← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الزمر: ٥٣-٥٩) . وفي هذا الحديث تحذير من بذل المال في غير ما ينفع والتخوض فيه؛ لأن المال جعله الله قياماً للناس تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، فإذا بذله في غير مصلحة كان من المتخوضين في مال الله بغير حق.

стр. 1122

٢٧- باب تعظيم حُرمات المُسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠) وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢) ، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) ، وقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة: ٣٢) . [الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: " باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم" فالمسلم له حق على أخيه المسلم، بل له حقوق متعددة، بيَّنها النبي ﷺ في مواضع كثيرة: منها: إذا لقيه فليسلم عليه، يلقي ﵇، يقول: السلام عليكم، ولا يحل له أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. ولكن لك أن تهجره لمدة ثلاثة أيام، إذا رأيت في هذا مصلحة، ولك أن تهجره أكثر إذا رأيته على معصية أصرّ عليها ولم يتب منها، فرأيت أن هجره يحمله على التوبة، ولهذا كان القول الصحيح في الهجر أنهم رخصوا فيه خلال ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فينظر فيه للمصلحة؛ إن كان فيه خيرٌ فليفعل، وإلا فلا، حتى لو جاهر بالمعصية، فإذا لم يكن في هجره مصلحة فلا تهجره.

стр. 1123

ثم ساق المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠) ، ومن يعظم حرماته: أي ما جعله محترماً من الأماكن أو الأزمان أو الأشخاص، فالذي يعظم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربه، ومن كان يكره أو يشق عليه تعظيم هذا المكان كالحرمين مثلاً والمساجد، أو الزمان كالأشهر الحرم " ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب" وما أشبه ذلك، فليحمل على نفسه وليكرهها على التعظيم. ومن ذلك تعظيم إخوانه المسلمين، وتنزيلهم منزلتهم، فإن المسلم لا يحل له أن يحقر أخاه المسلم، قال النبي ﵊: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم". " بحسب" الباء هنا زائدة والمعنى: حسبه من الشر أن يحقر أخاه المسلم بقلبه، أو أن يعتدي فيوق ذلك بلسانه أو بيده على أخيه المسلم، فإن ذلك حسبه من الإثم والعياذ بالله، وكذلك أيضاً تعظيم ما حرمه الله في المعاهدات التي تكون بين المسلمين وبين الكفار، فإنه لا يحل لأحد أن ينقض عهداً بينه وبين غيره من الكفار. ولكن المعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الذين أتموا عهدهم فهؤلاء نتمم عهدهم

стр. 1124

القسم الثاني: الذين خانوا أو نقضوا، قال الله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ٧) ، فهؤلاء ينتقض عهدهم كما فعلت قريش في الصلح الذي جرى بينها وبين النبي ﷺ في الحديبية، فإنهم وضعوا الحرب بينهم عشر سنين، ولكن قريشاً نقضوا العهد، فهؤلاء ينتقض عهدهم، ولا يكون بيننا وبينهم عهد، وهؤلاء قال الله فيهم: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ) (التوبة: ١٣) . والقسم الثالث: من لم ينقض العهد لكن نخاف منه أن ينتقض العهد، فهؤلاء نبلغهم بأن لا عهد بيننا وبينهم، كما قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال: ٥٨) . فهذه من حرمات الله ، وكل الله من زمان أو مكان أو إيمان فهو من حرمات الله فإن الواجب على المسلم أن يحترمه، ولهذا قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه) (الحج: ٣٠) ، وقال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢) . الشعائر: العبادات الظاهرة سواء كانت كبيرة أم صغيرة؛ مثل الطواف بالبيت، والسعى بين الصفا والمروة، والأذان والإقامة، وغيرها من شعائر الإسلام فإنها إذا عظمها الإنسان كان ذلك دليلاً على تقواه، فإن التقوى هي التي تحمل العبد على تعظيم الشعائر. أما ألاية الثالثة فهي قوله تعالي: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)

стр. 1125

(الحجر: ٨٨) وفي الاية الأخروي:) لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) ، والمعني تذلل لهم لهم في المقال والفعال؛ لأن الؤمن مع أخيه رحيم به، شفيق به، كما قال تعالي في وصف النبي صلي الله عليه وسلم ومن معه:) أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: ٢٩) . وفي قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) ، دليلٌ على أن الإنسان مأمور بالتواضع لإخوانه وإن كان رفيع المنزلة، كما يرتفع الطير بجناحه، فإنه وإن كان رفيع المنزلة فليخفض جناحه وليتذلل وليتواضع لإخوانه. وليعلم أن من تواضع لله رفعه الله ، والإنسان ربما يقول لو تواضعت للفقير وكلمت الفقير، أو تواضعت للصغير وكلمته أو ما أشبه ذلك، فربما يكون في هذا وضع لي، وتنزيل من رتبتي، ولكن هذا من وساوس الشيطان، فالشيطان يدخل على الإنسان في كل شيء، قال تعالى عنه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (لأعراف: ١٦-١٧) . فالشيطان يأتي الإنسان ويقول له: كيف تتواضع لهذا الفقير؟ كيف تتواضع لهذا الصغير؟ كيف تكلم فلاناً؟ كيف تمشي مع فلان؟ ولكن من تواضع لله رفعه الله ، حتى وإن كان عالماً أو كبيراً أو غنياً، فإنه ينبغي أن يتواضع لمن كان مؤمناً، أما من كان كافراً فإن الإنسان لا يجوز له أن يخفض جناحه له، لكن يجب عليه أن يخضع للحق بدعوته إلى الدين، ولا يستنكف عنه ويستكبر فلا يدعوه، بل يدعوه ولكن بعزة وكرامة، ودون

стр. 1126

إهانة له، فهذا معنى قوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) . وفي الآية الثانية: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) ، فهذه وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هيناً ليناً بالقول وبالفعل؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس، وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع، ولهذا نهى النبي ﵊ عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء، مثل البيع على بيع المسلم، والسوم على سوم المسلم، وغير ذلك مما هو معروف لكثير من الناس، والله الموفق. * * * وقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة: ٣٢) ٢٢٢- وعن أبي مُوسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وشبك بين أصابعه، متفق عليه. [الشَّرْحُ] سبق ذكر عدة آيات في بيان تعظيم حرمات المسلمين، والرفق بهم، والإحسان إليهم، ومن جملة الآيات التي فيها بيان تعظيم حرمة المسلم

