Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وتنصحه، وتبين له وتنصحه وتبين له ما في أكل المال بالباطل من العقوبة، وأنه لا خير في أكل المال بالباطل، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو شر، حتى يؤدى ما عليه. وتذهب إلى صاحب الحق وتقول له: أنا معك وأصبرها نحن ننصحه، ها نحن نوبخه وهكذا بقية المظالم تنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. والظالم نصرك إياه أن تمنعه عن الظلم.
الحق السابع: " إبرار القسم" يعني إذا أقسم عليك أخوك بشيء فبره ووافقه علي ما حلف عليه، فإذا حلف قال: والله لتفعلن كذا وكذا، فإن من حقه عليك أن تبر بيمينه وأن توافقه، إلا إذا كان في ذلك ضرر عليك، مثل لو حلف عليك أن تخبر عما في بيتك من الأشياء التي لا تحب أن يطلع عليه أحد فلا تخبره؛ لأنه معتدٍ، لكونه يطلب منك أن تبين له ما كان سراً عندك، وإذا كان معتدياً فإن المعتدي جزاؤه أن يُترك ولا يوافق على اعتدائه.
لكن إذا لم يكن عدوان وحلف عليك فإن من حقه أن تبر بيمينه، وتعطيه ما حلف عليه، إلا إذا كان معصية، فإذا كان معصية فلا تجبه، مثل لو أقسم عليك أن تعطيه دراهم يشتري بها دخان، فهذا لا يلزمك، بل لا يجوز لك أن توافقه؛ لأنك تعينه على الإثم والعدوان.
أو كان في ذلك ضرر عليك كما مثلنا بمن حلف عليك أن تخبره بما في سر البيت من الأمور التي لا تحب أن يطلع عليها أحد، أو حلف عليك بشي يضرك، مثل أن يحلف عليك بشيء يضرك إذا وافقته عليه، كأن يقول أبوك مثلاً: الله لا تحج البيت، والحج واجب عليك، فإنك لا
стр. 1192
تعطيه، لأن في هذا تركاً للواجب، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أو حلف عليك أن لا تزور أمك التي قد طلقها، وصار بينه وبينها مشاكل فكرها، فقال لك: والله لا تذهب إلى أمك، فلا تطعه وذلك لأنه آثم بكونه يحول بينك وبين صلة الرحم، صلة الرحم واجبة، وبر الوالدين واجب فلا تطعه.
ومن ذلك أيضاً إذا حلف أن لا تزور أحداً من إخوانك أو أعمالك أو أقاربك فلا تطعه، ولا تبر بيمينه ولو كان أباك، لأن صلة الرحم واجبة، ولا يحل له أن يحلف مثل هذا الحلف، وصلى الرحم إذا قام بها الإنسان فإن الله تعالى يصله، فقد تعهد الله للرحم ان يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها، فإذا انتفت الموانع فإن الأولى أن تبرّ بهن.
وها هنا مسألة وهي أنه ربما يحلف وهو تحلف أنت، هذا يقع كثيراً في الضيف إذا نزل عليك، قال: والله ما تذبح لي، فتحلف أنت وتقول: والله لأذبح لك فهنا من الذي يبرّ الأول أم الثاني؟ يبر الأول؛ لأن حقه ثابت ونقول للثاني صاحب البيت الذي حلف أن يذبح، نقول: لا تذبح وكفر عن يمينك؛ لأن الأول أحق بالبر وأسبق.
وهاهنا مسألة يحب أن يُتفطن لها أيضاً في هذا الأمر، وهي أن بعض السفهاء إذا نزل به ضيف، طلق الصيف أن لا يذبح له؛ قال: عليّ الطلاق من امرأتي أو نسائي إن كان له أكثر من امرأة أن لا تذبح لي، فيقول صاحب البيت: وأنا على الطلاق أن أذبح لك، وهذا خطأ عظيم، قال النبي ﵊: " من كان حالفاً فليحلف بالله أو
стр. 1193
ليصمت " أما الطلاق فلا، ما ذنب المرأة حتى تطلقها؟! وهو من الخطأ العظيم.
وأقول لكم إن المفتين اليوم - وأنا منهم - نفتي بأن الإنسان إذا أراد بذلك التهديد أو التأكيد فإنه لا طلاق، وعليه كفارة يمين، يعني أن حكمه حكم اليمين، ولكني أقول لكم: إن أكثر أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة على أن هذا طلاق، وعلى أنه إذا لم يف بما قال طلقت امرأته، فالمسألة خطيرة، ولا تظنوا أن الناس إذا أفتوا بالأمر السهل أن المسألة سهلة، بل هي خطيرة جداً، إذا كان أصحاب المذاهب الأربعة: المالكي، والشافعي، والحنفي، والحنبلي، كلهم يرون أن مثل هذا يكون طلاقاً، وأنه إذا طلق أن لا تذبح وذبحت طلقت زوجته، وإذا طلقت أن تذبح ولم تذبح طلقت زوجتك، وهذه المذاهب الأربعة ليست بهينة، والخلاف في هذا ليس بهين، فلا تستهينوا بهذا الأمر، فهو خطير جداً.
وأنت الآن مثلاً إذا رجعت إلى زوجتك وكانت هذه آخر طلقة، فأنت تطؤها على المذاهب الأربعة وطئاً حراماً. وعلى القول أنه يمين تكفر عن يمينك وتحل لك، فالمسألة خطيرة للغاية، لذلك يجب علينا أن نتناهي عنها، وأن لا نقول إذا حصل أذهب لابن باز أو لابن عثيمين أو الثاني أو الثالث فهذا لا ينفعك، فهناك علماء إجلاء أكبر منهم يرون أن هذا طلاق،
стр. 1194
وأنه إذا كان آخر طلقة، فإن المرأة تبين بها، ولا تحل لزوجها إلا بعد زوج آخر.
أقول هذا من أجل ان لا تتهاونوا في هذا الأمر فهذا الأمر خطير جداً، فمن كان حالفاُ فليحلف بالله، ويقول: والله.
ثم إني أشير عليكم بأمر مهم؛ أنك إذا حلفت على يمين فقل إن شاء الله ولو لم يسمعها صاحبك، قل إن شاء الله وإن لم يسمعها صاحبك؛ لأنك إذا قلت إن شاء الله يسر الله لك الأمر حتى تبر بيمينك، وإذا قدر انه ما حصل الذي تريد فلا كفارة عليك، وهذه فائدة عظيمة.
فلو قلت لواحد مثلاً: والله ما تذبح لى، ثم قلت بينك وبين نفسك: إن شاء الله، ثم ذبح فلا عليك شيء ولا عليك كفارة يمين، وكذلك أيضاً بالعكس، لو قلت: والله لأذبح ثم قلت بينك وبين نفسك: إن شاء الله، ولم يسمع صاحبك، فإنه إذا لم تذبح فليس عليك كفارة؛ لقول النبي ﷺ " من حلف علي يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث " وهذه فائدة عظيمة اجعلها على لسانك دائماً، اجعل الاستثناء بإن شاء الله على لسانك دائماً حتى يكون فيه فائدتان:
الفائدة الأولى: أن تُيسر لك الأمور.
