← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فيما أمر، ويترك ما عنه نهى وزجر. ويبين له أيضاً بأنه رسول وليس برب، وليس بكذاب، بل هو عبدٌ لا يُعبد، ورسول لا يكذّب صلوات الله وسلامه عليه. ويبين له أيضاً أن هاتين الشهادتين هما مفتاح الإسلام، ولهذا لا تصح أي عبادة إلا بشاهدة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. ومن فوائد هذا الحديث: أن أهم شيء بعد الشهادتين هو الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال: " فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة. ومن فوائده: أن الوتر ليس بواجب؛ لأن النبي صلى الله عليه لم يذكره، ولم يذكر إلا خمس صلوات فقط، وهذا القول هو القول الراجح من أقوال أهل العلم. ومن العلماء من قال: إن الوتر واجب، ومنهم من فصّل وقال: من كان له وردٌ من الليل وقيام من الليل، فالوتر عليه واجب، ومن لا فلا. والصحيح أنه ليس بواجب مطلقاً؛ لأنه لو كان واجباً لبينه الرسول ﷺ . ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة واجبة، وهي فرض من فروض الإسلام، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، والثاني بعد الشهادتين. ولهذا قال: " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم". ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة واجبةٌ في المال لا في الذمة. لكن الصحيح أنها واجبة في المال، ولها تعلق بالذمة، ويتفرع على هذا فوائد منها:

стр. 1087

لو قلنا: إنها واجبة في الذمة لسقطت الزكاة على من عليه دين؛ لأن محل الدين الذمة، وإذا قلنا: محل الزكاة الذمة، وكان عليه ألف وبيده ألف، ولم تجب عليه الزكاة؛ لأن الحقين تعارضا. والصحيح أنها واجبة في المال لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) (التوبة: ١٠٣) ، وقال في هذا الحديث: " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم" لكن لها تعلق الذمة، بمعنى أنها إذا وجبت وفرط والإنسان فيها فإنه يضمن، فلها تعلق بالذمة. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: أن الزكاة لا تجب على الفقير، لقوله: " من أغنيائهم فترد في فقرائهم" ولكن من هو الغني؟ أهو الذي يملك ملايين؟ الغني في هذا الباب هو الذي يملك نصاباً. إذا ملك الإنسان نصاباً فهو غني تجب عليه الزكاة، وإن كان فقيراً من وجه آخر، لكنه غني من حيث وجوب الزكاة عليه. ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة تصرف في فقراء البلد؛ لقوله: فتردّ في فقرائهم" ولا تُخرج عن البلد إلا لسبب، أما ما دام في البلد مستحقون فإنهم أولى من غيرهم. وقد حرم بعض العلماء إخراج الزكاة عن البلد إذا كان فيهم مستحقون، واستدل بهذا الحديث، وبأن فقراء البلد تتعلق أنفسُهم بما عند أغنيائهم، وبأن الأغنياء إذا صرفوها إلى خارج البلد ربما يتعدي الفقراء عليهم ويقولون: حرمتمونا من حقّنا، فيتسلطون عليهم بالنهب والإفساد، ولا شك أنه من الخطأ أن يخرج الإنسان زكاة ماله إلى البلاد البعيدة، مع وجود مستحق في بلده؛ لأن الأقرب أولى

стр. 1088

بالمعروف. والمراد بالصدقة في هذا الحديث هي الزكاة، وهي بذل النصيب الذي أوجبه الله تعالى في الأموال الزكوية. وسميت صدقة لأن بذل المال دليلٌ على صدق باذله، فإن المال محبوب إلى النفوس، كما قال الله تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) (الفجر: ٢٠) ، والإنسان لا يبذل المحبوب إلا لما هو أحب منه، فإذا كان هذا الرجل أو المرأة بذل المال مع حبه له، دلّ ذلك على أنه يحب ما عند الله أكثر من حبه لماله، وهو دليلّ على صدق الإيمان، وفي قوله: " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" دليلٌ على أن لولي الأمر أن يأخذ الزكاة من أهلها ويصرفها في مصارفها، وأنه إذا فعل ذلك برئت الذمة. ولكن لو قال قائل: أنا لا آمن أن يتلاعب بها من ياخذها ثم يصرفها في غير مصرفها، نقول له: أنت إذا أديت ما عليك؛ فقد برئت ذمتك سواء صُرفت في مصارفها أم لم تصرف، لكن قال الإمام أحمد: إذا رأى أن الإمام لا يصرفها في مصرفها، فلا يعطه إلا إذا طلب منه ذلك، وألزمه به، وحينئذ تبرأ ذمته، وبناء على هذا فلا بأس أن يخفي الإنسان شيئاً من ماله إذا كان الذي يأخذها لا يصرفها في مصارفها، لأجل أن يؤدي هو نفسه الزكاة الواجبة عليه. وإذا قدر أن ولي الأمر أخذ أكثر مما يجب، فإن ذلك ظلم لا يحل لولي الأمر، أما صاحب المال فعليه السمع والطاعة، لقول النبي ﷺ :

стр. 1089

" اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك". وإذا قدر أن ولي الأمر أخذ دون الواجب، وجب على صاحب المال أن يخرج البقية، ولا يقول إنه أخذ مني وبرئت الذمة؛ لأنه إذا كانت الزكاة ألفا وأخذ ثمانمائه أن تكمل المائتين فتخرجها. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز صرف الزكاة في صنف واحد من أصناف الزكاة، وأصناف ثمانية: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فإذا أداه المزكي إلى صنف من هذه الأصناف أجزأ، بل إذا أداها إلى فرد في نوع من هذه الأنواع أجزأ. مثل لو أعطى مُزكٍّ زكاته كلها فقيراً واحداً فلا حرج، فلو قدر مثلاً أن شخصاً عليه مائة ألف ريال ديناً، وزكاتك مائة ألف ريال وقضيت دينه كله فإن ذمتك تبرأ بهذا. وعليه فيكون معني قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) الآية (التوبة: ٦٠) ، بيان المصارف فقط، ولا يجب أن تعطي كل الأصناف الثمانية، ولا يجب أن تعطي ثلاثة من كل صنف، بل إذا أديتها لواحد من صنف واحد أجزأ ذلك كما في هذا الحديث. ويُستفاد منه أن الزكاة تصرف في بلدها أي في بلد المال، وقد سبق ذكر ذلك وبيان انه لا يجوز أن تخرج الزكاة عن البلد الذي فيه المال، إلا

стр. 1090

إذا كان هناك مصلحة أوحاجة أكثر، وأما ما دام فيه مستحقون فلا يخرجها، بل يؤد الزكاة في نفس البلد. وفي الحديث أيضاً دليلٌ على تحريم الظلم، وأنه لا يجوز للساعي على الزكاة أن يأخذ اكثر من الواجب، ولهذا حذر النبي ﷺ معاذاً، فقال له: " إياك وكرائم أموالهم" والكرائم جمع كريمة وهي الحسنة المرغوبة. وفيه دليلٌ على أن دعوة المظلوم مستجابة؛ لقوله: " فإنه ليس بينها وبين الله حجاب". وفيه دليلٌ على أنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم؛ لأن الرسول ﷺ أمر بذلك، قال: " اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب". * * * ٢١٠- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو من شيٍ، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عمل صالحٌ أخذ منهُ بقدر مظلمتهِ، وإن لم يكن لهُ حسناتٌ أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" رواه البخاري. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من كان عنده مظلمة لأخيه؛ من عرضه أو من شيء؛