стр. 1127

قوله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة: ٣٢) ، بين الله في هذه الآية أن من قتل نفساً بغير نفسه أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن انتهك حرمة شخص من المسلمين، فكأنما انتهك حرمة جميع المسلمين، كما أن من كذب رسولاً واحداً من الرسل، فكأنما كذب جميع الرسل. ولهذا أقرأ قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء: ١٠٥) ، مع أنهم لم يكذبوا إلا واحداً، فإنه لم يُبعث رسولٌ قبل نوح، وما بعد نوح لم يدركه قومه، لكن من كذب رسولاً واحداً فكأنما كذّب جميع الرسل، ومن قتل نفساً محرمة، فكأنما قتل الناس جميعاً؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن أحياها أي سعى في إحيائها وإنقاذها من هلكة؛ فكأنما أحيا الناس جميعاً. وإحياؤها وإنقاذها من الهلكة تارة يكوم من هلكة لا قبل للإنسان بها فتكون من الله، مثل أن يشبّ حريق في بيت رجل، فتحاول إنقاذه، فهذا إحياء للنفس. وأما القسم الثاني فهم ما للإنسان فيه قبلٌ، مثل أن يحاول رجل العدوان على شخص ليقتله، فتحول بينه وبينه وتحميه من القتل، فأنت الآن أحييت نفساً. ومن فعل ذلك فكأنما أحيا الناس جميعاً؛ لأن إحياء شخص مسلم كإحياء جميع الناس. وقوله : (بِغَيْرِ نَفْسٍ) يستفاد منه أن من قتل نفساً بنفس فهو معذور ولا حرج عليه. قال الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ

стр. 1128

بِالنَّفْسِ) (المائدة: ٤٥) ، فإذا قتل نفساً بحق أي بنفس أخرى فلا لوم عليه ولا إثم، ويرث القاتل من المقتول إذا قتله بحق، ولا يرث القاتل من المقتول إذا قتله بغير حق. ولنضرب لهذا مثلاً بثلاثة أخوة قتل الكبير منهم الصغير عمداً، فالذي يرث الصغير أخوه الأوسط، وأخوه الكبير لا يرثه؛ لأنه قتله بغير حق ثم طاب الأوساط بدم أخيه الصغير، فقتل أخاه الكبير قصاصاً، فهل يرث الأوسط من أخيه الكبير وهو قاتله؟ نعم يرث؛ لأنه قتله بحق. والكبير الذي قتل الصغير لا يرث؛ لأنه قتله بغير حق. فالقتل بحق لا لوم فيه وليس له أثر؛ لأنه قصاص، والله تعالى يقول: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ١٧٩) . وقوله : (أَوْ فَسَادٍ) والفساد في الأرض ليس معناه أن يسلط الإنسان الحفار فيهدم بيتاً ولو كان ذلك بغير حق. فهذا وإن كان فساداً، لكن لا يحل به دم مسلم، والفساد في الأرض إنما يكون بنشر الأفكار السيئة، أو العقائد الخبيثة، أو قطع الطريق، أو ترويج المخدرات أو ما أشبه ذلك، هذا هو الفساد في الأرض. فمن أفسد في الأرض على هذا الوجه فهدمه هدر حلال، يُقتل لأنه ساع في الأرض بالفساد؛ بل إن الله تعالى قال في نفس السورة: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ٌ) (المائدة: ٣٣) ، على حسب جريمتهم، إن كانت كبيرة فبالقتل، وإن كانت دونها فبالصلب، وإن كانت دونها فبقطع

стр. 1129

أيديهم وأرجلهم من خلاف تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى،، وإن كان دون ذلك فبأن ينفوا من الأرض، إما بالحبس مدى الحياة. كما قال بذلك بعض أهل العلم، وإما بالطرد عن المدن كما قاله آخرون، لكن إذا كان لا يندفع شرهم بطردهم من المدن حبسوا إلى الموت. فالحاصل: أن من قتل نفساً لإفسادها في الأرض فلا لومه عليه؛ بل إن قتل النفس التي تسعى للإفساد في الأرض واجب، وقتل النفس بالنفس مباح إلا على رأى الإمام مالك ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية، فإن قتل الغيلة واجب فيه القصاص، يعني من غافل شخصاً فقتله فإنه يُقتل حتى ولو عفا أولياء المقتول؛ لأن الغيلة شر وفساد، لا يمكن التخلص منها. مثلاً يجيء إنسانا لشخص أثناء نومه فيقتله، فهذا يقتل على كل حال، حتى ولو قال أولياء المقتول: عفونا عنه ولا نبغي شيئاً، هذا رأي الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو القول الحق، أنه إذا قتل إنسان غيلة فلابد من قتل القاتل، ولا خيار لأولياء المقتول في ذلك: فالحاصل إن الله بين في هذه الآية أن قتل نفس واحدة بغير نفس أو فساد في الأرض كقتل جميع الناس، وإحياء نفس واحدة كإحياء جميع الناس، وهذا يدل على عظم القتل، ولو أن إنساناً أحصى كم قتل من بني آدم بغير حق لم يقدر، ومع ذلك فكل نفس تقتل فعلى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه كِفل منها، وعليه من إثمه نصيب. وابن آدم الذي قتل أخاه، قتله حسداً، حيث كان أول ما جاء آدم من الأبناء اثنين من بني آدم، وقد قربا قرباناً، قربة إلى الله، فتقبل الله من واحد

стр. 1130

ولم يتقبل من الآخر، فقال الثني الذي لم يتقبل منه لأخيه: لأقتلنك، لماذا يتقبل الله منك ولا يتقبل مني؟ حسده على فضل الله تعالى عليه، فقال له ربه: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: ٢٧) ، يعني اتق الله ويقبل الله منك، كلن من توعد أخاه بالقتل فليس بمتقٍ لله. وفي النهاية قتله والعياذ بالله (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة: ٣٠) ، خسر- والعياذ بالله- بهذه الفعلة الشنيعة التي أقدم عليها. ويقال: إنه بقي يحمل أخاه الذي قتله أربعين يوماً على ظهره، ما يدرى ماذا يفعل به، لأن القبور لم تعرف في ذلك لوقت، فبعث الله غراباً يبحث في الأرض، يعني بأظفاره ليريه كيف يواري سوأة أخيه، وقيل إن غرابين أقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر أحدهما للثاني فدفنه، فاقتدى به هذا القاتل ودفن أخاه، وهذا من العجائب ا، تكن الغربان هي التي علمت بني آدم الدفن. فالحاصل: أن كل نفس تقتل بغير حق؛ فعلى القاتل الأول من إثمها نصيب والعياذ بالله. وهكذا أيضاً من سنّ القتل بعد أمن الناس وصار يغتال الناس وما أشبه ذلك، وتجرأ الناس على هذا من أجل فعله، فإن عليه من الإثم نصيباً؛ لأنه هو الذي كان سبباً في انتهاك هذا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دُعاة الخير وفاعليه. إنه جواد كريم. * * *

стр. 1131

٢٢٣-وعن ابي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من مر في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا، ومعه نبلٌ فيمسك، وليقبض على نصالها بكفه أن يُصيب أحدا من المسلمين منها بشيء" متفق عليه. ٢٢٥- وعن أبي هريرة- ﵁ قال: " قبل النبي صلى الله عليه وسمل الحسن بن علي ﵄، وعندهُ الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر اليه رسول الله ﷺ فقال: " من لا يرحم لا يرحم" متفق عليه. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ جملة من أحاديث الرفق بالمسلمين، منها حديث أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: " من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك، أو ليقبض على نصالها بكفه". النبل: السهام التي يُرمى بها، وأطرافها تكون دائماً دقيقة تنفذ فيما تصيبه من المرمي، فإذا أمسك الإنسان بها وقى الناس شرها. وإذا تركها هكذا فربما تؤذي أحداً من الناس، ربما يأتي أحدٌ بسرعة فتخدشه، أو يمرّ الرجل الذي يمسك بها وهي مفتوحة غير ممسكة فتخدشهم أيضاً.

