردودة عليه، لا تقبل منه، ولكن الجمهور هو على أنها تصح مع الإثم، وهذا هو الصحيح، فمن ترك صلاة الجماعة بلا عذر؛ فصلاته صحيحة ولكنه آثم، وهذا هو القول الراجح
стр. 982
وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد- ﵀ وهو الذي عليه جمهور من قالوا بوجوب صلاة الجماعة.
ومن إقامة الصلاة: الخشوع فيها، والخشوع هو حضور القلب وتأمله بما يقوله المصلي وما يفعله، وهو أمر مهم؛ لأن الصلاة بلا خشوع كالجسد بلا روح، فأنت إذا صليت وقلبك يدور في كل وادٍ فإنك تصلي حركات بدنيه فقط، فإذا كان قلبك حاضراً تشعر كأنك بين يدي الله ، تناجيه بكلامه، وتتقرب إليه بذكره ودعائه، فهذا هو لبُّ الصلاة روحها.
وأما قوله: " إيتاء الزكاة" يعني: إعطاءها لمستحقها، وهذه جامعة بين حق الله وحق العباد، أما كونها حقاً لله فلأن الله فرض على عباده الزكاة وجعلها من أركان الإسلام، وأما كونها حقاً للآدمي فلما فيها من قضاء حوائج المحتاجين، وغير ذلك من المصالح المعلومة في معرفة أهل الزكاة.
وأما قوله: " النصح لكل مسلم" فهذا هو الشاهد من الحديث للباب، أي: أن ينصح لكل مسلم: قريب أو بعيد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى.
وكيفية النصح لكل مسلم هي ما ذكره في حديث أنس- ﵁: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" هذه هي النصيحة أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك، بحث يسرك ما يسرهم، ويسوءك ما يسوؤهم، وتعاملهم بما تحب أن يعاملوك به، وهذا الباب واسع كبير جداً.
فنفى النبي ﵊ الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه في كل شيء، ونفي الإيمان قال العلماء: المراد به نفي الإيمان
стр. 983
الكامل، يعني لا يكمل إيمانك حتى تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وليس المراد انتفاء الإيمان بالكلية.
ويذكر أن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ حين بايع النبي ﵊ على النصح لكل مسلم، أنه اشترى فرساً من شخص بدراهم، فلما اشتراه وذهب به وجد أنه يساوي أكثر، فرجع إلى البائع وقال له: إن فرسك يساوي أكثر، فأعطاه ما يرى أنها قيمته، فانصرف وجرّب الفرس فإذا به يجده يساوي أكثر مما أعطاه أخيراً، فرجع إليه وقال له: إن فرسك يساوي أكثر فأعطاه ما يرى أنها قيمته، وكذلك مرة ثالثة حتى بلغ من مائتي درهم إلى ثمان مائة درهم؛ لأنه بايع الرسول صلى الله عليه وسمل على النصح لكل مسلم، وإذا بايع النبي ﷺ أحد على شيء لا يختص به فهو عام لجميع الناس، كل الناس مبايعون الرسول ﵊ على النصح لكل مسلم؛ بل على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، والمبايعة هنا بمعنى المعاهدة؛ لأن المبايعة تطلق على البيع والشراء، وتطلق على المعاهدة تطلق على البيع والشراء، وتطلق على المعاهدة، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) (الفتح: ١٠) ، وسميت مبايعة؛ أن كلاًّ من المتبايعين يمدُ باعه إلى الآخر، يعني يده من أجل أن يمسك بيد الآخر، ويقول:
بايعتك على كذا وكذا، والله الموفق.
стр. 984
٢٣- باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤) ، وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: ١١٠) ، وقال تعالي:) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر) (التوبة: ٧١) ، وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: ٧٨-٧٩) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى-: " باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فالمعروف كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات القولية والفعلية، الظاهرة، والباطنة، والمنكر: كل ما أنكره الشرع ومنعه من أنواع المعاصي؛ من الكفر، والفسوق، والعصيان، والكذب، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب وفرض كفاية، إذا قام به من يكفي حصل المقصود، وإذا لم يقم به من يكفي؛ وجب على جميع المسلمين، كما قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
стр. 985
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فبدأ بالدعوة إلى الخير، ثم ثّنى بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذلك لأن الدعوة إلى الخير قبل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير هي بيان الخير للناس، بأن يدعوهم إلى الصلاة وإلى الزكاة، وإلى الحج، وإلى الصيام، وإلى بر الوالدين، وإلى صلة الأرحام، وما أشبه ذلك، ثم بعد هذا يأتي دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيأمر ويقول: صّل، إما على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، بأن يمسك برجل متهاون بالصلاة فيقول له: صلِّ.
وهناك مرحلة ثالثة وهي التغيير الذي قال فيه الرسول ﵊: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده" ولم يقل فلينه عنه؛ لأن هذه مرحلة فوق النهي، " فإن لم يستطع فبلسانه" وإن لم يستطع فبقلبه" اللسان هو مرحلة النهي عن المنكر الثانية، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يتكلم فإنه ينكر بقلبه، بكراهته وبغضه لهذا المنكر.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى أمور:
الأمر الأول: أن يكون الإنسان عالماً بالمعروف والمنكر، فإن لم يكن عالماً بالمعروف فإنه لا يجوز أن يأمر به، لأنه يأمر بماذا؟ قد يأمر بأمر يظنه معروفاً وهو منكر ولا يدري، فلابد أن يكون عالماً أن هذا من المعروف
стр. 986
الذي شرعه الله ورسوله، ولابد أن يكون عالماً بالمنكر، أي: عالماً بأن هذا منكر، فإن لم يكن عالماً بذلك؛ فلا ينه عنه؛ لأنه قد ينهى عن شيء هو معروف فيترك المعروف بسببه، أو ينهى عن شيء وهو مباح فيضيق على عباد الله، بمنعهم مما أباح الله لهم، فلابد أن يكون عالماً بأن هذا منكر، وقد يتسرع كثير من إخواننا الغيورين، فينهون عن أمور مباحة يظنونها منكراً فيضيقون على عباد الله.
فالواجب أن لا تأمر بشيء إلا وأنت تدري أنه معروف، وأن لا تنه عن شيء إلا وأنت تدري أنه منكر.
الأمر الثاني: أن تعلم بأن هذا الرجل تارك للمعروف أو فاعل للمنكر، ولا تأخذ الناس بالتهمة أو بالظن، فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: ١٢) ، فإذا رأيت شخصاً لا يصلي معك في المسجد، فلا يلزم من ذلك أنه لا يصلي في مسجد آخر؛ بل قد يصلي في مسجد آخر، وقد يكون معذوراً، فلا تذهب من أجل أن تنكر عليه حتى تعلم أنه يتخلف بلا عذر.
نعم لا بأس أن تذهب وتسأله، وتقول: يا فلان، نحن نفقدك في المسجد، لا بأس عليك، أما أن تنكر أو أشد من ذلك أن تتكلم فيه في المجالس، فهذا لا يجوز؛ لأنك لا تدري؛ ربما أنه يصلي في مسجد آخر، أو يكون معذوراً.