стр. 1195
والفائدة الثانية: أنك إذا حنثت فلا تلزم الكفارة.
أما السبع التي نهى عنها ﵊ في حديث البراء، فمنها التختم بالذهب، والتختم بالذهب خاص بالرجال، فالرجل لا يحل له أن يلبس الذهب وأن يتختم بالذهب، ولا أن يلبس سواراً من ذهب، ولا أن يلبس خرصاً من ذهب، ولا أن يلبي على رأسه شيئاًُ من الذهب، كل الذهب حرام على الرجل؛ لأن النبي ﷺ قال في رجل رأي عليه خاتماً من ذهب، قال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في أصبعه أو قال في يده" ثم نزع النبي ﷺ الخاتم فرمي به، فلما انصرف النبي ﷺ قالوا للرجل: خذ خاتمك، انتفع به، قال: لا والله لا آخذ خاتماً طرحه النبي ﷺ وقال ﵊ في حديث على بن أبي طالب: " إن هذين حرام على ذكور امتى حلٌ إناثهم".
وأما تختم المرأة بالذهب فلا بأس به ولا حرج فيه، فيجوز لهن التختم بالذهب والتسور به، وأن يلبسن ما شئن منه، إلا إذا بلغ حد الإسراف، فإن الإسراف لا يحل؛ لقول الله تعالى (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (لأعراف: ٣١) .
وقد حكى بعض العلماء إجماع أهل العلم على جواز لباس المرأة
стр. 1196
للخاتم والسوار ونحوهما، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن الذهب المحلق للنساء فهي أحاديث إما ضعيفة، وإما شاذه تُرك العمل بها، وتواترت الأحاديث الكثيرة التي فيها إقرار النبي ﷺ النساء على لبس المحلق من الإسورة وكذلك من الخواتم.
ولكن يجب على المرآة إذا كان عندها ما يبلغ النصاب من الحلي من الذهب أداء زكاته، بان تقومه كل سنة بما يساويه وتخرج منه ربع العشر؛ لأن النبي ﷺ رأى امرأة وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من الذهب، يعني سوارين غليظين، فقال: " أتؤدين زكاة هذا؟ " قالت: " لا. قال: " أيسرك أن يسورك الله بها سوارين من نار يوم القيامة " فخلعتهما وأعطتهما النبي صلى الله علي وسلم وقالت: هما لله ورسوله.
ونهي أيضا في هذا الحديث " عن الشرب في آنية الفضة" يعني نهانا عن أن نشرب في آنية الفضة، سواء كان الشرب ماءً أو لبناً أو مرقاً أو غير ذلك، وسواء كان الشارب رجلاً أم امرأة؛ لأن التحريم الأواني من الذهب والفضة شامل للرجال والنساء، ولا فرق بين الفضة الخالصة وبين المموه بالفضة، كل ذلك حرام.
وأما آنية الذهب فهي أشد وأشد، وقد ثبت النهي عنهما عن النبي ﷺ حيث قال: "لا تشربوا في آنية الذهب، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم
стр. 1197
في الدنيا ولكم في الآخرة"
أما المياثر الحمر: فهي مثل المخدة، يجعل في حشوها قطن ويجعل علي هذا القطن خرقة من الحرير، وتربط في سرج الفرس او في كور البعير من أجل أن يجلس عليها الراكب فيستريح.
وكذلك القسي وغيرها، فإنها كلها من أنواع الحرير، وهي حرامٌ علي الرجال؛ لأنه لا يجوز للرجل أن يلبس الحرير، ولا أن يجلس عليه، ولا أن يفترشه، ولا أن يلتحفه.
وأما المرأة فيجوز لها لبس الحرير؛ لأنها محتاجة إلى الزينة والتجمل كما قال الله تعالى (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (الزخرف: ١٨) ، يعني: أو من يرفه في الحلية وهو في الخصام غير مبين كمن ليس كذلك وهم الرجال، فالرجال لا يرفهون في الحلية ولا ينشئون فيها؛ لأنهم مستغنون ببطولتهم ورجولتهم عن التزين والتجمل بهذه الأشياء.
وأما افتراش المرأة للحرير والتحافها به وجلوسها عليه، فقد اختلف فيه العلماء، منهم من منع وحرم واستدل بعموم هذا الحديث؛ وأن الرسول ﵊ نهي عن المياثر الحمر وشبهها، وقال: إن المرأة يباح لها أن تلبس الحرير لاحتياجها إليه، أما أن تفترشه فلا حاجة
стр. 1198
لها إلى أن تفترش الحرير، وهذا القول اقرب من القول بالحل مطلقاً أي يحلّ الحرير للنساء مطلقاً؛ لأن الحكم يدور مع علته وجواد وعدماً.
بقي الكلام علي قوله: " وإنشاد الضالة" يعني مما أمرهم به إنشاد الضالة، يعني أن الإنسان إذا وجد ضالة وجب عليه إنشادها، أي طلب من هي له، والضالة هي ما ضاع من البهائم، وقد قسم العلماء ﵏ الضالة إلى قسمين:
الأول: قسم يمتنع من الذئاب ونحوها من صغار السباع، فهذا لا يجوز التقاطه ولا إيواؤه، ومن آوى ضالة فهو ضال مثل الإبل، أو ما يمتنع بطيرانه مثل الطيور كالصقور والحمام وشبهها، أو ما يمتنع بعدوه كالظباء ونحوها.
فالذي يمتنع من صغار السباع كالذئاب وشبهها ثلاثة أنواع: ما يمتنع من السباع لكبر جثته وقوته مثل الإبل، وما يمتنع من السباع لطيرانه كالصقور والحمام، وما يمتنع من السباع لعدوه وسرعة سعيه كالظباء.
فهذا لا يجوز للإنسان أن يلتقطها، ولا يجوز له أن يؤويها بل يطردها من إبله، ويطردها من حمامه، إذا أوت إلى حمامه؛ فإن النبي ﷺ سُئل عن ضالة الإبل فقال: " ما لك ولها؛ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها " معها سقاؤها: يعني بطنها تملؤه ماءً،
стр. 1199
وحذاؤها: يعني خفها تمشي عليه، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها.
فلا يجوز لك أن تؤوي هذه الضالة ولا أن تلتقطها، ولو كنت تريد الخير، اللهم إلا إذا كنت في أرض فيها قطاع طريق تخشى أن يأخذوها ويضيعوها على صاحبها، فلا بأس أن تأخذها حينئذ، أو إذا كنت تعرف صاحبها فتأخذها لتردها عليه، فهذا لا بأس به.
الثاني: ما لا يمتنع من صغار السباع، يعني الذي يعجز أن يفك نفسه مثل الغنم أو الماعز أو الشياه أو ما أشبه ذلك، فإنك تأخذها كما قال النبي ﵊: " هي لك أو لآخيك أو للذئب"
، ولكن يجب عليك أن تبحث عن صاحبها وقوله (هي لك) يعني إن لم تجد صاحبها، يعني صاحبها إذا عرفته، " أو للذئب" إذا لم يجدها أحد أكلها الذئب.