стр. 1132

ومثل ذلك أيضاً العصيّ، إذا كان معك عصّا فامسكها طولاً، يعني اجعل رأسها إلى السماء ولا تجعلها عرضاً؛ لأنك إذا جعلتها عرضاً آذيت الناس الذين وراءك، ربما تؤذى الذين أمامك. ومثله الشمسية أيضاً؛ إذا كان معك شمسية وأنت في السوق فارفعها، لئلا تؤذي الناس. فكل شيء يؤذي المسلمين أو يُخشى من أذيته فإنه يتجنبه الإنسان؛ لأن أذية المسلمين ليست بالهينة. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب: ٥٨) . ومن الأحاديث التي ذكرها المصنف حديث أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قبل الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان عنده الأقرع بن، والحسن بن على بن أبي طال هو ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ فجده من أمه رسول الله ﷺ ، وأبوه على بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ يحبُ الحسن والحسين؛ لأنهما سبطاه، يفضل الحسن على الحسين، لأن الحسن قال فيه النبي ﷺ : " إن ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" فكان الأمر كما قال النبي ﷺ لما حصلت الفتنة في زمن معاوية، وآلت الخلافة إلى الحسن بعد أبيه على بن أبي طالب ﵁، تنازل عنها ﵁ لمعاوية بن أبي سفيان حقناً لدماء المسلمين؛ لأنه يعلم أن في الناس أشراراً، وأنهم ربما

стр. 1133

يأتون إليه ويغرونه كما فعلوا بأخيه الحسين بن علي ﵃، غرّه أهل العراق وحصل ما حصل من المقتلة العظيمة في كربلاء وقُتل الحسين. أما الحسن ﵁ فإنه تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، فصار ذلك مصداقاً لقول النبي ﷺ : " ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين". كان عند النبي ﷺ الأقرع بن حابس من زعماء بني تميم، والغالب أن أهل البادية وأشباههم يكون يهم جفاء، فقبل النبي ﷺ الحسن، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلتُ واحداً منهم، أعوذ بالله من قلب قاسٍ لا يقبلهم ولو كانوا صغاراً، فنظر إليه النبي ﷺ وقال: " من لا يرحم لا يُرحم" يعني أن الذي لا يرحم عباد الله لا يرحمه الله، ويُفهم من هذا أن من رحم عباد الله ﵀، وهو كذلك فقد قال النبي ﷺ " الراحمون يرحمهم الرحمن" ففي هذا دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الرحمة في معاملة الصغار ونحوهم، وأنه ينبغي للإنسان أن يقبّل للإنسان أن يقبل أبناءه، وأبناء بناته، وأبناء أبنائه، يقبلهم رحمة بهم، واقتداءً برسل الله ﷺ ، أما ما يفعله بعض الناس من الجفاء والغلظة بالنسبة للصبيان، فتجده لا يمكن صبيه من أن يحضر على مجلسه، لا أن يمكِّن صبيه من أن يطلب منه شيئاً، وإذا رآه

стр. 1134

عند الرجال انتهره، فهذا خلاف السنة وخلاف الرحمة. كان النبي عيه الصلاة والسلام يصلي بالناس إحدى صلاتي العشي، إما العصر وإما الظهر، فجاءته بنت بنته " أمامة"، فكان النبي ﷺ يحملها وهو يصلي بالناس؛ إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها. فأين هذا الخلق من أخلاقنا اليوم؟ الآن لو يجد الإنسان صبيه في المسجد أخرجه فضلاً عن كونه يحمله في الصلاة. وكان النبي ﷺ يوماً من الأيام ساجداً فجاءه الحسن أو الحسين فركب عليه - أي جعله راحلة له- فأطال النبي صلى الله عليه السجود، فلما سلم قال: " إن أبني أرتحلني وإني كرهت أن أقٌوم حتى يقضي نهمته". وكان صلى الله عليه وسم ليخطب الناس يوماً على المنبر، فأقبل الحسن والحسين وعليهما ثوبان جديدان يعثران بهما، فنزل النبي ﷺ وحملهما بين يديه وقال: صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: ١٥) ، نظرت إليى هذين الصبيين يعثران فلم أصبر" يعني فما طابت نفسه حتى نزل وحملهما. ففي هذا كله وأمثاله دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يرحم الصغار، ويلطف بهم، وأن ذلك سبب لرحمة الله ، نسأل الله أن يعمنا

стр. 1135

وإياكم برحمته ولطفه وإحسانه. * * * ٢٢٦- وعن عائشة ﵂ قالت: قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: " أتقبلون صبيانكم؟ فقال: " نعم" قالوا: لكنا والله ما نقبل فقال رسول الله ﷺ : " أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة؟ " متفق عليه. ٢٢٧- وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال أن رسول الله ﷺ : " من لا يرحم لا يرحم الناس لا يرحمه الله " متفق عليه. ٢٢٨- وعن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه، فليطول ما شاء " متفق عليه وفي رواية: " وذا الحاجة". [الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة- ﵄ قالت: جاء قوم من الأعراب إلى النبي ﷺ فسألوا: هل تقبلون صبيانكم؟ قال النبي ﷺ : "نعم". الأعراب كما نعلم جميعاً جفاة، وعندهم غلظة وشدة ولا سيما رعاة الإبل منهم، فإن عندهم من الغلظة والشدة ما يجعل

стр. 1136

قلوبهم كالحجارة. نسأل الله العافية. قالوا: إنا لسنا نقبل صبياننا، فقال النبي ﵊: " أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة"؟ يعني لا أملك لكم شيئاً إذا نزع الله الرحمة من قلوبكم. وفي هذا دليلٌ على تقبيل الصبيان شفقة عليهم ورقة لهم ورحمة بهم. وفيه دليلٌ على أن الله تعالى قد أنزل في قلب الإنسان الرحمة، وإذا أنزل الله في قلب الإنسان الرجمة فإنه يرحم غيره، وإذا رحم غيره ﵀ ، كم في الحديث الثاني حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " من لا يرحم لا يرحمه الله " نسأل الله العافية. الذي لا يرحم الناس لا يرحمه الله ، والمراد بالناس: الناس الذين هم أهل للرحمة كالمؤمنين وأهل الذمة ومن شبابههم، وأما الكفار الحربيون فإنهم لا يُرحمون، بل يقتلون لأن الله تعالى قال في وصف النبي ﷺ وأصحابه (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: ٢٩) ، وقال تعالى للنبي ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة: ٧٣) . ذكر الله تعالى هذه الآية في سورتين من القرآن الكريم بهذا اللفظ نفسه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ذكرها الله في سورة اللتوبة وفي سورة التحريم، وقال تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (التوبة: ١٢٠) . وكذلك أيضاً رحمة الدواب والبهائم فإنها من علامات رحمة الله عزّ

