← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الوالدين. والعقوق مأخوذ من العق وهو القطع، ومنه سميت العقيقة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع؛ لأنها تعق: يعني تقطع رقبتها عند الذبح. والعقوق من كبائر الذنوب لثبوت الوعيد عليه من الكتاب والسنة وكذلك قطيعة الرحم. قال الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) يعني أنكم إذا توليتم أفسدتم في الأرض، وقطعتم الرحم وحقت عليكم اللعنة، وأعمى الله أبصاركم. (وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) المراد بالأبصار هنا البصيرة وليس بصر العين، والمراد أن الله تعالى يعمي بصيرة الإنسان والعياذ بالله، حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً. وهذه عقوبة أخروية ودنيوية: أما الأخروية: فقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) [النساء: ٥٢] . وأما الدنيوية: فقوله: (فَأَصَمَّهُمْ) ، يغني: أصم آذانهم عن سماع الحق والانتفاع به، (وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) عن رؤية الحق والانتفاع به. وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد: ٢٥] ، ميثاق العهد: توكيده، فينقضون العهد، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من القرابات وغيرهم، ويفسدون في الأرض بكثرة المعاصي (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) واللعنة تعني الطرد والإبعاد عن رحمة الله، (وَلَهُمْ سُوءُ

стр. 1402

الدَّارِ) أي سوء العاقبة. وقال الله تبارك تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) [الإسراء: ٢٣، ٢٤] . فأمر الله بالإحسان إلى الوالدين، وقال إن بلغا عندك الكبر أحدهما أو كلاهما؛ إما الأم أو الأب، أو الأم والأب جمعياً فزجرت منهم؛ لأن الإنسان إذا كبر قد يصل إلى الهرم وأرذل العمر فيتعب، فقال حتى في هذه الحال (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) أي: لا تقل إني متضجر منكما (وَلا تَنْهَرْهُمَا) أي: عند القول، (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) يعني: طيباً حسناً يدخل السرور عليهما، ويزيل عنهما الكآبة والحزن، (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) يعني: ذل لهما مهما بلغت من علو المنزلة، كما تعلو الطيور، فاخفض لهما جناح الذل، وتذلل لهما رحمة بهما، (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) فارحمهما أنت، وادع الله أن يرحمهما. هذا هو الذي أمر الله به بالنسبة للوالدين في حال الكبر، وأما في حال السباب؛ فإن الوالد في الغالب يكون مستغنياً عن ولده ولا يهمه. ثم ذكر المؤلف حديث أبي بكرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) ـ ثلاثاً ـ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) ، هذا من أكبر الكبائر. فالإشراك كبيرة في حق الله، وعقوق الوالدين كبيرة في حق من

стр. 1403

هم أحق الناس بالولاية والرعاية، وهما الوالدان. وكان ﷺ متكئاً فجلس أي: معتمداً على يده، فجلس واستقام في جلسته وقال: ((ألا وقول الزور وشهادة الزور)) . هذا أيضاً من أكبر الكبائر، وإنما جلس النبي ﷺ عند هذا؛ لأن هذا ضرره عظيم، وعاقبته وخيمة. وقول الزور يعني: الكذب، وشهادة الزور أي: الذي يشهد بالكذب والعياذ بالله، وما أرخص شهادة الزور اليوم عند كثير من الناس، يظن الشاهد أنه أحسن إلى من شهد له، ولكنه أساء إلى نفسه، وأساء إلى من شهد له، وأساء إلى من شهد عليه. أما إساءته إلى نفسه فلأنه أتى كبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله؛ بل من أكبر الكبائر، وأما كونه أساء إلى المشهود له فلأنه سلطه على ما لا يستحق وأكله الباطل، وأما إساءته إلى المشهود عليه فظاهرة؛ فإنه ظلمه واعتدى عليه، ولهذا كانت شهادة الزور من أكبر الكبائر والعياذ بالله. ولا تظن أنك إذا شهدت لأحد زوراً أنك محسن إليه، لا والله بل أنت مسيء إليه، وللأسف فكثير من الناس الآن يشهد عند الحكومة في المسائل بأن فلاناً هو المستحق، ويلبسون على الحكومة، ويستعيرون أسماء ليست بصحيحة، كل هذا من أجل أن ينالوا شيئاً من الدنيا، لكنهم خسروا الدنيا والآخرة بهذا الكذب والعياذ بالله. وهذا الحديث يوجب للعاقل الحذر من هذه الأمور الأربعة: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وشهادة الزور.

стр. 1404

٢/٣٣٧ ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)) رواه البخاري. ((واليمين الغموس)) التي يحلفها كاذباً عامداً، سميت غموساً؛ لأنها تغمس الحالف في الإثم. ٣/٣٣٨ ـ وعنه أن رسول الله ﷺ قال ((من الكبائر شتم الرجل والديه!)) قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟! قال: ((نعم؛ يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه)) متفق عليه. وفي رواية: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه!)) قيل يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ ! قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه)) . ٤/٣٣٩ ـ وعن أبي محمد جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يدخل الجنة قاطع)) قال سفيان في روايته: قاطع رحم. متفق عليه. ٥/٣٤٠ ـ وعن أبي عيسى المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ : ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم

стр. 1405

قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) متفق عليه قوله: ((منعاً)) معناه: منع ما وجب عليه. و ((هات)) : طلب ما ليس له. و ((وأد البنات)) معناه: دفنهن في الحياة. و ((قيل وقال)) معناه: الحديث بكل ما يسمعه، فيقول: قيل كذا، وقال فلان كذا مما لا يعلم صحته، ولا يظنها، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع. و ((إضاعة المال)) : تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا، وترك حفظه مع إمكان الحفظ، و ((كثرة السؤال)) : الإلحاح فيما لا حاجة إليه. وفي الباب أحاديث سبقت في الباب قبله كحديث ((وأقطع من قطعك)) ، وحديث: ((من قطعني قطعه الله)) . [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث كلها تدل على تحريم قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقد سبق لها نظائر، ومما فيه زيادة عما سبق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال ((من الكبائر شتم الرجل والديه)) يعني سبهما ولعنهما كما جاء ذلك في رواية أخرى: ((لعن الله من لعن والديه)) قالوا: يا رسول الله، كيف يشتم الرجل والديه؟ لأن هذا أمر مستغرب، وأمر بعيد.

