Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
إلي القلب، ثم يصدر القلب الأوامر على المخ من اجل أن المخ يدبر الأعصاب وبقية الجسم، فيكون هذا المخ خادماً للقلب عند تصدير الأشياء إليه واستصدارها منه فالأشياء تمر من القلب ذاهبة وآتيه إلى المخ، والمخ هو الذي يحرك البدن، ولذلك إذا اختل المخ اختل كل شيء.
ثم قال ﷺ " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" يعني لو لم يكن من الشر للمسلم إلا أن يحقر أخاه ويستصغره ويستذله، لكان كافياً في الإثم والعياذ بالله، في هذا التحليل أعظم زاجر من احتقار أخيك المسلم، وأن الواجب عليك أن تحترمه وتعظم بما فيه من الإسلام والإيمان.
ثم قال ﷺ : " كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه": " كل المسلم على المسلم حرام، دمه "فلا يعتدي على المسلم بقتل أو جرح او غير ذلك " وماله" فلا يؤخذ ماله، ولا غصباً، ولا سرقة، ولا خيانة، ولا دعوى ما ليس له، ولا غير ذلك بأي طريق، فلا يحل لك أن تأخذ مال أخيك بغير حق فإنه حرامٌ عليك.
" وعرضه" بأن لا تنتهك عرضه، وتتكلم فيه بين الناس، سواء كنت صادقاً فيما تقول أو كاذباً؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن الغيبة فقال: " ذكرك أخاك بما يكره" قالوا: يا رسول الله، أريت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته"
стр. 1157
فالواجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله وعرضه ودمه كما قال ﷺ ": " كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه".
* * *
٢٣٥- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ " لا تحاسدوا، ولا تجاسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يحقره، ولا يخذلهُ، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" رواه مسلم.
" النجش " أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه، ولا رغبة له في شرائها بل يقصد أن يغر غيره وهذا حرامٌ" والتدابر " أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تحاسدوا " أي لا يحسد بعضكم بعضاً. والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره هذا الحسد، ومثاله أن تكره أن الله أنعم على هذا الرجل بالمال، أو البنين، أو بالزوجة، أو بالعلم أو بالعبادة، أو بغير ذلك من النعم سواء تمنيت أن تزول أن لم تتمن.
وإن كان بعض العلماء يقول: إن الحسد أن يتمنى زوال نعمة الله على
стр. 1158
غيره، ولكن هذا أخبث وأشده، وإلا فمجرد كراهة الإنسان أن ينعم الله على الشخص فهو حسد، والحسد، من خصال اليهود، فمن حسد فهو متشبه بهم والعياذ بالله، قال الله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) (البقرة: ١٠٩) وقال تعالى فيهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (النساء: ٥٤) ، ولا فرق بين أن تكره ما أنعم الله على غير ليعود هذا الشيء إليك، أو ليرتفع عن أخيك وإن لم يعد إليك.
وأعلم أن في الحسد مفاسد كثيرة:
منها: أنه تشبه باليهود أخبث عباد الله وأخس عباد الله، الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
ومنها: أن فيه دليلاً على خبث نفس الحاسد، وأنه لا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لأن من أحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لم يحسد الناس على شيء؛ بل يفرح إذا أنعم الله عليه غيره بنعمة ويقول: اللهم آتني مثلها، كما قال الله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: ٣٢) .
ومنها: أن فيه إعتراضاً على قدر الله وقضائه، وإلا فمن الذي أنعم على هذا الرجل؟ الله ، فإذا كرهت ذلك فقد كرهت قضاء الله وقدره، ومعلوم أن الإنسان إذا كره قضاء الله وقدره فإنه على خطر في دينه - نسأل الله العافية-؛ لأنه يريد أن يزاحم ربّ الأرباب جلّ وعلا في تدبيره
стр. 1159
وتقديره.
ومن مفاسد الحسد: أنه كلما أنعم الله على عباده نعمة؛ التهبت نار الحسد في قلبه فصار دائماً في حسده وفي غم، لأن نعم الله على العباد لا تحصى، وهو رجلٌ خبيث كلما أنعم اله على عبده نعمة على ذلك الحسد في قلبه حتى يحرقه.
ومن مفاسد الحسد: انه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما قال ﷺ : " إياكم والحسد، فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"
ومن مفاسده: أنه يعرقل الإنسان على السعي في الأشياء النافعة؛ لأنه دائماً يفكر ويكون في غم؛ كيف جاء هذا الرجل مالٌ؟ كيف جاءهم علم؟ كيف جاءه ولد؟ كيف جاءه زوجة ما أشبه ذلك، فتجده دائماً منحسراً منطوياً على نفسه، ليس له هم إلا تتبع نعم الله على العباد واغتمامه بها، نسأل الله العافية.
ومن مفاسد الحسد: أنه ينبئ عن نفس شريرة ضيقة، لا تحب الخير وإنما هي نفس أنانية تريد أن يكون كل شيء لها.
ومن مفاسد الحسد أيضاً: أنه لا يمكن أن يغير شيء مما قضاه الله ابدأً، مهما عملت، ومهما كرهت. ومهما سعيت لإخوانك في إزالة نعم الله عليهم، فإنك لا تستطيع شيئاً.
ومن مفاسده: أنه ربما يتدرج بالإنسان إلى أن يصل إلى درجة
стр. 1160
الذي يحسد الناس، لأن العائن نفسه شريرة حاسدة حاقدة، فإذا رأى ما يعجبه انطلق من هذه النفس الخبيثة مثل السهم حتى يصيب بالعين، فالإنسان إذا حسد وصار فيه نوع من الحسد، فإنه يترقى به الأمر حتى يكون من أهل العيون الذين يؤذون الناس بأينهم، ولا شك أن العائن عليه من الوبال والنقمة بقدر ما ضرّ العباد. إن ضرهم بأموالهم فعليه من ذلك إثم أو بأبدانهم أو بمجتمعهم، ولهذا ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى تضمين العائن كل ما أتلف، يعني إذا عان أحداً وأتلف شيئاً من ماله أو أولاده أو غيرهم، فإنه يضمن، كما أنهم قالوا: إن من اشتهر بذلك، فإنه يجب أن يُحبس إلا أن يتوب، يحبس أتقاء شره، لأنه يؤذى الناس ويضرهم فيحبس كفاً لشره.
ومن مفاسد الحسد: انه يؤدي إلى تفرق المسلمين؛ لأن الحاسد مكروه عند الناس مبغض، والإنسان الطيب القلب الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، تجده محبوباً من الناس، الكل يحبه، ولهذا دائماً نقول: والله فلان هذا طيب ما في قلبه حسد، وفلان رجلٌ خبيثٌ حسود وحقود وما أشبه ذلك.
فهذه عشر مفاسد كلها في الحسد، وبهذا نعرف حكمة النبي صلى الله عليه وسل حيث قال: " لا تحاسدوا" أي لا يحسد بعضكم بعضاً، فإن قال قائل: ربما يجد الإنسان في نفسه إنه يحب أن يتقدم على غيره في الخير، فهل هذا من الحسد؟ فالجواب: أن ذلك ليس من الحسد؛ بل هذا من التنافس في الخيرات، قال الله تعالى: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (الصافات: ٦١) فإذا
стр. 1161
أحب الإنسان أن يتقدم على غيره في الخير، فها ليس من الحسد في شيء الحسد أن يكره الخير لغيره.
واعلم أن للحسد علامات: منها أن الحاسد يحب دائماً أن يخفي فضائل غيره، فإذا كان إنسان ذا مال، ينفق ماله في الخير من صدقات وبناء مساجد، وإصلاح طرق، وشراء كتب يوقفها على طلبة العلم وغير ذلك فتجد هذا الرجل الحسود إذا تحدث الناس على هذا المحسن يسكت وكأنه لم يسمع شيئاً، هذا لا شك إن عنده حسداً؛ لأن الذي يحب الخير يحب نشر الخير للغير، فإذا رأيت الرجل إذا تكلم عن أهل الخير بإنصاف وأثنى عليهم وقال: هذا فيه خيرٌ وهذا محسن، هذا كريم، فهذا يدل على طيب قلبه وسلامته من الحسد. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الحسد، ومن منكرات الأخلاق والأعمال.