стр. 1091

فليتحلله منه اليوم- يعني في الدنيا - قبل ألا يكون دينار ولا درهم"، وذلك يوم القيامة، فإنه في الدنيا يمكن أن يتحلل الإنسان من المظالم التي عليه بأدائها إلى أهلها، أو استحلالهم منها، لكن في الآخرة ليس هناك شيء إلا الأعمال الصالحة، فإذا كان يوم القيامة أقتص من الظالم للمظلوم من حسناته؛ يؤخذ من حسناته التي هي رأس ماله في ذلك اليوم، فإن بقي منه شيء وإلا أخذ من سيئات المظلوم وحملت على الظالم والعياذ بالله، فازداد بذلك سيئات إلى سيئاته. وظاهر هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يتحلل من ظلم أخيه حتى في العرض، سواء علم أم لم يعلم، وذلك كأن المظالم إما أن تكون بالنفس، أو بالمال، أو بالعرض؛ لقول النبي ﷺ : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم". فإن كانت بالنفس مثل أن يكون قد جني عليه، أو ضربه حتى جرحه، أو قطع عضواً من أعضائه، أو قتل له قتيلاً، فإنه يتحلل منه بأن يمكن صاحب الحق من القصاص، أو من بذل الدية إذا لم يكن القصاص. أما إن كانت في المال فإنه يعطيه ماله، إذا كان عنده مال لأحد، فالواجب أن يعطيه صاحبه، فإن غاب عنه ولم يعرف مكانه وأيس منه فإنه يتصدق به عنه، والله يعلم ويؤدي إلى صاحب الحق حقه، وإن كان قد مات أي صاحب الحق، فإنه يوصله إلى ورثته؛ لأن المال بعد

стр. 1092

الموت ينتقل إلى الورثة، فلابد أن يسلمه للورثة، فإن لم يعلمهم بأن جهلهم ولم يدر عنهم تصدق به عنهم، والله تعالى يعلمهم ويعطيهم حقهم. أما إن كانت في العرض مثل أن يكون قد سب شخصاً في مجلس أو أغتابه، فلابد أن يتحلل منه إذا كان قد علم بإنه سبّه، فيذهب إليه ويقول: إنا فعلت كذا وفعلت كذا، وأنا جئتك معتذراً، فإن عذره فهذا من نعمة الله على الجميع؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى: ٤٠) ، وإن لم يعف فليعطه مالاً، ليشبعه من المال حتى يحلله، فإن أبى فإن الله تعالى إذا علم أن توبة الظالم توبة حقيقية، فإنه يرضي المظلوم يوم القيامة. وقال بعض العلماء في مسألة العرض: أن كان المظلوم لم يعلم فلا حاجة أن يعلمه، مثل أن يكون قد سبه في مجلس من المجالس، وتاب فإنه لا حاجة أن يعلمه، ولكن يستغفر له ويدعو له، ويثني عليه بالخير في المجالس التي كان يسبه فيها، وبذلك يتحلل منه. ألا إن الأمر خطير، وحقوق الناس لابد أن تعطى لهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة. * * *

стр. 1093

٢١١- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجرُ من هجر ما نهى الله عنهُ" متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما رواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". والمسلم يطلق على معانٍ كثيرة: منها المستسلم، المستسلم لغيره يُقال له مسلم، ومنه على أحد التفسيرين قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) (الحجرات: ١٤) ، أي قولوا: استسلمنا، ولم نقاتلكم، والقول الثاني في الآية: إن المراد بالإسلام الإسلامُ لله وهو الصحيح. والمعني الثاني يطلق الإسلام على الأصول الخمسة التي بينها النبي ﷺ لجبريل حين سأله عن الإسلام، فقال: " أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.

стр. 1094

ويطلق الإسلام على السلامة، يعني أن يسلم الناس من شر الإنسان، فيقال: أسلم بمعنى دخل في السلم أي المسالمة للناس، بحيث لا يؤذي الناس، ومنه هذا الحديث: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". سلم المسلمون من لسانه فلا يسبهم، ولا يلعنهم، ولا يغتابهم، ولا ينم بينهم، ولا يسعى بينهم بأي نوع من أنواع الشر والفساد، فهو قد كفّ لسانه، وكف اللسان من أشد ما يكون على الإنسان، وهو من الأمور التي تصعب على المرء وربما يستسهل إطلاق لسانه. ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: " أفلا أخبرك بملاك ذلك كله"؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: " كفّ عليك هذا" قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، يعني هل نؤاخذ بالكلام؟ فقال: " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم- أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم". فاللسان من أشد الجوارح خطراً على الإنسان، ولهذا إذا أصبح الإنسان فإن الجوارح: اليدين والرجلين والعينين، كل الجوارح تكفر اللسان، وكذلك إيضاً الفرج، لأن الفرج فيه شهوة النكاح، واللسان فيه

стр. 1095

شهوة الكلام، وقل من سلم من هاتين الشهوتين. فالمسلم من سمل المسلمون من لسانه أي كف عنهم؛ لا يذكرهم إلا بخير، ولا يسب، ولا يغتاب، ولا ينم، ولا يحرش بين الناس، فهو رجلٌ مسالم، إذا سمع السوء حفظ لسانه، وليس كما يفعل بعض الناس- والعياذ بالله- إذا سمع السوء في أخيه المسلم طار به فرحاً، وطار به في البلاد نشراً- والعياذ بالله- فإن هذا ليس بمسلم. الثاني: من سلم المسلمون من يده، فلا يعتدي عليهم بالضرب، أو الجرح، أو أخذ المال، أو ما أشبه ذلك، قد كف يده لا يأخذ إلا ما يستحقه شرعاً، ولا يعتدي على أحد، فإذا اجتمع للإنسان سلامة الناس من يده ومن لسانه، فهذا هو المسلم. وعلم من هذا الحديث أن من لم يسلم الناس من لسانه أو يده، فليس بمسلم، فمن كان ليس لهم همٌ إلا القيل والقال في عباد الله، وأكل لحومهم وأعراضهم، فهذا ليس بمسلم، وذلك من كان ليس لهم همٌ إلا الاعتداء على الناس بالضرب، وأخذ المال، وغير ذلك مما يتعلق باليد، فإنه ليس بمسلم. هكذا أخبر النبي ﵊، وليس إخبار النبي ﷺ لمجرد أن نعلم به فقط، بل لنعلم به ونعمل به، وإلا فما الفائدة من كلام لا يعمل به، إذا فاحرص إن كنت تريد الإسلام حقاً على أن يسلم الناس من لسانك ويدك، حتى تكون مسلماً حقاً، أسال الله تعالى أن يكفنا ويكف عنا، ويعافنا ويعفو عنا، إنه جواد كريم. * * *