стр. 1137

وجلّ للإنسان؛ لأنه إذا رق قلب المرء رحم كل شيء ذي روح، وإذا رحم كل شيء ذي روح ﵀. قيل: يا رسول الله؛ ألنا في البهائم أجر؟ قال: " نعم، في كل ذات كبد رطبة أجر" ومن الشفقة والرحمة بالمؤمنين أنه إذا كان الإنسان إماماً لهم، فإنه لا ينبغي له أن يطيل عليهم في الصلاة. ولهذا قال النبي ﵊: " إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف، فإن من ورائه السقيم والضعيف وذا الحاجة والكبير" يعني من ورائه أهل الأعذار الذين يحتاجون إلى التخفيف، والمراد بالتخفيف ما وافق سنة النبي ﷺ ، هذا هو التخفيف وليس المراد بالتخفيف ما وافق أهواء الناس، حتى صار الإمام يركض في صلاته ولا يظمئن. قال أنس بن مالك ﵁: ما صليت وراء إمام قطّ أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ ، ومع ذلك فكأن يقرأ في فجر الجمعة" آلم تنزيل" السجدة كاملة في الركعة الأولى. و (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ) (الانسان: ١) كاملة في الركعة الثانية، وكان يقرأ بسورة الدخان في المغرب، ويقرأ فيها بالمرسلات، ويقرأ فيها بالطور، ربما قرأ فيها بالأعراف، ومع هذا فهي خفيفة، قال أنس ﵁: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ .

стр. 1138

وليس هذا الحديث حجة للذين يريدون من الأئمة أن يخففوا تخفيفاً ينقص الأجر ويخالف السنة. ثم أعلم أنه قد يكون التخفيف عارضاً طارئاً، مثل ما كان النبي ﷺ يفعل، كان يدخل في الصلاة وهو يريد أن يطيل فيها، فيسمع بكاء الصبي فيوجز مخافة أن تفتتن أمه. فإذا حصل طارئ يوجب أن يخفف الإنسان صلاته فليخفف، لكن على وجه لا يخف بالواجب. فالتخفيف نوعان: تخفيف دائم: وهو ما وافق سنة النبي ﷺ . وتخفيف طارئ يكون أخفّ، وهو ما دعت إليه الحاجة، وهو أيضاً من السنة، فإن النبي صلى الله عليه ولسم كان إذا سمع بكاء الصبي خفف الصلاة حتى لا تفتتن أمه، والمهم أنه ينبغي للإنسان مراعاة أحوال الناس ورحمتهم. * * * ٢٢٩- وعن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل. وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرض عليهم" متفقٌ عليه

стр. 1139

٢٣٠- وعنهما ﵂ قالت: نهاهم النبي ﷺ عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيتُ يُطعمُني ربي ويسقينى " متفق عليه. معناهُ يجعلُ في قوة من أكل وشرب. [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة ﵂ في باب الرفق بالمسلمين والشفقة عليهم، قالت عائشة ﵂: " إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". قولها: " إن كان" " إن" هذه مخففة من الثقيلة، وأصلها " إنّ"، ويقول النحويون: إن اسمها محذوف ويسمونه ضمير الشأن، وجملة (كان ليدع) خيرها. فالجملة هنا ثبوتية وليست سلبية. والمعنى أن النبي ﷺ كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله، لئلا يعمل به الناس، فيفرض عليهم، فيشق عليهم. ومن ذلك ما فعله في رمضان ﵊. صلى في رمضان ذات ليلة، فعلم به أُناسٌ من الصحابة، فاجتمعوا إليه وصلوا معه، وفي الليلة الثانية صلوا أكثر، وفي الثالثة أكثر وأكثر، ثم ترك الصلاة في المسجد، فقال ﵊: " أما بعد، فإنه لم يخف علىّ

стр. 1140

مكانكم" يعني ما جرى منهم من الاجتماع " ولكني كرهت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها " فترك هذا القيام جماعة خوفاً من أن يفرض على الأمة وهذا من شفقته ﷺ ، وكان يقول: لولا أن أشق على أمتي لفعلت كذا وكذا، أو لآمرت بكذا وكذا، مثل قوله: " لولا أن أشق على أمتي لأمرته بالسواك عند كل صلاة. ومثله قوله ﷺ حين تأخر في صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل، فقال: " إنه لوقتها" يعني آخر الوقت. ثم قال: " لولا أن أشق على أمتي" فهو ﵊ كان يدع العمل ويدع الأمر بالعمل؛ خوفاً من أن يشق على الأمة. ومن ذلك أيضاً ما روته عائشة ﵂ أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم، يعني نهى الصحابة عن الوصال. والوصال يعني أن يصل الإنسان يومين فأكثر في الصيام من غير فطر، يعني يصوم الليل والنهار يومين أو ثلاثة أو أكثر، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، ولكنهم ﵃ فهموا أنه نهاهم رحمة بهم لا كراهة للعمل، فواصلوا ثم واصلوا حتى هل شهر شوال، فقال ﷺ : " لو تأخر الهلال لزدتكم" يعني لأبقيتكم

стр. 1141

تواصلون، قال ذلك تنكيلاً لهم، حتى يعرفوا ألم الجوع والعطش، ويكفوا عن الوصال من أنفسهم. الحاصل أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم. فقالوا: إنك تواصل ونحن نقتدي بك. فقال: " إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقينى" يعني أنه ﵊ ليس كالأمة، بل هو يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، ومعنى ذلك أنه ﵊ يتهجد بالليل، ويخلو بالله بذكره، وقراءة كلامه، وغير ذلك مما يغنيه عن الأكل والشرب، لأن الإنسان إذا اشتغل بالشيء نسي الأكل والشرب، خصوصاً إذا كان الشيء مما يحبه ويرضاه، ولهذا قال الشاعر في محبوبته: لها أحاديث من ذكراك تشعلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد يعني أنها إذا قعدت تتحدث عن هذا الرجل تكثر من ذكره حتى يلهيها ذلك عن الطعام والشراب، وهو أمر واقع واضح. حتى إن الإنسان قد يكون في الأشغال يشتغل بها، فيلهو عن الأكل والشرب، مثل طالب العلم الذي يكون منهوماً بالعلم شغوفاً به، ربما يبقى ي مكتبته يطالع من الصباح إلى المساء، فينسى الأكل والشرب، ينسى الغداء والعشاء، وربما ينسي النوم، وكذلك طالب الدنيا منهوم لا يشبع، ربما يبقى في دفاتره وحساباته فينشغل عن الأكل والشرب. ويذكر أن رجلاً غنياً كان يشتغل بحساباته وبكتاباته وماله وله زوجة، وكان له جار فقير متزوج، وكانوا يشعرون بأن هذا الجار الفقير يعاشر