أما قوله: " ولا تناجشوا" فالنجش هو أن يزيد في السلعة على أخيه وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد أن يضرّ المشتري، أو ينفع البائع، أو الأمرين جميعأً.
مثال ذلك: عرضت سلعة في السوق فصار الناس يتزايدون فيها، فقام رجل فجعل يزيد فيها وهو لا يريد الشراء، تسام بمائة فقال بمائة وعشرة وهو لا يريد أن يشترى، ولكنه يريد أن يزيد الثمن على المشترى، أو يريد أن ينفع البائع فيزيد الثمن له أو الأمرين جميعاً، فهذا حرامٌ ولا يجوز لما فيه من العدوان. أما إذا زاد الإنسان في الثمن عن رغبة في السلعة، ولكن لما ارتفعت قيمتها تركها فهذا لا بأس به، فإن كثيراً من الناس يزيد في
стр. 1162
السلعة؛ لأنه يرى أنها رخيصة، فإذا زادت قيمتها تركها، فهذا ليس عليه بأس. كما أن من الناس من يزيد في السلعة يريدها ويزيد في ثمنها حتى تخرج عن قيمتها كثيراً.
فالناس على زيادتهم في السلعة على ثلاث أقسام:
القسم الأول: نجش وهو حرام.
الثاني: يزيد فيها لأنه يرى أنها رخيصة، وأنها ستكسبه، وليس له قصد في عين السلعة ولا يريدها بعينها، لكن لما رأي أنها رخيصة وأنها ستكسبه جعل يزيد، فلما ارتفعت قيمتها تركها، فهذا لا بأس به.
الثالث: أن يكون له غرض في السلعة، يريد أن يشتري هذه السلعة، فيزيد حتى يطيب خاطره ويظفر بها، فهذا أيضاً لا بأس به.
وقوله ﷺ : " ولا تباغضوا" أي لا يبغض بعضكم بعضاً، وهذا بالنسبة للمؤمنين بعضهم مع بعض، فلا يجوز للإنسان أن يُبغض أخاه أي: يكرهه في قلبه؛ أنه أخوه، ولكن لو كان هذا الأخ من العصاة الفسقة، فإنه يجوز لك أن تبغضه من أجل فسقه، ولا تبغضه بغضاً مطلقاً، لكن أبغضه على ما فيه من المعصية، وأحبه على ما فيه من الإيمان.
ومن المعلوم أننا لو وجدنا رجلاً مسلماً يشرب الخمر، ويشرب الدخان، ويجر ثوبه خيلاء، فإننا لا نبغضه كما نبغض الكافر، فمن أبغضه كما يبغض الكافر انقلب على وجهه، كيف تسوي بين مؤمن عاصٍ فاسق، وبين الكافر؟ هذا خطأ عظيم. ربما بعض الناس يكره المؤمن الذي عنده هذا الفسق أكثر مما يكره الكافر، وهذا - والعياذ بالله - من انقلاب
стр. 1163
الفطرة فالمؤمن مهما كان خيرٌ من الكافر.
فأنت أبغضه على ما فيه من المعصية وأحبه على ما معه من الإيمان فإن قلت: كيف يجتمع حب وكراهية في شيء واحد؟
فالجواب: أنه يمكن أن وكراهة في شي واحد، أرايت لو أن الطبيب وصف لك دواءاً مراً منتن الرائحة ولكنه قال: أشربه وسوف تشفى بإذن الله، فإنك لا تحب هذا الدواء على سبيل الإطلاق؛ لأنه مر وخبيث الرائحة، ولكنك تحبه من جهة أنه سبب للشفاء، وتكرهه لما فيه من الرائحة الخبيثة والطعم المر.
هكذا المؤمن العاصي، لا تكرهه مطلقاً، بل تحبه على ما معه من الإيمان، وتكرهه على ما معه من المعاصي، ثم إن كراهتك إياه لا توجب أن تعرض عن نصيحته، بأن تقول: أنا لا أتحمل أن أواجه هذا الرجل لأني اكره منظره، بل أجبر نفسك واتصل به وانصحهُ، ولعل الله أن ينفعه على يديك ولا تيأس، كم من إنسان استبعدت هدايته فهداه الله بمنه وكرمه.
والأمثلة على هذا كثيرة في قوتنا الحاضر وفيما سبق؛ في وقتنا الحاضر يوجد أُناسٌ فسقة يسر الله لهم من يدعوهم إلى الحق فاهتدوا، وصاروا أحسن من الذي دعاهم، وفيما سبق من الزمان أمثلة كثيرة، فهذا خالد بن الوليد ﵁ كان سيفاً مسلولاً على المسلمين، ومواقفه في أُحد مشهورة حيث كرّ هو وفرسان من قريش على المسلمين من عند الجبل، وحصل ما حصل من الهزيمة، ثم هداه الله تعالى. وعمر بن
стр. 1164
الخطاب ﵁ كان من أكره الناس لما جاء به الرسول ﵊ فهداه الله وكان من أولياء الله، فكان الثاني في هذه الأمة.
لذلك فلا تيأس، ولا تقل إنني لا أطيق هذا الرجل لا منفطراً لا مسمعاً، ولا يمكن أن أذهب إليه، بل اذهب ولا تيأس، فالقلوب بيد الله ، نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم.
فإن قال قائل: البغضاء هي انفعال في النفس، والأشياء الانفعالية قد لا يطيقها الإنسان كالحب مثلاً، فالحب لا يملك الإنسان أن يحب شخصاً؛ أو يقلل من محبته، أو أن يزيد في محبته إلا بأسباب، ولهذا قال النبي ﵊ وهو يقسم بين زوجاته: " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلومني فيما لا أملك " يعني في المحبة، ومن المعلوم أن الرسول ﵊ كان يجب عائشة ﵂ أكثر من غيرها من زوجاته، لكن هذا بغير اختيار.
فإذا قال قائل: الغضب انفعال لا يمكن للإنسان أن يسيطر عليه، فالجواب: الانفعال يحصل بفعل، فأنت مثلاً لا تحب شخصاً إلا لأسباب: إيمانه، نفعه للخلق، حسن خلقه، خدمته لك، أو غيرها من الأشياء الكثيرة، تذكر هذه الأسباب فتحبه، ولا تكره شخصاً إلا لسبب، تذكر الأسباب التي توجب الكراهة فتكرهه، لكن مع ذلك ينبغي للإنسان
стр. 1165
أن يعرض عن الأسباب التي توجب البغضاء مع أخيه؛ لأن النبي ﷺ قال: " لا تباغضوا"
لكنى أقول: إن البغضاء لها أسباب، والمحبة لها أسباب، فإذا عرضت عن أسباب البغضاء وتناسيتها وغفلت عنها زالت بإذن الله، وهذا هو الذي أراده النبي ﵊ بقوله " لا تباغضوا" وهو نظير قوله للرجل الذي قال: يا رسول الله أوصني، قال " لا تغضب" قال: أوصني، قال " لا تغضب" قال: " اوصني" قال: " لا تغضب" ردد مراراً قال: " لا تغضب".
قد يقول الإنسان عن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، كما جاء في الحديث، فلا سبيل اله إلى إخماده، ونقول: بل له سبيل، افعل الأسباب التي تخفف الغضب حتى يزول عنك الغضب.