стр. 1096

٢١٣- وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث- ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسل مقال: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض: السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعةٌ حُرم: ثلاثةٌ متوالياتٌ: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجبُ مُضرَ الذي بين جمادى وشعبان، أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم " فسكت حتى ظننا أنهُ سيسميه بغير اسمه، قال أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى: قال " فأي بلد هذا؟: قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنهُ سيسميه بغر اسمه قال: " اليس بالبلدة"؟ قلنا بلى. قال " فيُ يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: " أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى قال: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، إلا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، إلا ليبلغ الشهاد الغائب، فلعل بعض من يلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه" ثم قال إلا هل بلغتُ، ألا هل بلغتُ؟ قلنا نعم. قال: " اللهم اشهد" متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁، أن النبي ﷺ خطبهم يوم النحر، وذلك في حجة الوداع، فأخبرهم ﵊ أن الزمان قد استدار كهيئته يوم

стр. 1097

خلق الله السموات والأرض، يعني أن الزمان وإن كان قد غير وبدل فيه لما كانوا يفعلون في الجاهلية، حين كانوا يفعلون النسيء فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ولكن صادق في تلك السنة أن النسيء صار موافقاً لما شرعه الله في الأشهر الحرم. ثم بين ﵊ أن عدة الشهور اثنا عشر شهراً، هي: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الثاني، وجمادي الأولى، وجمادي الثانية، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، هذه هي الأشهر الاثنا عشر شهراً، التي جعلها الله أشهراً لعباده منذ خلق السموات والأرض، كانو في الجاهلية يحلون المحرم، ويحرمون صفر. وبين ﵊، أن هذه الاثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متوالية وواحد منفرد، الثلاثة المتوالية هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، جعلها الله تعالى أشهرا محرمة، يحرم فيها القتال، ولا يعتدي فيها أحد على أحد، لأن هذه الأشهر هي أشهر سير الناس إلى حج بيت الله الحرام، فجعلها الله محرمة لئلا يفع القتال في هذه الأشهر والناس سائرون إلى بيت الله الحرام، وهذه من حكمة الله . والصحيح أن القتال ما زال محرماً، وأنه لم ينسخ إلى الآن، وأنه يحرم ابتداء القتال فيها. يقول النبي ﵊: " ورجب مضر الذي بين جمادى

стр. 1098

وشعبان" وهو الشهر الرابع، وكانوا في الجاهلية يؤدون العمرة فيه فيجعلون شهر رجب للعمرة، والأشهر الثلاثة للحج، فصار هذا الشهر محرماً يحرم فيه القتال، كما يحرم في ذي القعدة وذي الحجة والمحرم. إذاً الأشهر السنوية التي جعلها الله لعبادة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، كما في القرآن الكريم: ذو القعدة، وذو الحجة، المحرم، ورجب. ثم سألهم النبي ﵊: أي شهر هذا؟ وأي بلد لهذا؟ وأي يوم هذا؟ سألهم عن ذلك من أجل استحضار هممهم، وانتباههم؛ لأن الأمر أمرٌ عظيمٌ فسألهم: " أي شهر هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم؛ أنهم استبعدوا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسمل عن الشهر وهو معروف أنه ذو الحجة، ولكن من أدبهم ﵃ أنهم لم يقولوا: هذا شهر ذي الحجة؛ لأن الأمر معلوم، بل من أدبهم أنهم قالوا: الله ورسوله أعلم. ثم سكت لأجل أن الإنسان إذا تلم ثم سكت انتبه الناس: ما الذي أسكته؟ وهذه طريقة متبعة في الإلقاء، أن الإنسان إذا رأى من الناس الذين حوله عدم إنصات يسكت حتى ينتبهوا؛ لأن الكلام إذا كان مسترسلاً فقد يحصل للسامع غفلة، لكم إذا توقف فإنهم سينتبهون لماذا وقف؟ وسكت النبي ﵊، يقول أبو بكر: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، ثم قال: أليس ذا الحجة؟ " قالوا: بلى، ثم قال ﵊: " إي بلد هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، هم يعلمون أنه مكة، لكن لأدبهم واحترامهم لرسول الله ﷺ لم يقولوا: هذا شيء معلوم يا

стр. 1099

رسول الله. كيف تسأل عنه؟ بل قالوا: الله ورسوله أعلم. ثم سكت حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: " اليس البلدة؟ " والبلدة أسم من أسماء مكة. قالوا: بلى. ثم قال: "أي يوم هذا؟ " قالوا الله ورسوله أعلم، مثل ما قالوا في الأول، قال: " اليس يوم النحر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، وهم يعلمون أن مكة حرام، وأن شهر ذي الحجة حرام، وأن يوم النحر حرامٌ، يعني كلها حرم محترمة. فقال ﵊: " إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا" فأكد ﵊ تحريم هذه الثلاثة: الدماء والأموال والأعراض، فكلها محرمة، والدماء تشمل النفوس وما دونها، والأموال تشمل القليل والكثير، والأعراض تشمل الزنا واللواط والقذف، وربما تشمل الغيبة والسب والشتم. فهذه الأشياء الثلاثة حرامٌ على المسلم أن ينتهكها من أخيه المسلم. فلا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاثة: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. الأموال أيضاً حرام، فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ

стр. 1100

إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (النساء: ٢٩) . والأعراض أيضاً محترمة، لا يحل للمسلم أن يغتاب أخاه أو أن يقذفه، بل إن القاذف إذا قذف شخصاً عفيفاً بعيداً عن التهمة وقال: يا زانٍ، أو أنت زانٍ، أو أنت لوطي، أو ما اشبه ذلك، فإما أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون على الزنا صريحاً، وإلا فإن هذا القاذف يعاقب بثلاث عقوبات: العقوبة الأولى: أن يجلد ثمانين جلدة. والعقوبة الثانية: ألا تقبل له شهادة أبداً كلما شهد عند القاضي ترد شهادته، سواء شهد بالأموال، أو شهد بالدماء، أو شهد برؤية الهلال، أو شهد بأي شيء آخر، يرفض القاضي شهادته ويردها. العقوبة الثالثة: الفسق، أن يكون فاسقاً بعد أن كان عدلاً، فلا يزوج ابنته ولا أخته ولا يتقدم إماماً في المسلمين عند كثير من العلماء، ولا يولى أي ولاية؛ لأنه صار فاسقاً، هذه عقوبة من يرمي شخصاً بالزنا أو اللواط. إلا أن يأتي بأربعة شهداء، قال الله تعالى L َوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النور: ١٣) ، حتى لو فرض أن هذا الرجل من أصدق الناس ولم يأتِ بأربعة شهداء، فإنه يجلد ثمانين جلدة، ولهذا شهد أربعة من الرجال على رجل بأنه زنى عند عمر بن الخطاب، فجاء بهم عمر فسألهم، قال للأول: تشهد أنه زنى؟ قال: نعم، قال: تشهد أنك رأيت ذكره في فرجها غائباً كما يغيب المرواد في المكحلة؟ قال: نعم، فجاء بالثاني، قال: نعم، فجاء بالثالث: قال: نعم، فجاء