ولهذا كان النبي ﵊ يستفهم أولاً قبل أن يأمر، فإنه ثبت في صحيح مسلم أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب،
стр. 987
فجلس ولم يصل تحية المسجد، فقال النبي ﷺ : " أصليت؟ " قال: لا، قال: " قم فصل ركعتين"، ولم يأمره أن يصلي ركعتين حتى سأله: هل صلى أم لا؟ مع أن ظاهر الحال أنه رجلٌ دخل وجلس ولم يصل، ولكن الرسول ﵊ خاف أن يكون قد صلى وهو لم يشعر به، فقال: " أصليت؟ " فقال: لا، قال " قم فصل ركعتين".
كذلك في المنكر لا يجوز أن تنكر على شخص إلا إذا علمت أنه وقع في المنكر، فإذا رأيت امرأة مع شخص في سيارة مثلاً، فإنه لا يجوز أن تتكلم عليه أو علي المرأة؛ لأنه ربما تكون هذه المرأة من محارمه؛ زوجة، أو أم، أو أخت، أو ما أشبه ذلك، حتى تعلم أنه قد أركب معه امرأة ليست من محارمه، أو وجدت شبهة قوية، وأمثال هذا كثيرٌ. المهم أنه لابُد من علم الإنسان بأن هذا معروف ليأمر به، أو منكر لينهى عنه، ولا بد أن يعلم أيضاً أن الذي وجّه إليه الأمر أو النهي قد وقع في أمر يحتاج إلى أمر فيه أو نهي عنه.
ثم أن الذي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون رفيقاً بأمره في نهيه؛ لأنه إذا كان رفيقاً أعطاه الله ما لا يعطي على العنف، كما قال النبي ﵊: " إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" فأنت إذا عنَّفت على من تنصح ربما ينفر،
стр. 988
وتأخذه العزة بالإثم، ولا ينقاد لك، ولكن إذا جئته بالتي هي أحسن فإنه ينتفع.
ويُذكر - قديماً - أن رجلاً من أهل الحسبة- يعني من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر- مرّ على شخص يستخرج الماء من البئر على إبله عند أذان المغرب، وكان من عادة هؤلاء العمال أن يحدوا بالإبل، يعني يُنشدون شعراً من أجل أن تخف الإبل؛ لأن الإبل تطرب لنشيد الشعر، فجاء هذا الرجل ومعه غيره، وتكلم بكلام قبيح على العامل الذي كان متعباً من العمل وضاقت عليه نفسه فضرب الرجل بعصا طويلة متينة كانت معه- فشرد الرجل وذهب إلى المسجد والتقى بالشيخ- عالم من العلماء من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ وقال: إني فعلت كذا وكذا، وإن الرجل ضربني بالعصا، فلما كان من اليوم الثاني ذهب الشيخ بنفسه إلى المكان قبل غروب الشمس، وتوضأ ووضع مشلحه على خشبه حول البئر، ثم أذن المغرب فوقف كأنه يريد أن يأخذ المشلح، فقال له: يا فلان ... يا أخي جزاك الله خيراً، أنت تطلب الخير في العمل هذا، وأنت على خير، لكن الآن أذن للمغرب، لو أنك تذهب وتصلي المغرب وترجع ما فاتك شيء، وقال له كلاماً هيناً، فقال له: جزاك الله خيراً، مرّ علىّ أمس رجل جلف قام ينتهرني، وقال لي كلاماً سيئاً أغضبني، وما ملكت نفسي حتى ضربته بالعصا، قال:
الأمر لا يحتاج إلى ضرب، أنت عاقل، ثم تكلم معه بكلام لين، فأسند العصا التي يضرب بها الإبل ثم ذهب يصلي بانقياد ورضا.
стр. 989
وكان هذا لأن الأول عامله بالعنف، والثاني عامله بالرفق، ونحن وإن لم تحصل هذه القضية فلدينا كلام الرسول ﷺ ، يقول: " إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" ويقول ﷺ : " ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما ينزع من شيء إلا شانه" فعلى الآمر أن يحرص على أن يكون أمره ونهيه رفيقاً.
الشرط الثالث: أن لا يزول المنكر إلى ما هو أعظم منه، فإن كان هذا المنكر لو نهينا عنه، زال إلى ما هو أعظم منه، فإنه لا يجوز أن ننهى عنه، درءاً لكبرى المفسدتين بصغريهما؛ لأنه إذا تعارض عندنا مفسدتان وكان إحداهما أكبر من الأخرى؛ فإننا نتقي الكبرى بالصغرى.
مثال ذلك: لو أن رجلاً يشرب الدخان أمامك فأردت أن تنهاه وتقيمه من المجلس، ولكنك تعرف أنك لو فعلت لذهب يجلس مع السكارى، ومعلوم أن شرب الخمر أعظم من شرب الدخان، فهنا لا ننهاه؛ بل نعالجه بالتي هي أحسن لئلا يؤول الأمر إلى ما هو أنكر وأعظم.
ويُذكر أن شيخ الإسلام ابن تيميه- ﵀ عليه- مرّ بقوم في الشام من التتار ووجدهم يشربون الخمر، وكان معه صاحب له، فمرّ بهم شيخ الإسلام ولم ينههم، فقال له صاحبه: لماذا لم تنهمم؟ قال: لو نهيناهم لذهبوا يهتكون أعراض المسلمين وينهبون أموالهم، وهذا أعظم من
стр. 990
شربهم الخمر، فتركهم مخافة أن يفعلوا ما هو أنكر وأعظم، وهذا لا شك أنه من فقهه ﵀.
الشرط الرابع: اختلف العلماء- ﵏ هل يشترط أن يكون الآمر والناهي فاعلاً لما أمر به، تاركاً لما نهى عنه أو لا؟ والصحيح أنه لا يشترط، وأنه إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ولم كان لا يفعل المعروف ولا يتجنب المنكر، فإن ذنبه عليه، لكن يجب أن يأمر وينهى، لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفعل المأمور ولا يترك المحظور، لأضاف ذنباً إلى ذنبه، لذا فإنه يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن كان يفعل المنكر ويترك المعروف.
ولكن في الغالب بمقتضى الطبيعة الفطرية أن الإنسان لا يأمر الناس بشيء لا يفعله، بل يستحي، ويخجل، ولا ينهى الناس عن شيء يفعله. لكن الواجب أن يأمر بما أمر به الشرع وإن كان لا يفعله وأن ينهي عما نهي عنه الشرع، وأن كان لا يتجنبه؛ لأن كل واحد منهم واجب منفصل عن الآخر، وهما متلازمين.
ثم إنه ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقصد بذلك إصلاح الخلق وإقامة شرع الله، لا أن يقصد الانتقام من العاصي، أو الانتصار لنفسه، فإنه إذا نوى هذه النية لم ينزل الله البركة فلي أمره ولا نهيه؛ بل يكون كالطبيب يريد معالجة الناس ودفع البلاء عنهم، فينوى بأمره ونهيه أولاً: إقامة شرع الله، وثانياً: إصلاح عباد الله، حتى يكون مصلحاً وصالحاً، نسأل الله أن يجعلنا من الهُداة المهتدين المصلحين إنه جواد كريم.
стр. 991
وفي ختام الآية يقول الله : (?وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَأُولَئِكَ) المشار إليهم تلك الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والمفلح هو الذي فاز بمطلوبه ونجا من مرهوبه.
وهنا قال: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وهذه الجملة تفيد عند أهل العلم باللغة العربية الحصر، أي أن الفلاح إنما يكون لهؤلاء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير.