قال: " ولا تدابروا " فهل المراد ألا يولي بعضكم دبر بعض من التدابر الحسي؟ بمعني مثلاً أن تجلس وتذر الناس وراءك في المجالس. نعم هذا من المدابرة، ومن المدابرة أيضاً المقاطعة في الكلام حين يتكلم أخوك معك وأنت قد صددت عنه، أو إذا تكلم وليت وتركته، فهذا من التدابر وهذا التدابر حسي.
وهناك تدابر معنوي، هو اختلاف الرأي، بحيث يكون كل واحد منا
стр. 1166
له رأى مخالف للآخر، وهذا التدابر في الرأي أيضاً نهي عنه الرسول علي الصلاة والسلام.
وعندي أن من التدابر ما يفعله بعض الأخوة إذا سلم من الصلاة تقدم على الصف مقدار شبر أو نحوه، فهذا فيه نوع من التدابر، ولهذا شكا إلى بعض الناس هذه الحال، قال بعض الناس إذ سلمنا تقدم قليلاً ثم يحول بيني وبين الإمام، لا سيما إذا كان هناك درس فإنه يحول بينى وبين مشاهدة الإمام، ومعلوم أن الإنسان إذا كان يرى المدرس كان أنبه له وأقرب للفهم والإدراك، فبعض الناس يكره هذا الشيء، لذا أيضاً ينبغي للإنسان أن يكون ذا بصيرة وفطنة فلا تتقدم على إخوانك وتجعلهم وراءك، إذا كان بودك أن تتوسع فقم وتقدم بعيداً واجلس إذا كنت في الصف الأول، وإن كنت في الصف الثاني تأخر، أما أن تتقدم على الناس وهم وراء ظهرك، فهذا فيه نوع من سوء الأدب. وفيه نوع من التدابر.
فينبغي في هذه المسألة وفي غيرها أن يتفطن الإنسان لغيره، وأن لا يكون أنانياً يفعل فقط ما طرأ على باله فعله، دون مراعاة للناس، ودون حذر من فعل ما يُنتقد عليه.
أما الجملة الخامسة فهي قوله: " ولا يبيع بعضكم على بيع بعض " لا بيع بعضكم على بيع بعض؛ لأن هذا يؤدي إلى الكراهية والعداوة والبغضاء. ومثال بيع الإنسان على بيع أخيه: أن يذهب لمن اشترى سلعة من شخص بمائة فيقول: أنا أعطيك مثلها بثمانين، أو أعطيك أحسن منها بمائة فيرجع المشتري ويفسخ العقد الأول ويعقد مع الثاني، ففي هذا
стр. 1167
عدوان ظاهر على حق البائع الأول، وهذا العدوان يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين.
مثال ذلك الشراء على شرائه، مثل أن يذهب إلي شخص باع سلعة بمائة فيقول له أنا أشتريها منك بمائة وعشرين، فيذهب البائع ويفسخ العقد ويبيع على الثاني، فهذا أيضاً حرامٌ، لأنه بمعنى البيع على البيع.
ولكن هل هذا خاص في زمن الخيار أو عام؟
الحديث عام انه لا يحل لك أن تبيع على بيع أخيك سواء في زمن الخيار أولا، وقال بعض العلماء: إنه محمول على ما إذا كان ذلك في زمن الخيار؛ لأنه إذا أنتهي وهن الخيار فإنه لا يستطيع أو يفسد العقل ومثال ذلك: رجل باع عل شخص سيارة بعشرة آلاف ريال، وجعل له الخيار ثلاثة أيام، فذهب شخص إلى المشترى وقال: أنا أعطيك أحسن منها بعشرة آلاف ريال، فأغري المشترى أن يذهب للبائع ويقول: فسخت العقد، أو يذهب شخص إلي البائع ويقول: سمعت أنك بعت سيارتك على فلان بعشرة الآف ريال، أنا أعطيك أحد عشر ألفاً، فيفسخ البيع ويرد ويبيعها على الثاني.
أما إذا كان بعد انتهاء المدة فقال بعض العلماء: إنه لا بأس، يعني بعد أن باعه وجعل له الخيار ثلاثة أيام وانتهت الأيام الثلاثة، فلا بأس أن يذهب إلى الشخص الذي أشتراها ويقول: أنا أعطيك مثلها بأقل، أو أحسن منها بالثمن الذي اشتريت به، وعللوا ذلك بأنه لا يمكنه حينئذ ان يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار.
стр. 1168
ولكن ظاهر الحديث العموم، لأنه وإن كان لا يمكنه أن يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار فإنه قد يحاول أن يوجد مفسدا للعقد، أو على الأقل يندم على شرائه، ويعتقد أن البائع غبنه وانه لعب عليه، فيحدث له بذلك العداوة والبغضاء وهذا مع قرب المدة، أما إذا طالت المدة فلا بأس بها؛ لأنه إذا طالت المدة فإنه من المعتذر أو المتعسر كثيراً أن يفسخ العقد.
والحاصل أن لدينا ثلاث حالات:
الحال الأول: أن يكون البيع أو الشراء على أخيه في زمن الخيار فلا شك في أنه حرام.
والحال الثانية: أن يكون بعد انتهاء زمن الخيار بمدة قريبة، ففيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه حرام.
والحال الثالثة: أن يكون بعد زمن بعيد، كشهر أو شهرين أو أكثر فهذا لا بأس به، ولا حرج فيه؛ لأن الناس يتبادلون السلع فيما بينهم على هذا الوجه، وعلى وجوه أخرى.
ومثل ذلك: الإجارة على إجارته مثل أن يذهب شخص إلى آخر استأجر بيتاً من إنسان السنة بألف ريال، قال له أنا عندي لك أحسن منه بثمانمائة ريال، فهذا حرام لأنه عدوان كالبيع على بيعه.
ومثل ذلك أيضاً: السوم على سومه، وقد جاء صريحاً فيما رواه مسلم، ويسوم على سومه يعني إذا سام شخص سلعة من آخر، وركن
стр. 1169
إليه صاحب السلعة، لم يبق إلا العقد، مثل أن يقول: بعها على بألف فيركن إليه البائع، ولكن لم يتم العقد، بل يجزم أن يبيع عليه، فيأتي إنسان آخر ويقول: " أنا أعطيك بها ألفاً ومائه، فإن هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: " لا يسم على سوم أخيه".
ومثل ذلك أيضا في النكاح، إذا خطب شخص من آخر فلا يحل لأحد أن يخطب على خطبته؛ لقول النبي ﷺ : " ولا يخطب على خطبة أخيه" وكل هذا احتراماً لحقوق المسلمين بعضهم على بعض، فلا يحل للإنسان أن يعتدي على حق إخوانه؛ لا ببيع ولا شراء ولا إجارة ولا سوم ولا نكاح ولا غير ذلك من الحقوق.
بقي الكلام على قوله ﵊: " التقوى هاهنا ويشير على صدره" وقد سبق لنا معنى أن التقوى في القلب، فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح، وإذا زاغ القلب زاغت الجوارح- والعياذ بالله - قال تعالى (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (المائدة: ١٠٨) .
واعلم أنه زيغ القلب لا يكون إلا بسبب الإنسان، فإذا كان الإنسان يريد الشر ولا يريد الخير فإنه يزيغ قلبه- والعياذ بالله - ودليل هذا قوله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: ٥) ، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (لأنفال: ٧٠) .
فإذا علم الله من العبد نية صالحة وإرادة للخير، يسر الله له ذلك وأعانه
стр. 1170
عليه، قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧) .
وقوله ﵊: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم يعني لو لم يكن للإنسان من الشر إلا أن يحقر أخاه الكان كافياً، وهذا يدل على كثرة إثم من حقره إخوانه المسلمين؛ لأن الواجب على المسلم أن يعظم إخوانه المسلمين ويكبرهم ويعتقد لهم منزلة في قلبه، وأما احتقارهم وازدراؤهم فإن في ذلك من الإثم ما يكفر- نسأل الله السلامة.