стр. 1101

بالرابع فتوقف، فقال: أنا لا أشهد بالزنا، لكني رأيت أمراً منكراً، قال: رأيت رجلاً على امرأة يتحرك كتحرك المجامع لكن لا أشهد، فجلد الثلاثة الأولين على ثمانين جلدة؛ لأنه تبين أنهم كذبة وأطلق الرابع. فالأعراض من أشد الأشياء حرمة، ولهذا كما سمعتم قال الله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) (النور: ٤) هذه هي العقوبة الأولى (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً) (النور: ٤) وهذه هي الثانية، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٤) وهذه هي الثالثة (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: ٥) ، يعني لا يكونون فساقاً، لكن بشرط التوبة والإصلاح، لا يكفي أن يقول: أنا تائب حتى ننظر هل الرجل أصلح أو لم يصلح؟ وعلى هذا فإنه جدير بمن كانت هذه حاله أن يؤكده النبي ﷺ في هذه الخطبة العظيمة، في مشهد الصحابة، في يوم النحر في منى، يقو ﵊: " إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا". ثم قال: " ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" لأن المسلمين لو صاروا يضرب بعضهم رقاب بعض صاروا كفاراً؛ لأنه لا يستحل دم المسلم إلا الكافر، فالمسلم لا يمكن أن يشهر السلاح على أخيه، لكن لا أحد يشهر السلاح على المسلم إلا الكافر، ولهذا وصف النبي صلى الله ﵊ المسلمين إذا اقتتلوا بأنهم كفاراً فقال: " ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض".

стр. 1102

وهذه المسألة بحسب النصوص فيها تفصيل؛ إن قاتل المسلم مستحلاً لقتله بغير إذن شرعي فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة وإن قاتله بتأويل، أو لقصد رئاسة، أو لقصد سلطان فهذا لا يكفر كفر ردة، ولكنه كفر دون كفر، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: ٩، ١٠) ، هذا هو الجمع بين هذه الآية وبين الحديث، فيقال: إن تقاتل المسلمون مستحلاً كل واحد دم أخيه؛ فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، وإن كان لرئاسة أو عصبية أو حمية أو ما اشبه ذلك، فإنه لا يكفر كفر ردة، بل يكون كفره كفراً دون كفر، وعليه أن يتوب ويستغفر. ثم قال ﵊: " إلا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ " يسأل الصحابة ﵃. قالوا: نعم، أي بلغت، فتأمل كيف يقرر النبي ﵊ أنه بلغ في المواطن العظيمة الكثيرة الجمع، في عرفة خطبهم ﵊، قال: " ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس، يقول اللهم أشهد عليهم أنني بلغتهم، وكذلك أشهد ربه على أنه بلغ أمته وأقروا بذلك في يوم النحر. ونحن نشهد ونشهد الله وملائكته ومن سمعنا من خلقه أن النبي ﷺ بلغ البلاغ المبين، وأنه بلغ الأمانة وأدى الرسالة ونصح الأمة، فما ترك خيراً إلا ودلّ أمته عليه، ولا شراً إلا وحذرهم منه، وأنه ترك أمته على

стр. 1103

المحجة البيضاء، وأنه ما بقي شيء من أمور الدين أو الدنيا تحتاجه الأمة إلا بينه ﵊، ولكن الخطأ ممن يبلغهُ الخبر، فهو الذي قد يكون قاصراً في فهمه، وقد يكون له نية سيئة فيحرم الصواب، قد يكون هناك أسباب أخرى، وإلا فالرسول ﵊ بلغ بلاغاً تاماً كاملاً. جزاه الله عن أمته خير الجزاء. والصحابة ﵃ بلغوا جميع ما سمعوه منه ﵊ ولم يكتموا من سنته شيئاً، وبلغوا ما جاء به من الوحي، ولم يكتموا منه شيئاً، فجاءت الشرعية- ولله الحمد - كاملة من كل وجه، بلغها النبي ﷺ عن ربه، ثم بلغها الصحابة ﵃ عن نبيهم، ثم التابعون عمن قبلهم، هكذا إلى يومنا هذا، ولله الحمد والمنة. ثم أمر ﵊ أن يبلغ الشاهد الغائب، يعني يبلغ من شهده وسمع خطبته باقي الأمة، وأخبر ﵊ أنه ربما يكون مبلغ أوعى للحديث من سامع، وهذه الوصية من الرسول ﵊، وصية لمن حضر في ذلك اليوم، ووصية لمن سمع حديثه على يوم القيامة، فعلينا إذا سمعنا حديثاً عن الرسول ﵊ أن نبلغه إلى الأمة. ونحن محملون بأن نبلغ، ومنهيون بأن نكون كاليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، وقد وصفهم الله بإبشع وصف، فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (الجمعة: ٥) ، فالحمار إذا حمل أسفاراً - يعني كتابً - فإنه لا ينتفع منها، إذا كان الحمار

стр. 1104

يحمل أسفاراً لا ينتفع منها؛ فالذي يحمل القرآن أو السنة ولا ينتفع منها كمثل الحمار يحمل أسفاراً. نسأل الله أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح. ويُستفاد من هذا الحديث تحذير النبي ﵊ أمته من قتال بعضهم بعضاً، ولكن مع الأسف أنه قوع بينهم السيف، وصارت الفتن منذ عهد عثمان بن عفان ﵁ إلى يومنا هذا، وما زالت الفتن قائمة بني الناس، فأحياناً تشتعل اشتعالاً واسعاً، وأحياناً تكون في مناطق معينة نسأل الله العافية. ولكن الواجب على المسلم أن يتقى دم أخيه ما أتستطاع، نعم إذا بلى الإنسان بنفسه وصيل عليه، ضد نفسه أو ماله أو حرمته، فله أن يدافع عن نفسه، ولكن بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتله، فإن قتله فالصائل في النار، وإن قُتل المدافع فهو شهيد، كما جاء ذلك عن النبي ﷺ . وفي هذا الحديث تحذيرٌ من أعراض المسلمين، وأنه لا يجوز للمسلم أن ينتهك عرض أخيه، لا صادق ولا كاذباً؛ لأنه إن كان صادقاً فقد اغتابه، وإن كان كاذباً فقد بهته، وأنت إذا رأيت من أخيك شيئاً تنتقده فيه في عباداته أو في أخلاقه أو في معاملاته، فعليك بنصيحته، فهذه من حقوقه عليك، وتنصحه فيما بينك وبينه مشافهة أو مكاتبة، وبهذا تبرأ ذمتك. لكن هنا شيء لابد منه؛ وهو أنك إذا أردت أن تناصحه بالمكاتبة