ثم قال الله بعدها: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات) (آل عمران: ١٠٥) ، والنهي عن التفرق بعد ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدل على أن ترك الأمر بالمعروق والنهي عن المنكر سب للتفرق، وذلك أن الناس إذا كانت لهم مشارب متعددة مختلفة تفرقوا، فهذا يعمل طاعة، وهذا يعمل معصية، وهذا يسكر، وهذا يصلي، وما أشبه ذلك، فتتفرق الأمة، ويكون لكل طائفة مشرب، ولهذا قال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا) .
إذن لا يجمع الأمة إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو أن الأمة أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وتحاكمت إلى الكتاب والسنة، ما تفرقت أبداً، ولحصل لهم الأمن، ولكان لهم أمن من أشد من كل أمن. كما قال الله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: ٨٢) ، الدول الكبرى والصغرى- الآن- كلها تكرس جهوداً كبيرةً جبارة لحفظ الأمن، ولكنّ كثيراً من المسلمين غفلوا عن هذه الآية، الأمن التام موجود في هاتين الكلمتين: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
стр. 992
إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) إذا تحقق الإيمان في الشعب، ولم يلبس إيمانه بظلم فحينئذ يحصل له الأمن.
وأضرب مثلاً قريباً للأفهام بعيداً في الأزمان، في صدر هذه الأمة المباركة كان أكبر مسؤول فيها ينام وحده في المسجد، ويمشي في السوق وحده، لا يخاف إلا الله، عمر بن الخطاب- ﵁ يكوم الحصبة في المسجد وينام عليها، ليس عنده حارس ولا يحتاج لأحد يحرسه؛ لا في السوق ولا في بيته ولا في المسجد؛ لأن الإيمان الخالص الذي لم يلبس بظلم، إي لم يخلط بظلم كان في ذلك الوقت، فكان الناس آمنين.
ثم ذهب عهد الخلفاء الراشدين وجاء عهد بني أمية، وصار في أمراء بني أمية من حاد عن سبيل الخلفاء الراشدين، فحصل الاضطراب، وحصلت الفتن، وقامت الخوارج، وحصل الشر.
ثم جاء عهد عمر بن عبد العزيز- ﵀ فاستتب الأمن، وأصبح الناس يسافرون ويذهبون ويجيئون وهم آمنون، ولكن الله من حكمته لم يُمد له في الخلافة، فكانت خلافته سنتين وأشهرا. فالمهم أن الأمن كل الأمن ليس بكثرة الجنود، ولا بقوة السلاح، ولا بقوة الملاحظة والمراقبة، ولكن الأمن في هذين الأمرين فقط (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) . (الأنعام) .
стр. 993
ثم ذكر المؤلف ﵀ في سياق الآيات قول الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٧١) ، المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، كل واحد يتولى الثاني، ينصره ويساعده، وأنظر إلى هذه الآية في المؤمنين حيث قال (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وفي المنافقين قال (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (التوبة: ٦٧) وليسوا أولياء لبعض؛ بل المؤمن هو ولي أخيه، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وفي هذه الآية دليلٌ على أن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست خاصة بالرجال، بل حتى النساء عليهن أن يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر، ولكن في حقول النساء، ليس في مجامع الرجال وفي أسواق الرجال، لكن في حقول النساء ومجتمعات النساء؛ في أيام العرس، وفي أيام الدراسة، وما أشبه ذلك، إذا رأت المرأة منكراً تنهى عنه، وإذا رأت تفريطاً في واجب تأمر به؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مؤمن ومؤمنه (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٧١) ، نسأل الله أن يعمنا وإياكم برحمته ومغفرته.
* * *
стр. 994
ذكر ﵀ هذه الآية: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (المائدة: ٧٨) ، اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله والعياذ بالله، ولا يستحقه إلا من فعل كبيرة من كبائر الذنوب.
وبنو إسرائيل هم بنو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فإسرائيل هذه لقب ليعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إبراهيم له ولدان: إسماعيل وإسحاق، إسماعيل هو الولد الأكبر وهو الذي أمره الله بذبحه، ثم منّ الله عليهما جميعاً برفع هذا الأمر ونسخه، وفداه الله بذبح عظيم، وأما إسحاق فهو الولد الثاني إبراهيم وهو من زوجته، وأما إسماعيل فهو من سريته هاجر- ﵂ فبنو إسرائيل هم من نسل يعقوب بن إسحاق، وأرسل الله إليهم الرسل الكثيرة، وكان منهم المعتدون الذين يقتلون الأنبياء بغير حق، والعياذ بالله.
وكانوا أيضاً لا ينهون عن منكر فعلوه، بل يرى بعضهم المنكر ولا ينهى عنه، وقصة القرية التي كانت حاضرة البحر مشهورة معلومة في القرآن الكريم، وهم قوم من اليهود حرّم الله عليهم الصيد من البحر يوم السبت، فكان في يوم السبت تأتي الحيتان شرعاً على وجه الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فطال عليهم الأمد، فقالوا: لابد أن نتخذ حيلة نتوصل بها إلى الصيد فقالوا: نضع شِِباكاً في البحر، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت مسكتها الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذناها
стр. 995
ففعلوا ذلك، فكان منهم قومٌ يعظمون وينهون عن هذا المنكر، وقوم ساكتون، وقوم فاعلون، فعاقبهم الله وقال: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين) ، فكانوا - والعياذ بالله- قردة، بنو آدم انقلبوا قردة خاسئين أذلة.
والشاهد من هذا أن فيهم قوماً لم يعطموا ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم من النهي عن المنكر، فكانوا ممن دخلوا في هذه اللعنة، ولهذا قال) (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (المائدة: ٧٨) ، وداود متأخر عن موسى بكثيرة وعيسي بن مريم كذلك، فهذان النسيان الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه، وقد حكى الله ذلك عنهما مقراً ذلك، فصار من لا يتناهى عن المنكر من الملعونين، والعياذ بالله.
وفي ذلك دليلٌ على وجوب النهي عن المنكر، وعلى أن تركه سبب للعن والطرد عن رحمة الله.
* * *
وقال تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: ٢٩) ، وقال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) (الحجر: ٩٤) ، وقال تعالى: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف: ١٦٥) ، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
стр. 996
[الشَّرْحُ]
ثم قال المؤلف ﵀ فيما ساقه من الآيات: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر) (الكهف: ٢٩) ، الحق من الله ، من الرب الذي خلق الخلق، والذي له الحق في أن، يوجب على عباده ما شاء، الحق منه فيجب علينا قبوله.
(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر) هذه الجملة ليست للتخيير، وأن الإنسان مخير إن شاء آمن وإن شاء كفر، ولكنها للتهديد، والدليل على هذا آخر الآية، وهو قوله: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف: ٢٩) ، فمن شاء فليؤمن؛ فله الثواب الجزيل، ومن شاء فليكفر؛ فعليه العقاب الأليم، ويكون من الظالمين كما قال تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: ٢٥٤) ، ففي هذا تهديد لمن لم يؤمن بالله ، وأن الحق بينٌ وظاهرٌ جاء به محمد ﵊ من رب العالمين، فمن اهتدى فقد وفق، نسأل الله لنا الهداية، ومن ضلّ - والعياذ بالله- فقد خُزي، والله المستعان.
