← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٤٥ ـ باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً إلى قوله تعالى: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) [٦٠، ٦٦] . وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف: ٢٨] . [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ باب زيارة أهل الخير ومحبتهم وصحبتهم وطلب الزيارة منهم. أهل الخير أهل العلم والإيمان والصلاح، ومحبتهم واجبة؛ لأن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، فإذا كان الإنسان محبته تابعة لمحبة الله، وبغضه تابعاً لبغض الله؛ فهذا هو الذي ينال ولاية الله . وأهل الخير إذا جالستهم فأنت على خير؛ لأن النبي ﷺ مثل الجليس الصالح بحامل المسك؛ إما أن يحذيك يعني: يعطيك، وإما أن يبيعك، يعني يبيع عليك، وإما أن تجد منه رائحة طيبة.

стр. 1437

وكذلك ينبغي أن تطلب منهم أن يزوروك ويأتوا إليك لما في مجيئهم إليك من الخير. ثم ذكر المؤلف قصة موسى ﵇ مه الخضر فإن موسى قال لفتاه: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) [الكهف: ٦٠] ؛ لأن الله أخبره بأن له عبداً من عباده آتاه رحمة منه وعلمه من لدنه علماً، فذهب موسى يطلب هذا الرجل حتى لقيه، وذكر الله تعالى قصتهما مبسوطة في سورة الكهف وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، والله أعلم. * * * ١/٣٦٠ وعن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر لعمر ﵄ بعد وفاة رسول الله ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها، بكت، فقالا لها: ما يبكيك أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم. ٢/٣٦١ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال. هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أنى أحببته في الله تعالى، قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك

стр. 1438

كما أحببته فيه)) رواه مسلم. يقال: ((أرصده)) لكذا: إذا وكله بحفظه، و ((المدرجة)) بفتح الميم والراء: الطريق، ومعنى ((تربّها)) تقوم بها، وتسعى في صلاحها. ٣/٣٦٣ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عاد مريضاً أو زار أخاً في الله، ناداه منادٍ: بأن طبت، وطاب معشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ غريب.. ٤/٣٦٣ ـ وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة)) متفق عليه. ((يحذيك)) : يعطيك. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث في بيان فضل زيارة الإخوان بعضهم لبعض والمحبة في الله . ففي الحديث الأول في قصة الرجلين من الصحابة ﵄،

стр. 1439

زارا امرأة كان النبي ﷺ يزورها. فزاراها من أجل زيارة النبي ﷺ إياها. فلما جلسا عندها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسوله؟ يعني خير من الدنيا. فقالت: إني لا أبكي لذلك ولكن لا نقطاع الوحي؛ لأن النبي ﷺ لما مات انقطع الوحي، فلا وحي بعد رسول الله ﷺ ، ولهذا أكمل الله شريعته قبل أن يتوفى، فقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً) [المائدة: ٣] ، فجعلا يبكيان؛ لأنها ذكرتهما بما كانا قد نسياه. وأما الأحاديث الأخرى ففيها أيضاً فضل الزيارة لله ، وأن الله يثيب من زار أخاه أو عاده في مرضه، فيقال له: طبت وطاب ممشاك. ويقال لمن زار أخاه لغير أمر دنيوي ولكن لمحبته في الله: إن الله أحبك كما أحببته فيه. والزيارة لها فوائد فمع هذا الأجر العظيم، فهي تؤلف القلوب، وتجمع الناس، وتذكر الناسي، وتنبه الغافل، وتعلم الجاهل، وفيها مصالح كثيرة يعرفها من جربها. وأما عيادة المريض ففيها كذلك أيضاً من المصالح والمنافع الشيء الكثير، وقد سبق لنا أنها من حقوق المسلم على المسلم: أن يعوده إذا مرض، ويذكره بالله ، بالتوبة والوصية وغير ذلك مما يستفيد منه. فهذه الأحاديث وأشباهها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يفعل ما فيه المودة والمحبة لإخوانه؛ من زيارة وعيادة واجتماع وغير ذلك.

стр. 1440

٥/٣٦٤ ـ وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) متفق عليه. ومعناه: أن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنت على ذات الدين، واظفر بها، واحرص على صحبتها. ٦/٣٦٥ ـ وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ لجبريل: ((ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟)) فنزلت: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) رواه البخاري. ٧/٣٦٦ ـ وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)) . رواه أبو داود، والترمذي بإسناد لا بأس به. ٨/٣٦٧ ـ وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) . رواه أبو داود، والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.