стр. 1105

فلابد أن تذكر اسمك، ولا تخف ولا تكن جباناً، اذكر وقل: من فلان إلى أخيه فلان بن فلان ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ... فأنا انتقد عليك كذا وكذا وكذا، من أجل أنه إذا عرف اسمك دعاك أو أتي إليك وناقشك في الأمر. أما أن تكون جباناً، وترمي من رواء جدار، فهذا لا يليق بالمسلم، ليس هذا بنصح؛ لأنك ستبقى حاملاً عليه في قلبك فيما تراه أنه أخطأ فيه، وهو سيبقى ويستمر على ما هو فيه؛ لأن الذي كتب له بالنصيحة ليس أماه حتى يشرح له وجهة نظره، ويستفسر منه عن وجهة نظره هو الآخر، فيبقى الشر على ما هو عليه، الخطأ على ما هو عليه. لكن إذا كتب اسمه كان مشكوراً على هذا وكان بإمكان المكتوب إليه المنصوح أن يخاطبه، وأن يبين له ما عنده، حتى يقتنع أحد الرجلين بما عند الآخر. * * * ٢١٦- وعن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفرٌ من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلانٌ شهيدٌ، وفلانٌ شهيدٌ، حتى مروا على رجل فقالوا: فلانٌ شهيدٌ. فقال النبي ﷺ : " كلا إني رأيتهُ في النار في بُردةٍ غلها - أو عباءة" رواه مسلم. ٢١٧- وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي- ﵁ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1106

أنه قام فيهم، فذكر لهم إن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، أريت أن قتلتُ في سبيل الله، تكفرُ عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ : " نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابرٌ محتسبٌ مقبلٌ غير مدبر" ثم قال رسول الله ﷺ : " كيف قلت؟ " قال: أرابت إن قتلتُ في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : " نعم وأنت صابرٌ محتسبٌ، مقبلٌ غير مدبرٍ إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك" رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في بيان فضيلة الجهاد في سبيل الله والشهادة، فالجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، كما أخبر بذلك النبي ﷺ والشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين، وكذلك إذا غلّ الإنسان شيئاً مما غنمه يعني أخفاه وجحده، ففي الحديث الأول أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ يوم خيبر أقبلوا - يعني على النبي ﷺ وهم يقولون: فلان شهيد، فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال النبي ﷺ : " كلا ... " الحديث. والبردة نوع من الثياب، العباءة معروفة، غلها: يعني كتمها، غنمها من أموال الكفار وقت القتال، فكتمها يريد أن يختص بها لنفسه، فعُذب بها في نار جهنم، وانتفت عنه هذه الصفة العظيمة وهي الشهادة؛ لأن النبي ﷺ قال: " كلا"، يعني ليس بشهيد؛ لأنه غلّ هذا الشيء البسيط، فأحبط

стр. 1107

جهاده، نسأل الله العافية، وصار في النار، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: ١٦١) ، ففي هذا دليلٌ على أنه لا ينبغي لنا أن نحكم على شخص بأنه شهيد، وإن قُتل في معركة بين المسلمين والكفار، لا نقول: فلان شهيد لاحتمال أن يكون غل شيئاً من الغنائم أو الفيء، ولو غلّ قرشاً واحداً، أو مسماراً زال عنه اسم الشهادة، وكذلك لاحتمال أن تكون نيته غير صواب، بأن ينوي بذلك الحمية أو أن يُرى مكانُه. ولهذا سئل النبي ﵊ عن الرجل يُقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانُه. أي ذلك في سبيل الله؟ قال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله "، والنية أمر باطنى في القلب لا يعلمه إلا الله. ولهذا قال النبي ﵊: " ما من مكلوم يكلم في سبيل الله "، أي ما من مجروح يجرح في سبيل الله، " والله أعلم بمن يكلم في سبيله"، انتبه لهذه القضية جيداً، قد نظن أنه يقاتل في سبيل الله ونحن لا نعلم، والله أعمل بمن يكلم في سبيله، " إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثغب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك". ولهذا ترجم البخاري ﵀ في صحيحه قال: باب لا يُقال فلان

стр. 1108

شهيد، يعني لا تعين وتقول فلان شهيد إلا إذا عينه الرسول ﵊، أو ذكر عند الرسول ﷺ وأقره، فحينئذ يحكم بشهادته بعينه، وإلا فلا تشهد لشخص بعينه. ونحن الآن في عصرنا هذا أصبح لقب الشهادة سهلاً ويسيراً، كل يُعطى هذا الوسام، حتى لو قتل ونحن نعلم أنه قتل حمية وعصبية، ونعلم عن حاله بأنه ليس بذاك الرجل المؤمن، مع ذلك يقولون: فلان شهيد، استشهد فلان. وقد نهى عمر ﵁ أن يقال: فلان شهيد، قال: إنكم تقولن: فلان شهيد، فلان قُتل في سبيل الله، ولعله يكون كذا وكذا، يعني غلّ، ولكن قولوا: من قتل في سبل الله أو مات فهو شهيد. عمم، أما قول فلان شهيد، وإن كان في المعركة يتشحط بدمه، فلا تقل شهيداً، علمه عند الله، قد يكون في قلبه شيء لا نعلمه. ثم نحن شهدنا أو لم نشهد، أن كان شهيداً عند الله فهو شهيد وإن لم نقل إنه شهيد، وإن لم يكن شهيداً عند الله فليس بشهيد وإن قلنا إنه شهيد، وإذا نقول: نرجو أن يكون فلان شهيداً، أو نقول عموماً: من قتل في سبيل الله فهو شهيد وما أشبه ذلك. أما الحديث الثاني ففيه دليلٌ على أن الشهادة إذا قاتل الإنسان في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر فإن ذلك يكفر عنه خطيئاته وسيئاته إلا الدّين، إذا كان عليه دين فإنه لا يسقط بالشهادة؛ لأنه حق آدمي، وحق الآدمي لابد من وفائه.

стр. 1109

وفي هذا دليلٌ على عظم الدين، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل به، ومع الأسف أننا في عصرنا الآن يتساهل الكثير منا في الدين، فتجد البعض يشترى الشيء وهو ليس في حاجة إليه، بل هو من الأمور الكمالية، يشتريه في ذمته بالتقسيط أو ما أشبه ذلك، ولا يهمه هذا الأمر. وقد تجد إنساناً فقيراً يشترى سيارة بثمانين ألفاً أو يزيد، وهو يمكنه أن يشتري سيارة بعشرين ألفاً، كل هذا من قلة الفقه في الدين، وضعف اليقين، احرص على ألا تأخذ شيئاً بالتقسيط، وإن دعتك الضرورة إلى ذلك فاقتصر على أقل ما يمكن لك، الاقتصار عليه بعيداً عن الدين. نسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه، وأن يقضي عنا وعنكم دينه ودين عباده. ٢١٨- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أتدرون ما المفلسُ؟ " قالوا": المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: " إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتهُ قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار" رواه مسلم.