ثم قال ﷺ : " كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه". يعني أن المسلم حرام على المسلم في هذه الأمور الثلاثة، أي في كل شيء؛ لأن هذه الأمور الثلاثة تتضمن كل شيء؛ الدم: كالقتل والجراح وما أشبهها، والعرض: كالغيبة، والمال: وكأكل المال، وأكل المال له طرق كثيرة؛ منها السرقة، ومنها الغصب- وهو أخذ المال قهراً - ومنها أن يجحد ما عليه من الدين لغيره، ومنها أن يدعي ما ليس له وغيره ذلك.
وكل هذه أشياء حرام، ويجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله ودمه وعرضه.
* * *
стр. 1171
٢٣٦- وعن أنس ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسل مقال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه.
٢٣٧- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " فقال رجلٌ: فإن ذلك نصره" رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" لا يؤمن: يعني لا يكون مؤمناً حقاً تام الإيمان إلا بهذا الشرط؛ أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، وما يحب لنفسه، من ترك الشر، يعني ويكره لأخيه ما يكره لنفسه، هذا هو المؤمن حقاً، وإذا كان الإنسان يعامل إخوانه هذه المعاملة فإنه لا يمكن أن يغشهم أو يخونهم، أو يكذب عليهم، أو يعتدي عليهم، كما أه لا يحب أن يُفعل به مثل ذلك.
وهذا الحديث يدل على أن من كره لأخيه ما يحبه لنفسه أو أحب لأخيه ما يكره لنفسه فليس بؤمن، يعني ليس بمؤمن كامل الإيمان.
ويدل على أن ذلك من كبائر الذنوب إذا أحببت لأخيك ما تكره
стр. 1172
لنفسك، أو كرهت له ما تحب لنفسك.
وعلى هذا فيجب عليك أخي المسلم أن تربي نفسك على هذا، على أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك حتى تحقق الإيمان، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: " من احب أن يزحزح عن النار ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب أن يأتي إلى الناس ما يؤتى إليه " الأول حق الله، والثاني حق العباد، تأتيك المنية وأنت تؤمن باليوم الآخر- نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك- وأن تحب أن يأتي لأخيك ما تحب أن يُؤتى إليك.
وأما حديث أنس الثاني من قول النبي ﷺ " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " النصر بمعنى الدفاع عن الغير أي دفع ما يضره، " انصر أخاك" أي ادفع ما يضره، سواء كان ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن كان ظالماً فكيف أنصره؟ ولم يقل: فلا أنصره، بل قال: كيف انصره؟ يعني سأنصره ولكن أخبرني كيف أنصره، قال: " تمنعه- أو قال تحجزه - من الظلم فإن ذلك نصره" فإذا رأيت هذا الرجل يريد أن يعتدي على الناس فتمنعه فهذا نصره أي بأن تمنعه، أما إذا كان مظلوماً فنصره أن تدفع عنه المظالم.
وفي هذا دليلٌ على وجوب نصر المظلوم وعلى وجوب نصر الظالم على هذا الوجه الذي ذكره النبي ﷺ .
стр. 1173
٢٣٨- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " حق المسلم على المسلم خمسٌ: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: " حق المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه"
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى - هنا ما نقله عن أبي هريرة ﵁ في بيان حقوق المسلم على أخيه، وحقوق المسلم على أخيه كثيرة، لكن النبي ﷺ أحياناً يذكر أشياء معينة من أشياء كثيرة عناية بها واحتفاءً بها فمن ذلك ما ذكره أبو هريرة ﵁ عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام" يعني إذا سلّم عليك فردّ عليه، وفي الحديث الثاني" حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه".
فهذان أمران: ابتداء السلام المأخوذ من قوله " إذا لقيته فسلم عليه عليه"، وردّ السلام المأخوذ من قوله " رد السلام"، فابتداء السلام سنة مؤكدة،
стр. 1174
وإذا كان الحاصل لتركه الهجُ كان حراماً فيما زاد على ثلاثة أيام، ما في الثلاثة أيام فأقل فلا بأس أن تهجره، ومن المعلوم أن الإنسان لن يهجر أخاه إلا لسبب، فأجاز النبي ﵊ للمسلم أن يهجر أخاه ثلاثة أيام فأقل؛ لأن الإنسان بشر، فقد يكون في النفوس شيء، ولا يتحمل المرء أن يسلم عليه، أو أن يرد السلام، فرخص له ثلاثة أيام فأقل.
وابتداء السلام يكون من الصغير على الكبير، ومن الماشي على القاعد، ومن الركاب على الماشي، كل بحسبه وصيغة السلام المشروعة أن يقول السلام عليكم، أو السلام عليكم، كلاهما جائز، والرد أن يقول: عليك السلام أو وعليكم السلام.
بهذا يتضح لن أن النبي ﷺ بين أن من الحقوق التي للمسلم على أخيه السلام ورداً وابتداءً.
وحكم السلام أن ابتداءه سنةٌ وردّه فرضٌ، فرض عين على من قُصد به، وفرض كفاية إذا قُصد به جماعة، فإنه يجزئ رد أحدهم، والسلام حسنة من الحسنات إذا قام به الإنسان فله عشر أمثاله؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، يعني إذا سلمت علي أخيك وقلت: السلام عليكم فلك عشر حسنات أجراً باقياً تجده أحوج ما تكون إليه.
ونحن نعلم أنه لو قيل لشخص: كلما لقيت أحداً فسلمت عليه فلك بكل تسليمة درهم واحد، لوجدت الإنسان يطلب الناس ليسلم عليهم ابتغاء هذا الدرهم الواحد، مع أن الدرهم الواحد يفني ويزول، والأجر والثواب يبقى وتجده أحوج ما تكون إليه. عاملنا الله وإياكم بعفوه وفضله
стр. 1175
وإحسانه إنه جواد كريم.
فالذي ينبغي لك كلما لقيك أحد من إخوانك المسلمين أن تسلم عليه، أما غير المسلم فلا تسلم عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا وجدتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" فاليهودي والنصراني والمشرك والملحد والمرتد كالذي لا يصلي، والمبتدع بدعة يكفر بها، كل هؤلاء لا يحل ابتداء السلام عليهم، ولو كانوا أقرب الناس إليك، لكن إذا سلموا فرد عليهم بمثل ما سلموا به، إذا قالوا: أهلاً ومرحباً، فقل أهلاً ومرحباً، وإذا قالوا: السلام عليكم قل: وعليكم السلام، وإذا شككت هل هو يقول: السلام عليكم، أو يقول السام عليكم، فقل: وعليكم.
بل إذا لم تتيقن إنه قال: السلام عليكم باللام فقل: وعليكم، وذلك أن اليهود كانوا يمرون بالنبي ﷺ وأصحابه فيسلمون عليه لكن يقولون: السام عليكم يدعمونها، والسام يعني الموت، فقال النبي ﷺ : " إن اليهود إذا لقوكم قالوا: السام عليكم، فقولوا: وعليكم " أي: إن كانوا يدعون لنا بالسلام فلعيهم السلام، وإن كانوا يدعون علينا بالموت فعليهم الموت، وهذا من العدل (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) (النساء: ٨٦) ولهذا ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه " أحكام أهل الذمة"
стр. 1176
أنهم إذا قالوا: السلام عليكم بكلام بين فلك أن تقول: عليكم السلام.
وأما أهل المعاصي فإن كان في هجرهم فائدة فاهجرهم، والفائدة أن يقلعوا عن معصيتهم، وإن لم يكن في هجرهم فائدة فهجرهم حرام؛ لأنهم من المؤمنين، إذا كانوا من المؤمنين فقد قال النبي ﷺ : " لا يحل لأحد أن يهجر أخاه المؤمن فوق ثلاث، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"، أما إذا كان الهجر مفيداً، بحيث يرتدعون عن المعصية، وينتهون عنها، فهو مطلوب، إما واجب وإما مستحب.