ثم قال المؤلف- رحمه الله تعالى - فيما ذكره من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ساق- رحمه الله تعالى - قوله (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: ٩٤) ، والخطاب هنا للنبي ﷺ ، وليعلم أن الخطاب الموجه للرسول ﷺ ينقسم إلى قسمين:
قسم خاص به وقسم له ولأمته، والأصل أنه له ولأمته؛ لأن لأمته
стр. 997
أسوة حسنة فيه ﵊، لكن إذا وجدت قرينة تدل على أن الخطاب للرسول ﵊ كان خاصاً به، مثل قوله تعالى (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (الشرح: ١) ، ومثل قوله تعالى: (والضُّحَى) (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) (الضحى: ١-٣) ، فهذا خاص بالرسول ﵊.
أما القسم القاني: فمثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكٌَ) (التحريم: ١) ، فهذا له ولأمته، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ) (الطلاق: ١) ، فهذا له ولأمته، (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (المائدة: ٦٧) ، فهذا له ولأمته، لقوله ﷺ : " بلغوا عني".
فهنا يقول الله لرسوله (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) ، (الحجر: ٩٤) يعني أظهر ما تؤمر به وبيّنه، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وهذا له ولأمته، كل الأمة يجب عليها أن تصدع بما أمرها الله به؛ تأمر به الناس، وأن تصدع بما نهى الله عنه؛ تنهي عنه الناس؛ لأن النهي عن الشيء أمر بتركه) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: ٩٤) يعني لا تهتم بهم، في حالهم ولا فيما يأتي من أذاهم، يعني لا تحزن لعدم إيمانهم كما قال الله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف: ٦) .
(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٣) يعني لعلك مهلك
стр. 998
نفسك إذا لم يؤمنوا بك، يعني لا تبالي بهم؛ بل أعرض عنهم فيما يحصل منهم من أذى، فإن العاقبة لك، وفعلاً صارت العاقبة للرسول ﵊، صبر وظفر.
فإنه ﵊ خرج من مكة مهاجراً مختفيا، يخشى على نفسه، قد جعلت قريش لمن يأتي به وبصاحبه أبي بكر مائتين من الإبل، عن كل واحد مائة، ولكن الله تعالى أنجاهما، وبعد مضي سنوات قليلة رجع النبي ﵊ فاتحاً مكة ظافراً مظفراً، كانت له المنة على الملأ من قريش، حتى وقف على باب الكعبة يقول: " يا معشر قريش، ما ترون إني فاعل بكم؟ " كلهم تحته أذلة، قالوا: خيراً. أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء. فمن عليهم ﵊ بعد أن كان قادراً عليهم.
فالحاصل: أن قوله (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) يشمل أمرين: أعرض عن المشركين لا تهتم بحالهم إذا لم يؤمنوا ولا تحزن عليهم، وأعرض عن المشركين فيما يحصل لك من أذى، فإنه سوف تكون العاقبة لك، وهذا هو الواقع، ولهذا قال بعد الآية نفسها: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ) (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا
стр. 999
يَقُولُونَ) (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: ٩٥-٩٩)
وتأمل كيف أمر الله تعالى بتسبيحه بحمده بعد أن قال: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) (الحجر٩٧) لأن المقام هنا مقام يحتاج إلى تنزيه الربّ وحمده، من هذه الضائقة التي تصيب النبي ﵊ من قريش، يعني نزهه عن كل ما لا يليق به، واعلم أن الذي أجراه الله جل وعلا فهو في غاية الحكمة، هو كذلك، فإنه صار في غاية الحكمة وفي غاية الرحمة التي يُحمد عليهما .
ثم قال في آخر ما ساقه من الآيات: قال الله : (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف: ١٦٥) ، هذه هي قصة القرية التي أشرنا إليها من قبل، وهي قرية على البحر حرّم الله عليهم أن يصطادوا السمك يوم السبت وإبتلاهم فصار السمك السبت يأتي بكثرة شُرعاً على سطح الماء، وفي غير يوم السبت لا يأتي، فطال عليهم الأمد فقالوا: كيف نترك هذا السمك، فتحيلوا بحيلة لم تنفعهم شيئاً، فوضعوا شبكاً في يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان يوم السبت وقعن في هذا الشبك، فإذا صار يوم الأحد أخذوا هذه الحيتان.
فكان النكال من الله أن قال لهم (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) قال لهم قولاً قدرياً: كونوا قردة خاسئين، فأصبحوا قردة، ولو قال: كونوا حميراً لكن قال: كونوا قردة؛ لأن القرد أشبه ما يكون
стр. 1000
بالإنسان، وفعلهم الخبيث أشبه بالحلال لأنه حيلة، فالذي يراهم ظاهرياً يقول ما صادوا يوم السبت، بل وضعوا الشبك يوم الجمعة وأخذوها يوم الأحد فصورة ذلك صورة حلال لكنه حرام، فصارت العقوبة مناسبة تماماً للعمل.
وفي هذا قاعدة ذكرها الله في كتابه أن الجزاء من جنس العمل، فقال: (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) (العنكبوت: ٤٠) ، كل إنسان يؤخذ بمثل جريمته، فهؤلاء قبل لهم كونوا قردة خاسئين فأصبحوا قردة يتعاوون والعياذ بالله في الآسواق.
وعلى الجانب الآخر قال تعالى: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) (لأعراف: ١٦٥) وهم انقسموا ثلاثة أقسام: قسم فعل الحيلة، وقسم سكت، وقسم نهى، وكان الذين سكتوا يقولون للذين ينهون عن السوء (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً) (لأعراف: ١٦٤) ، يعني اتركوهم، هؤلاء مُهلكون، لا تعظوهم، لا تنفع فيهم الموعظة (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (لأعراف: ١٦٤) ، قالوا يعني دعونا نستفيد فائدتين المعذرة إلى الله بأن يكون لنا عذر عند الله ، ولعلهم يتقون، كما قال الله تعالى في فرعون: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: ٤٤) ، فهنا قال (?لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ولكن سكت الله عن هذه الطائفة الثالثة.
قال الله تعالى (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف: ١٦٥) ، فاختلف العلماء: هل الطائفة الساكتة أخذت بالعذاب أم أنها نجت؟ والذي ينبغي علينا أن نسكت كما
стр. 1001
سكت الله، نقول: أما التي نهت فقد نجت، وأما التي وقعت في الحرام فقط هلكت وأخذت بالعذاب، وأما الساكتة فقط سكت الله عنها ويسعنا ما في كتاب الله .
* * *
١٨٦- الرابع: عن أبي الوليد عُبادة بن الصامت- ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسرِ، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهلهُ إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لؤمة لائم" متفق عليه.
" المنشط والمكره بفتح ميمهما: أي في السهلِ والصعبِ. " والأثرةُ": الاختصاص بالمشترك، وقد سبق بيانها. " بواحا" بفتح الباء الموحدة بعدها واوٌ ثم ألفٌ ثم حاءٌ مهملةٌ: أي ظاهراً لا يحتملُ تاويلاً.
[الشَّرْحُ]
قال رحمه الله تعالى فيما نقله عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: بايعنا رسول الله صلى الله علي وسلم، أو " بايعنا" رسول الله صلى الله على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا. (بايعنا) أي بايع الصحابة ﵃ الرسول ﷺ على السمع والطاعة، يعني لمن ولاه
стр. 1002
الله الأمر؛ لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) .