فهذه تُؤخذ ويُبحث عن صاحبها، فإذا تمت السنة ولم يُوجد صاحبها فهي لمن وجدها.
وإنشاد الضالة له معنيان:
المعني الأول: ما ذكرنا وهذا واجب على الإنسان.
المعني الثاني: منهيٌ عنه وذلك مثل ما يقع في المساجد، وهو أن يطلب الإنسان الضالة فيه، مثل أن يقول: من رأى كذا وكذا؟ أو: يا أيها
стр. 1200
الناس قد ضاعت لي كذا وكذا فمن وجدها؟
فهذا لا يجوز في المسجد، وهو محرم، لأن المساجد لم تبن لهذا، قال النبي ﵊: " إذا سمعتم أحداً ينشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبن لهذا"
فنحن مأمورون أن ندعوا الله عليه، فنقول: لا ردها الله عليه، فنقول: لا ردها الله عليك، كما أننا إذا سمعنا شخصاً يبيع ويشترى في المسجد فإننا نقول: لا أربح الله تجارتك؛ لأن المساجد لم تُبن للبيع أو الشراء.
فهذه الأوامر التي أمر بها النبي ﷺ كلها خير، والنواهي التي نهى عنها كلها شر؛ لأن قاعدة شريعته ﷺ تأمر بالمصالح وتنهى عن المفاسد، وإذا اجتمع في الشيء مفسدة ومصلحة؛ غُلب الأقوى منها والأكثر، فإن كان الأكثر المصلحة غُلبت، وإن كانت المفسدة غُلبت، وإن تساوى الأمران غلبت المفسدة؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، الله الموفق.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 1201
٢٨ـ باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النور: من الآية١٩] .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀: باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها.
العورة هنا هي العورة المعنوية؛ لأن العورة نوعان: عورة حسية، وعورة معنوية.
فالعورة الحسية: هي ما يحرم النظر إليه؛ كالقبل والدبر وما أشبه ذلك مما هو معروف في الفقه.
والعورة المعنوية: وهي العيب والسوء الخلقي أو العملي.
ولا شك أن الإنسان كما وصفه الله في قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) [الأحزاب: ٧٢] .
فالإنسان موصوف بهذين الوصفين: الظلم والجهل؛ فإما أن يرتكب الخطأ عن عمد؛ فيكون ظالما، وإما أن يرتكب الخطأ عن جهل؛ فيكون جهولاً، هذه حال الإنسان إلا من عصم الله ووفقه للعلم والعدل، فإنه يمشي بالحق ويهدي إلى الحق.
стр. 1202
وإذا كان الإنسان من طبيعته التقصير والنقص والعيب؛ فإن الواجب على المسلم نحو أخيه أن يستر عورته ولا يشيعها إلا من ضرورة. فإذا دعت الضرورة إلى ذلك فلابد منه، لكن بدون ضرورة فالأولى والأفضل أن يستر عورة أخيه؛ لأن الإنسان بشر ربما يخطئ عن شهوة ـ يعني عن إرادة سيئة ـ أو عن شبهة، حيث يشتبه عليه الحق فيقول بالباطل أو يعمل به، والمؤمن مأمور بأن يستر عورة أخيه.
هب أنك رأيت رجلاً على كذب وغش في البيع والشراء؛ فلا تفش ذلك بين الناس؛ بل أنصحه واستر عليه، فإن توفق واهتدى وترك ما هو عليه؛ كان ذلك هو المراد، وإلا وجب عليك أن تبين أمره للناس؛ لئلا يغتروا به.
وهب أنك وجدت إنساناً مبتلى بالنظر إلى النساء، ولا يغض بصره، فاستر عليه، وانصحه وبين له أن هذا سهم من سهام إبليس؛ لأن النظر - والعياذ بالله - سهم من سهام إبليس يصيب به قلب العبد، فإن كان عنده مناعة، اعتصم بالله من هذا السهم الذي ألقاه الشيطان في قلبه، وإن لم يكن عنده مناعة؛ أصابه السهم، وتدرج به إلى أن يصل إلى الفحشاء والمنكر والعياذ بالله يكون أشد عذاباً.
فما دام الستر ممكنا، ولم يكن في الكشف عن عورة أخيك مصلحة راجحة أو ضرورة ملحة، فاستر عليه ولا تفضحه.
ثم أستدل المؤلف ﵀ بقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النور: من الآية١٩] .
стр. 1203
ولمحبة شيوع الفاحشة في الذين آمنوا معنيان:
المعنى الأول: أن يحب شيوع الفاحشة في المجتمع المسلم، ومن ذلك من يبثون الأفلام الخليعة، والصحف الخبيثة الداعرة، فإن هؤلاء ـ لا شك ـ يحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم، ويريدون أن يفتتن المسلم في دينه بسبب ما يشاع من هذه المجلات، والأفلام الخليعة الفاسدة، أو ما أشبه ذلك.
وكذلك تمكين هؤلاء مع القدرة على منعهم، داخل في محبة (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) [النور: ١٩] ، فالذي يقدر على منع هذه المجلات وهذه الأفلام الخليعة، ويمكن من شيوعها في المجتمع المسلم، فهو ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي عذاب مؤلم في الدنيا والآخرة.
ونقول: إنه يحب على كل مسلم أن يحذر من هذه الصحف وأن يتجنبها، وألا يدخلها في البيت، لما فيها من الفساد: فساد الخلق ويتبعه فساد الدين؛ لأن الأخلاق إذا فسدت؛ فسدت الأديان، نسأل الله العافية.
المعنى الثاني: أن يحب أن تشيع الفاحشة في شخص معين، وليس في المجتمع الإسلامي كله، فهذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، مثل أن يحب أن تشيع الفاحشة في زيد من الناس لسبب ما، فهذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا الآخرة، لاسيما فيمن نزلت الآية في سياق الدفع عنه، وهي أم المؤمنين عائشة ﵂؛ لأن هذه الآية في سياق آيات
стр. 1204
الإفك، والإفك هو الكذب الذي افتراه من يكرهون النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومن يحبون أن يتدنس فراشه، ومن يحبون أن يعير بأهله من المنافقين وأمثالهم.
وقضية الإفك مشهورة، وهي أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا؛ أقرع بين نسائه، وذلك من عدله عليه الصلاة السلام، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأقرع بين نسائه ذات سفرة؛ فخرج السهم لعائشة فخرج بها.
وفي أثناء رجوعهم عرّسوا في أرض، يعني ناموا في آخر الليل، فلما ناموا احتاجت عائشة ﵂ أن تبرز لتقضي حاجتها، فأمر النبي ﷺ بالرحيل في آخر الليل، فجاء القوم فحملوا هودجها ولم يشعروا أنها ليست فيه؛ لأنها كانت صغيرة لم يأخذها اللحم، فقد تزوجها النبي ﷺ ولها ست سنين، ودخل عليها ولها تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، فحملوا الهودج وظنوا أنها فيه ثم ساروا.