وأنظر إلى ما حصل من فائدة هجر كعب بن مالك ﵁ وصاحبيه؛ حين تخلفوا عن غزوة تبوك، وماذا حصل لهم من قوة الإيمان والصبر على ما حصل، وانتظر الفرج من الله ما نالوا به ما هو أعظم المثوبات، نالوا به كلام رب العالمين، الذي يقرأ في الليل والنهار من كل مسلم حتى في الصلوات. من مِنَ الناس يثني عليه في الصلوات: الفريضة والنافلة؟! (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: ١١٨) ، وهذا نص، وإن كانوا لم يذكروا بأسمائهم، لكن
стр. 1177
ذكروا بوصف لا ينطبق على من سواهم.
وأما ما ذهب إليه كثير من المفسرين في قوله تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٩-٢١) ، بان هذا هو أبو بكر فهذا ليس كالنص الحاصل لهؤلاء الثلاثة، ولذلك لا نعلم أن أحداً من الصحابة أثني عليه بهذا النص مثل ما أثني عليه هؤلاء الثلاثة.
وقد هجرهم النبي ﵊ أربعين ليلة لا يكلمهم، وقال للناس: لا تكلموهم، فلا يكلمهم أحد، وبعد تمام الأربعين أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، ولما جاء الرسول صلى إلى كعب بن مالك - الرسول الذي أرسله النبي ﷺ بأن يعتزل امرأته - قال له كعب: أأطلقها - يعني فأنا مستعد- أم ماذا؟ قال الرسول: لا أدري، إن النبي ﷺ أمرك أن تعتزل امرأتك ولا أدري، فانظر كيف كان هذا الامتثال العظيم مع هذه المحنة العظيمة التي لا ترد على قلب فينجو منها إلا من عصمه الله .
فالحاصل أن هجره إذا كان ينفع في تقليل المعصية أو التوبة منها فإنه مطلوب؛ إما على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب، أما إذا كان لا ينفع وإنما يزيد العاصي عتواً ونفوراً من أهل الخير فلا تهجره؛ لأن الإنسان مهما كان عنده من المعاصي وهو مسلم فهو مؤمن، لكنه ناقص الإيمان.
أما الحق الثاني فهو عيادة المرض: المريض إذا مرض وانقطع في بيته فإن له حقاً على إخوانه المسلمين أن يعودوه ويذكروه ما ينبغي أن يذكروه به، من التوبة، والوصية، وكثرة الذكر، والاستغفار، وقراءة القرآن،
стр. 1178
وغير ذلك من الأعمال الصالحة، وكذلك يدعون له بالشفاء؛ مثل أن يقولوا: لا بأس طهور إن شاء الله، وما اشبه ذلك.
وعيادة المريض فرض كفاية، لابد أن يعود المسلمون أخاهم، وإذا عاده واحد منهم حصلت به الكفاية، وقد تكون فرض عين إذا كان المريض من الأقارب، وعدت عيادته من الصلة، فإن صلى الأرحام وأجبة فتكون فرض عين.
واعلم أن العلماء ﵏ ذكروا لعيادة المريض آداباً منها: ألا يكثر العائد لمريض محادثته بالسؤال عن حاله وعن نومه وأكله وشربه وما أشبه ذلك، إلا إذا كان يأنس بهذا ويُسر به، أما إذا كان يتضجر ولا يحب أن يكثر أحد الكلام معه كما هو حال بعض المرضي، فإنك لا تتبع مع الكلام ولا تضجره بالمساءلات.
لذلك قالوا: ينبغي أن لا يكثر المقام عنده ويطيل؛ لأنه قد يكون له حاجة مع أهله أو في نفسه، ولا يحب أن يطيل الجلوس عنده أحد، لكن إذا علمت أنه يستأنس بهذا ويفرح، فإنك تنظر ما فيه المصلحة.
وقالوا: ينبغي أيضاً أن لا يزورة في الأوقات التي يكون الغالب فيها النوم والراحة؛ كالقيلولة والليل وما اشبه هذا؛ لأن ذلك يضجره وينكد عليه، بل يكون بكره وعشيا حسب ما تقتضيه الحال.
قالوا: ولا ينبغي ايضاً أن يكثر من عيادته، بحيث يأتيه صباحاً ومساءً، إذا اقتضت الحاجة لذلك.
والحاصل: أن العائد للمريض ينبغي أن يراعى المصلحة في كل ما
стр. 1179
يكون مع المريض وفي كل ما يترك، ثم إنه إذا كان المرض مما يُعلم أنه له دواء معيناً فينبغي أن تذكر له هذا الدواء؛ لأن الدواء مباح بل هو سنة إذا رُجي نفعه وغلب على الظن؛ لأن النبي ﷺ قال: " تداووا ولا تداووا بحرام "
وكذلك ينبغي أن يسأله كيف يصلى؟ لأن كثيراً من المرضى يجهل هل يصلى بالماء أو بالتيمم؟ هل يصلى كل صلاة في وقتها أو يجمع؟ لأن هذا أمر مهم قد يخفى على بعض المرضى.
حتى إن بعض المرضى يظنون أنه إذا جاز لهم الجمع؛ جاز لهم القصر وهم في بلادهم، وهذه من الأشياء التي يجب التنبه لها، نعم إذا كان المريض مسافراً إلى مستشفى في غير بلده، فله أن يقصر ويجمع، أما إذا كان في بلده فلا يقصر، لكن إن شق عليه أن يصلى كل صلاة في وقتها؛ فله الجمع ولو كان في بلده، لكنه جمع بلا قصر؛ أن الجمع والقصر لا يتلازمان؛ قد يشرع القصر دون الجمع، وقد يشرع الجميع دون القصر، وقد يشرعان جميعاً، فالمسافر الذي يشق عليه أن يصلى كل صلاة في وقتها بحيث يكون قد جدّ بِه السير يُشرع له الجمع والقصر، والمسافر المقيم يشرع له القصر دون الجمع، وإن جمع فلا بأس، المقيم الذي يشق عليه الصلاة في كل وقت يشرع له الجمع دون القصر.
أما الحق الثالث فهو: اتباع الجنائز وتشييعها، فإن من حق المسلم
стр. 1180
على أخيه أن يتبع جنازته من بيته إلى المصلى- سواء في المسجد أو في مكان آخر - إلى المقبرة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها؛ فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن؛ فله قيراطان" قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" وفي رواية: " أصغرهما مثل أُحد " وهذا فضل عظيم وأجر كبير.
ولما بلغ عبد الله بن عمر ﵄ هذا الحديث قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، ثم صار بعد ذلك لا يرى جنازة إلا تبعها ﵁؛ لأن هذه غنيمة؛ غنيمة أن يحصل الإنسان مثل الجبلين العظيمين في عمل يسير، هذا الأجر متى يلقاه؟ يلقاه في يوم هو أحوج ما يكون إليه؛ في يوم ليس عنده درهم، ولا دينار ولا متاع، ولا قرابة، ولا زوجة تنفعه يوم القيامة الإ العمل الصالح، فهو إذا تبع الجنازة حتى يصلى عليها، ثم حتى تدفن، فله قيراطان مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد.
وينبغي لمن أتبع أن يكون خاشعاً، مفكراً في مآله، يقول لنفسه: يا نفسي أنت مآلك كمآل هذا الذي فوق أعناقنا، عن قريب أو بعيد وربما يكون عن قريب، ويتذكر هذا الرحيل، يتذكر إلى حفرته ويدفنه ويتخلى عنه، وأقرب الناس عليك الذي يحملك إلى مدفنك ثم ينصرف
стр. 1181
عنك ويدعك في هذا اللحد وحيداً بأعمالك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ولهذا قال العلماء: يكره للإنسان المتبع للجنازة: أن يتحدث في شيء من أمور الدنيا. أو أن يتبسم ويضحك.