стр. 1406

قال ((نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) . وذلك تحذير من أن يكون الإنسان سبباً في شتم والديه بأن يأتي إلى شخص فيشتم والدي الشخص، فيقابله الشخص الآخر بالمثل ويشتم والديه، ولا يعني ذلك أنه يجوز للثاني أن يشتم والدي الرجل؛ لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولكنه في العادة والطبيعة أن الإنسان يجازي غيره يمثل ما فعل به، فإذا سبه سبه. وذلك كما قال تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: ١٠٨] ، لذلك لما كان سبباً في سب والديه؛ كان عليه إثم ذلك. ثم ذكر المؤلف حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات)) . الشاهد من هذا الحديث قوله: ((عقوق الأمهات)) وهو قطع ما يجب لهن من البر، أما وأد البنات فهو دفنهن أحياء، وذلك لأنهم في الجاهلية كانوا يكرهون البنات، ويقولون: إن إبقاء البنت عند الرجل مسبة له. فكانوا والعياذ بالله يأتون بالبنت فيحفرون لها حفرة ويدفنونها وهي حية. قال الله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ) [التكوير: ٨، ٩] ، فحرم الله ذلك، وهو لاشك من أكبر الكبائر، وإذا كان قتل الأجنبي المؤمن سبباً للخلود في النار كما قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)

стр. 1407

[النساء: ٩٣] ، فالقرابة أشد وأشد. ((ومنعاً وهات)) يعني أن يكون الإنسان جموعاً منوعاً؛ يمنع ما يجب عليه بذله من المال، ويطلب ما ليس له، فهات: يعني أعطوني المال، ومنعاً: أي يمنع ما يجب عليه، فإن هذا أيضاً مما حرمه الله ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يمنع ما يجب عليه بذله من الله، ولا يجوز أن يسأل ما لا يستحق، فكلاهما حرام، لهذا قال: ((إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات)) . ((وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) ، كره وحرم ليس بينهما فرق؛ لأن الكراهة في لسان الشارع معناها التحريم، ولكن هذا والله أعلم من باب اختلاف التعبير فقط. ((كره لكم قيل وقال)) يعني نقل الكلام، وكثرة ما يتكلم الإنسان ويثرثر به، وأن يكون ليس له هم إلا الكلام في الناس، قالوا كذا وقيل كذا، ولا سيما إذا كان هذا في أعراض أهل العلم وأعراض ولاة الأمور، فإنه يكون أشد وأشد كراهة عند الله . والإنسان المؤمن هو الذي لا يقول إلا خيراً كما قال النبي ﵊: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيراً أو ليصمت)) . وكثرة السؤال يحتمل أن يكون المراد السؤال عن العلم، ويحتمل أن

стр. 1408

يكون المراد السؤال عن المال. أما الأول: وهو كثرة السؤال عن العلم فهذا إنما يكره إذا كان الإنسان لا يريد إلا إعنات المسؤول، والإشقاق عليه، وإدخال السآمة والملل عيه، أما إذا كان يريد العلم فإنه لا ينهى عن ذلك، ولا يكره ذلك، وقد كان عبد الله بن عباس ﵄ كثير السؤال، فقد قيل له: بم أدركت العلم؟ قال: أدركت العلم بلسان سؤول، وقلب عقول، وبدن غير ملول. لكن إذا كان قصد السائل الإشقاق على المسؤول والإعنات عليه، وإلحاق السآمة به، أو تلقط زلاته لعله يزل فيكون في ذلك قدح فيه، فإن هذا المكروه. وأما الثاني: وهو سؤال المال فإن كثرة السؤال قد تلحق الإنسان بأصحاب الشح والطمع، ولهذا لا يجوز للإنسان سؤال المال إلا عند الحاجة، أو إذا كان يرى أن المسؤول يمن عليه أن يسأله، كما لو كان صديقاً لك قوي الصداقة، قريباً جداً، فسألته حاجة وأنت تعرف أنه يكون بذلك ممنوناً، فهذا لا بأس به، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك:؛ فلا يجوز أن تسأل إلا عند الضرورة. وأما إضاعة المال فهو بذله في غير فائدة لا دينية ولا دنيوية؛ لأن هذا أيضاً إضاعة له لأن الله تعالى قال: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) [النساء: ٥] ، فالمال قيام للناس؛ تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، فإذا بذله الإنسان في غير ذلك فهذا إضاعة له، وأقبح من ذلك أن يبذله في محرم، فيرتكب في هذا محظورين:

стр. 1409

المحظور الأول: إضاعة المال. والمحظور الثاني: ارتكاب المحرم. فالأموال يجب أن يحافظ عليها الإنسان، وألا يضعها وألا يبذلها إلا فيما فيه مصلحة له دينية أو دنيوية.