стр. 1441

٩/٣٦٨ ـ وعن أبي موسى الأشعري رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال ((المرء مع من أحب)) متفق عليه. وفي رواية قال: قيل للنبي ﷺ : الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال: ((المرء مع من أحب)) . [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها. فاظفر بذات الدين)) . يعني لأن الأغراض التي تنكح من أجلها المرأة في الغالب تنحصر في هذه الأربع: المال: من أجل أن ينتفع به الزوج. والحسب: يعني أن تكون من قبيلة شريفة، من أجل أن يرتفع بها الزوج. والجمال: من أجل أن يتمتع بها الزوج. والدين: من أجل أن تعينه على دينه، وتحفظ أمانته وترعى أولاده. قال النبي ﷺ : ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) يعني تمسك بها واحرص عليها، وحث على ذلك بقوله: ((تربت يداك)) وهذه الكلمة تقال

стр. 1442

عند العرب للحث على الشيء. ثم ذكر المؤلف أيضاً حديث جبريل أن النبي ﷺ قال: ((ألا تزورنا أكثر مما تزورنا)) فنزلت: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤] ففي هذا الحديث طلب زيارة أهل الخير إلى بيتك. فتطلب منهم أن يزوروك من أجل تنتفع بصحبتهم. وكذلك في حديث أبي هريرة صحبة المرأة الدينة تعينك على دين الله. وقد سبق أيضاً أن مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يحذيك يعني يعطيك منه، أو يبيعك، أو تجد منه رائحة طيبة. ثم ذكر المؤلف أحاديث بهذا المعنى، مثل ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: ((المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل)) يعني أن الإنسان يكون في الدين، وكذلك في الخلق على حسب من يصاحبه، فلينظر أحدكم من يصاحب، فإن صاحب أهل الخير؛ صار منهم، وإن صاحب سواهم؛ صار مثلهم. فالحاصل أن هذه الأحاديث وأمثالها كلها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يصطحب الأخيار، وأن يزورهم ويزوروه لما في ذلك من الخير، والله الموفق. * * *

стр. 1443

١٠/٣٦٩ ـ وعن أنس ﵁ أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : ((متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ : ((ما أعددت لها؟)) قال: حب الله ورسوله. قال: ((أنت مع من أحببت)) متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية لهما: ما أعددت لها من كثير صوم، ولا صلاة ولا صدقة، ولكن أحب الله ورسوله. ١١/٣٧٠ ـ وعن أبن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ ((المرء مع من أحب)) متفق عليه. ١٢/٣٧١ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)) رواه مسلم. وروى البخاري قوله: ((الأرواح)) إلخ من رواية عائشة ﵂.

стр. 1444

١٣/٣٧٢ ـ وعن أسير بن عمرو ويقال: ابن جابر وهو ((بضم الهمزة وفتح السبن المهملة)) قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس ﵁، فقال له: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال فكان بك برص، فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)) فاستغفر لي فاستغفر له. فقال له: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي. فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم، فوافى عمر، فسأله عن أويس، فقال: تركته رث البيت قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع امداد من أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل)) . فأتى أويساً، فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدا ً بسفر صالح، فاستغفر لي قال: لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له ففطن له الناس، فانطلق على

стр. 1445

وجهه رواه مسلم. وفي رواية لمسلم أيضاً عن أسير جابر ﵁ أن أهل الكوفة وفدوا على عمر ﵁، وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القربيين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد قال: ((إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله تعالى، فأذهبه إلا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فليستغفر لكم)) . وفي رواية له عن عمر ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة وكان به بياض فمروه، فيستغفر لكم)) . قوله: ((غبراء الناس)) بفتح الغين المعجمة، وإسكان الباء وبالمد، وهم فقراؤهم وصعاليكهم ومن لا يعرف عينه من أخلاطهم، و ((الأمداد)) جمع مدد وهم الأعوان والناصرون الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد. ١٤/٣٧٣ ـ وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فإذن لي، وقال: ((لا تنسنا يا أخي من دعائك)) فقال كلمة ما يسرني

стр. 1446

أن لي بها الدنيا. وفي رواية قال: ((أشركنا يا أخي في دعائك)) . حديث صحيح رواه أبو داود، والترمذي وقال حديث حسن صحيح. ١٥/٣٧٤ ـ وعن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يزور قباء راكباً وماشياً، فيصلى فيه ركعتين، متفق عليه. وفي رواية: ((كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت راكباً وماشياً، وكان ابن عمر يفعله)) [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث تتعلق بالباب الذي ذكره المؤلف؛ من أنه ينبغي إكرام العلماء وتوقيرهم واحترامهم ومصاحبة أهل الخير والصلاح وزيارتهم ودعوتهم للزيارة وما أشبه ذلك. ففي الحديث الأول عن أنس بن مالك ﵁ أن أعرابياً قال: يا رسول الله؛ متى الساعة؟ فقال له النبي ﷺ : ((ماذا أعددت لها؟)) قال: حب الله ورسوله. ففي هذا الحديث دليل على أنه ليس الشأن كل الشأن أن يسأل الإنسان