стр. 1110

[الشَّرْحُ] قال المؤلف- رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أتدرون ما المفلس؟ " الاستفهام هنا للاستعلام الذي يراد به الإخبار؛ لأن المستفهم تارة يستفهم عن جهل ولا يدري فيسأل غيره، وتارة يستفهم لتنبيه المخاطب لما يلقى إليه، أو لتقرير الحكم، فمثال الثاني قول النبي ﷺ وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: " أينقص إذا جفّ؟ " يعني الرطب، قالوا: " نعم" فنهى عن ذلك. أما في هذا الحديث فسيخبر الصحابة عن أمر لا يعلمونه، أو لا يعلمون مراد النبي صلى الله عليه وسمل به، قال: أتدرون من المفلس؟ ، قالوا يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم عنده ولا متاع، يعين ليس عنده نقود ولا عنده متاع، أي: أعيان من المال، أي أن المفلس يعني الفقير، وهذا هو المعروف من المفلس بين الناس، فإذا قالوا: من المفلس؟ يعني الذي ليس عنده نقود، ولا عنده متاع، بل هو فقير. فقال النبي ﷺ : " المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة"، وفي رواية: " من يأتي بحسان مثل الجبال" أي يأتي بحسنات عظيمة، فهو عنده ثروة من الحسنات لكنه يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال

стр. 1111

هذا، وسفك دم هذا، أي اعتدى على الناس بأنواع الاعتداء، والناس يريدون أخذ حقهم، ما لا يأخذونه في الدنيا يأخذونه في الآخرة، فيقتص لهم منه؛ فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته بالعدل والقصاص بالحق، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار، والعياذ بالله. تنقضي حسناته، ثواب الصلاة ينتهي، وثواب الزكاة ينتهي، وثواب الصيام ينتهي، كل ما عنده من حسنات ينتهي، فيؤخذ من سيئاتهم ويطرح عليه، ثم يطرح في النار، العياذ بالله.. وصدق النبي ﷺ فإن هذا هو المفلس حقاً، أما مفلس الدنيا فإن الدنيا تأتي وتذهب، ربما يكون الإنسان فقيراً فيمسي غنياً، أو بالعكس، لكن الإفلاس كل الإفلاس أن يفلس الإنسان من حسناته التي تعب عليها، وكانت أمامه يوم القيامة يشاهدها، ثم تؤخذ منه لفلان وفلان. وفي هذا تحذير من العدوان على الخلق، وأنه يجب على الإنسان أن يؤدي ما للناس في حياته قبل مماته، حتى يكون القصاص في الدنيا مما يستطيع، أما في الآخرة فليس هناك درهم ولا دينارٌ حتي يفدي نفسه، ليس فيه إلا الحسنات، يقول الرسول ﷺ : " فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم ثم طرح عليه وطرح في النار" ولكن هذا الحديث لا يعني أنه يخلد في النار، بل يعذب بقدر ما حصل عليه من سيئات الغير التي طرحت عليه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة؛ لأن المؤمن لا يخلد في النار، ولكن النار حرها شديد، لا يصبر

стр. 1112

الإنسان على النار ولو للحظة واحدة، هذا على نار الدنيا فضلاً عن نار الآخرة، أجار الله وإياكم منها. * * * ٢١٩- وعن أم سلمة- ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمعُ، فمن قضيت له بحقٌ أخيه فإنما أقطعُ لهُ قطعة من النارِ" متفق عليه. " ألحن" أي: أعلم. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ باب تحريم الظلم ووجوب رد المظالم إلى أهلها عن أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ قال: " إنما أنا بشرٌ مثلكم، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أو يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار". ففي هذا الحديث دليلٌ على أن الرسول ﷺ بشر مثلنا، ليس ملاكاً من الملائكة، بل هو بشر يعتريه ما يعتري البشر بمقتضى الطبيعة البشرية، فهو

стр. 1113

صلى الله عليه وسلم يجوع ويعطش، ويبرد ويحتر، وينام ويستيقظ، ويأكل ويشرب، ويذكر وينسى، ويعلم ويجهل بعض الشي كالبشر تماماً، يقول ﷺ " إنما أنا بشرٌ مثلكم". وهكذا أمره الله أن يعلن للملأ فيقول: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الكهف: ١١٠) ، فلست إلها يُعبد، ولا رباً ينفع ويضر، بل ﵊ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. وبهذا تنقطع جميع شيه الذين يتعلقون بالرسول ﷺ ممن يدعونهُ، أو يعبدونه، أو يؤملونه لكشف الضر، أو يؤملونه لجلب الخير، فإنه ﵊ لا يملك ذلك (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) (الجن: ٢١-٢٣) لو أراد الله أن يصيبني بسوء ما أجارني منه أحد؛ إلا بلاغاً من الله ورسالاته. وفي قوله: " إنما أنا بشر مثلكم" تمهيد لقوله " وإنكم تختصمون إلي" يعني فإذا كنت بشراً مثلكم فإني لا أعلم من المحق منكم ومن المبطل " تختصمون إلي": يعني تتحاكمون إلى في الحصومة، فيكون بعضكم ألحن من البعض الآخر في الحجة، أي أفصح وأقوى كلاماً، يقال: فلان حجيج وفلان ذو جدل، يقوى على غيره في الحجة، كما قال الله تعالى: (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) (صّ: ٢٣) أي غلبني في الخطاب والمخاصمة، فهكذا هنا ألحن يعني أبين وأفصح وأظهر. وهذا مشاهد، فقد تجد اثنين يتحاكمان إلي القاضي؛ أحدهما يكون

стр. 1114

عنده لسان وعنده بيان وحجة وقوة جدل، والثاني دون ذلك وإن كان الحق معه، فيحكم القاضي للأول، ولهذا قال: " وإنما أٌقضي بنحو ما أسمع" وفي قوله: " أقضي بنحو ما أسمع" فسحة كبيرة للقضاة، وأنهم لا يكلفون بشيء غاب عنهم، بل يقضون حسب البيانات التي بين أيديهم، فإن أخطئوا فلهم أجر، وأن أصابوا فلهم أجران، ولا يكلفون ما وراء ذلك، بل ولا يحل لهم أن يحكموا بخلاف الظاهر؛ لأنهم لو حكموا بخلاف الظاهر لأدى ذلك إلى الفوضى، وأدى ذلك إلى الاشتباه وإلى التهمة، ولقيل القاضي يحكم بخلاف الظاهر لسبب من الأسباب. لهذا كان الواجب على القاضي أن يحكم بالظاهر، والباطن يتولاه الله ، فلو ادّعى شخص على آخر بمائة ريال وأتى المدعي بشهود اثنين، فعلى القاضي أن يحكم بثبوت المائة في ذمة المدعى عليه، وإن كان يشتبه في الشهود، إلا أنه في حال الاشتباه يجب أن يتحرى، لكن إذا لم يوجد قدح ظاهر فإنه يجب عليه أن يحكم، وإن غلب على ظنه أن الأمر بخلاف ذلك، لقوله: " إنما أقضي بنحو ما أسمع". ولكن النبي ﷺ توعد من قُضي له بغير حق فقال: " فمن قضيت له بحق اخيه فإنما أقطع له قطعة من النار" يعني أن حُكم الحاكم لا يبيح الحرام، فلو أن الحاكم حكم للمبطل بمقتضى ظاهر الدعوى، فإن ذلك لا يحل له ما حكم له به، بل إنه يزداد إثماً، لأنه توصل إلى الباطل بطريق باطلة، فيكون أعظم ممن أخذه بغير هذه الطريق. وفي هذا الحديث التحذير الشديد من حكم الحاكم بغير ما بين يديه