ولما رجعت؛ لم تجد القوم في مكانهم، ولكن من عقلها وذكائها لم تذهب يميناً وشمالاً تطلبهم؛ بل بقيت في مكانها وقالت: سيفقدونني ويرجعون إلى مكاني.
ولما طلعت الشمس إذا برجل يقال له صفوان بن المعطل، وكان من قوم إذا ناموا لم يستيقظوا، كما هو حال بعض الناس الذين إذا ناموا لا
стр. 1205
يستيقظون، حتى ولو علت الأصوات من حوله. فكان صفوان من جملة هؤلاء القوم، فكان إذا نام؛ تعمق في النوم فلا يمكن أن يستيقظ إلا إذا أيقظه الله كأنه ميت.
فلما استيقظ وجاء وإذا أم المؤمنين عائشة ﵂ وحدها في مكان في البر ـ وكان يعرفها قبل أن ينزل الحجاب ـ فما كان منه إلا أن أناخ بعيره ولم يكلمها بكلمة، لم يقل لها: ما الذي أقعدك؟ أو لماذا؟
والسبب في أنه لم يتكلم هو احترامه لفراش رسول الله ﷺ ، لا يريد أن يتكلم مع أهله بغيبته ﵁، فأناخ البعير ووضع يده على ركبة البعير ولم يقل اركبي ولا تكلم بشيء، فركبت ثم ذهب بالبعير يقودها، ولم يكن يسوقها حتى لا ينظر إليها ﵁.
ولما أقبل على القوم ضحى وقد ارتفع النهار؛ فرح المنافقون أعظم فرح أن يجدوا مدخلاً للطعن في رسول الله ﷺ ، فاتهموا الرجل بالعفاف الرزان الطاهرة النقية فراش رسول الله ﷺ ، اتهموه بها وصاروا يشيعون الفاحشة بأن هذا الرجل فعل ما فعل، وسقط في ذلك أيضا ثلاثة من الصحابة الخلَص وقعوا فيما وقع فيه المنافقون، وهم: مسطح بن أثاثة بن خالة أبي بكر، وحسان بن ثابت ﵄، وحمنة بنت جحش.
فصارت ضجة، وصار الناس يتكلمون: ما هذا؟ وكيف يكون؟ من مشتبه عليه الأمر، ومن منكر غاية الإنكار. وقالوا: لا يمكن أن يتدنس فراش رسول الله ﷺ لأنه أطهر الفراش على وجه الأرض.
وأراد الله بعزته وقدرته وحكمته لما وصل النبي ﷺ المدينة أن تمرض
стр. 1206
عائشة ﵂ وبقيت حبيسة البيت لا تخرج، وكان النبي ﷺ من عادته إذا عادها في مرضها سأل وتكلم وتحفَّى. أما في ذلك الوقت فكان ﵊ لا يتكلم، يأتي ويدخل ويقول: ((كيف تيكم؟)) أي كيف هذه، ثم ينصرف، وقد استنكرت ذلك منه ﵂، ولكنها ما كان يخطر ببالها أن أحدا يتكلم في عرضها بما فيه دنس فراش رسول الله ﷺ .
فقد أشاع المنافقون هذه الفرية على الصديقة بنت الصديق عائشة ﵂ فراش رسول الله ﷺ لا كراهة لذاتها؛ ولكن كراهة لرسول الله ﷺ ، وبغضاً له، ومحبة في إيذائه وأن يدنس فراشه قاتلهم الله أنى يؤفكون.
ولكن الله تعالى أنزل في هذه القصة عشر آيات من القرآن ابتدأها بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ١١] ، والذي تولى كبره هو رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ المنافق، فإنه هو الذي كان يشيع الخبر.
لكنه خبيث لا يشيعه بلفظ صريح فيقول مثلاً إن فلاناً زنى بفلانة، لكنه يشيع ذلك بالتعريض والتلميح؛ كأن يقول: يذكر، يقال، يقولون: وما أشبه ذلك لأن المنافقين جبناء يتسترون ولا يصرحون بما في نفوسهم، فيقول : (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) [النور: ١١ ـ١٢] .
وفي هذا توبيخ من الله للذين تكلموا في هذا الأمر، يقول: لولا إذا سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، وذلك أن أم
стр. 1207
المؤمنين أمهم فكيف يظنون ما لا يليق بها ﵂، وكان الواجب عليهم لما سمعوا هذا الخبر؛ أن ظنوا بأنفسهم خيراً وتبرؤوا منه وممن قاله.
(لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [النور: ١٣] ، يعني هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء يشهدون على هذا الأمر.
(فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ولو صدقوا، ولهذا لو أن شخصا شاهد إنسانا يزني، وجاء إلى القاضي وقال أنا أشهد أن فلانا يزني، قلنا: هات أربعة شهداء، فإذا لم يأت بأربعة شهداء؛ جلدناه ثمانين جلدة، فإن جاء برجل ثان معه؛ جلدناهم كل واحد ثمانين جلدة، وثالث أيضا نجلد كل واحد ثمانين جلدة.
فمثلاً لو جاءنا ثلاثة يشهدون بأنهم رأوا فلانا يزني بفلانة، ولم يثبت ذلك، فإننا نجلد كل واحد ثمانين جلدة، ولهذا قال الله تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ١٣ ـ ١٤] .
لولا الفضل والرحمة من الله؛ لأصابكم فيما أفضتم فيه العقاب المذكور، وفي قوله: (أَفَضْتُمْ فِيهِ) دليل على أن الحديث انتشر وفاض واستفاض واشتهر؛ لأنه أمر جلل عظيم خطير، وقد جرت العادة بأن الأمور الكبيرة تنتشر بسرعة وتملأ البيوت، وتملأ الأفواه والآذان (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ
стр. 1208
تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور: ١٤، ١٥] .
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) من غير روِيهّ، ومن غير بينة، ومن غير يقين، (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) لأنه قذف لأطهر امرأة على وجه الأرض، هي وصاحباتها زوجات رسول الله ﷺ ، فالأمر صعب وعظيم.
وفي ذلك أيضا تدنيس لرسول الله ﷺ ؛ لأن الله تعالى يقول: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) [النور: ٢٦] .
فإذا كانت عائشة أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ يحصل منها هذا الأمر ـ وحاشاها منه ـ فإن ذلك يدل على خبث زوجها والعياذ بالله؛ لأن الخبيثات للخبيثين، ولكنها ﵂ طيبة وزوجها طيب، فزوجها محمد رسول الله ﷺ ، وهي الصديقة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها.
ولهذا يقول تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ) [النور: ١٥] ، ثم قال تعالى: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) يعني: هلا إذ سمعتموه (قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) [النور: ١٦] ، وهذا هو الواجب عليك؛ أن تنزه الله أن يقع مثل هذا من زوج النبي ﷺ ، ولهذا قال: (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) .