стр. 1447

متى يموت؟ ولكن على أي حال يموت؟ هل يموت على خاتمة؟ أو على خاتمة سيئة؟ ولهذا قال: ((ماذا أعددت لها؟)) يعني لا تسأل عنها فإنها ستأتي. قال تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) [النازعات: ٤٢] وقال تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) [الأحزاب: ٦٣] ، وقال تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: ١٧] . لكن الشأن ماذا أعددت لها؟ هل عملت؟ هل أنبت إلى ربك؟ هل تبت من ذنبك؟ هذا هو المهم. وكذلك حديث ابن مسعود وما ذكره المؤلف بعد من فضل محبة الله ورسوله ﷺ ، وأن الإنسان إذا أحب قوماً كان منهم. قال النبي ﷺ : ((المرء مع من أحب)) . قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام بشيء فرحنا بهذا الحديث، فأنا أحب الله ورسوله. أحب رسول الله ﷺ ، وأحبا أبا بكر وعمر، فالمرء مع من أحب؛ لأنه إذا أحب قوماً فإنه يألفهم، ويتقرب منهم، ويتخلق بأخلاقهم، ويقتدي بأفعالهم، كما هي طبيعة البشر. وأما حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه أراد أن يعتمر فقال له النبي ﷺ ((لا تنسنا من دعائك ـ أو ـ أشركنا في دعائك)) فهذا حديث ضعيف وإن صححه المؤلف، فطريقة المؤلف ﵀ له أنه يتساهل في الحكم على الحديث إذا كان في فضائل الأعمال.

стр. 1448

وهذا وإن كان يصدر عن حسن نية، لكن الواجب اتباع الحق؛ فالصحيح صحيح، والضعيف ضعيف، وفضائل الأعمال تدرك بغير تصحيح الأحاديث الضعيفة. نعم أمر النبي ﵊ من رأى أويساً القرني أو القرني أن يطلب منه الدعاء. لكن هذا خاص به؛ لأنه كان رجلاً باراً بأمه، وأراد الله أن يرفع ذكره في هذه الدنيا قبل جزاء الآخرة. ولهذا لم يأمر النبي ﵊ أن يطلب أحد من أحد أن يدعو له، مع أن هناك من هو أفضل من أويس؛ فأبو بكر أفضل من أويس بلا شك، وغيره من الصحابة أفضل منه من حيث الصحبة، وما أمر النبي ﵊ أحداً أن يطلب الدعاء من أحد. فالصواب أنه لا ينبغي أن يطلب أحد الدعاء من غيره ولو كان رجلاً صالحاً، وذلك لأن هذا ليس من هدي النبي ﷺ ولا من هدي خلفائه الراشدين، أما إذا كان الدعاء عاماً، يعني تريد أن تطلب من هذا الرجل الصالح أن يدعو بدعاء عام، كأن تطلب منه أن يدعو الله تعالى بالغيث أو برفع الفتن عن الناس أو ما أشبه ذلك، فلا بأس؛ لأن هذا لمصلحة غيرك، كما لو سألت المال للفقير، فإنك لا تلام على هذا ولا تذم. وكذلك النبي ﵊ فإن سؤال الصحابة له من خصوصياته، يسألونه أن يدعو الله لهم، كما قال الرجل حين حدث النبي ﷺ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقام عكاشة ابن محصن قال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: ((أنت منهم)) ثم قال رجل آخر

стр. 1449

فقال ﷺ : ((سبقك بها عكاشة)) . وكما قالت المرأة التي كانت تصرع، حيث طلبت من النبي ﷺ أن يدعو الله لها. فقال: ((إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة)) . فقالت: أصبر ولكن ادع الله ألا تنكشف عورتي. فالحاصل أن الرسول ﵊ من خصوصياته أن يسأل الدعاء، أما غيره فلا. نعم لو أراد الإنسان أن يسأل من غيره الدعاء وقصده مصلحة الغير، يعني يريد أن الله يثيب هذا الرجل على دعوته لأخيه، أو أن الله تعالى يستجيب دعوته؛ لأنه إذا دعا الإنسان لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله، فالأعمال بالنيات. فهذا لم ينو ذلك لمصلحة نفسه خاصة؛ بل لمصلحة نفسه ومصلحة أخيه الذي طلب منه الدعاء، فالأعمال بالنيات. أما المصلحة الخاصة فهذا كما قال الشافعي ﵀ يدخل في المسألة المذمومة، وقد بايع ﷺ أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً.

стр. 1450

٤٦ ـ باب فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه قال الله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) [الحشر: ٩] . ١/٣٧٥ ـ وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار)) متفق عليه. ٢/٣٧٦ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((سبعة يظلم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) متفق عليه.