وكذلك أيضاً إذا وصلت إلى المقبرة، جلست تنتظر دفنها، فينبغي أن تفكر في مآلك، وأمك سوف يُنتظر دفنكم كما انتظر دفن هذا الرجل، وإذا كان حولك أناس وحدثتهم بما حدث به النبي ﷺ أصحابه، حينما خرج في جنازة رجل من الأنصار، فانتهي إلى القبر ولما يلحد، فجلس ﵊ وحوله أصحابه، وفي يده مخصرة- أي عود - ينكت بها الأرض، يعتبر ﵊ ويفكر ويحدث أصحابه بما يكون عند الاحتضار وعند الدفن، حتى يكون جامعاً بين الموعظة وبين تشييع الجنازة.
ولكن ليست هذه الموعظة كما يفعله بعض إخواننا الآن في بعض المحلات؛ حيث يقوم الرجل خطيباً يعظ الناس، فإن هذا ليس معروفاً في عهد النبي ﵊، ولا عهد أصحابه، لكن لما جلس النبي ﷺ ينتظر لحد هذا الميت وجلس أصحابه حدثهم حديث المجالس بما ينفعهم وبما يناسب.
وكذلك كان ﵊ حاضراً دفن احدى بناته، وكان
стр. 1182
على شفير القبر وعيناه تدمعان، فقال ﵊: " ما منكم من أحد وقد كتب مقعدة من الجنة ومقعده من النار " قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على ما كتب لنا؟ قال: " لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له، اما أهل السعادة فيسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة " ثم قرأ قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل: ٥-١٠) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل السعادة الذين يسروا لليسرى وجنبوا العسرى.
فإذا شرعوا في الدفن فينبغي للإنسان أن يشارك في الدفن؛ بأن يحثو بيديه ثلاث حثيات ثم ينصرف، وإن شاء شارك إلى انتهاء الدفن، فإذا فرغوا من دفنه وقف عليه، وإذا كان مطاعاً كالعالم قال للناس استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبت فإنه الآن يسأل، فإن النبي صلي الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: ((استغفروا لأخيكم وأسالوا له التثبيت فإنه الآن يسأل، الآن حين فُرغ من دفنه وانتهى الناس منه وسلموه لعالم الآخرة يأتيه عالم الآخرة؛ يأتيه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيجيب
стр. 1183
المؤمن قائلاً: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يجيب بهذا الجواب.
أما غير المؤمن المرتاب الشاك، فيقول ها - ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، يعنى: لم يصل الإيمان إلى قلبه والعياذ بالله، فينبغي لك أن تقف بعد أنتهاء الدفن وتقول: اللهم اغفر له، اللهم ثبته، اللهم اغفر له. الله ثبته، الله اغفر له، الله ثبته؛ لأن النبي ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثاً. فتدعو ثلاثاً ثم تنصرف ولا حاجة إلى إطالة الوقوف.
وإذا انصرف الناس عن الميت حتى أنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه، يسمع قرع النعال، أي ضربه بالأرض وهم ينصرفون عنه، جاءه ملكان، فأجلساه وسألاه عن ربه ودينه ونبيه، ويجلسانه في القبر وإن كان القبر ضيقاً لكنه يجلس، كما أن النائم الآن يرى نفسه أنه قائم، وأنه ماشٍ وأنه قاعد، وهو ملتحف في فراشة لم يتحرك منه، لأن أحوال البرزخ أبلغ من أحوال الدنيا وأعظم، ففيه أشياء لا تنطبق على أحوال الدنيا، فها هو الميت المؤمن يفسح له في قبره مد البصر والمقبرة كلها ليست بشيء، فهي ليست مل البصر،، لكن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، وواجبنا فيما جاء في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ من أمور الآخرة، أن نقول: سمعنا وصدقنا، وآمنا، وكل من عند ربنا والله على كل شيء قدير.
стр. 1184
الحق الرابع: إجابة الدعوة: فمن حق المسلم على أخيه إذا دعاه أن يجيبه، والأجابة إلى الدعوة مشروعة بلا خلاف بين العلماء فيما نعلم، إذا كان الداعي مسلماً، ولم يكن مجاهراً بالمعصية، ولم تكن الدعوة مشتملة على معصية لا يستطيع إزالتها، ولكنها لا تجب عند جمهور العلماء إلا في دعوة العرس؛ إذا دعاه الزوج أول مرة في اليوم الأول فإن الأجابة واجبة إذا عينه بالشروط السابقة التي ذكرناها.
فإن كان الداعي غير مسلم فلا تجب الإجابة، بل ولا تشرع الإجابة إلا إذا كان في ذلك مصلحة، فإذا كان في ذلك مصلحة كرجاء إسلامه والتأليف فلا بأس بإجابة غير المسلم؛ لأن النبي ﷺ أجاب دعوة يهودي دعاه في المدينة.
وإن الداعي مسلماً مجاهراً بالمعصية كحلق اللحية مثلاً، أو شرب الدخان علناً في الأسواق، أو غير ذلك من المحرمات، فإن أجابته ليست بواجبة، ولكن إن كان في إجابته مصلحة أجابه، وإن كان ليست في إجابته مصلحة نظرت؛ فإن كان في عدم إجابته مصلحة بحيث إذا رأى نفسه أنه قد هُجر، وأن الناس لا يجيبون دعوته تاب وأناب، فلا تجب دعوته لعل الله يهديه، وإن كان لا فائدة من ذلك فأنت بالخيار؛ إن شئت فأجب، وإن شئت فلا تجب.
وإذا كان في الدعوة منكر فإن كان الإنسان قادراً على التغيير وجبت عليه الإجابة من وجهين:
الوجه الأول: إزالة المنكر.
стр. 1185
والوجه الثاني: إجابة دعوة أخيه إذا كان في العرس، وكان ذلك في أول يوم.
وأما إذا كان هناك منكر في الدعوة لا تستطيع تغييره كما لو كان في الدعوة شر دخان، أو شيشه، أو كان هناك أعانِ محرمة، فإنه لا يجوز لك أن تجيب.
قال أهل العلم: إلا إذا كان المنكر في محل آخر، وأنت تجيب إلى محل ليس فيه منكر، وكان الداعي من أٌقاربك الذين لو تركت إجابتهم لعد ذلك قطيعة، فلا بأس بالإجابة في هذه الحال، وإن كان الهجر يترتب عليه ترك هذه المعصية فاهجره، يعني مثلاً لو دعاك قريبك وأنت تعلم أنه سيكون في الدعوة محرم، وقبل بذلك فأجب، وأما إن أصر على وجود المحرم فلا تجب؛ لأن حضور المحرم ولو مع كراهة الإنسان له بقلبه يكون فيه الإنسان مشاركاً للفعل لقول الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) (النساء: ١٤٠) هذا حكم إجابة الدعوة.
والحق الخامس: تشميت العاطس: يعني أن من حقوق المسلم على المسلم أن يشمته إذا عطس، هكذا في الرواية الأولى التى أخرجها البخاري ومسلم، وفي الرواية الثانية التى أخرجها مسلم: " إذا عطس فحمد الله فشمته" فقيد ذلك بما إذا حمد الله.
فإذا عطس الرجل وحمد الله وسمعته فشمته، يعني قل: يرحمك الله،
стр. 1186
فإذا قلت يرحمك الله، وجب عليه أن يقول: يهديكم الله ويصلح الكم، هكذا جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه يقول في الجواب: " يهديكم الله ويصلح بالكم".
لكن هل تشميت العاطس إذا حمد فرض عين أو فرض كفاية؟ يعني: هل يكفي واحد من الجماعة إذا شمته عن الجماعة، أم لا بد على كل من سمعه أن يشمته؟ والجواب: أنه ذهب بعض العلماء على أن التشميت فرض كفاية؛ فإذا كنا جماعة وعطس رجل وقال الحمد لله، فقال أحدنا له: يرحمك الله كفى.