стр. 1142

زوجته المعروف، فغارت زوجة الغني؛ لأن الغني غافل عنها، فقالت له: ألا تنظر إلى جارنا يعاشر زوجته بالمعروف، ويستأنس مع أهله، ففطن الرجل الغني لهذا، فدعا الرجل الفقير وقال له: إنك رجلٌ فقيرٌ تحتاج على المال، وأنا سأعطيك مالاً تتجر به، فأعطاه المال يتجر به، فانشغل به الفقير عن اهله، وصال لا يعاشرهم ولا يؤنسهم، فصار مثل التاجر. فالإنسان إذا انشغل بالشيء المحبوب إليه أنساه كلّ شيء، ولهذا قال النبي ﵊: " إني ابيت عند ربي يطعمني ويسقين" فلست كهيئتكم، وما زعمه بعض أهل العلم من أن المراد بالإطعام والإسقاء، الإطعام من الجنة والإسقاء من الجنة فليس بصحيح؛ لأنه لو طعم طعاماً حسياً وشرب شراباً حسياً، لم يكن واصلاً، وإنما المراد بالطعام والسقي ما يشتغل به ﷺ من ذكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه. والحاصل: أن النبي ﷺ كان يواصل وينهى أمته على الوصال رحمة بهم، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. * * * ٢٣١- وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي ﵁ قال- قال: رسول الله صلى الله عليه وسل: " إني لأقوم إلى الصلاة، وأريدُ أن أُطول فيها فأسمع بُكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" رواه البخاري.

стр. 1143

٢٣٢- وعن جُندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذكته بشيء يُدركهُ، ثم يكفه على وجهه في نار جهنم " رواه مسلم. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب الرفق بالمسلمين فيما نقله عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري- ﵁ عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: " إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه" هذا الحديث من النماذج التي تدل على رحمة النبي ﷺ بأمته، كما وصفه الله تعالى به في قوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: ١٢٨) ، فهو يدخل في صلاة الجماعة يريد أن يطيل فيها، والمراد الإطالة النسبية، ليست الإطالة الزائدة عما كان يفعله من قبل، فإذا سمع بكاء الصبي أوجز وخفف مخافة أن يشق على أمه؛ لأن أمه إذا سمعت بكاءه فإنه يشق عليها أن تسمع بكاء ابنها، وربما يشغلها كثيراً عن الصلاة، فيخفف عليها الصلاة والسلام لأجل ذلك. ففي هذا الحديث فوائد منها: أولاً: رحمة النبي ﷺ بأمته وشفقته عليها. ثانياً: جواز حضور النساء إلى المساجد ليصلين مع الجماعة، وهذا

стр. 1144

ما لم تخرج المرأة على وجه لا يجوز، مثل أن تخرج متعطرة أو متبرجه، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ مقال: " إيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا صلاة العشاء". ثالثاً: جواز إدخال الصبيان المسجد، هذا إذا كان صبيها معها، وإن كان خارج المسجد قريباً منه فليس فيه دلالة، لكنه يصعب أن تسمع المرآة بكاء صبيها في البيت وهي في المسجد، فالظاهر أن صبيانهن كانوا معهن فيكون فيه دليلٌ على جواز إدخال الصبيان المساجد، لكن بشرط أن لا يحصل منهم أذية لا على المسجد ولا على المصلين، فإن كان يخشى منهم أذية على المسجد كتلويثه بالبول والنجاسة؛ فإنهم يمنعون، وكذلك إذا كان يخشى منهم التشويش على الناس بالصراخ والركض والجلبة، فإنهم يمنعون أيضاً. أما إذا لم يكن منهم بأس؛ فإنه لا بأس أن يؤتى بهم إلى المساجد. وأما حديث " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" فهو ضعيف. رابعاً: أنه يجوز للمصلى أن يسمع ما حوله ولا يلزمه أن يسدّ أذنيه، بل له أن يسمع، لكن إن كان ما حوله يشوش عليه إذا سمعه فلا يصلينَّ

стр. 1145

حوله وإنما يبعد، كما لو أراد الإنسان أن يصلى في المسجد وحوله حلقة ذكر أو حلقة قرآن، ويخشي أن يشوشوا عليه إذا دنا منهم، فليبعد، وأما إذ لم يشوشوا فلا بأس أن يسمع بخلاف الاستماع فإن المصلي لا يستمع إلا إلى قراءة إمامه. وعلى هذا إذا كنت تصلي وجاء القارئ يقرأ حديثاً أو موعظة، فلا تشد سمعك إليه، لا تستمع؛ لأن هذا غير مشروع، ولا تجعل تركيزك معه، أما إذا سمعته ولكنك ماضٍ في صلاتك لم تهتم به ولم تلتفت إليه فلا بأس. خامساً: ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز للمصلي أن يغير نيته من تطويل إلى تخفيف أو بالعكس، إذا وُجد سبب لذلك؛ لأن النبي ﷺ كان يدخل في الصلاة يريد أن يطيلها فيخفف. فإذا دخل الإنسان في صلاته وهو يريد أن يطيل، ثم جاءه شخص وقال له: عند الباب ضيوف أو ما أشبه ذلك؛ فلا بأس أن يخفف ليذهب إلى ضيوفه كما كان الرسول ﵊ يفعل هذا. سادساً: ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا حرج على الإنسان إذا شق عليه بكاء ابنه أو ما يؤذي ابنه من ألمٍ أو شبهه؛ لأن هذا من الأمور الفطرية الطبيعية، فإن كل إنسان يشق عليه أن يسمع بكاء أبنه؛ بل إن من الناس من يشق عليه أن يسمع بكاء الصبي مطلقاً حتى ولو لم يكن أبناء له رحمة بالصبيان، ولا شك أن الرحمة بالصبيان ومراعاتهم واتقاء ما يؤذيهم من أسباب الرحمة، كما قال النبي ﷺ من

стр. 1146

قبل: " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " و " الراحمون يرحمه الرحمن" و " إنما يرحم الله من عباده الرحماء" وأشباه هذه الأحاديث، فكون الإنسان يشق عليه بكاء الصبيان رحمة لهم، لا شك أن هذا من الخلق المحمود؛ لأنه رحمة بهؤلاء الصغار الذين هم أهل للرحمة، الله الموفق. ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث جندب بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من صلى الفجر فهو في ذمة الله " الفجر هي الصلاة الأولى عند بعض العلماء. وعند بعض العلماء أن الصلاة الأولى هي صلاة الظهر، لكن الأصح أن الصلاة الأولي هي صلاة الفجر، والثانية: الظهر، والثالثة: العصر، وهي الوسطى، والرابعة: المغرب، والخامسة: العشاء.. وصلاة الفجر تأتي وكثيرٌ من الناس نيام، ولهذا يتكاسل عنها المنافقون، كما قال النبي ﷺ : " أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولو حبوا" وهي وصلاة العصر أفضل الصلوات الخمس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسمل: " من صلى البردين دخل الجنة". والبردان هما: الفجر والعصر؛ لأن الفجر براد الليل، والعصر براد