وتأمل كيف جاءت هذه الكلمة التي تتضمن تنزيه الله ، إذ أنه لا يليق بحكمة الله ورحمته وفضله وإحسانه أن يقع مثل هذا من زوج رسول
стр. 1209
الله ﷺ ، ثم قال تعالى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [النور: ١٧] ، يعني لا تعودا لمثل هذا أبداً إن كنتم مؤمنين.
ثم قال تعالى: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النور: ١٨] .
والحمد لله على بيانه، ولهذا أجمع العلماء على أن من رمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بما جاء في حديث الإفك؛ فإنه كافر مرتد، كافر كالذي يسجد للصنم، فإن تاب وأكذب نفسه؛ وإلا قتل كافراً؛ لأنه كذب القرآن مع أن الصحيح أن من رمى زوجه من زوجات الرسول ﷺ بمثل هذا فإنه كافر؛ لأنه منتقص لرسول الله ﷺ ، كل من رمى زوجة من زوجات الرسول بما برّأ الله منه عائشة؛ فإنه يكون كافر مرتداً، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل بالسيف، وألقيت جيفته في حفرة من الأرض، بدون تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة؛ لأن الأمر خطير.
ثم قال : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [النور: ١٩، ٢٠] .
وسبق أن أشرنا إلى أن ثلاثة من الصحابة الخُلّص تورطوا في هذه القضية، وهم: حسان بن ثابت ﵁، ومسطح بن أثاثة، وهو ابن خالة أبي بكر، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، وزينب بنت جحش زوج الرسول ﷺ وضرة عائشة، ومع ذلك حماها الله، لكن أختها تورطت، ولما أنزل الله براءتها؛ أمر النبي ﷺ أن يُحدّ الثلاثة حد القذف، فجلد كل واحد ثمانين جلدة.
стр. 1210
أما المنافقون فلم يقم النبي ﷺ عليهم الحد، واختلف العلماء في ذلك:
فقيل: لأن المنافق لا يصرحون وإنما يقولون: يُقال، أو يذكر أو سمعنا، أو ما أشبه ذلك.
وقيل: لأن المنافق ليس أهلاً للتطهير، فالحد طهرة للمحدود، وهؤلاء المنافقون ليسوا بأهل للتطهير، ولهذا لم يجلدهم الرسول ﵊؛ لأن لو جلدهم؛ لطهرهم من موبق هذا الشي، لكنهم ليسوا أهلاً للتطهير، فهم في الدرك الأسفل من النار، فتركهم وذنوبهم، فليس فيهم خير، وقيل غير ذلك.
وعلى كل حال فإن هذه القصة قصة عظيمة، فيها عِبر كثيرة، والله الموفق.
* * *
١/٢٤٠ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال ((لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله تعالى يوم القيامة)) .
الستر يعني الإخفاء، وقد سبق لنا أن الستر ليس محموداً على كل حال، وليس مذموماً على كل حال، فهو نوعان:
стр. 1211
النوع الأول: ستر الإنسان الستير، الذي لم تجر منه فاحشة، ولا ينبغي منه عدوان إلا نادراً، فهذا ينبغي أن يستر وينصح ويبين له أنه على خطأ، وهذا الستر محمود.
والنوع الثاني: ستر شخص مستهتر متهاون في الأمور معتدٍ على عباد الله شرير، فهذا لا يستر؛ بل المشروع أن يبين أمره لولاة الأمر حتى يردعوه عما هو عليه، وحتى يكون نكالاً لغيره.
فالستر يتبع المصالح؛ فإذا كانت المصلحة في الستر؛ فهو أولى، وإن كانت المصلحة في الكشف فهو أولى، وإن تردد الإنسان بين هذا وهذا؛ فالستر أولى، والله الموفق.
* * *
٢/٢٤١ ـ وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا كذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه)) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين)) . يعني بـ ((كل الأمة))
стр. 1212
أمة الإجابة الذين استجابوا للرسول ﷺ .
معافى: يعني قد عافاهم الله .
إلا المجاهرين: والمجاهرون هم الذين يجاهرون بمعصية الله ، وهم ينقسمون إلى قسمين:
الأول: أن يعمل المعصية وهو مجاهر بها، فيعملها أمام الناس، وهم ينظرون إليه، هذا لا شك أنه ليس بعافية؛ لأنه جر على نفسه الويل، وجره على غيره أيضا.
أما جره على نفسه: فلأنه ظلم نفسه حيث عصى الله ورسوله، وكل إنسان يعصي الله ورسوله؛ فإنه ظالم لنفسه، قال الله تعالى: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [البقرة: ٥٧] ، والنفس أمانة عندك يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، وكما أنه لو كان لك ماشية فإنك تتخير لها المراعي الطيبة، وتبعدها عن المراعي الخبيثة الضارة، فكذلك نفسك، يجب عليك أن تتحرى لها المراتع الطيبة، وهي الأعمال الصالحة، وأن تبعدها عن المراتع الخبيثة، وهي الأعمال السيئة.
وأما جره على غيره: فلأن الناس إذا رأوه قد عمل المعصية؛ هانت في نفوسهم، وفعلوا مثله، وصار ـ والعياذ بالله ـ من الأئمة الذين يدعون إلى النار، كما قال الله تعالى عن آل فرعون: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ) [القصص: ٤١] .
وقال النبي ﵊: ((من سن في الإسلام سنة سيئة؛
стр. 1213
فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)) .
فهذا نوع من المجاهرة، ولم يذكره النبي ﷺ ؛ لأنه واضح، لكنه ذكر أمراً آخر قد يخفى على بعض الناس فقال: ومن المجاهرة أن يعمل الإنسان العمل السيئ في الليل فيستره الله عليه، وكذلك في بيته فيستره الله عليه ولا يُطلع عليه أحداً، ولو تاب فيما بينه وبين ربه؛ لكان خيراً له، ولكنه إذا قام في الصباح واختلط بالناس قال: عملت البارحة كذا، وعملت كذا، وعملت كذا، فهذا ليس معافى، هذا والعياذ بالله قد ستر الله عليه فأصبح يفضح نفسه.
وهذا الذي يفعله بعض الناس أيضاً يكون له سببان:
السبب الأول: أن يكون الإنسان غافلاً سليماً لا يهتم بشيء، فتجده يعمل السيئة ثم يتحدث بها عن طهارة قلب.
والسبب الثاني: أن يتحدث بالمعاصي تبجحاً واستهتاراً بعظمة الخالق، ـ والعياذ بالله ـ فيصبحون يتحدثون بالمعاصي متبجحين بها كأنما نالوا غنيمة، فهؤلاء والعياذ بالله شر الأقسام.
ويوجد من الناس من يفعل هذا مع أصحابه، يعني أنه يتحدث به مع أصحابه فيحدثهم بأمر خفي لا ينبغي أن يذكر لأحد، لكنه لا يهتم بهذا الأمر فهذا ليس من المعافين؛ لأنه من المجاهرين.