وقد سبق لنا بيان من هم أولو الأمر، وذكرنا أنهم طائفتان: العلماء والأمراء، لكن العلماء أولياء أمر في العلم والبيان، وأما الأمراء فهم أولياء أمر في التنفيذ والسطان.
يقول: بايعناه على السمع والطاعة، ويستثنى من هذا معصية الله فلا يبايع عليها أحد؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولهذا قال أبو بكر- ﵁-حين تولى الخلافة: " أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم" فإذا أمر ولي الأمر بمعصية من المعاصي فإنه لا يجوز لأحد أن يسمع له أو يطيع؛ لأن ملك الملوك رب العالمين ، لا يمكن أن يُعصى لطاعة من هو مملوك مربوب؛ أن كل من سوى الله فإنهم مملوكون لله ، فكيف يقدم الإنسان طاعتهم على طاعة الله؟ إذا يستثنى من قوله السمع والطاعة ما دلت عليه النصوص من أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقوله: " في العسر واليسر" يعني سواء كنا معسرين في المال أو كنا مؤسرين، يجب علينا جمعياً أغنيائنا وفقرائنا أن نطيع وُلاة أمورنا ونسمع لهم، وكذلك في منشطنا ومكرهنا، يعني سواء كنا كارهين لذلك لكونهم أمروا بما لا نهواه ولا نريده، أو كنا نشيطين في ذلك، لكونهم أمروا بما يلائمنا ويوافقنا. المهم أن نسمع ونطيع في كل حال إلا ما استثني مما
стр. 1003
سبق.
قال: " وأثرة علينا" أثرة يعني استئثاراً علينا، يعني لو كان وُلاة الأمر يستأثرون على الرعية بالمال أو غيره، مما يرفهون به أنفسهم ويحرمون من ولاهم الله عليهم، فإنه يجب علينا السمع والطاعة، لا نقول: أنتم أكلتم الأموال، وأفسدتموها، وبذرتموها فلا نطيعكم؛ بل نقول: سمعاً وطاعة لله رب العالمين ولو كان لكم استئثار علينا، ولو كنا نحن لا نسكن إلا الأكواخ، ولا نفترش إلا الخلق من الفرش، وأنتم تسكنون القصور، وتتمتعون بأفضل الفرش، لا يهمنا هذا؛ لأن هذا كله متاع الدنيا وستزولون عنه، أو يزول عنكم، أما هذا أو هذا، أما نخن فعلينا السمع والطاعة، ولو وجدنا من يستأثر علينا من وُلاة الأمور.
وقد قال النبي ﵊ في حديث آخر: " اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك " واعلم أنك سوف تقتص يوم القيامة من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئات من ظلمهم، ثم طرح عليه ثم طرح في النار والعياذ بالله. فالأمر مضبوط ومحكم لا يضيع على الله شيء.
ثم قال: " وألا ننازع الأمر أهله" يعني لا ننازع وُلاة الأمور ما ولاهم الله علينا، لنأخذ الإمرة منهم، فإن هذه المنازعة توجب شراً كثيراً، وفتناً
стр. 1004
عظيمة وتفرقا بين المسلمين، ولم يدمر الأمة الإسلامية إلا منازعة الأمر أهله، من عهد عثمان- ﵁ إلى يومنا هذا، ما أفسد الناس إلا منازعة الأمر أهله.
قال: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان" ثلاثة شروط، إذا رأينا هذا وتمت الشروط الثلاثة فحينئذ ننازع الأمر أهله، ونحاول إزالتهم عن ولاية الأمر، لكن بشروط:
الأول: أن تروا، فلابد من علم، أما مجرد الظن، فلا يجوز الخروج على الأئمة.
الثاني: أن نعلم كفراً لا فسقاً. الفسوق، مهما فسق وُلاة الأمور لا يجوز الخروج عليهم؛ لو شربوا الخمر، لو زنوا، لو ظلموا الناس، لا يجوز الخروج عليهم، لكن إذا رأينا كفراً صريحاً يكون بواحاً.
الثالث: الكفر البواح: وهذا معناه الكفر الصريح، البواح الشيء البين الظاهر، فأما ما يحتمل التأويل فلا يجوز الخروج عليهم، يعني لو قدرنا أنهم فعلوا شيئاً نرى أنه كفر، لكن فيه احتمال أنه ليس بكفر، فإنه لا يجوز أن ننازعهم أو نخرج عليهم، ونولهم ما تولوا.
لكن إذا كان بواحاً صريحاً، مثل: لو أن ولياً من وُلاة الأمور قال لشعبه: إن الخمر حلال. اشربوا ما شئتم، وإن اللواط حلال، تلوطوا بمن شئتم، وإن الزنى حلال ازنوا بمن شئتم، فهذا كفر بواح ليس فيه إشكال، هذا يجب على الرعية أن يزيلوه بكل وسيلة ولو بالقتل؛ لأن هذا كفر بواح.
стр. 1005
الشرط الرابع: عندكم فيه من الله برهان، يعني عندنا دليل قاطع على أن هذا كفر، فإن كان الدليل ضعيفاً في ثبوته، أو ضعيفاً في دلالته، فإنه لا يجوز الخروج عليهم؛ لأن الخروج فيه شر كثير جداً ومفاسد عظيمة.
وإذا رأينا هذا مثلاً فلا يتجوز المنازعة حتى يكون لدينا قدرة على إزاحته، فإن لم يكن لدينا قدرة فلا تجوز المنازعة؛ لأنه ربما إذا نازعنا وليس عندنا قدرة يقضي على البقية الصالحة، وتتم سيطرته.
فهذه الشروط شروط للجواز أو للوجوب - وجوب الخروج على ولي الأمر- لكن بشرط أن يكون لدينا قدرة، فإن لم يكن لدينا قدرة، فلا يجوز الخروج؛ لأن هذا من إلقاء النفس في التهلكة. أي فائدة إذا خرجنا على هذا الولي الذي رأينا عنده كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، ونحن لا نخرج إليه إلا بسكين المطبخ، وهو معه الدبابات والرشاشات أي فائدة؟ لا فائدة، ومعنى هذا أننا خرجنا لنقتل أنفسنا، نعم لابد أن نتحيل بكل حيلة على القضاء عليه وعلى حكمه، لكن بالشروط الأربعة التي ذكرها النبي ﵊: أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان. فهذا دليلٌ على احترام حق ولاة الأمور، وأنه يجب على الناس طاعتهم في اليسر والعسر، والمنشط والمكره والأثرة التي يستأثرون بها، ولكن بقي أن نقول: فما حق الناس على ولاة الأمر؟
حق الناس على ولاة الأمر أن يعدلوا فيهم، وأن يتقوا الله تعالى فيهم، وأن لا يشقوا عليهم، وأن لا يولوا عليهم من يجدون خيراً منه، فإن النبي ﷺ قال: " اللهم من ولي من أمر امتي شيئاً فشقّ عليهم فاشقق
стр. 1006
عليه". دعاء من الرسول ﵊: أمن ولي من أمور المسلمين شيئاً صغيراً كان أم كبيراً وشق عليهم، قال: " فاشقق عليه"، وما ظنك بشخص شقّ الله عليه والعياذ بالله، إنه سوق يخسر وينحط، وأخبر النبي صلى الله ﵊ أمة: " ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة"
إن من ولّى أحداً من المسلمين على عصابة وفيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين؛ لأنه يجب أن يولي على الأمور أهلها بدون أي مراعاة، يُنظر لمصلحة العباد فيولي عليهم من هو أولى بهم.