стр. 1147

النهار، وقوله: " من صلى الفجر" ظاهره من صلى في جماعة أو غير جماعة. وقوله: " فهو في ذمة الله " أي في عهده، يعني أنه دخل في عهد الله فكأنه معاهد لله أن لا يصيبه أحد بسوء، ولهذا قال ﵊: " فلا يطلبنكم الله في ذمته بشيء" يعني لا يترك عهد على من صلى الفجر؛ لأنه في ذمة الله وفي عهده، فإياكم أن يطلبكم الله تعالى من ذمته بشيء، " فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في النار". ففي هذا دليلٌ على أنه يجب احترام المسلمين الذين صدقوا إسلامهم بصلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن، فالمنافقون لا يشهدون الجماعة، ولا يصلون الفجر أبداً؛ لأنهم إنما يصلون مراءاة للناس، فإذا لم يكن الناس ينتبهون لهم، فإنهم لا يصلون. والفجر في عهد النبي ﷺ ليست كالفجر في يومنا هذا، بل كان الليل في عهد النبي ﷺ ليلاً حالكاً لا يُرى الناس فيه، فيأتي الإنسان ويذهب وهو لا يُعرف، لكن ليلنا الآن - ولله الحمد - كنهارنا بما أنعم الله علينا به من هذه الإضاءة بالكهرباء، لكنها في عهد النبي ﷺ لظلمتها ومشقتها؛ كان المنافقون لا يصلون الفجر والعشاء جماعة. والحاصل أن هذا الحديث يدل على وجوب احترام المسلمين الذين برهنوا على إسلامهم بصلاة الفجر، وإنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم.

стр. 1148

٢٣٣- وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه: كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة؛ من كرب يوم القيامة، من ستر مسلماً؛ ستره الله يوم القيامة" متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وسمل قال: " المسلم أخو المسلم" يعني في الدين، كما قال الله ﵎: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران: م١٠٣) وقال الله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) (الأحزاب: ٥) وهذه الأخوة هي أوثق الأخوات، أوثق من أخوة النسب، فإن أخوة النسب قد يتخلف مقتضاها، فيكون أخوك من النسب عدواً لك كارهاً لك، وذلك يكون في الدنيا وفي الآخرة. قال الله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: ٦٧) . أما أخوة الدين فإنها أخوة ثابتة راسخة في الدنيا وفي الآخرة، تنفع الإنسان في حياته وبعد مماته، لكن هذه الأخوة لا يترتب عليها ما يترتب على أخوة النسب من التوارث ووجوب النفقة وما أشبه ذلك. ثم قال: " لا يظلمه ولا يسلمه" لا يظلمه لا في ماله، ولا في بدنه، ولا

стр. 1149

في عرضه، ولا في أهله، يعني لا يظلمه بأي نوع من الظلم " ولا يسلمه يعني لا يسلمه لمن يظلمه، فهو يدافع عنه ويحميه من شره، فهو جامع بين أمرين: الأمر الأول: أنه لا يظلمه. والأمر الثاني: أنه لا يسلمه لمن يظلمه بل يدافع عنه. ولهذا قال العلماء ﵏: يجب على الإنسان أن يدافع عن أخيه فعرضه وبدنه وماله. في عرضه: يعني إذا سمع أحداً يسبه ويغتابه، يحب عليه أن يدافع عنه. وكذلك أيضاً في بدنه: إذا أراد أحد أن يعتدي على أخيك المسلم وأنت قادر على دفعه، وجب عليك أن تدافع عنه، وكذلك في ماله: لو أراد أحد أن يأخذ ماله، فإنه يجب عليك أن تدافع عنه. ثم قال ﵊: " والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه" يعني أنك إذا كنت في حاجة أخيك تقضيها وتساعده عليها؛ فإن الله تعالى يساعدك في حاجتك ويعينك عليها جزاءً وفاقاً. ويُفهم من ذلك أن الإنسان إذا ظلم أخاه؛ فإن أخوته ناقصة، وإذا أسلمه إلى من يظلمه؛ فإن أخوته ناقصة، وإذا أسلمه إلي من يظلمه، فإن أخوفه ناقصة، وإذا لم يكن في حاجته، فإن هذا يفوته الخير العظيم، وهو كون الله تعالى في حاجته. ثم قال: " ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" الكرب ما يضيق على الإنسان ويشق عليه، ويجد له في نفسه هماً وعماً، فإذا فرجت عن أخيك هذه الكربة؛ فرج الله عنك كربة

стр. 1150

من كرب يوم القيامة. وتفريج الكربات يكون في أمور متعددة: إن كانت كربة مالية؛ فبإعطائه المال الذي تزول به الكربة، وإن كانت كربة معنوية؛ فبالحرص على رد معنويته ورد اعتباره حتى تزول عنه الكربة، وإذا كامن كربة هم وغم؛ فبأن توسع عليه وتنفس له، وتبين له أن الأمور لا تدوم، وأن دوام الحال من المحال، وتبين له ما في هذا من الأجر والثواب العظيم، حتى تهون عليه الكربة. " ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة" من ستر يعني: غطى عيبه ولم يبينه، فإن الله يستره في الدنيا والآخرة، وهذا ليس على إطلاقه فهناك نصوص تدل على أنه غير مطلق، فالستر قد يكون مأموراً به محموداً، وقد يكون حراماً، فإذا رأينا شخصاً على معصية، وهو رجلٌ شرير منهمك في المعاصي، لا يزيده الستر إلا طغياناً؛ فإننا لا نستره، بل نبلغ عنه حتى يُردع ردعاً يحصل به المقصود. أما إذا لم تبدر مه بوادر سيئة، ولكن حصلت منه هفوة، فإن من المستحب أن تستره ولا تبينه لأحد، لا للجهات المسؤولة ولا لغيرها، فإذا سترته ستر الله عليك في الدنيا والآخرة. ومن ذلك أيضاً أن تستر عنه العيب الخلقي، إذا كان فيه عيب في خلقته كجروح مؤثرة في جلده أو برص أو بهق أو ما أشبه ذلك، وهو يتستر ويحب ألا يطلع عليه الناس فإنك تستره، إذا سترته سترك الله في الدنيا والآخرة. وكذلك إذا كان سيئ الخلق لكنه يتظاهر للناس بأنه حسن الخلق

стр. 1151

وواسع الصدر، وأنت تعرف عنه خلاف ذلك، فاستره. فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة فالستر كما قلت بالنسبة للأعمال السيئة التي يقوم بها الإنسان ينقسم إلى قسمين: قسم يكون من شخص منهمك في المعاصي مستهتر، فهذا لا نستر عليه. وقسم آخر حصل منه هفوة، فهذا هو الذي نستر عليه. أما الأمور الأخرى فالستر فيها أكمل وأفضل، الله المستعان. * * * ٢٣٤- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسمل: " المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذلهُ. كل المسلم على المسلم حرامٌ: عرضه وماله ودمهُ، التقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" رواه الترمذي وقال: حديث حسن [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " المسلم أخو المسلم" وقد تقدم الكلام على هذه الجملة. وأن هذه الأخوة أخوة الإيمان، وأنها أقوى رابطة وأوثق من أخوة النسب، وبينا وجه ذلك فيما سبق.