وقال بعض العلماء: بل تشميته فرض عين على كل من سمعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسم قال: " كان حقاً على كل من سمعه أن يقول يرحمك الله " وظاهر هذا أنه فرض عين، فعلى هذا كل من سمعه يقول له: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم، ويكفى منه ردّ واحدٌ على الجميع، إذا نواه للجميع كفى.
فإن عطس ولم يحمد الله فلا تقل: يرحمك الله، تعزيزاً له على عدم حمده لله ، يعني كما أنه لم يحمد الله فاحرمه هذا الدعاء، فلا تقل له: يرحمك الله، ثم هل تذكره وتقول: قل الحمد لله أو لا تذكره؟ والجواب: من المعلوم أنه يحتمل أنه قد ترك الحمد تهاوناً، ويحتمل أنه تركه نسياناً، فإن كان تركه نسياناً فذكره وقل له: احمد الله، وإن كان تركه
стр. 1187
تهاوناً فلا تذكره، ولكن أين إلى العلم بذلك؟ وكيف أعلم أنه نسيان أو انه تهاون؟ ظاهر الحديث " فحمد الله " أنه إذا لم يحمد الله لا تشمته ولا تذكره مطلقاً.
ولكن يمكنك فيما بعد أن تعلمه وتقول له: إن الإنسان إذا عطس فإنه يحمد الله على هذا العطاس؛ لأن العطاس من الله، والتثاؤب من الشيطان، العطاس دليلٌ على نشاط جسم الإنسان، ولهذا يجد الإنسان راحة بعد العطاس.
ثم إن التشميت بقول: يرحمك الله مقيد بثلاث؛ إذا شمته ثلاث مرات يعني عطس فحمد الله، فقلت يرحمك الله ثم عطس فحمد الله فقلت، يرحمك الله، ثم عطس فحمد الله فقلت: يرحمك الله، ثم عطس الرابعة فقل: عافاك الله، إنك مزكوم، تدعو له بالعافية وتبين له أنه مزكوم لئلا يقول: لماذا لا تقول يرحمك الله كنا كنت بالأول تقول يرحمك الله، فيتبين العلة حين تقول: إنك مزكوم.
وفي هذا تنبيه له على أن يحاول الاحتراز مما يزيد الزكام، وإلا فإن الزكام في الغالب لا دواء له إذا أصاب الإنسان، وإنه لا يذهب عنه حتى ينتهي منه، لكن من أسباب تخفيف هذا الزكام عدم التعرض للهواء البارد، وعدم شرب الماء البارد، وعدم التعرض للبراد بعد الدفء، والإنسان طبيب نفسه.
ثم إن ما يقوله بعض العامة إذا قلت له: يرحمك الله، يحث يقول: يهدينا ويهديكم الله، فهذا ليس بصحيح؛ لأن الرجل دعا لك أنت فقال:
стр. 1188
يرحمك الله، فكيف تقول: يهدينا ويهديكم الله، فتدعو لنفسك قبله، نعم لو قال: يرحمنا ويرحمك الله، فقل: يهدينا ويهديكم الله، لكنه قال: يرحمك الله كما أمر، فأنت اجبه كما أمرت؛ فقل يهديكم الله ويصلح بالكم.
وذكر أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﵊ يعني يتكلفون العطاس من أجل أن يقول لهم: يرحمكم الله، لأنهم يعلمون أنه نبي وأن دعاه بالرحمة قد ينفعهم، ولكنه لا ينفعهم؛ لأن الكفار لو دعوت لهم بالرحمة لا ينفعهم ذلك، بل لا يحل لك أن تدعو لهم بالرحمة إذا ماتوا ولا بالمغفرة، لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) .
فإن قيل: اليس إبراهيم استغفر لأبيه، وإبراهيم على الحنيفية وعلى التوحيد؟ هذا الجواب يتضح في قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: ١١٤) .
فهذه الحقوق التي بينها النبي ﷺ كلها إذا قام بها الناس بعضهم مع بعض، حصل بذلك الألفة والمودة وزال ما في القلوب والنفوس من الضغائن والأحقاد.
стр. 1189
٢٣٩- وعن أبي عُمارة البراء بن عازب- ﵄ -قال: " أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، وأمرنا بعبادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهنا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن شر بالفضة، وعن المياثر الحر، وعن القسي وعن لبس الحرير والإستبراق والديباج" متفق عليه.
وفي رواية: وإنشاد الصالة في السبع الأول.
" المياثر " بياء مثناة قبل الألف، وثاء مثلثة بعدها، وهي جمع ميثرة، هي شيءُ يتخذُ من حرير ويحشى قطناً أو غيره، ويجعل في السرج وكور البعير يجلس عليه الراكبُ.
" القسى" بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة: وهي ثياب تنسج من حرير وكتانٍ مختلطين.
" وإنشاد الضالة" تعريفُها.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في بيان حقوق المسلم على أخيه حديث البراء بن عازب ﵄، أن النبي ﷺ " أمرنا بسبع، ونهانا عن سبع" وقد تقدم الكلام على خمسة من هذه الآمور التي أمر بها رسول الله ﷺ في هذا الحديث، تقدم الكلام عليها في الحديث السابق فلا حاجة إلى
стр. 1190
إعادتها، وفي هذا الحديث من الزيادة على ما سبق قوله " نصر المظلوم"
الحق السادس من حقوق المسلم على أخيه المسلم " نصر المظلوم": يعني دفع الظلم عنه؛ سواء كان ظلمه في المال، أو في العرض، أو في النفس، فيجب علي المسلم أن ينصر أخاه المسلم، ولقد قال الرسول ﵊: " أنصر أخاك ظالماً او مظلوماً " قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم - يعني ندفع عنه الظلم - فكيف نصر الظالم؟ قال: " تمنعه من الظلم، فذلك نصره"؛ لأن الظالم قد غلبته نفسه حتى ظلم؛ فتنصره أنت على نفسه حتى تمنعه من الظلم.
فإذا رأيت شخصاً يظلم جاره بالإساءة إليه وعدم المبالاة به، فإنه يجب عليك أن تنصر هذا وهذا: الظالم والمظلوم، فتذهب إلى الظالم الجار، الذي أخل بحقوق جاره وتنصحه وتبين له ما في إساءة الجوار من الإثم والعقوبة، وما حسن الجوار والمثوبة، وتكرر عليه حتى يهديه الله فيرتدع، وتنصر المظلوم الجار وتقول له: أنا سوف انصح جارك وسوف أكلمه، فإن هداه الله فهذا هو المطلوب، وإن لم يهتد فأخبرني، حتى نكون أنا وأنت عند القاضي أو الحاكم سواء، نتعاون على دفع ظلم هذا الظالم.
وكذلك إذا وجدت شخصاً جحد لأخيه حقاً تدري أنه جحده، أن أخيه عليه هذا الحق، فتذهب إلى هذا الظالم الذي جحد حق أخيه
стр. 1191
وتنصحه، وتبين له وتنصحه وتبين له ما في أكل المال بالباطل من العقوبة، وأنه لا خير في أكل المال بالباطل، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو شر، حتى يؤدى ما عليه. وتذهب إلى صاحب الحق وتقول له: أنا معك وأصبرها نحن ننصحه، ها نحن نوبخه وهكذا بقية المظالم تنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. والظالم نصرك إياه أن تمنعه عن الظلم.