стр. 1115

من الوثائق، مهما كان الأمر، ولو كان أقرب قريب لك، وأختلق العلماء ﵏: هل يجوز للحاكم أن يحكم بعمله أم لا؟ فقيل: لا يجوز؛ لأنه قال: " فأقضي له بنحو ما أسمع" ولأنه لو قضى بعلمه لأدى ذلك إلى التهمة؛ لأن العلم ليس شيئاً ظاهراً يعرفه الناس حتى يحكم له به، وقال بعض العلماء: بل يحكم بعلمه، وقال آخرون: بل يتوقف إذا وصلت البينة إلى ما يخالف علمه. والأصح أنه لا يحكم بعلمه إلا في مسائل خاصة، ومثال ذلك إذا حكم بعلمه بمقتضى حجة المتخاصمين في مجلس الحكم، فمثلاً إذا تحاكم شخصان فأقر أحدهما بالحق، ثم مع المداولة والأخذ والرد أنكر ما أقرّ به أولاً، فهنا للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لأنه علمه في مجلس الحكم. ومثال آخر: إذا كان مشتهراً، مثل أن يشتهر أن هذا المُلك وقف عام للمسلمين، أو يشتهر أنه ملك فلان، ويشتهر ذلك بين الناس، فهنا له أن يحكم بعلمه؛ لأن التهمة في هذه الحال منتفية، ولا يتهم القاضي بشيء، ولا يمكن أن يتجرأ أحد للحكم بعلمه وهو خاطئ بناء على أنه أمر مشهور. والقول الصحيح في هذا هو التفصيل، وإلا فإن الواجب أن يكون القضاء على حسب الظاهر لا على حسب علم القاضي. ولكن إذا جاء الشيء على خلاف علمه تحول المسألة إلى قاضٍ آخر، ويكون هو شاهداً من الشهود، مثل أن يدعي شخص على آخر بمائة ريال

стр. 1116

فينكر المدعى عليه والقاضي عنده علم بثبوت المائة على المدعى عليه، فلا يحكم هنا بعلمه ولا يحكم بخلاف علمه، بل يقول: أحولها على قاضٍ آخر وأنا لك أيها المدعي شاهد، فتحول القضية على قاضٍ آخر، ثم يكون القاضي هذا شهاداً، فيحكم بيمين المدعى وشهادة القاضي. * * * ٢٢٠- وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يُصب دماً حراماً" رواه البخاري. [الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب تحريم الظلم ووجوب التحلل منه، قال فيما نقله عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً" " لا يزال المؤمن في فسحة": أي في سعة من دينه، " ما لم يصب دماً حراماً" يعني ما لم يقتل مؤمناً أو ذمياً أو معاهدةً أو مستأمناً، فهذه هي الدماء المحرمة، هي أربعة أصناف: دم المسلم، ودم الذمي، ودم المعاهد، ودم المستأمن، وأشدها وأعظمها دم المؤمن، أما الكافر الحربي فهذا دمه غير حرام، فإذا أصاب الإنسان دماً حراماً فإنه يضيق عليه دينه، أي أن صدره يضيق به حتى يخرج منه والعياذ بالله ويموت كافراً.

стр. 1117

وهذا هو السر في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: ٩٣) ، فهذه خمس عقوبات والعياذ بالله: جهنم، خالداً فيها وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً، لمن قتل مؤمناً متعمداً؛ لأنه إذا قتل مؤمناً متعمداً فقد أصاب دماً حراماً، فيضيق عليه دينه، ويضيق به صدره، حتى ينسلخ من دينه بالكلية، ويكون من أهل النار المخلدين فيها. وفي هذا دليلٌ على أن إصابة الدم بالحرام من كبائر الذنوب، ولا شك في هذا، فإن قتل النفس التي حرم الله بغير حق من كبائر الذنوب. ولكن إذا تاب الإنسان من هذا القتل فهل تصح توبته؟ جمهور العلماء على أن توبته تصح؛ لعموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) (الفرقان: ٦٨-٧١) ، فهنا نص على أن من تاب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وآمن وعمل عملاً صالحاً، فغن الله يتوب عليه. وقال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: ٥٣) . ولكن بماذا تكون التوبة؟ قتل المؤمن عمداً يتعلق به ثلاثة حقوق: الحق الأول: حق الله، الحق الثاني: حق المقتول، الحق الثالث: حق

стр. 1118

أولياء المقتول. أما حق الله: فإذا تاب منه تاب اله عليه ولا شك في هذا. وأما حق المقتول: فالمقتول حقه عنده، وهو قد قتل الآن ولا يمكن التحلل منه في الدنيا، ولكن هل توبته تقتضي أن يتحمل الله عنه حق المقتول فيؤديه عنه أم لابد من أخذه بالاقتصاص منه يوم القيامة. هذا محل نظر؛ فمن العلماء من قال: إن حق المقتول لا يسقط بالتوبة؛ لأن من شروط التوبة رد المظالم إلى أهلها، والمقتول لا يمكن رد مظلمته إليه لأنه قتل، فلا بد أن يقتص من قاتله يوم القيامة، ولكن ظاهر الآيات الكريمة التي ذكرناها في سورة الفرقان يقتضي أن الله يتوب على توبة تامة، وأن الله جل وعلا من كرمه ولطفه وإحسانه إذا علم من عبده صدق التوبة فإنه يتحمل عنه حق أخيه المقتول. أما الحق الثالث فهو حق أولياء المقتول، وهذا لابد من التخلص منه، لأنه يمكن للإنسان أن يتخلص منه، وذلك بأن يسلم نفسه إليهم ويقول لهم: أنا قتلت صاحبكم فافعلوا ما شئتم، وحينئذ يخيرون بين أمور أربعة: إما أن يعفوا عنه مجاناً، وإما أن يقتلوه قصاصاً، وأما أن يأخذوا الدية منه، وإما أن يصالحوه مصالحة على أقل من الدية أو على الدية، وهذا جائز بالاتفاق. فإن لم يسقط حقهم إلا بأكثر من الدية؛ ففيه خلاف بين أهل العلم، منهم من يقول: لا بأس أن يصالحوا على أكثر من الدية؛ لأن الحق لهم، فإن شاءوا قالوا: نقتل، وإن شاءوا قالوا: لا نعفو إلا بعشر ديات، وهذا

стр. 1119

هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، أنه يجوز المصالحة عن القصاص بأكثر من الدية، التعليل هو ما ذكرنا من أن الحق لهم، أي لأولياء المقتول، فلهم أن يمتنعوا عن إسقاطه إلا بما تطيب به نفوسهم من المال. إذن نقول: توبة القاتل عمداً تصح للآية التي ذكرناها من سورة الفرقان، وهي خاصة في القتل، وللآية الثانية العامة: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) (الزمر: ٥٣) . حق الله يسقط- بلا شك - بالتوبة، وحق المقتول قيل: إنه يسقط ويتحمله الله عمن تاب يوم القيامة، وقيل: لا يسقط، والأقرب: أنه يسقط، وأن الله جل وعلا يتحمل عنه، أما حق أولياء المقتول فلا بد منه، فيسلم نفسه لآبناء المقتول وهم ورثته ويقول لهم: الآن افعلوا ما شئتم. وهذا الحديث يدل على عظم قتل النفس، وأنه من أكبر الكبائر والعياذ بالله، وأن القاتل عمداً يخشى أن يسلب دينه. * * * ٢٢١-وعن خولة بنت عامرٍ الأنصارية، وهي امرأة حمزة- ﵁ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: " إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة" رواه البخاري".