стр. 1152

وبين هنا في هذا الحديث أنه " لا يظلمه ولا يخونه ولا يكذبه" لا يخونه يعني لا يغدر به في محل الائتمان، إذا ائتمنه على شيء، أو على مال، أو على سر، أو على غير ذلك فإنه لا يخونه، والخيانة هي الغدر بالشخص في موضع الائتمان، ولا يجوز لأحد أن يخون أخاه المسلم حتى وإن خانه. يعني وإن خانك أخوك المسلم فلا تخنه، لقول النبي صلى الله عليه وسمل: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" فلو فرضنا أن شخصاً خانك في مال؛ بان أقرضته مالاً أي سلفته، ثم أنكر بعد ذلك وقال: لم تقرضني شيئاً؛ فإنه لا يحل لكل أن تخونه فتقترض منه ثم تنكره، بل أد إليه أمانته وأسال الله الحق الذي لك؛ لقول ﵊: " لا تخن من خانك". كذلك أيضاً " لا يكذبه" أي لا يحدثه بكذب، والكذب حرام، وكلما كان آثاره أسوأ كان أشد إثماً. وليس في الكذب شيء حلالاً، وأما من ادعاه بعض العامة حيث يقولون: إن الكذب نوعان: أسود وأبيض، فالحرم هو الأسود، والحلال هو الأبيض، فجوابه: أن الكذب كله أسود، ليس فيه شيء أبيض، لكن يتضاعف إثمه بحس ما يترتب عليه، فإذا كان يترتب عليه أكل مال المسلم، أو غررٌ على مسلم، صار اشد إثماً، وإذا كان لا يترتب عليه أي شيء من الأضرار، فإنه أخف ولكنه حرام. لكن ورد عن النبي ﷺ " إنه رخص في الكذب عند الإصلاح بين

стр. 1153

الناس وفي الحرب، وفي حديث الرجل امرأته. وحديثها إياه" ولكن كثيراً من العلماء قال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث ليس الكذب الصريح، وإنما هو التورية، والتورية تسمى كذباً، كما قال إبراهيم ﵊ حين يأتي الناس له يوم القيامة ليشفع لهم: إنه كذب ثلاث كذبات، وهو لم يكذب ولكنه ورى تورية، يعني أظهر للمخاطب شيئاً غير الذي يريده نهو، فبعض العملاء يقول: إن هذا الحديث الذي فيه أن الكذب يجوز في هذه الأشياء الثلاثة، يراد به كذب التورية لا الكذب الصريح، وعلى هذا فلا يستثنى من الكذب شيء، وكل الكذب حرام، ثم أعلم الكذب يحار فيه الإنسان ويعجز عنه معالجته كما قيل: لي حيلة في من ينمُّ وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقولُ فحيلتي فيه قليله الذي ينمُّ والذي يلقي النميمة بين الناس، لي فيه حيلة أي يمكن أن احتال واتخلص منه ومن شره، لكن الذي يكذب يقول فعلت وفعلت وهو كاذب. ليس في فيه حيلة إذا كان يخلق ما يقول وما شاء قاله، فهذا مشكل ليس لي فيه حيلة، ولهذا قال هنا: " ولا يكذبه". وفي لفظ " ولا يحقره" يعني لا يحتقره ولا يستصغره، حتى وإن كان اكبر منه سناً، وإن كان أكثر منه مالاً، وإن كان أغزر منه عالماً فلا يحقره.

стр. 1154

واحتقار الناس من الكبر- والعياذ بالله - قال النبي ﷺ : " الكبر بطر الحق، وغمط الناس" بطر الحق يعني ردّه، وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم فالمسلم يرى أخاه بعين الإكبار ويحترمه ويعظمه، والعامة يقولون: احترام الناس يحترمونك، يعني من راي الناي يعني الاحتقار وأوه بعين الاحتقار ظن ومن رآهم بين الإكثار والإجلال، راوه بعين والإجلال، وهذا شيء مشاهد. ولهذا تجد الرجل المتواضع اللين الهين محترماً عند الناس كلهم، لا أحد يكرهه، ولا أحد يسبه والإنسان الشامخ بأنفه المستكبر المحتقر لغيره، تجده مكروهاً مذموماً عند الناس، ولولا حاجة الناس إليه إذا كانو يحتاجون غليه ما كلمه أحد؛ لأنهم يحتقرونه. ثم قال ﵊: " التقوى ها هنا" أشار إلى صدره ثلاث مرات، يعني أن التقوى في القلب فإذا اتقى القلب؛ أتقت الجوارح، وهذا كقوله ﷺ : " ألا وإن ف الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب" فإذا كان في قلب الإنسان تقوى لله وخوفٌ منه وخشيه له، استقامت أعماله الظاهرة؛ لأن الأعمال الظاهرة تتبع القلب. وقد مثل بعض العلماء ومنهم أبو هريرة رضي الله عن بالقلب بالملك

стр. 1155

المطاع مع جنوده، فالملك المطاع مع جنوده إذا أمرهم بشيء أطاعوه، ولكن بعض العلماء قال: إن هذا المثال أنقص من قول النبي ﷺ : " إذا صلحت صلح الجسد كله" وذلك لأن الملك مع جنوده وإن كان مطاعاً فإنهم لا يصلحون بصلاحه، لكن القلب إذا صلح صلح الجسد، وإذا اتقي اتقى الجسد. واعلم أن من الناس من يجادل بالباطل بهذا الحديث، فإذا أمرته بمعروف، أو نهيته عن منكر، قال، التقوى هاهنا تقول له: لا تحلق لحيتك فحلق اللحية حرام، وحلق اللحية من طريقة المجوس والمشركين، وإعفاء اللحية من هدي النبيين والمرسلين وأولياء الله الصالحين. إذا قلت له هذا قال: التقوى هاهنا. التقوى ها هنا. نقول له: كذبت وإنه ليس في قلبك تقوى، لو كان في قلبك تقوى لاتقيت الله؛ لأن القلب إذا اتقى اتقت الجوارح، وإذا انهمك في معصية الله انهمكت الجوارح. وفي قوله: "التقوى ها هنا " وإشارته على صدره دليلٌ على أن العقل في القلب الذي في الصدر، وهذا هو المطابق للقرآن تماماً، قال الله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: ٤٦) ، فقال: (قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) ، ثم قال (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) . وليس القلب هو الخ كما يظنه بعض الجهال، فالعقل في القلب. ولكن المخ لا شك أن له اثراً في أعمال العبد، في حركاته، وفي سكناته، لكنهم قالوا: إن المخ مثل الخادم، يهيئ الأشياء ويطبخها، ثم يبعث بها