стр. 1410

٤٢ ـ باب بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه ١/٣٤١ ـ عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إن أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه)) . ٢/٣٤٢ ـ وعن عبد الله ين دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر، وحمله على حمارٍ كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال ابن دينار: فقلنا له أصلحك الله إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب ﵁، وإني سمعت رسول الله يقول: ((إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه)) وفي رواية عن ابن دينار عن ابن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه فبينا هو يوماً على ذلك الحمار إذ مر به أعرابي، فقال: ألست ابن فلان ابن فلان؟ قال بلى. فأعطاه الحمار، فقال: اركب هذا، وأعطاه العمامة وقال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك! أعطيت هذا الأعرابي حماراً كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك؟ فقال؟ : إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن من أبر البر أن يصل

стр. 1411

الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى)) وإن أباه كان صديقاً لعمر ﵁. روى هذه الروايات كلها مسلم. [الشَّرْحُ] لما ذكر المؤلف ﵀ أحكام بر الوالدين وصلة الأرحام؛ ذكر أيضاً حكام صلة من يصل الوالدين والأرحام، وذلك للعلاقة التي بينهم وبين أقاربه، أو بينهم وبين والديه، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ وهي قصة غريبة ـ كان ابن عمر ﵁ إذا خرج إلى مكة حاجاً يكون معه حمار يتروح عليه إذا مل الركوب على الراحلة ـ أي البعير ـ فيستريح على هذا الحمار ثم يركب الراحلة. وفي يوم من الأيام لقيه أعرابي فسأله ابن عمر: أنت فلان ابن فلان؟ قال: نعم، فنزل عن الحمار وقال: خذ هذا اركب عليه، وأعطاه عمامة كان قد شد بها رأسه، وقال لهذا الأعرابي: اشدد رأسك بهذا. فقيل لعبد الله بن عمر: أصلحك الله أو غفر الله لك! إنهم الأعراب، والأعراب يرضون بدون ذلك، يعنون: كيف تنزل أنت عن الحمار تمشي على قدميك، وتعطيه عمامتك التي تشد بها رأسك، وهو أعرابي يرضى بأقل من ذلك.

стр. 1412

مات أبو الرجل أو أمه أو أحد من أقاربه أن تبر أهل وده، يعني ليس صديقه فقط بل حتى أقارب صديقه. وإن أبا هذا كان صديقاً لعمر أي: لعمر بن الخطاب أبيه، فلما كان صديقاً لأبيه؛ أكرمه براً بأبيه عمر ﵁. وفي هذا الحديث دليل على امتثال الصحابة، ورغبتهم في الخير ومسارعتهم إليه؛ لأن ابن عمر استفاد من هذا الحديث فائدة عظيمة، فإنه فعل هذا الإكرام بهذا الأعرابي من أجل أن أباه كان صديقاً لعمر، فما ظنك لو رأى الرجل الذي كان صديقاً لعمر؟ لأكرمه أكثر وأكثر. فيستفاد من هذا الحديث أنه إذا كان لأبيك أو أمك أحد بينهم وبينه ود فأكره، كذلك إذا كان هناك نسوة صديقات لأمك؛ فأكرم هؤلاء النسوة، وإذا كان رجال أصدقاء لأبيك؛ فأكرم هؤلاء الرجال، فإن هذا من البر. وفي هذا الحديث أيضاً: سعة رحمة الله حيث إن البر بابه واسع لا يختص بالوالد والأم فقط؛ بل حتى أصدقاء الوالد وأصدقاء الأم، إذا أحسنت إليهم فإنما بررت والديك فتثاب ثواب البار بوالديه. وهذه من نعمة الله ، أن وسع لعباده أبواب الخير وكثرها لهم، حتى يلجوا فيها من كل جانب، نسأل الله تعالى أن يجعلنا والمسلمين من البررة، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. * * *

стр. 1413

٣/٣٤٣ ـ وعن أبي أسيد ـ بضم الهمزة وفتح السين ـ مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: ((نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنقاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)) رواه أبو داود. ٤/٣٤٤ ـ وعن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، وما رأيتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة فيقول: ((إنها كانت وكان لي منها ولد)) متفق عليه وفي رواية: وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن وفي رواية: كان إذا ذبح الشاة يقول ((أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة)) . وفي رواية قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك فقال: ((اللهم هالة بنت خويلد)) .

стр. 1414

قولها ((فارتاح)) هو بالحاء، وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي: ((فارتاع)) بالعين ومعناه: أهتم به. [الشَّرْحُ] كذلك أيضاً يبقى من البر بعد موت الوالدين ما ذكره النبي ﷺ حين سئل: هل بقي من بر أبواي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال ﷺ : ((نعم، الصلاة عليهما)) يعني الدعاء لهما وليس المراد صلاة الجنازة، بل المراد الدعاء. فالصلاة هنا بمعنى الدعاء وهي كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٣] وكان النبي ﷺ إذا أتته الصدقة قال: اللهم صل على آل فلان، كما قال عبد الله بن أبي أوفى أنه أتى بصدقة قومه إلى النبي ﷺ فقال: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) ، فدعا لهم بالصلاة عليهم. فقول النبي صلى عليه وسلم هنا: ((الصلاة عليهما)) يعني الدعاء لهما بالصلاة، فيقول: اللهم صلّ على أبوي، أو يدعو بدخول الجنة والنجاة من النار وما أشبه ذلك. الثاني: ((الاستغفار لهما)) وهو أن يستغفر الإنسان لوالديه، يقول: اللهم اغفر لي ولوالدي، وما أشبه ذلك، وأما ((إنفاذ عهدهما)) يعني إنقاذ وصيتهما. فهذه خمسة أشياء: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإكرام

стр. 1415

صديقهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا صلة لك إلا بهما، هذه من بر الوالدين. كذلك الصدقة لهما؛ فإن الصدقة تنفع الوالدين، كذلك أيضاً إكرام صديقهما مثل حديث ابن عمر السابق، يعني إن كان له صديق فأكرمه، فإن هذا من بره. الخامس: صلة الرحم التي لا صلة لك إلا بهما، يعني صلة الأقارب فإن هذا من برهما. أما قراءة القرآن لهما، أو الصلاة ـ بأن يصلي الإنسان ركعتين ويقول لوالدي ـ فهذا لم يأمر به النبي ﷺ ولا أرشد إليه، بل قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) ولم يقل: ولد صالح يتصدق له، أو يصلي له، أو يحج له، أو يعتمر له، بل قال: يدعو له، فالدعاء خير من العمل الصالح للوالدين. لكن لو فعل الإنسان ونوى بهذا العمل لوالديه؛ فإن ذلك لا بأس به؛ لأن الرسول ﷺ لم يمنع سعد بن عبادة أن يتصدق لأمه بل أذن له، ولا الرجل الذي قال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها، ولو تكلمت لتصدقت. فهذه خمسة أشياء من بر الوالدين بعد موتهما.