والولايات تختلف، فإمام المسجد مثلاً أولى الناس بهم من هو أقرأ لكتاب الله، والأمور الأخرى كالجهاد أولى الناس بها من هو أعلم بالجهاد، وهلم جرّا. المهم أنه يجب على ولي المسلمين أن يولي على المسلمين خيراهم، ولا يجوز أن يولى على الناس أحداً وفيهم من هو خير منه؛ لأن هذا خيانة.
وكذلك أخبر النبي ﵊ أنه: " ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة" والعياذ بالله.
стр. 1007
فولاة الأمور عليهم حقوق عظيمة لمن ولاهم الله عليهم، كما على المولى عليهم حقوقاً عظيمة يجب عليهم أن يقوموا بها لولاة الأمر، فلا يعصونهم حتى وإن استأثر وُلاة الأمور بشيء، فإن الجواب لهم السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، إلا إذا كان ذلك في معصية الله، يعني لو أمروا بمعصية الله، فإنه لا يجوز أن يأمروا بمعصية الله، ولا يجوز لأحد أن يطيعهم في معصية الله.
وأما قول بعض الناس من السفهاء: إنه لا تجب علينا طاعة وُلاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة، فهذا خطأ، وهذا غلط، وهذا ليس من الشرع في شيء، بل هذا من مذهب الخوارج، الذين يريدون من وُلاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء، وهذا لم يحصل منذ زمن فقد تغيرت الأمور.
ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع أن الناس يتكلمون فيه وفي خلافته، فجمع أشراف الناس ووجهاءهم وتكلم فيهم، وقال لهم: إنكم تريدون منا أن نكون مثل أبي بكر وعمر؟ قالوا: نعم: أنت خليفة وهم خلفاء، قال: كونوا أنتم مثل رجال أبي بكر وعمر؛ نكن نحن مثل أبي بكر وعمر، وهذا جواب عظيم، فالناس إذا تغيروا لابد أن يغير الله وُلاتهم، كما تكونون يولى عليكم. أما أن يريد الناس من الولاة أن يكونوا مثل الخلفاء وهم أبعد ما يكونون عن رجال الخلفاء، هذا غير صحيح، الله حكيم (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام: ١٢٩) .
وذكروا أن رجلاً من الخوارج الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب
стр. 1008
جاء إلى عليّ، فقال له: يا عليّ، ما بال الناس قد تغيروا عليك ولم يتغيروا على أبي بكر وعمر، قال: لأن رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك، وهذا كلام جيد، يعني أنك لا خير فيك، فلذلك تغير الناس علينا، لكن في عهد أبي بكر وعمر رجالهم مثل علي بن أبي طالب وعثمان ابن عفان وغيرهم من الصحابة الفضلاء، فلم يتغيروا على وُلاتهم.
وكذلك أيضاً يجب على الرعية أن ينصحوا لولي الأمر، ولا يكذبوا عليه، ولا يخدعوه، ولا يغشوه، ومع الأسف أن الناس اليوم عندهم كذب وتحايل على أنظمة الدولة، ورشاوى وغير ذلك مما لا يليق بالعاقل فضلاً عن المسلم، إذا كانت الدول الكافرة تعاقب من يأخذ الرشوة ولو كان من أكبر الناس، فالذي يعاقب من يأخذ الرشوة هو الله ، نحن نؤمن بالله وما جاء على لسان رسوله ﷺ ، فقد قال النبي ﷺ : " لعن الراشي والمرتشي" وعقوبة الله أشد من عقوبة الآدميين.
وكذلك تجد الكذب والدجل من الناس على الحكومة، مثل أن يأتي المزارع ويدخل زرع غيره باسمه وهو كاذب، ولكن من أجل مصلحة من أجل أن يأكل بها، أحياناً قد تكون الدولة قد استلمت الحب، ولم يبق إلا الدراهم عند الدولة، فيأتي الإنسان يبيعه على آخر، يبيع دراهم بدراهم مع
стр. 1009
التفاضل ومع تأخير القبض، إلى غير ذلك من المعاصي التي يرتكبها الشعب، ثم يريدون من وُلاتهم أن يكونوا مثل أبي بكر وعمر ﵄، فهذا ليس بصحيح.
فولاة الأمور عليهم حقوق يجب عليهم النصح بقدر ما يستطيعون لله ولمن ولاهم الله عليهم، والشعب أيضاً يجب عليهم حقوق عظيمة لولاة الأمور، يجب عليهم أن يقوموا بها.
ومن الأمور التي يهملها كثير من الناس انهم لا يحترمون أعراض وُلاة الأمور، تجد فاكهة مجالسهم - نسأل اله العافية وأن يتوب علينا وعليهم - أن يتكلموا في أعراض وُلاة الأمور، ولو كان هذا الكلام مجدياً وتصلح به الحال لقنا لا بأس وهذا طيب، لكن هذا لا يجدي، ولا تصلح به الحال، وإنما يوغر الصدور على وُلاة الأمور، سواء كانوا من العلماء أو من الأمراء.
تجد الآن بعض الناس إذا جلس في المجلس لا يجد أُنسه إلا إذا تعرض لعالم من العلماء، أو وزير من الوزراء، أو أمير من الأمراء، أو من فوقه ليتكلم في عرضه، وهذا غير صحيح، ولو كان هذا الكلام يجدي لكنا أول من يشجع عليه، ولقلنا لا بأس، المنكر يجب أن يزال، والخطأ يجب أن يصحح، لكنه لا يجدي، إنما يوغر الصدور ويكره وُلاة الأمور إلى الناس، ويكره العلماء إلى الناس، ولا يحصل فيه فائدة.
وقد قال النبي ﵊ كلمة جامعة مانعة- جزاه الله عن
стр. 1010
أمته خيراً-: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" والعجب أن بعض الناس لو أردت أن تتكلم في شخص عادي من الناس قالوا: لا تغتبه، هذا حرام، ولا يرضى أن يتكلم أحد في عرض أحد عنده، لكن لو تكلمت في واحد من وُلاة الأمور فإنه يرى أن هذا لا بأس به!!
وهذه مسألة مرض به كثير من الناس، وأنا أعتبرها مرضاً- نسأل الله أن يعافينا وإياكم من هذا الذي ابتُلي به كثير من الناس.
ولو أن الناس كفوا ألسنتهم ونصحوا لولاة أمورهم، ولا أقول: اسكت على الخطأ، لكن اكتب لوُلاة الأمور، اكتب كتاباً إن وصل فهذا هو المطلوب، وإذا انتفعوا به فهذا أحسن، وإذا لم ينتفعوا به فالإثم عليهم، إذا كان خطأ صحيحاً، وإذا لم يصل إليهم فالإثم على من منعه عنهم.
قوله ﵁ فيما بايعوا عليه النبي ﷺ : " وأن نقول بالحق أينما كنا" يعني أن نقوم بالحق الذي هو دين الإسلام وشرائعه العظام أينما كنا، يعني في أي مكان؛ سواء في البلد، أو في البر، أو في البحر، أو في أي مكان؛ سواء في بلاد الكفر، أو في بلاد الإسلام، نقوم بالحق أينما كنا.
قوله: " لا نخاف في الله لومة لائم" يعني لا يهمنا إذا لامنا أحد في دين الله؛ لأننا نقوم بالحق.