والحاصل أنه ينبغي للإنسان أن يتستر بستر الله ، وأن يحمد
стр. 1214
الله على العافية، وأن يتوب فيما بينه وبين ربه من المعاصي التي قام بها، وإذا تاب إلى الله وأناب إلى الله؛ ستره الله في الدنيا والآخرة، والله الموفق.
* * *
٣/٢٤٢ ـ وعنه عن النبي ﷺ قال: ((إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر)) متفق عليه.
التثريب: التوبيخ.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب)) .
والأمة: هي المملوكة التي تباع وتشترى، فإذا زنت يقول ﵊: فليجلدها الحد، وحد الأمة نصف حد الحرة، كما قال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥] .
والحرة إذا كانت بكراً وزنت تجلد مائة جلدة وتغرب سنة، والأمة نصف ذلك يعني خمسين جلدة، وأما تغريبها؛ ففي ذلك قولان للعلماء:
منهم من: قال تغرب نصف سنة.
ومنهم من قال: إنها لا تغرب؛ لأنه قد تعلق بها حق السيد.
стр. 1215
ثم إن زنت المرة الثانية؛ فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت يعني في الثالثة أو الرابعة؛ فليبعها ولو بحبل من شعر، يعني ولا يبقيها؛ لأنه لا خير فيها.
ففي هذا دليل على أن السيد يقيم الحد على مملوكه، وأما غير السيد؛ فلا يقيم الحد.
وإنما يتولى إقامة الحد الإمام، أو نائب الإمام حتى الأب لا يملك إقامة الحد على ابنه؛ لأن هذا موكول للإمام أو نائبه، وفي قوله ((فليبعها ولو بحبل من شعر)) وإذا قال قائل: وإذا باعها فما الفائدة إذا كانت قد ألفت الزنا والعياذ بالله؟ نقول: لأنه إذا تغيرت بها الأحوال؛ فربما تتغير حالها، وأيضا إذا باعها؛ فسوف يخبر المشتري بأنها أمة تزني. وسوف يكون المشتري شديداً عليها حتى يمنعها من ذلك.
* * *
٤/٢٤٣ ـ وعنه قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب خمراً قال: ((اضربوه)) قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله قال: ((لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف ـ رحمة الله ـ عن أبي هريرة ﵁ قال ((أتي النبي ﷺ برجل قد شرب خمراً)) .
стр. 1216
والخمر: كل ما أسكر، ومعنى الإسكار أن يغيب العقل من شدة اللذة؛ لأن غيبوبة العقل أحياناً تكون بدواء كالبنج، فهذا ليس بسكر، وأحياناً تكون بإغماء، وأحياناً تكون بسكر، وهو تغطية العقل بلذة وطرب، ولهذا تجد السكران ـ والعياذ بالله ـ يتخيل نفسه وكأنه ملك من الملوك، كما قال الشاعر:
ونشربها فتتركنا ملوكا........................
وكما قال حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ حين جاءه النبي ﷺ وقد ثمل من السكر قبل أن تحرم الخمر فعلمه في ذلك، فقال له حمزة: هل أنتم إلا عبيد أبي، يقول للرسول ﵊ وهو ﵁ من أشد الناس تعظيماً للرسول، لكنه سكران.
والحاصل أن السكر تغطية للعقل على وجه اللذة والطرب.
ولذلك فلما جاء إلى النبي ﷺ هذا الشارب للخمر قال: ((اضربوه)) .
فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، ومنا الضارب بسوطه، ومنا الضارب بنعله، ولم يحدد لهم النبي ﷺ عددا معيناً، فلما انصرف بعضهم قال له رجل: أخزاك الله، فقال النبي ﷺ : ((لا تعينوا عليه الشيطان)) ؛ لأن الخزي معناه العار والذل، فأنت إذا قلت لرجل: أخزاك الله؛ فإنك قد دعوت الله عليه بما يذله ويفضحه، فتعين عليه الشيطان.
وفي هذا الحديث دليل على أن عقوبة الخمر ليس لها حد معين، ولهذا لم يحد لهم النبي ﷺ حداً، ولم يعدها عداً، كل يضرب بما تيسر، من يضرب بيده، ومن يضرب بطرف ثوبه، ومن يضرب بعصاه، ومن
стр. 1217
يضرب بنعله، لم يحد فيها حداً، وبقي الأمر كذلك.
وفي عهد أبي بكر صارت تقدر بنحو أربعين، وفي عهد عمر كثر الناس الذين دخلوا في الإسلام، ومنهم من دخل عن غير رغبة، فكثر شرب الخمر في عهد عمر ﵁، فلما رأى الناس قد أكثروا منها استشار الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أخف الحدود ثمانون وهو حد القذف، فرفع عمر ﵁ عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين جلدة.
ففي هذا دليل على أن الإنسان إذا فعل ذنباً وعوقب عليه في الدنيا؛ فإنه لا ينبغي لنا أن ندعو عليه بالخزي والعار؛ بل نسأل الله له الهداية، ونسأل الله له المغفرة، والله الموفق.
стр. 1218
٢٩ ـ باب قضاء حوائج المسلمين
قال الله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: ٧٧] .
١/٢٤٤ ـ وعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. من كان في حاجة أخيه؛ كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة؛ فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً؛ ستره الله يوم القيامة)) متفق عليه.
٢/٢٤٥ وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله له طريقاً إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم.
стр. 1219
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب قضاء حوائج المسلمين.
الحوائج: ما يحتاجه الإنسان ليكمل به أموره، وأما الضروريات؛ فهي ما يضطر إليه الإنسان ليدفع به ضرره، ودفع الضرورات واجب؛ فإنه يجب على الإنسان إذا رأى أخاه في ضرورة أن يدفع ضرورته؛ فإذا رآه في ضرورة إلى الطعام أو إلى الشراب أو إلى التدفئة، أو إلى التبردة؛ وجب عليه أن يقضي حاجته، ووجب عليه أن يزيل ضرورته ويرفعها.
حتى إن أهل العلم يقولون: لو اضطر الإنسان إلى طعام في يد شخص أو إلى شرابه، والشخص الذي بيده الطعام أو الشراب لم يضطر إليه ومنعه بعد طلبه، ومات، فإنه يضمنه؛ لأنه فرط في إنقاذ أخيه من هلكة.
أما إذا كان الأمر حاجيّاً وليس ضرورياً، فإن الأفضل أن تعين أخاك على حاجته، وأن تيسرها له ما لم تكن الحاجة في مضرته، فإن كانت الحاجة في مضرته فلا تعنه؛ لأن الله يقول؛ (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢] .
فلو فرض أن شخصاً احتاج إلى شرب دخان، وطلب منك أن تعينه بدفع القيمة له أو شرائه له أو ما أشبه ذلك؛ فإنه لا يحل لك أن تعينه ولو كان محتاجاً، حتى لو رأيته ضائقاً يريد أن يشرب الدخان فلا تعنه؛ لقول الله تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) حتى لو كان أباك؛ فإنك لا تعنه على هذا، حتى لو غضب عليك إذا لم تأت به فليغضب؛ لأنه غضب في
стр. 1220
غير موضع الغضب؛ بل إنك إذا امتنعت من أن تأتي لأبيك بما يضره؛ فإنك تكون بارّاً به، ولا تكون عاقاً له؛ لأن هذا هو الإحسان؛ فأعظم الإحسان أن تمنع أباك مما يضره، قال النبي ﵊: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) قالوا: يا رسول الله: كيف ننصره الظالم؟ قال: ((تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه)) .