стр. 1416

ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث عائشة ﵂، أنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، والغيرة انفعال يكون في الإنسان؛ يجب أن يختص صاحبه به دون غيره، ولهذا سميت غيرة؛ لأنه يكره أن يكون الغير حبيباً، والنساء الضرات هن أشد بني آدم غيرة. وعائشة ﵂ كانت حبيبة رسول الله ﷺ ، ولم يحب أحداً مثلها في حياته بعد خديجة، وكان ﵊ يحب خديجة؛ لأنها أم أولاده ـ إلا إبراهيم فمن مارية ـ ولأنها وازرته وساعدته في أول البعثة، وواسته في ماله، فلذلك كان لا ينساها. فكان في المدينة إذا ذبح شاة أخذ من لحمها وأهداه إلى صديقات خديجة ﵂، ولم تصبر عائشة ﵂ على ذلك، قالت: يا رسول الله، كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة. قال: ((إنها كانت وكانت)) ، يعني كانت تفعل كذا، وتفعل كذا، وذكر من خصالها ﵂. ((وكان لي منها ولد)) حيث كل أولاده؛ أربع بنات وثلاثة أولاد كلهم منها إلا ولداً واحداً هو إبراهيم ﵁، فإنه كان من مارية القبطية التي أهداها إليه ملك القبط، فأولاده كلهم من خديجة فلذلك قال: ((إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد)) . والشاهد من هذا الحديث: أن إكرام صديق الإنسان بعد موته يعتبر إكراماً له، وبراً به، سواء كان من الوالدين، أو من الأزواج، أو من الأصدقاء، أو من الأقارب، فإن إكرام صديق الميت إكراماً له.

стр. 1417

٥/٣٤٥ ـ وعن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي ﵁ في سفر، فكان يخدمني فقلت له: لا تفعل، فقال: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئاً آليت على نفسي أن لا أصحب أحداً منهم إلا خدمته. متفق عليه. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ في بقية أحاديث بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه كان في سفر فجعل يخدم رفقته وهم من الأنصار، فقيل له في ذلك، يعني: كيف تخدمهم وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ ! فقال: إني رأين الأنصار تصنع برسول الله صلى الله عيه وسلم شيئاً؛ آليت على نفسي ألا أصحب أحداً منهم إلا خدمته، يعني: حلفت. وهذا من إكرام من يكرم النبي ﷺ ، فإكرام أصحاب الرجل إكرام للرجل، واحترامهم احترام له، ولهذا جعل ﵁ إكرام هؤلاء من إكرام النبي ﷺ .

стр. 1418

٤٣ ـ باب إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ وبيان فضلهم قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [الأحزاب: ٣٣] . وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: ٣٢] . [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀: باب إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ وبيان فضلهم: وأهل بيت الرسول ﷺ : ينقسمون إلى قسمين: قسم كفار فهؤلاء ليسوا من أهل بيته وإن كانوا أقارب له في النسب، لكنهم ليسوا من أهل بيته؛ لأن الله قال لنوح ﵊ حين قال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) ، وكان ابنه كافر قال: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) [هود: ٤٦] . فالكفار من أقارب رسول الله ﷺ ليسوا من أهل بيته، وإن كانوا أقارب له نسباً. لكن أهل بيته هم المؤمنون من قرابته ﷺ ، ومنهم أيضاً زوجاته، فإن زوجاته رضى الله عنهن من آل بيته، كما قال الله تعالى في سياق نساء أمهات المؤمنين: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا

стр. 1419

تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [الأحزاب: ٣٢، ٣٣] . وهذا نص صريح واضح جداً بأن زوجات الرسول ﷺ من آل بيته، خلافاً للرافضة الذين قالوا: إن زوجات الرسول ﷺ ليسوا من أهل بيته، فزوجاته من أهل بيته بلا شك. ولأهل بيت الرسول ﷺ المؤمنين حقان: حق الإيمان، وحق القرابة من الرسول ﷺ . وزوجات الرسول ﷺ أمهات المؤمنين، كما قال تعالى في كتابه (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب: ٦] . فأزواج الرسول ﷺ أمهات للمؤمنين، وهذا بالإجماع، فمن قال: إن عائشة ﵂ ليست أماً لي فليس من المؤمنين لأن الله قال: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فمن قال: إن عائشة ﵂ ليست أماً للمؤمنين؛ فهو ليس بمؤمن؛ لا مؤمن بالقرآن ولا بالرسول ﷺ . وعجباً لهؤلاء؛ يقدحون في عائشة ويسبونها ويبغضونها وهي أحب زوجات الرسول ﷺ إلى الرسول ﷺ ، لا يحب أحداً من نسائه مثل ما يحبها، كما صح ذلك عنه في البخاري أنه قيل: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال ((عائشة)) . قالوا: فمن الرجال؟ قال

стр. 1420

((أبوها)) أبو بكر ﵁. وهؤلاء القوم يكرهون عائشة ويسبونها ويلعنونها، وهي أقرب نساء الرسول إليه، فكيف يقال: إن هؤلاء يحبون الرسول؟ وكيف يقال: إن هؤلاء يحبون آل الرسول؟ ولكنها دعاوى كاذبة لا أساس لها من الصحة. فالواجب علينا احترام آل بيت الرسول ﷺ من قرابته المؤمنين، ومن زوجاته أمهات المؤمنين، كلهم آل بيته ولهم حق. ثم ذكر المؤلف الآية التي سقناها الآن (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) . نقاء وطهارة، أي النجس المعنوي، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) بعد إزالة النجاسة. والتطير: تخلية وتحلية، وقوله (تَطْهِيراً) هذا مصدر مؤكد لم سبق، يدل على أنها طهارة كاملة. ولهذا من رمى واحدة من نساء الرسول ﷺ بالزنى ـ والعياذ بالله ـ فإنه كافر حتى لو كانت غير عائشة. عائشة الذي يرميها بما برأها الله منه كافر مكذب لله، يحل دمه وماله، وأما الذي يرمي سواها بالزنى فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه كافر أيضاً؛ لأن هذا أعظم قدح برسول الله ﷺ ، أن يكون فراشه ممن يزنين والعياذ بالله، وقد قال الله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ

стр. 1421

لِلْخَبِيثَاتِ) [النور: ٢٦] . فمن رمى واحدة من زوجات الرسول ﷺ بالزنى فقد جعل النبي ﷺ وحاشاه من ذلك ـ جعله خبيثاً ـ نعوذ بالله ـ لأن الله يقول (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) وبهذا يعرف أن المسألة خطيرة وعظيمة، وأن الواجب علينا أن نكن المحبة الصادقة لجميع آل بيت الرسول ﷺ ؛ نسائه كلهن والمؤمنين من قرابته. * * * ١/٣٤٦ ـ وعن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمرو ابن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵃، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله ﷺ ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدثتكم، فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباًَ بماء يدعى خمّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثم قال: ((أما بعد: ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به)) فحث على كتاب الله، ورغب فيه ثم قال: ((وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي)) .

стр. 1422

فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال هم آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم رواه مسلم. وفي رواية: ((آلا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة)) . ٢/٣٤٧ ـ وعن ابن عمر ﵄، عن أبي بكر الصديق ﵁ موقوفاً عليه أنه قال: ارقبوا محمداً ﷺ في أهل بيته. رواه البخاري معنى ((ارقبوا)) راعوه واحترموه وأكرموه، والله أعلم. [الشَّرْحُ] هذا الحديث وهذا الأثر في بيان حق آل النبي ﷺ ، وقد سبق أن آل بيته هم زوجاته ومن كان مؤمناً من قرابته، من آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، وهم الذين تحرم عليهم الصدقة؛ لأن النبي ﷺ قال لعمه العباس وقد سأله عن الصدقة، قال: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس،

стр. 1423

وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) . وآل محمد لهم خصائص ليست لغيرهم، ففي باب الفيء لهم حق يختصون به، كما قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) [الأنفال: ٤١] يعني قرابة النبي ﷺ . ولهم كرامة وشرف وسيادة، فلا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة الواجبة؛ لأنها أوساخ الناس، كما قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) [التوبة: ١٠٣] ، فلا يحل لهم الصدقة؛ فهم أشرف وأعلى من أن تحل لهم الصدقة، لكن يعطون بدلها من الخمس. ثم بين في حديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال يوم غدير خم؛ وهو غدير بين مكة والمدينة، نزل فيه النبي ﷺ ، ووعد وذكر، وحث على القرآن، وبين أن فيه الشفاء والنور، ثم حث على أهل بيته، فقال: ((أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) . ولم يقل إن أهل بيته معصومون، وإن أقوالهم كالقرآن يجب أن يعمل بها، كما تدعيه الرافضة، فإنهم ليسوا معصومين، بل هم يخطئون كما يخطئ غيرهم، ويصيبون كما يصيب غيرهم، ولكن لهم حق قرابة النبي ﷺ كما سبق. وقوله: ((أذكركم الله في أهل بيتي)) : يعني اعرفوا لهم حقهم، ولا تظلموهم، ولا تعتدوا عليهم، هذا من باب التوكيد، وإلا فكل إنسان مؤمن له حق على أخيه، لا يحق له أن يعتدي عليه، ولا أن يظلمه؛ لكن

стр. 1424

لآل النبي ﷺ حق زائد على حقوق غيرهم من المسلمين. وإذا كان الرسول هذا في حق آل النبي ﷺ فما بالك بحق الرسول ﷺ ؟ حق الرسول ﷺ أعظم الحقوق بعد الله؛ يجب أن يقدم على النفس والولد والأهل وعلى جميع الناس، في المحبة والتعظيم وقبول هديه وسنته ﷺ ، فهو مقدم على كل أحد ﷺ . نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من أتباعه ظاهراً وباطناً.

стр. 1425

٤٤ ـ باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبيهم قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: ٩] . ١/٣٤٨ ـ وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سناً، ولا يؤمَنَ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه)) رواه مسلم. وفي رواية له: ((فأقدمهم سِلماً)) : بدل ((سِنا)) أو إسلاماً. وفي رواية: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء فيؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً)) . والمراد ((بسلطانه)) محل ولايته، أو الموضع الذي يختص به. ((وتكرمته)) بفتح التاء وكسر الراء: وهي ما ينفرد به من فراش وسرير ونحوهما. ٢/٣٤٩ ـ وعنه قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول:

стр. 1426

((استووا ولا تختلفوا، فتختلف، قلوبكم، لِيلِني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) رواه مسلم. وقوله ﷺ : ((لِيلِني)) هو بتخفيف النون وليس قبلها ياء، وروي بتشديد النون مع ياء قبلها ((والنهى)) : العقول، ((وأولو الأحلام)) هم البالغون، وقيل: أهل الحلم والفضل. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب توقير العلماء، وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم، يعني وما يتعلق بهذا من المعاني الجليلة. يريد المؤلف ﵀ بالعلماء علماء الشريعة الذين هم ورثة النبي ﷺ ، فإن العلماء ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، فإن النبي صلى عليه وسلم توفي عن بنته فاطمة وعمه العباس ولم يرثوا شيئاً؛ لأن الأنبياء لا يورثون إنما ورثوا العلم. فالعلم شريعة الله فمن أخذ بالعلم؛ أخذ بحظ وافر من ميراث العلماء. وإذا كان الأنبياء لهم حق التبجيل والتعظيم والتكريم، فلمن ورثهم نصيب من ذلك، أن يبجل ويعظم ويكرم، فلهذا عقد المؤلف ﵀ لهذه المسألة العظيمة باباً؛ لأنها مسألة عظيمة ومهمة.