فمثلاً لو أراد الإنسان أن يطبق سنة يستنكرها العامة، فإن هذا
стр. 1011
الاستنكار لا يمنع الإنسان من أن يقوم بهذه السنة، ولنضرب لهذا مثلاً: تسوية الصفوف في صلاة الجماعة؛ أكثر العوام يستنكر إذا قال الإمام استووا، وجعل ينظر إليهم، ويقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، أو تأخر الإمام عن الدخول في الصلاة حتى تستوي الصفوف، يستنكرون هذا، ويغضبون منه، حتى إن بعضهم قيل له مرة من المرات: يا فلان تأخر إنك متقدم، فقال من شدة الغضب: إن شئت خرجت من المسجد كله وتركته لك، نعوذ بالله، فمثل هذا الإمام لا ينبغي له أن تأخذه لومة لائم في الله، بل يصبر ويمرن الناس على السنة، والناس إذا تمرنوا على السنة أخذوا عليها وهانت عليهم، لكن إذا رأي أن هؤلاء العوام جفاة جداً، ففي هذه الحال ينبغي أن يعلمهم أولاً، حتى تستقر نفوسهم، وتألف السنة إذا طبقت، فيحصل بذلك الخير.
ومن ذلك أيضاً: أن العامة يستنكرون سجود السهو بعد السلام، ومعلوم أن السنة وردت به إذا كان السهو عن زيادة، أو عن شك مترجح به أحد الطرفين، فإنه يُسجد بعد السلام لا قبل السلام، هذه هي السنة حتى إن شيخ الإسلام ابن تيميه- ﵀ قال: إنه يجب أن يسجد بعد السلام إذا كان السجود بعد السلام، وقبل السلام إذا كان السجود قبله، يعني لم يجعل هذا على سبيل الأفضلية؛ بل على سبيل الوجوب.
سجد أحد الأئمة بعد السلام لسهو سهاه في صلاته؛ زاد أو شك شكاً مترجحاً فيه وبنى على الراجح، فسجد بعد السلام، فلما سجد بعد السلام ثار عليه العامة ما هذا الدين الجديد؟ هذا غلط، قال رجلٌ من الناس:
стр. 1012
فقلت لهم: هذا حديث الرسول ﵊، سلم الرسول ﵊ من ركعتين ثم أخبروه فأكل صلاته ثم سلم ثم سجد للسهو بعد السلام، قالوا: أبدا، ولا نقبل، قيل: من ترضون من العلماء؟ قالوا: نرضى فلاناً وفلاناً؟ فلما ذهبوا إليه قال لهم: هذا صحيح، وهذا هو السنة، فبعض الأئمة يأنف أن يسجد بعد السلام وهو يعلم أن السنة أن السجود بعد السلام خوفاً من ألسنة العامة، وهذا خلاف ما بايع النبي ﵊ أصحابه عليه، قم بالحق ولا تخف في الله لومة لائم.
كذلك أيضاً فيما يتعلق الصدق في المعاملة؛ بعض الناس إذا أخبر الإنسان بما عليه الأمر بحسب الواقع، قالوا، هذه وساوس، وليس بلازم أن أعلم الناس بكل شيء، مثلاً عيب في السلعة، قالوا: هذا سهل والناس يرضونه، والواجب أن الإنسان يتقي الله ويقوم بالعدل ويقوم باللازم، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولكن كما قلت أولاً: إذا كان عند عامة جفاة، فالأحسن أن يبلغهم الشرع قبل أن يطبق، من أجل أن تهدأ نفوسهم، وإذا طُبق الشرع بعد ذلك إذا هم قد حصل عنده معلم منه، فلم يحصل منهم نفور.
* * *
١٨٧- الخامس عن النعمان بن بشيرٍ ﵄ عن النبي صلى الله لعيه وسلم قال: " مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا،
стр. 1013
فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً " رواه البخاري".
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن النعمان بن بشير الإنصاري ﵄، في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن النبي ﷺ أنه قال: " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها" القائم فيها يعني الذي استقام على دين الله فقام بالواجب، وترك المحرم، والواقع فيها أي في حدود الله، أي الفاعل للمحرم أو التارك للواجب، كمثل قوم استهوا على سفينة يعني ضربوا سهماً، وهو ما يسمى بالقرعة، أيهم يكون الأعلى؟ "فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء" يعني إذا طلبوا الماء ليشربوا منه " مروا على من فوقهم" يعني الذين في أعلاها؛ لأن الماء لا يقدر عليه إلا من فوق، " فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا" يعني لو نخرق خرقاً في مكاننا نستقي منه، حتى لا نؤذي من فوقنا، هكذا قدروا وأرادوا.
قال النبي ﵊: " فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً" لأنهم إذا خرقوا خرقاً في أسفل السفينة دخل الماء، ثم أغرق
стр. 1014
السفينة " وإن أخذوا على أيديهم" ومنعوهم من ذلك " نجوا ونجوا جميعاً"، يعني نجا هؤلاء وهؤلاء.
وهذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسمل هو من الأمثال التي لها مغزّى عظيم ومعنى عال، فالناس ف يدين الله كالذين في سفينة في لجة النهر، فهم تتقاذفهم الأمواج، ولابد أن يكون بعضهم إذا كانوا كثيرين في الأسفل وبعضهم في أعلى، حتى تتوازن حمولة السفينة وقد لا يضيق بعضهم بعض، وفيه أن هذه السفينة المشتركة بين هؤلاء القوم إذا أراد أحد منهم أن يخربها فإنه لابد أن يمسكوا على يديه، وأن يأخذوا على يديه لينجوا جميعاً، فإن لم يفعلوا هلكوا جميعاً، هكذا دين الله، إذا أخذ العقلاء وأهل العلم والدين على الجهال والسفهاء نجوا جميعاً وإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، كما قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال: ٢٥) .
وفي هذا المثل دليلٌ على أنه ينبغي لمعلم الناس ا، يضرب لهم الأمثال، ليقرب لهم المعقول بصورة المحسوس، قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: ٤٣) ، وكم من إنسان تشح له المعنى شرحاً كثيراً وتردده عليه فلا يفهم، فإذا ضربت له مثلاً بشيء محسوس يفهمه ويعرفه.
وانظر إلى المثل العجيب الذي ضربه النبي ﷺ لرجل من الأعراب،
стр. 1015
صاحب بادية إبل جاء إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله، إن زوجتي ولدت غلاماً أسود- يعني وأنا أبيض والمرأة بيضاء. من أين جاءنا هذا الأسود؟ فقال النبي ﷺ : " هل لك من إبل؟ قال: نعم قال: " ما ألوانها؟ " قال: حمر. قال: " هل فيها من أورق؟ " يعني أسود ببياض. قال: نعم. قال" من أين جاءها ذلك؟ " قال: لعله نزعه عرق، يعني ربما يكون له أجداد أو جدات سابقة لونها هكذا، فنزعة هذا العرق، قال: " فابنك هذا لعله نزعه عرق"، لعل واحداً من أجداده أو جداته أو أخواله أو آبائه لونه أسود فجاء الولد عليه، فاقتنع الأعرابي تمام الاقتناع، لو جاءه النبي ﵊ يشرح له شرحاً فهو اعرابي لا يعرف، لكن أتاه بمثال من حياته التي يعيشها، فانطلق وهو مقتنع.