стр. 1156

إلي القلب، ثم يصدر القلب الأوامر على المخ من اجل أن المخ يدبر الأعصاب وبقية الجسم، فيكون هذا المخ خادماً للقلب عند تصدير الأشياء إليه واستصدارها منه فالأشياء تمر من القلب ذاهبة وآتيه إلى المخ، والمخ هو الذي يحرك البدن، ولذلك إذا اختل المخ اختل كل شيء. ثم قال ﷺ " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" يعني لو لم يكن من الشر للمسلم إلا أن يحقر أخاه ويستصغره ويستذله، لكان كافياً في الإثم والعياذ بالله، في هذا التحليل أعظم زاجر من احتقار أخيك المسلم، وأن الواجب عليك أن تحترمه وتعظم بما فيه من الإسلام والإيمان. ثم قال ﷺ : " كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه": " كل المسلم على المسلم حرام، دمه "فلا يعتدي على المسلم بقتل أو جرح او غير ذلك " وماله" فلا يؤخذ ماله، ولا غصباً، ولا سرقة، ولا خيانة، ولا دعوى ما ليس له، ولا غير ذلك بأي طريق، فلا يحل لك أن تأخذ مال أخيك بغير حق فإنه حرامٌ عليك. " وعرضه" بأن لا تنتهك عرضه، وتتكلم فيه بين الناس، سواء كنت صادقاً فيما تقول أو كاذباً؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن الغيبة فقال: " ذكرك أخاك بما يكره" قالوا: يا رسول الله، أريت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته"

стр. 1157

فالواجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله وعرضه ودمه كما قال ﷺ ": " كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". * * * ٢٣٥- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ " لا تحاسدوا، ولا تجاسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يحقره، ولا يخذلهُ، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" رواه مسلم. " النجش " أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه، ولا رغبة له في شرائها بل يقصد أن يغر غيره وهذا حرامٌ" والتدابر " أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر. [الشَّرْحُ] قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تحاسدوا " أي لا يحسد بعضكم بعضاً. والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره هذا الحسد، ومثاله أن تكره أن الله أنعم على هذا الرجل بالمال، أو البنين، أو بالزوجة، أو بالعلم أو بالعبادة، أو بغير ذلك من النعم سواء تمنيت أن تزول أن لم تتمن. وإن كان بعض العلماء يقول: إن الحسد أن يتمنى زوال نعمة الله على

стр. 1158

غيره، ولكن هذا أخبث وأشده، وإلا فمجرد كراهة الإنسان أن ينعم الله على الشخص فهو حسد، والحسد، من خصال اليهود، فمن حسد فهو متشبه بهم والعياذ بالله، قال الله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) (البقرة: ١٠٩) وقال تعالى فيهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (النساء: ٥٤) ، ولا فرق بين أن تكره ما أنعم الله على غير ليعود هذا الشيء إليك، أو ليرتفع عن أخيك وإن لم يعد إليك. وأعلم أن في الحسد مفاسد كثيرة: منها: أنه تشبه باليهود أخبث عباد الله وأخس عباد الله، الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. ومنها: أن فيه دليلاً على خبث نفس الحاسد، وأنه لا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لأن من أحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لم يحسد الناس على شيء؛ بل يفرح إذا أنعم الله عليه غيره بنعمة ويقول: اللهم آتني مثلها، كما قال الله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: ٣٢) . ومنها: أن فيه إعتراضاً على قدر الله وقضائه، وإلا فمن الذي أنعم على هذا الرجل؟ الله ، فإذا كرهت ذلك فقد كرهت قضاء الله وقدره، ومعلوم أن الإنسان إذا كره قضاء الله وقدره فإنه على خطر في دينه - نسأل الله العافية-؛ لأنه يريد أن يزاحم ربّ الأرباب جلّ وعلا في تدبيره

стр. 1159

وتقديره. ومن مفاسد الحسد: أنه كلما أنعم الله على عباده نعمة؛ التهبت نار الحسد في قلبه فصار دائماً في حسده وفي غم، لأن نعم الله على العباد لا تحصى، وهو رجلٌ خبيث كلما أنعم اله على عبده نعمة على ذلك الحسد في قلبه حتى يحرقه. ومن مفاسد الحسد: انه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما قال ﷺ : " إياكم والحسد، فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" ومن مفاسده: أنه يعرقل الإنسان على السعي في الأشياء النافعة؛ لأنه دائماً يفكر ويكون في غم؛ كيف جاء هذا الرجل مالٌ؟ كيف جاءهم علم؟ كيف جاءه ولد؟ كيف جاءه زوجة ما أشبه ذلك، فتجده دائماً منحسراً منطوياً على نفسه، ليس له هم إلا تتبع نعم الله على العباد واغتمامه بها، نسأل الله العافية. ومن مفاسد الحسد: أنه ينبئ عن نفس شريرة ضيقة، لا تحب الخير وإنما هي نفس أنانية تريد أن يكون كل شيء لها. ومن مفاسد الحسد أيضاً: أنه لا يمكن أن يغير شيء مما قضاه الله ابدأً، مهما عملت، ومهما كرهت. ومهما سعيت لإخوانك في إزالة نعم الله عليهم، فإنك لا تستطيع شيئاً. ومن مفاسده: أنه ربما يتدرج بالإنسان إلى أن يصل إلى درجة

стр. 1160

الذي يحسد الناس، لأن العائن نفسه شريرة حاسدة حاقدة، فإذا رأى ما يعجبه انطلق من هذه النفس الخبيثة مثل السهم حتى يصيب بالعين، فالإنسان إذا حسد وصار فيه نوع من الحسد، فإنه يترقى به الأمر حتى يكون من أهل العيون الذين يؤذون الناس بأينهم، ولا شك أن العائن عليه من الوبال والنقمة بقدر ما ضرّ العباد. إن ضرهم بأموالهم فعليه من ذلك إثم أو بأبدانهم أو بمجتمعهم، ولهذا ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى تضمين العائن كل ما أتلف، يعني إذا عان أحداً وأتلف شيئاً من ماله أو أولاده أو غيرهم، فإنه يضمن، كما أنهم قالوا: إن من اشتهر بذلك، فإنه يجب أن يُحبس إلا أن يتوب، يحبس أتقاء شره، لأنه يؤذى الناس ويضرهم فيحبس كفاً لشره. ومن مفاسد الحسد: انه يؤدي إلى تفرق المسلمين؛ لأن الحاسد مكروه عند الناس مبغض، والإنسان الطيب القلب الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، تجده محبوباً من الناس، الكل يحبه، ولهذا دائماً نقول: والله فلان هذا طيب ما في قلبه حسد، وفلان رجلٌ خبيثٌ حسود وحقود وما أشبه ذلك. فهذه عشر مفاسد كلها في الحسد، وبهذا نعرف حكمة النبي صلى الله عليه وسل حيث قال: " لا تحاسدوا" أي لا يحسد بعضكم بعضاً، فإن قال قائل: ربما يجد الإنسان في نفسه إنه يحب أن يتقدم على غيره في الخير، فهل هذا من الحسد؟ فالجواب: أن ذلك ليس من الحسد؛ بل هذا من التنافس في الخيرات، قال الله تعالى: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (الصافات: ٦١) فإذا
следующие страницы →