стр. 1427

وبتوقير العلماء توقر الشريعة؛ لأنهم حاملوها، وبإهانة العلماء تهان الشريعة؛ لأن العلماء إذا ذلوا وسقطوا أمام أعين الناس؛ ذلت الشريعة التي يحملونها، ولم يبق لها قيمة عند الناس، وصار كل إنسان يحتقرهم ويزدريهم فتضيع الشريعة. كما أن ولاة الأمر من الأمراء والسلاطين يجب احترامهم وتوقيرهم تعظيمهم وطاعتهم، حسب ما جاءت به الشريعة؛ لأنهم إذا احتقروا أمام الناس، وأذلوا، وهون أمرهم؛ ضاع الأمن وصارت البلاد فوضى، ولم يكن للسلطان قوة ولا نفوذ. فهذان الصنفان من الناس: العلماء والأمراء، إذا احتقروا أمام أعين الناس فسدت الشريعة، وفسدت الأمن، وضاعت الأمور، وصار كل إنسان يرى أنه هو العالم، وكل إنسان يرى لأنه هو الأمير، فضاعت الشريعة وضاعت البلاد، ولهذا أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمور من العلماء والأمراء فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩] . ونضرب لكم مثلاً: إذا لم يعظم العلماء والأمراء، فإن الناس إذا سمعوا من العالم شيئاً قالوا: هذا هين، قال فلان خلاف ذلك. أو قالوا: هذا هين هو يعرف ونحن نعرف، كما سمعنا عن بعض السفهاء الجهال، أنهم إذا جودلوا في مسألة من مسائل العلم، وقيل لهم: هذا قول الإمام أحمد بن حنبل، أو هذا قول الشافعي، أو قول مالك، أو قول أبي حنيفة، أو قول سفيان، أو ما أشبه ذلك قال: نعم، هم رجال ونحن رجال، لكن فرق بين رجولة هؤلاء ورجولة هؤلاء، من أنت حتى

стр. 1428

تصادم بقولك وسوء فهمك وقصور علمك وتقصيرك في الاجتهاد وحتى تجعل نفسك نداً لهؤلاء الأئمة ﵏؟ فإذا استهان الناس بالعلماء كل واحد يقول: أنا العالم، أنا النحرير، أنا الفهامة، أنا العلامة، أنا البحر الذي لا ساحل له وصار كل يتكلم بما شاء، ويفتي بما شاء، ولتمزقت الشريعة بسبب هذا الذي يحصل من بعض السفهاء. وكذلك الأمراء، إذا قيل لواحد مثلاً: أمر الولي بكذا وكذا، قال: لا طاعة له؛ لأنه مخل بكذا ومخل بكذا، وأقول: إنه إذا أخل بكذا وكذا، فذنبه عليه، وأنت مأمور بالسمع والطاعة، حتى وإن شربوا الخمور وغير ذلك ما لم نر كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، وإلا فطاعتهم واجبة؛ ولو فسقوا، ولو عتو، ولو ظلموا. وقد قال النبي ﷺ : ((اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) . وقال لأصحابه فيما إذا أخل الأمراء بواجبهم، قال: ((اسمعوا وأطيعوا فإنما عليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا)) . أما أن نريد أن تكون أمراؤنا كأبي بكر وعمر، وعثمان وعلى، فهذا لا يمكن، لنكن نحن صحابة أو مثل الصحابة حتى يكون ولاتنا مثل خلفاء الصحابة.

стр. 1429

أما والشعب كما نعلم الآن؛ أكثرهم مفرط في الواجبات، وكثير منتهك للحرمات، ثم يريدون أن يولي الله عليهم خلفاء راشدين، فهذا بعيد، لكن نحن علينا أن نسمع ونطبع، وإن كانوا هم أنفسهم مقصرين فتقصيرهم هذا عليهم. عليهم ما حملوا، وعلينا ما حملنا. فإذا لم يوقر العلماء ولم يوقر الأمراء؛ ضاع الدين والدنيا. نسأل الله العافية. ثم استدل المؤلف بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٩] (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي) يعني لا يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون؛ لأن الجاهل متصف بصفة ذم، والعالم متصف بصفة مدح، ولهذا لو تعير أدنى واحد من العامة وتقول له: أنت جاهل، غضب وأنكر ذلك، مما يدل على أن الجهل عيب مذموم، كلُ ينفر منه، والعلم خير، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون في أي حال من الأحوال. العالم يعبد الله على بصيرة، يعرف كيف يتوضأ، وكيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يصوم، وكيف يحج، وكيف يبر والديه، وكيف يصل رحمه. العالم يهدي الناس (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) [الأنعام: ١٢٢] ، لا يمكن أن يكون هذا مثل هذا، فالعالم نور يهتدي به ويرفع الله به، والجاهل عالة على غيره، لا ينفع نفسه ولا غيره، بل إن أفتى بجهل؛ ضر نفسه وضر غيره، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ثم استدل المؤلف بحديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: ((يؤم القوم

стр. 1430

أقرؤهم لكتاب الله)) يعني يكون إماماً فيهم أقرؤهم كاتب الله ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا بالسنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً)) أي إسلاماً، وفي لفظ سناً أي أكبرهم سناً. وهذا يدل على أن صاحب العلم مقدم على غيره؛ يقدم العلم بكتاب الله، ثم العالم بسنة رسول الله ﷺ ، ولا يقدم من القوم في الأمور الدينية إلا خيرهم أفضلهم. وهذا يدل على تقديم الأفضل فالأفضل في الإمامة، وهذا في غير الإمام الراتب، أما الإمام الراتب فهو الإمام وإن كان في الناس من هو أقرأ منه؛ لقول النبي ﷺ في الحديث: ((ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه)) وإمام المسجد الراتب سلطان في مسجده، حتى إن بعض العلماء يقول: لو أن أحداً تقدم وصلى بجماعة المسجد بدون إذن الإمام فصلاتهم باطلة، وعليهم أن يعيدوا، لأن النبي ﷺ نهي عن الإمامة، والنهي يقتضي الفساد، والله الموفق. * * * ٣/٣٥٠ ـ وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لِيلِني مِنكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم)) ثلاثا ًً ((وإياكم وهيشاتِ الأسواق)) رواه مسلم،