وعلى هذا فقول المؤلف في باب قضاء حوائج المسلمين يريد بذلك الحوائج المباحة، فإنه ينبغي لك أن تعين أخاك عليها، فإن الله في عونك ما كنت في عون أخيك.
ثم ذكر المؤلف أحاديث مر الكلام عليها فلا حاجة إلى إعادتها، إلا أن فيها بعض الجمل تحتاج إلى كلام؛ منها قوله: ((من يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)) فإذا رأيت معسراً، ويسرت عليه الأمر يسر الله عليك في الدنيا والآخرة، مثل أن ترى شخصاً ليس بيده ما يشتري لأهله من طعام وشراب، لكن ليس عنده ضرورة، فأنت إذا يسرت عليه؛ يسر الله عليك في الدنيا والآخرة.
ومن ذلك أيضاً إذا كنت تطلب شخصاً معسراً؛ فإنه يجب عليك أن تيسر عليه وجوباً؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠] ، وقد قال العلماء ﵏: من كان له غريم معسر؛ فإنه يحرم عليه أن يطلب منه الدين، أو أن يطالبه به، أو أن يرفع أمره إلى
стр. 1221
الحاكم؛ بل يجب عليه إنظاره.
ويجد بعض الناس والعياذ بالله ممن لا يخافون الله، ولا يرحمون عباد الله، من يطالبون المعسرين، ويضيقون عليهم، ويرفعونهم إلى الجهة المسؤولة فيحبسون ويؤذون ويمنعون من أهلهم ومن ديارهم، كل هذا بسبب الظلم، وإن كان الواجب على القاضي إذا ثبت عنده إعسار الشخص، فواجب عليه أن يرفع الظلم عنه، وأن يقول لغرمائه: ليس لكم شيء.
ثم إن بعض الناس والعياذ بالله إذا كان لهم غريم معسر يحتال عليه بأن يداينه مرة أخرى بِرباً، فيقول مثلاً: اشتر مني السلعة الفلانية بزيادة على ثمنها وأوفني، أو يتفق مع شخص ثالث يقول: اذهب تديّن من فلان وأوفني، وهكذا حتى يصبح هذا المسكين بين يدي هذين الظالمين كالكرة بين يدي الصبي يلعب بها والعياذ بالله.
والحاصل إذا رأيتم شخصاً يطلب معسراً أن تبينوا له أنه آثم، وأن ذلك حرام عليه؛ وأنه يجب عليه إنظاره؛ لقول الله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠] ، وأنه إذا ضيق على أخيه المسلم، فإنه يوشك أن يضيق الله عليه في الدنيا أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة معاً، ويوشك أن يعجل له بالعقوبة، ومن العقوبة أن يستمر في مطالبة هذا المعسر وهو معسر؛ لأنه كلما طالبه ازداد إثماً.
وعلى العكس من ذلك؛ فإنه يوجد بعض الناس والعياذ بالله يماطلون بالحقوق التي عليهم، مع قدرتهم على وفائهم، فتجده يأتيه صاحب الحق
стр. 1222
فيقول: غداً، وإذا أتاه في غد قال: بعد غدٍ؛ وهكذا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((مَطْل الغنيِّ ظلم)) .
وإذا كان ظلماً؛ فإن أي ساعة أو لحظة تمضي وهو قادر على وفاء دينه؛ فإنه لا يزداد بها إلا إثماً، نسأل الله لنا ولك السلامة والعافية.
стр. 1223
٣٠ ـ باب الشفاعة
قال الله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: ٨٥] .
١/٢٤٦ ـ وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجةٍ أقبل على جلسائه فقال: ((اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب)) متفق عليه.
وفي رواية: ((ما شاء)) .
٢/ ٢٤٧ ـ وعن بن عباس ﵄ في قصة بريرة وزوجها. قال: قال لها النبي ﷺ : ((لو راجعتِهِ؟)) قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: ((إنما أشفع)) قالت: لا حاجة لي فيه)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الشفاعة.
والشفاعة: هي التوسط للغير؛ لجلب منفعة أو دفع مضرة.
مثال الأول: أن تتوسط لشخص عند آخر في أن يساعده في أمر من الأمور
ومثال الثاني: أن تشفع لشخص عند آخر في أن يسامحه ويعفو عن
стр. 1224
مظلمته، حتى يندفع عنه الضرر.
ومثال ذلك في أيام الآخرة؛ أن النبي ﷺ يشفع في أهل الموقف ليُقضى بينهم، حين يصيبهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فهذه شفاعة في دفع مضرة.
ومثالها في جلب منفعة؛ أن النبي ﷺ يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
والمراد بالشفاعة في كلام المؤلف: الشفاعة في الدنيا؛ وهي أن يشفع الإنسان لشخص عند آخر؛ يتوسط له بجب المنفعة له أو دفع المضرة عنه.
والشفاعة أقسام:
القسم الأول: شفاعة محرمة لا تجوز، وهي أن يشفع لشخص وجب عليه الحدّ بعد أن يصل إلى الإمام، فإن هذه الشفاعة محرمة لا تجوز؛ مثال ذلك: رجل وجب عليه حدّ في قطع يده في السرقة، فلما وصلت إلى الإمام أو نائب الإمام؛ أراد إنسان أن يشفع لهذا السارق ألا تقطع يده، فهذا حرام أنكره النبي ﵊ إنكاراً عظيماً.
وذلك حينما أمر النبي ﵌ أن تقطع يد المرأة المخزومية، امرأة من بني مخزوم من أشراف قبائل العرب، كانت تستعير الشيء ثم تجحده، أي تستعيره لتنتفع به ثم تنكر بعد ذلك أنها استعارت شيئاً، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها؛ فاهتمت لذلك قريش، قالوا: امرأة من بني مخزوم وتقطع يدها؟ هذا عار كبير، من يشفع لنا إلى رسول الله ﷺ ، فرأوا أن أقرب الناس لذلك أسامة بن زيد بن الحارثة.
стр. 1225
وأسامة بن زيد مولى رسول الله ﷺ ؛ لأن زيد بن حارثة عبدٌ أهدته إلى رسول الله ﷺ خديجة، ثم أعتقه وكان يحبه ﵊، ويحب ابنه أسامة، فذهب أسامة إلى النبي ﷺ يشفع لهذه المرأة ألا تقطع يدها، فقال النبي ﵊: ((أتشفع في حد من حدود الله؟))
قال ذلك إنكاراً عليه، ثم قام فخطب الناس وقال: ((أيها الناس؛ إنما أهلك من كان قبلكم؛ أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله ـ يعني أقسم بالله ـ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها)) .