стр. 1120

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن خولة زوجة حمزة بن عبد المطلب ﵁، أن النبي صلى الله عليه وسمل قال: " إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة" هذا أيضاً مما يدل على تحريم الظلم في الأموال الذي خو خلاف العدل. وفي قوله: " يتخوضون" دليلٌ على أنهم يتصرفون تصرفاً طائشاً غير مبني على أصول شرعية، فيفسدون الأموال ببذلها فيما يضر، مثل من يبذل أمواله في الدخان، أو في المخدرات، أو ف شرب الخمور، أو ما أشبه ذلك، وكذلك أيضاً يتخوضون فيها بالسرقات، والغصب، وما أشبه ذلك، وكذلك يتخوضون فيها بالدعاوى بالباطلة، كأن يدّعي ما ليس له وهو كاذب، وما أشبه ذلك. فالمهم أن كل من يتصرف تصرفاً غير شرعي في المال- سواء ماله أو مال غيره- فإن له النار -والعياذ بالله- يوم القيامة إلا أن يتوب، فيرد المظالم إلى أهلها، ويتوب مما يبذل ماله فيه من الحرام؛ كالدخان والخمر وما أشبه ذلك، فإنه ممن تاب الله عليه، لقول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي

стр. 1121

لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الزمر: ٥٣-٥٩) . وفي هذا الحديث تحذير من بذل المال في غير ما ينفع والتخوض فيه؛ لأن المال جعله الله قياماً للناس تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، فإذا بذله في غير مصلحة كان من المتخوضين في مال الله بغير حق.

стр. 1122

٢٧- باب تعظيم حُرمات المُسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠) وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢) ، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) ، وقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة: ٣٢) . [الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: " باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم" فالمسلم له حق على أخيه المسلم، بل له حقوق متعددة، بيَّنها النبي ﷺ في مواضع كثيرة: منها: إذا لقيه فليسلم عليه، يلقي ﵇، يقول: السلام عليكم، ولا يحل له أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. ولكن لك أن تهجره لمدة ثلاثة أيام، إذا رأيت في هذا مصلحة، ولك أن تهجره أكثر إذا رأيته على معصية أصرّ عليها ولم يتب منها، فرأيت أن هجره يحمله على التوبة، ولهذا كان القول الصحيح في الهجر أنهم رخصوا فيه خلال ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فينظر فيه للمصلحة؛ إن كان فيه خيرٌ فليفعل، وإلا فلا، حتى لو جاهر بالمعصية، فإذا لم يكن في هجره مصلحة فلا تهجره.

стр. 1123

ثم ساق المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠) ، ومن يعظم حرماته: أي ما جعله محترماً من الأماكن أو الأزمان أو الأشخاص، فالذي يعظم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربه، ومن كان يكره أو يشق عليه تعظيم هذا المكان كالحرمين مثلاً والمساجد، أو الزمان كالأشهر الحرم " ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب" وما أشبه ذلك، فليحمل على نفسه وليكرهها على التعظيم. ومن ذلك تعظيم إخوانه المسلمين، وتنزيلهم منزلتهم، فإن المسلم لا يحل له أن يحقر أخاه المسلم، قال النبي ﵊: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم". " بحسب" الباء هنا زائدة والمعنى: حسبه من الشر أن يحقر أخاه المسلم بقلبه، أو أن يعتدي فيوق ذلك بلسانه أو بيده على أخيه المسلم، فإن ذلك حسبه من الإثم والعياذ بالله، وكذلك أيضاً تعظيم ما حرمه الله في المعاهدات التي تكون بين المسلمين وبين الكفار، فإنه لا يحل لأحد أن ينقض عهداً بينه وبين غيره من الكفار. ولكن المعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الذين أتموا عهدهم فهؤلاء نتمم عهدهم

стр. 1124

القسم الثاني: الذين خانوا أو نقضوا، قال الله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ٧) ، فهؤلاء ينتقض عهدهم كما فعلت قريش في الصلح الذي جرى بينها وبين النبي ﷺ في الحديبية، فإنهم وضعوا الحرب بينهم عشر سنين، ولكن قريشاً نقضوا العهد، فهؤلاء ينتقض عهدهم، ولا يكون بيننا وبينهم عهد، وهؤلاء قال الله فيهم: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ) (التوبة: ١٣) . والقسم الثالث: من لم ينقض العهد لكن نخاف منه أن ينتقض العهد، فهؤلاء نبلغهم بأن لا عهد بيننا وبينهم، كما قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال: ٥٨) . فهذه من حرمات الله ، وكل الله من زمان أو مكان أو إيمان فهو من حرمات الله فإن الواجب على المسلم أن يحترمه، ولهذا قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه) (الحج: ٣٠) ، وقال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢) . الشعائر: العبادات الظاهرة سواء كانت كبيرة أم صغيرة؛ مثل الطواف بالبيت، والسعى بين الصفا والمروة، والأذان والإقامة، وغيرها من شعائر الإسلام فإنها إذا عظمها الإنسان كان ذلك دليلاً على تقواه، فإن التقوى هي التي تحمل العبد على تعظيم الشعائر. أما ألاية الثالثة فهي قوله تعالي: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)

стр. 1125

(الحجر: ٨٨) وفي الاية الأخروي:) لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) ، والمعني تذلل لهم لهم في المقال والفعال؛ لأن الؤمن مع أخيه رحيم به، شفيق به، كما قال تعالي في وصف النبي صلي الله عليه وسلم ومن معه:) أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: ٢٩) . وفي قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) ، دليلٌ على أن الإنسان مأمور بالتواضع لإخوانه وإن كان رفيع المنزلة، كما يرتفع الطير بجناحه، فإنه وإن كان رفيع المنزلة فليخفض جناحه وليتذلل وليتواضع لإخوانه. وليعلم أن من تواضع لله رفعه الله ، والإنسان ربما يقول لو تواضعت للفقير وكلمت الفقير، أو تواضعت للصغير وكلمته أو ما أشبه ذلك، فربما يكون في هذا وضع لي، وتنزيل من رتبتي، ولكن هذا من وساوس الشيطان، فالشيطان يدخل على الإنسان في كل شيء، قال تعالى عنه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (لأعراف: ١٦-١٧) . فالشيطان يأتي الإنسان ويقول له: كيف تتواضع لهذا الفقير؟ كيف تتواضع لهذا الصغير؟ كيف تكلم فلاناً؟ كيف تمشي مع فلان؟ ولكن من تواضع لله رفعه الله ، حتى وإن كان عالماً أو كبيراً أو غنياً، فإنه ينبغي أن يتواضع لمن كان مؤمناً، أما من كان كافراً فإن الإنسان لا يجوز له أن يخفض جناحه له، لكن يجب عليه أن يخضع للحق بدعوته إلى الدين، ولا يستنكف عنه ويستكبر فلا يدعوه، بل يدعوه ولكن بعزة وكرامة، ودون
следующие страницы →