стр. 1431

٤/٣٥١ ـ وعن أبي يحيى وقيل: أبي محمد سهل بن أبي حثمة ـ بفتح الحاء المهملة، وإسكان التاء المثلثة الأنصاري ﵁ قال انطلق عبد الله ابن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دَمِهِ قتِيلاً، فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: ((كبر كبر)) وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما فقال: ((أتحلفون وتستحقون قاتلكم؟)) وذكر تمام الحديث. متفق عليه. وقوله ﷺ : ((كبر كبر)) معناه: يتكلم الأكبر. ٥/٣٥٢ وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد يعني في القبر، ثم يقول: ((أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد. رواه البخاري. ٦/٣٥٣ ـ وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال ((أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما)) رواه مسلم مسنداً، والبخاري تعليقاً. ٧/٣٥٤ ـ وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول صلى الله وعليه: ((إن من

стр. 1432

إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)) حديث حسن رواه أبو داود. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث فيها الإشارة إلى ما سبق عن المؤلف ﵀ من إكرام أهل العلم وأهل الفضل الكبير، فمن ذلك حديث عبد الله ين مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم)) قال ذلك ثلاثاً، ((وإياكم وهيشات الأسواق)) وفي قوله: ((ليلني منكم)) اللام لام الأمر، والمعنى أنه في الصلاة ينبغي أن يتقدم أولو الأحلام والنهي. وأولو الأحلام: يعني الذين بلغوا الحلم وهم البالغون، والنهي جمع نهية وهي العقل، يعني العقلاء فالذي ينبغي أن يتقدم في الصلاة العاقلون البالغون؛ لأن ذلك أقرب إلى فهم ما يقوله النبي ﷺ أو ما يفعله، من الصغار ونحوهم، فلهذا حث النبي ﷺ أن يتقدم هؤلاء حتى يلوا الإمام. وليس معنى الحديث لا يلني إلا أولو الأحلام والنهي، بحيث نطرد الصبيان عن الصف الأول، فإن هذا لا يجوز. فلا يجوز طرد الصبيان عن الصف الأول إلا أن يحدث منهم أذية، فإن لم يحدث منهم أذية؛ فإن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد أحق به. وهناك فرق بين أن تكون العبارة النبوية: لا يلني إلا أولو الأحلام،

стр. 1433

وبين قوله: ليلني أولو الأحلام، فالثانية تحث الكبار العقلاء على التقدم، والأولى لو قدر أنها هي نص الحديث لكان بنهى أن يلي الإمام من ليس بالغاً، أو ليس عاقلاً. وعلى هذا فنقول: إن أولئك الذين يطردون الصبيان عن الصف الأول أخطئوا من جهة أنهم منعوا ذوي الحقوق حقوقهم؛ فإن النبي ﷺ قال: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له)) . ومن جهة أخرى أنهم يكرهون الصبيان المساجد، وهذا يؤدي إلى أن ينفر الصبي عن المسجد إذا كان يطرد عنه. ومنها أن هذه لا تزال عقدة في نفسه من الذي طرده فتجده يكرهه، ويكره ذكره، فمن أجل هذه المفاسد نقول: لا تطردوا الصبيان من أوائل الصفوف. ثم إننا إذا طردناهم من أوائل الصفوف؛ حصل منهم لعب، لو كانوا كلهم في صف واحد كما يقوله من يقوله من أهل العلم، لحصل منهم من اللعب ما يوجب اضطراب المسجد، واضطراب أهل المسجد، ولكن إذا كانوا مع الناس في الصف الأول ومتفرقين؛ فإن ذلك أسلم من الفوضى التي تحصل بكونهم يجتمعون في صف واحد. وقوله ﷺ : ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهي)) يستفاد منه أن الدنو من الإمام له شأن مطلوب، ولهذا قال: ليلني أي يكون هو الذي يليني.

стр. 1434

وعلى هذا نقول: إذا كان يمين الصف بعيداً، وأيسر الصف أقرب منه بشكل واضح، فإن الصف الأيسر أفضل من الأيمن، من أجل دنوه من الإمام؛ ولأنه لما كان الناس في أول الأمر إذا كان إمامهم واثنان معه، فإنهما يكونان عن يمينه واحد، وعن شماله واحد، ولا يكون كلاهما عن اليمين، فدل هذا على مراعاة الدنو من الإمام، وتوسط الإمام من المأمومين. ولكن هذا الأمر أي كون الإمام واثنان معه يكونان في صف واحد، هذا نسخ، وصار الإمام إذا كان معه اثنان يصفان خلفه، ولكن كونه ـ حين كان مشروعاً ـ يجعل أحدهما عن اليمين والثاني عن اليسار؛ يدل على أنه ليس الأيمن أفضل مطلقاً، بل أفضل من الأيسر إذا كان مقارباً أو مثله، أما إذا تميز بميزة بيّنة؛ فاليسار مع الدنو من الإمام أفضل. وفي حديث الرؤيا التي رآها الرسول ﷺ ، أنه كان ﷺ أنه كان ﷺ يتسوك بسواك فجاءه رجلان فأراد أن يعطيه الأصغر، فقيل له: كبّر كبّر. فيه دليل أيضاً على اعتبار الكبر، وأنه يقدم الأكبر في إعطاء الشيء. ومن ذلك إذا قدمت الطعام مثلاً أو القهوة أو الشاي فلا تبدأ باليمين، بل ابدأ بالأكبر الذي أمامك؛ لأن النبي ﷺ لما أراد أن يعطيه الأصغر قيل له كبّر، ومعلوم أنه لو كان الأصغر هو الأيسر لا يذهب الرسول ﷺ يعطيه إياه فالظاهر أنه أعطى الأيمن من أجل التيامن، لكن قيل له كبّر: يعني أعطه الأكبر، فهذا إذا كان الناس أمامك تبدأ بالكبير، لا تبدأ باليمين، أما إذا كانوا جالسين عن اليمين وعن الشمال فابدأ باليمين.