وهكذا ينبغي لطالب العلم، بل ينبغي للمعلم أن يقرب المعاني المعقولة لأذهان الناس بضرب الأمثال المحسوسة، كما فعل النبي ﷺ .
وفي هذا الحديث إثبات القرعة وأنها جائزة. وقد وردت الآيات والأحاديث بالقرعة في موضعين من كتاب الله، في ستة مواضع من سنة الرسول ﷺ ، أما الموضعان من كتاب الله فالموضع الأول في سورة آل عمران: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (آل عمران: ٤٤) ، والموضع الثاني في سورة الصافات
стр. 1016
(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الصافات: ١٣٩-١٤٤) .
يونس ﵇ أحد الأنبياء ركب مع قوم في سفينة فضاقت به، وقالوا: إن بقينا كلنا على طهرها هلكنا وغرقت، لابد أن ننزل بعضنا في البحر. فمن ننزل؟ أول راكب، أم أكبر راكب، أم أكبر بدناً؟ فعملوا قرعة، فصارت القرعة على جماعة منهم يونس، أو هو وحده؛ لأن الآية تقول (نساهم وكان من: إذا معه ناس، نزلوهم، والذين معه الله أعلم بهم لا نعرف ماذا صار لهم.
أما هو فالتقمه حوت عظيم، أي ابتلعه بلعاً دون أن يعلكه فصار في بطن الحوت، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فلفظه الحوت على سيف البحر، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين (يقطين) قال العلماء: إنها قرع النجد. قَرع النجد لين وأوراقه لينة كالإبريسم، ومن خصائصه أنه لا يقع عليه الذباب فأنبت الله عليه شجرة من يقطين حتى ترعرع بعد أن بقي في بطن الحوت، ثم أنجاه الله .
والقرعة من الأمور المشروعة الثابتة بالكتاب والسنة وقد ذكر أبن رجب ﵀ في كتابه القواعد الفقهية، قاعدة في الأشياء التي تستعمل فيها القرعة، من أول الفقه إلى آخره.
* * *
стр. 1017
١٨٨-السادس: عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة رضية الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برى، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة" رواه مسلم.
معناه: من كره بقلبه ولم يستطع إنكارا بيد ولا لسان فقد برى من الإثم، وأدى وظيفتهُ، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بفعلهم وتابعهم، فهو العاصي.
[الشَّرْحُ]
في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف، أخبر ﵊ " أنه يستعمل علينا أمراء" يعني يولون علينا من قبل ولي الأمر" فتعرفون وتنكرون" يعني أنهم لا يقيمون حدود الله، ولا يستقيمون على أمر الله، تعرف منهم وتنكر، وهم أمراء لولي الأمر الذي له البيعة، فمن كره فقد برىء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع يعني أنه يهلك كما هلكوا. ثم سألوا النبي ﷺ : ألا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة".
فدلّ هذا على أ، هم - أي الأمراء- إذا رأينا منهم ما ننكر، فإننا نكره ذلك، وننكر عليهم، فإن اهتدوا فلنا ولهم، وإن لم يهتدوا فلنا وعليهم،
стр. 1018
وأنه لا يجوز أن نقاتل الأمراء الذين نرى منهم المنكر؛ لأن مقاتلتهم فيها شر كثير، ويفوت بها خيرا كثير؛ لأنهم إذا قوتلوا أو نوبذوا لم يزدهم ذلك إلا شر، فإنهم أمراء يرون أنفسهم فوق الناس، فإذا نابذهم الناس أو قاتلوهم؛ ازداد شرهم، إلا أن النبي ﷺ شرط ذلك بشرط، قال: " ما أقاموا فيكم الصلاة" فدل على أنه إذا لم يقيموا الصلاة فإننا نقاتلهم.
وفي هذا الحديث دليلٌ على أن ترك الصلاة كفر، وذلك لأنه لا يجوز قتال وُلاة الأمور إلا إذا رأينا كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، فإذا إذن لنا النبي ﷺ أن نقاتلهم إذا لم يقيموا الصلاة، دل ذلك على أن ترك الصلاة كفر بواح عندنا فيه من الله برهان.
وهذا هو القول الحق؛ أن تارك الصلاة تركاً مطلقاً، لا يصلي مع الجماعة ولا في بيته كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ولم يرد عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة في الجنة، أو أنه مؤمن، أو أنه ناج من النار، أو ما أشبه ذلك.
فالواجب إبقاء النصوص على عمومها في كفر تارك الصلاة. ولم يأت أحدٌ بحجة تدل على أنه لا يكفر إلا حُججاً لا تنفع؛ لأنها تنقسم إلى خمسة أقسام:
١- إما أنه ليس فيها دليلٌ أصلاً.
٢- وإما أنها مقيدة بوصف لا يمكن معه ترك الصلاة.
٣- وإما أنها مقيدة بحال يعذر فيه من ترك الصلاة.
٤- وإما أنها عامة خُصت بنصوص كفر ترك الصلاة.
٥- وإما أنها ضعيفة.
стр. 1019
فهذه خمسة أقسام لا تخلو أدلة من قال إنه لا يكفر منها أبداً.
فالصواب الذي لا شك فيه عدي: أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة وأنه أشد كفراً من اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى يُقرون على دينهم، وأما هو فلا يُقر؛ لأنه مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
* * *
١٨٩- السادس: عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعاً يقولُ: لا إله إلا الله" ويل للعرب من شرً قد أٌقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحُون؟ قال: " نعم إذا كثر الخبثُ" متفقٌ عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أم المؤمنين زينب بنت جحش- ﵂ أن النبي ﷺ محمراً وجهُه يقول: " لا إله إلا الله ويلٌ للعرب من شر قد اقترب" دخل عليها بهذه الصفة، متغير اللون، محمر الوجه يقول: لا أله إلا الله" تحقيقاً للتوحيد وتثبيتاً له؛ لأن التوحيد هو القاعدة التي تبنى عليها جميع الشريعة. قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) ، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا
стр. 1020
مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء: ٢٥) .
فتوحيد الله بالعبادة، والمحبة، والتعظيم، والإنابة، والتوكل، والاستعانة، والخشية، وغير ذلك، هو أساس الملة.
ولهذا قال النبي ﵊: " لا إله إلا الله " في هذه الحال التي كان فيها فزعاً متغير اللون، تثبيتاً للتوحيد وتطميناً للقلوب. ثم حذر العرب فقال: " ويل للعرب من شر قد اقترب" وهم حاملو لواء الإسلام فالله تعالى بعث محمداً ﷺ في الأميين، في العرب: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الجمعة: ٢-٣) ، فبين النبي عليهال صلاة والسلام هذا الوعيد للعرب؛ لأنهم حاملوا لواء الإسلام.
وقوله: " من شر قد اقترب" الشرّ هو الذي يحصل بيأجوج ومأجوج، ولهذا فسره بذلك فقال: " فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " وأشار بالسبابة والإبهام، يعني انه جزء ضعيف ومع ذلك فإنه يهدّد العرب.
فالعرب الذين حملوا لواء الإسلام من عهد الرسول ﵊ إلى يومنا هذا، مُهددون من قبل يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض، كما حكى تعالى عن ذي القرنين أنه قيل له: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض) فهم أهل الشر وأهل الفساد. ثم قالت زينب: " يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم إذا كثُر الخبث" الصالح لا يهلك
следующие страницы →