وهذه المرأة المخزومية دون فاطمة شرفاً ونسباً، ومع ذلك فإنه ﷺ قال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها)) لسدّ باب الشفاعة والوساطة في الحدود إذا بلغت الإمام.
وقال ﵊: ((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضادِّ الله في أمره)) .
وقال صلى اله عليه وسلم: ((إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلعن الله الشافع والمشفع)) .
ولما سرق رداء صفوان بن أمية وكان قد توسده في المسجد، فجاء
стр. 1226
رجل فسرقه، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يد السارق ـ انظر ماذا سرق؟ سرق رداء، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يده ـ فقال: يا رسول الله؛ أنا لا أريد ردائي، يعني أنه رحم هذا السارق وشفع فيه ألا تقطع يده، فقال النبي ﷺ : ((هلاّ كان ذلك قبل أن تأتيني به)) .
يعني لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به، لكان ذلك لك، لكن إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلابد من تنفيذها، وتحرم فيها الشفاعة.
القسم الثاني: أن يشفع في شيء محرم، مثل أن يشفع لإنسان معتدٍ على أخيه، أعرف مثلاً أن هذا الرجل يريد أن يخطب امرأة مخطوبة من قبل، والمرأة المخطوبة لا يحل لأحد خطبتها، فذهب رجل ثان إلى شخص وقال: يا فلان أحب أن تشفع لي عند والد هذه المرأة يزوجنيها، وهو يعلم أنها مخطوبة، فهنا لا يحل له أن يشفع؛ لأن هذه شفاعة في محرم.
والشفاعة في المحرم تعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢] .
ومن ذلك أيضاً أن يأتي رجل لشخص فيقول: يا فلان؛ أنا أريد أن أشتري دخاناً من فلان وقد سُمْتُه بكذا وكذا، وأبى عليّ إلا بكذا وكذا أكثر مما سمتُه به، فأرجوك أن تشفع لي عنده ليبيعه عليّ بهذا السعر الرخيص،
стр. 1227
فهنا لا تجوز الشفاعة؛ لأن هذه إعانة على الإثم والعدوان.
القسم الثالث: الشفاعة في شيء مباح فهذه لا بأس بها، ويكون للإنسان فيها أجر، مثل أن يأتي شخص لآخر فيسوم منه بيتاً ويقول له هذا الثمن قليل، فيذهب السائم إلى شخص ثالث، ويقول: يا فلان اشفع لي عند صاحب البيت لعله يبيعه عليّ، فيذهب ويشفع له، فهذا جائز؛ بل هو مأجور على ذلك، ولهذا كان النبي ﷺ إذا أتاه صاحب حاجة يلتفت إلى أصحابه ويقول: ((اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)) أو ((ما أحب)) . فهنا يأمر ﵊ أصحابه بأن يشفعوا لصاحب الحاجة.
ومثل ذلك أيضاً لو وجب لك حق على شخص، ورأيت أنك إذا تنازلت عنه هكذا ربما استخفّ بك في المستقبل وانتهك حرمتك، فهنا لا حرج أن تقول مثلاً لبعض الناس: اشفعوا له عندي؛ حتى تظهر أنت بمظهر القوي ولا تجبن أمامه ويحصل المقصود.
فالحاصل أن الشفاعة في غير أمر محرم من الإحسان إلى الغير كما قال تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: ٨٥] .
стр. 1228
٣١ ـ باب الإصلاح بين الناس
قال الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس) [النساء: ١١٤] ، وقال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨] ، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: الآية١] ، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: ١٠]
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الإصلاح بين الناس.
الإصلاح بين الناس: هو أن يكون بين شخصين معاداة وبغضاء، فيأتي رجل موفق فيصلح بينهما، ويزيل ما بينهما من العداوة والبغضاء، وكلما كان الرجلان أقرب صلة بعضهما من بعض؛ فإن الصلح بينهما أوكد، يعني أن الصلح بين الأب وابنه أفضل من الصلح بين الرجل وصاحبه، والصلح بين الأخ وأخيه أفضل من الصلح بين العم وابن أخيه، وهكذا كلما كانت القطيعة أعظم؛ كان الصلح بين المتابغضين وبين المتقاطعين أكمل وأفضل وأوكد.
واعلم أن الصلح بين الناس من أفضل الأعمال الصالحة، قال الله (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي إلا نجوى من أمر بصدقة.
والنجوى: الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه، فأكثر المناجاة بين
стр. 1229
الناس لا خير فيها إلا من أمر بصدقة أو معروف.
والمعروف: كل ما أمر به الشرع، يعني: أمر بخير.
أو إصلاح بين الناس: بين الرجل وصاحبه مفسدة، فيأتي شخص موفّق فيصلح بينهما، ويزيل ما بين الرجل وصاحبه من العداوة والبغضاء.
ثم قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] ، فبين سبحانه في هذه الآية أن الخير حاصل فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهذا خير حاصل لا شك فيه، أما الثواب فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) .
فأنت يا أخي المسلم إذا رأيت بين شخصين عداوة وبغضاء وكراهة، فاحرص على أن تسعى بينهما بالصلح حتى لو خسرت شيئاً من مالك فإنه مخلوف عليك.
ثم اعلم أن الصلح يجوز فيه التورية أي أن تقول لشخص: إن فلاناً لم يتكلم فيك بشيء، إن فلاناً يحب أهل الخير وما أشبه ذلك، أو تقول: فلان يحبك إن كنت من أهل الخير، وتضمر في نفسك جملة ((إن كنت من أهل الخير)) لأجل أن تخرج من الكذب.
وقال الله : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨] ، هذه جملة عامة ((الصلح خير)) في جميع الأمور.
ثم قال تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ) [النساء: ١٢٨] ، إشارة إلى أن
стр. 1230
الإنسان ينبغي له عند الإصلاح أن يتنازل عما في نفسه، وأن لا يتبع نفسه؛ لأنه إذا اتبع نفسه فإن النفس شحيحة، ربما يريد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملاً، وإذا أراد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملاً؛ فإن الصلح يتعذر؛ لأنك إذا أردت أن تأخذ بحقك كاملاً وأراد صاحبك أن يأخذ بحقه كاملاً؛ لم يكن إصلاحاً.
لكن إذا تنازل كل واحد منكما عما يريد وغلب شحّ نفسه؛ فإنه يحصل الخير ويحصل الصلح، وهذا هو الفائدة من قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) بعد قوله: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) ، وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩] ، فأمر الله بالإصلاح بين المتقاتلين من المؤمنين.
والحاصل أن الإصلاح كله خير، فعليك يا أخي المسلم إذا رأيت شخصين متنازعين متباغضين متعاديين؛ أن تصلح بينهما؛ لتنال الخير الكثير، وابتغ في ذلك وجه الله وإصلاح عباد الله حتى يحصل لك الخير الكثير كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] .
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين المصلحين.
* * *
١/٢٤٨ ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقه، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى
следующие страницы →