стр. 1435

وبهذا يجمع بين الأدلة الدالة على اعتبار التكبير أي مراعاة الكبير، وعلى اعتبار الأيمن، أي مراعاة الأيمن، فنقول: إذا كانت القصة كما جاء عن النبي ﷺ أنه كان معه إناء يشرب منه، وعلى يساره الأشياخ وعلى يمينه غلام وهو ابن عباس، فقال النبي ﷺ للغلام ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء)) فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً. فأعطاه رسول الله ﷺ . فإذا كان هكذا فأعطه من على يمينك، أما الذين أمامك فابدأ بالكبير، كما تدل عليه السنة، وهذا هو وجه الجمع بينهما. ثم إن الإنسان إذا أعطاه الكبير فمن يعطي بعده؟ هل يعطي الذي على يمين الكبير ويكون عن يسار الصاب، أم الذي عن يمين الصاب؟ نقول: يبدأ بالذي عن يمين الصاب وإن كان على يسار الكبير؛ لأننا إذا اعتبرنا التيامن بعد مراعاة الكبر، فالذي على يمينك هو الذي عن يسار مقابلك فتبدأ به، ما لم يسمح بعضهم لبعض، ويقول: أعطه فلاناً.. أعطه فلاناً؛ فالحق لهم، ولهم أن يسقطوه، والله أعلم.

стр. 1436

٤٥ ـ باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً إلى قوله تعالى: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) [٦٠، ٦٦] . وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف: ٢٨] . [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ باب زيارة أهل الخير ومحبتهم وصحبتهم وطلب الزيارة منهم. أهل الخير أهل العلم والإيمان والصلاح، ومحبتهم واجبة؛ لأن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، فإذا كان الإنسان محبته تابعة لمحبة الله، وبغضه تابعاً لبغض الله؛ فهذا هو الذي ينال ولاية الله . وأهل الخير إذا جالستهم فأنت على خير؛ لأن النبي ﷺ مثل الجليس الصالح بحامل المسك؛ إما أن يحذيك يعني: يعطيك، وإما أن يبيعك، يعني يبيع عليك، وإما أن تجد منه رائحة طيبة.

стр. 1437

وكذلك ينبغي أن تطلب منهم أن يزوروك ويأتوا إليك لما في مجيئهم إليك من الخير. ثم ذكر المؤلف قصة موسى ﵇ مه الخضر فإن موسى قال لفتاه: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) [الكهف: ٦٠] ؛ لأن الله أخبره بأن له عبداً من عباده آتاه رحمة منه وعلمه من لدنه علماً، فذهب موسى يطلب هذا الرجل حتى لقيه، وذكر الله تعالى قصتهما مبسوطة في سورة الكهف وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، والله أعلم. * * * ١/٣٦٠ وعن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر لعمر ﵄ بعد وفاة رسول الله ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها، بكت، فقالا لها: ما يبكيك أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم. ٢/٣٦١ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال. هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أنى أحببته في الله تعالى، قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك

стр. 1438

كما أحببته فيه)) رواه مسلم. يقال: ((أرصده)) لكذا: إذا وكله بحفظه، و ((المدرجة)) بفتح الميم والراء: الطريق، ومعنى ((تربّها)) تقوم بها، وتسعى في صلاحها. ٣/٣٦٣ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عاد مريضاً أو زار أخاً في الله، ناداه منادٍ: بأن طبت، وطاب معشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ غريب.. ٤/٣٦٣ ـ وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة)) متفق عليه. ((يحذيك)) : يعطيك. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث في بيان فضل زيارة الإخوان بعضهم لبعض والمحبة في الله . ففي الحديث الأول في قصة الرجلين من الصحابة ﵄،

стр. 1439

زارا امرأة كان النبي ﷺ يزورها. فزاراها من أجل زيارة النبي ﷺ إياها. فلما جلسا عندها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسوله؟ يعني خير من الدنيا. فقالت: إني لا أبكي لذلك ولكن لا نقطاع الوحي؛ لأن النبي ﷺ لما مات انقطع الوحي، فلا وحي بعد رسول الله ﷺ ، ولهذا أكمل الله شريعته قبل أن يتوفى، فقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً) [المائدة: ٣] ، فجعلا يبكيان؛ لأنها ذكرتهما بما كانا قد نسياه. وأما الأحاديث الأخرى ففيها أيضاً فضل الزيارة لله ، وأن الله يثيب من زار أخاه أو عاده في مرضه، فيقال له: طبت وطاب ممشاك. ويقال لمن زار أخاه لغير أمر دنيوي ولكن لمحبته في الله: إن الله أحبك كما أحببته فيه. والزيارة لها فوائد فمع هذا الأجر العظيم، فهي تؤلف القلوب، وتجمع الناس، وتذكر الناسي، وتنبه الغافل، وتعلم الجاهل، وفيها مصالح كثيرة يعرفها من جربها. وأما عيادة المريض ففيها كذلك أيضاً من المصالح والمنافع الشيء الكثير، وقد سبق لنا أنها من حقوق المسلم على المسلم: أن يعوده إذا مرض، ويذكره بالله ، بالتوبة والوصية وغير ذلك مما يستفيد منه. فهذه الأحاديث وأشباهها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يفعل ما فيه المودة والمحبة لإخوانه؛ من زيارة وعيادة واجتماع وغير ذلك.

стр. 1440

٥/٣٦٤ ـ وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) متفق عليه. ومعناه: أن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنت على ذات الدين، واظفر بها، واحرص على صحبتها. ٦/٣٦٥ ـ وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ لجبريل: ((ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟)) فنزلت: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) رواه البخاري. ٧/٣٦٦ ـ وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)) . رواه أبو داود، والترمذي بإسناد لا بأس به. ٨/٣٦٧ ـ وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) . رواه أبو داود، والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.
следующие страницы →