الحق السابع: " إبرار القسم" يعني إذا أقسم عليك أخوك بشيء فبره ووافقه علي ما حلف عليه، فإذا حلف قال: والله لتفعلن كذا وكذا، فإن من حقه عليك أن تبر بيمينه وأن توافقه، إلا إذا كان في ذلك ضرر عليك، مثل لو حلف عليك أن تخبر عما في بيتك من الأشياء التي لا تحب أن يطلع عليه أحد فلا تخبره؛ لأنه معتدٍ، لكونه يطلب منك أن تبين له ما كان سراً عندك، وإذا كان معتدياً فإن المعتدي جزاؤه أن يُترك ولا يوافق على اعتدائه.
لكن إذا لم يكن عدوان وحلف عليك فإن من حقه أن تبر بيمينه، وتعطيه ما حلف عليه، إلا إذا كان معصية، فإذا كان معصية فلا تجبه، مثل لو أقسم عليك أن تعطيه دراهم يشتري بها دخان، فهذا لا يلزمك، بل لا يجوز لك أن توافقه؛ لأنك تعينه على الإثم والعدوان.
أو كان في ذلك ضرر عليك كما مثلنا بمن حلف عليك أن تخبره بما في سر البيت من الأمور التي لا تحب أن يطلع عليها أحد، أو حلف عليك بشي يضرك، مثل أن يحلف عليك بشيء يضرك إذا وافقته عليه، كأن يقول أبوك مثلاً: الله لا تحج البيت، والحج واجب عليك، فإنك لا
стр. 1192
تعطيه، لأن في هذا تركاً للواجب، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أو حلف عليك أن لا تزور أمك التي قد طلقها، وصار بينه وبينها مشاكل فكرها، فقال لك: والله لا تذهب إلى أمك، فلا تطعه وذلك لأنه آثم بكونه يحول بينك وبين صلة الرحم، صلة الرحم واجبة، وبر الوالدين واجب فلا تطعه.
ومن ذلك أيضاً إذا حلف أن لا تزور أحداً من إخوانك أو أعمالك أو أقاربك فلا تطعه، ولا تبر بيمينه ولو كان أباك، لأن صلة الرحم واجبة، ولا يحل له أن يحلف مثل هذا الحلف، وصلى الرحم إذا قام بها الإنسان فإن الله تعالى يصله، فقد تعهد الله للرحم ان يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها، فإذا انتفت الموانع فإن الأولى أن تبرّ بهن.
وها هنا مسألة وهي أنه ربما يحلف وهو تحلف أنت، هذا يقع كثيراً في الضيف إذا نزل عليك، قال: والله ما تذبح لي، فتحلف أنت وتقول: والله لأذبح لك فهنا من الذي يبرّ الأول أم الثاني؟ يبر الأول؛ لأن حقه ثابت ونقول للثاني صاحب البيت الذي حلف أن يذبح، نقول: لا تذبح وكفر عن يمينك؛ لأن الأول أحق بالبر وأسبق.
وهاهنا مسألة يحب أن يُتفطن لها أيضاً في هذا الأمر، وهي أن بعض السفهاء إذا نزل به ضيف، طلق الصيف أن لا يذبح له؛ قال: عليّ الطلاق من امرأتي أو نسائي إن كان له أكثر من امرأة أن لا تذبح لي، فيقول صاحب البيت: وأنا على الطلاق أن أذبح لك، وهذا خطأ عظيم، قال النبي ﵊: " من كان حالفاً فليحلف بالله أو
стр. 1193
ليصمت " أما الطلاق فلا، ما ذنب المرأة حتى تطلقها؟! وهو من الخطأ العظيم.
وأقول لكم إن المفتين اليوم - وأنا منهم - نفتي بأن الإنسان إذا أراد بذلك التهديد أو التأكيد فإنه لا طلاق، وعليه كفارة يمين، يعني أن حكمه حكم اليمين، ولكني أقول لكم: إن أكثر أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة على أن هذا طلاق، وعلى أنه إذا لم يف بما قال طلقت امرأته، فالمسألة خطيرة، ولا تظنوا أن الناس إذا أفتوا بالأمر السهل أن المسألة سهلة، بل هي خطيرة جداً، إذا كان أصحاب المذاهب الأربعة: المالكي، والشافعي، والحنفي، والحنبلي، كلهم يرون أن مثل هذا يكون طلاقاً، وأنه إذا طلق أن لا تذبح وذبحت طلقت زوجته، وإذا طلقت أن تذبح ولم تذبح طلقت زوجتك، وهذه المذاهب الأربعة ليست بهينة، والخلاف في هذا ليس بهين، فلا تستهينوا بهذا الأمر، فهو خطير جداً.
وأنت الآن مثلاً إذا رجعت إلى زوجتك وكانت هذه آخر طلقة، فأنت تطؤها على المذاهب الأربعة وطئاً حراماً. وعلى القول أنه يمين تكفر عن يمينك وتحل لك، فالمسألة خطيرة للغاية، لذلك يجب علينا أن نتناهي عنها، وأن لا نقول إذا حصل أذهب لابن باز أو لابن عثيمين أو الثاني أو الثالث فهذا لا ينفعك، فهناك علماء إجلاء أكبر منهم يرون أن هذا طلاق،
стр. 1194
وأنه إذا كان آخر طلقة، فإن المرأة تبين بها، ولا تحل لزوجها إلا بعد زوج آخر.
أقول هذا من أجل ان لا تتهاونوا في هذا الأمر فهذا الأمر خطير جداً، فمن كان حالفاُ فليحلف بالله، ويقول: والله.
ثم إني أشير عليكم بأمر مهم؛ أنك إذا حلفت على يمين فقل إن شاء الله ولو لم يسمعها صاحبك، قل إن شاء الله وإن لم يسمعها صاحبك؛ لأنك إذا قلت إن شاء الله يسر الله لك الأمر حتى تبر بيمينك، وإذا قدر انه ما حصل الذي تريد فلا كفارة عليك، وهذه فائدة عظيمة.
فلو قلت لواحد مثلاً: والله ما تذبح لى، ثم قلت بينك وبين نفسك: إن شاء الله، ثم ذبح فلا عليك شيء ولا عليك كفارة يمين، وكذلك أيضاً بالعكس، لو قلت: والله لأذبح ثم قلت بينك وبين نفسك: إن شاء الله، ولم يسمع صاحبك، فإنه إذا لم تذبح فليس عليك كفارة؛ لقول النبي ﷺ " من حلف علي يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث " وهذه فائدة عظيمة اجعلها على لسانك دائماً، اجعل الاستثناء بإن شاء الله على لسانك دائماً حتى يكون فيه فائدتان:
الفائدة الأولى: أن تُيسر لك الأمور.
стр. 1195
والفائدة الثانية: أنك إذا حنثت فلا تلزم الكفارة.
أما السبع التي نهى عنها ﵊ في حديث البراء، فمنها التختم بالذهب، والتختم بالذهب خاص بالرجال، فالرجل لا يحل له أن يلبس الذهب وأن يتختم بالذهب، ولا أن يلبس سواراً من ذهب، ولا أن يلبس خرصاً من ذهب، ولا أن يلبي على رأسه شيئاًُ من الذهب، كل الذهب حرام على الرجل؛ لأن النبي ﷺ قال في رجل رأي عليه خاتماً من ذهب، قال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في أصبعه أو قال في يده" ثم نزع النبي ﷺ الخاتم فرمي به، فلما انصرف النبي ﷺ قالوا للرجل: خذ خاتمك، انتفع به، قال: لا والله لا آخذ خاتماً طرحه النبي ﷺ وقال ﵊ في حديث على بن أبي طالب: " إن هذين حرام على ذكور امتى حلٌ إناثهم".
وأما تختم المرأة بالذهب فلا بأس به ولا حرج فيه، فيجوز لهن التختم بالذهب والتسور به، وأن يلبسن ما شئن منه، إلا إذا بلغ حد الإسراف، فإن الإسراف لا يحل؛ لقول الله تعالى (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (لأعراف: ٣١) .
وقد حكى بعض العلماء إجماع أهل العلم على جواز لباس المرأة
следующие страницы →