стр. 1451

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب فضل الحب في الله والبغض فيه، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وما يقول له إذا ذكر ذلك. هذه أربعة أمور، بين المؤلف ﵀ الأدلة الدالة عليها. فقال ﵀ قول الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) محمد رسول الله، والذين معه هم أصحابه، أشداء على الكفار، أقوياء على الكفار، رحماء بينهم، يعني يرحم بعضهم بعضا. (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) ، يعني تنظر إليهم في حال الصلاة تجدهم ركعاً سجداً، خضوعاً لله وتقرباً إليه، لا يريدون شيئاً من الدنيا، ولكنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. فضلاً من الله: هو الثواب، والرضوان: هو ﵃. (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) يعني علامتهم في وجوههم من أثر السجود، وهذه ((السيما)) هي نور الوجه. نور وجوههم من سجودهم لله . وليست العلامة التي تكون في الجبهة، هذه العلامة ربما تكون دليلاً على كثرة السجود، ولكن العلامة الحقيقية هي نور الوجه. (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) يعني ذلك صفتهم في التوراة، فإن الله نوه بهذه الأمة وبرسولها ﷺ ، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، كما قال الله تعالى: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ

стр. 1452

الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) [الأعراف: ١٥٧] . (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار) يعني: مثلهم كمثل الزرع (ٍ أَخْرَجَ شَطْئهُ) يعني الغصن الثاني غير الغصن الأم (فَآزَرَهُ) يعني شدده وقواه، (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) قام وعانق الأصل (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) يعني أهل الخبرة والزرع يعجبهم مثل هذا الزرع القوي، إذا كان له شطاً مؤازر له، مقوله. (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) أي ليغيظ الله بهم الكفار من بني آدم، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) ، مغفرة للذنوب، وأجراً عظيماً على الحسنات. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) [الحشر: ٩] ، هؤلاء الأنصار ﵃ وأرضاهم، (تَبَوَّأُوا الدَّارَ) المدينة، أي سكنوها (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل المهاجرين، وحققوا الإيمان من قبل أن يهاجر إليهم المؤمنون؛ لأن الإيمان دخل في المدينة قبل الهجرة، (تَبَوَّأُوا الدَّارَ) سكنوها، (وَالْإيمَانَ) حققوا الإيمان (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل المهاجرين. (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) لأنهم إخوانهم ولهذا لما هاجروا آخى النبي ﷺ بينهم. أي: جعلهم إخواناً، حتى إن الواحد من الأنصار كان يتنازل عن نصف ماله لأخيه المهاجري، (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) يعني: لا يجدون في صدورهم حسداً مما أوتي المهاجرون من

стр. 1453

الفضل والولاية والنصرة لرسول الله ﷺ . (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أي: يقدمون غيرهم على أنفسهم. (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) أي: ولو كانوا جياعاً، فإنهم كانوا يجيعون أنفسهم ليشبع إخوانهم المهاجرون ﵃ وأرضاهم. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) يعني من يقيه الله شح نفسه، ويكون كريماً، يبسط المال ويبذل، ويحب أخاه، فأولئك هم المفلحون. (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) من بعد هؤلاء وهم التابعون إلى يوم القيامة (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ) [الحشر: ١٠] ، هؤلاء الذين جاءوا من بعدهم هم تبع لهم، قد ﵃ كما قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) وهذه الآيات الثلاثة (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) آيات تبين من يستحق الفيء من بيت المال، والذين يستحقون الفيء هم هؤلاء الأصناف الثلاثة، منهم (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ) . سئل الإمام مالك ﵀: هل يعطى الرافضة من الفيء قال: لا يعطون من الفيء؛ لأن الرافضة لا يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان؛ لأن الرافضة يرون الصحابة ـ إلا نفرا قليلاً ـ كلهم كفاراً والعياذ بالله، حتى أبا بكر وعمر، يرون أنهما كافران، وأنهما ماتا على

стр. 1454

النفاق، وأنهما ارتدا بعد موت النبي ﵊. نسأل الله العافية. ولهذا قال الإمام مالك: لا يستحقون من الفيء شيئا؛ لأنهم لا يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولكن يخصون الرحمة والمغفرة أو سؤال المغفرة والرحمة لمن يرون أنهم لم يرتدوا، وهم نفر قليل من آل البيت واثنان أو ثلاثة أو عشرة من غيرهم. فالشاهد من هذه الآية قوله: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) يعني من المؤمنين، وهذا حب في الله، وإلا فإن الأنصار من الأوس والخزرج، ليس بينهم وبين المهاجرين نسب. ليسوا من قريش، لكن الأخوة الإيمانية هي أوثق عرى الإيمان، أوثق عرى الإيمان هي الحب في الله والبغض في الله. ثم ذكر المؤلف حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)) من كن فيه: يعني من اتصف بهن، ((وجد بهن)) يعني بسببهن، ((حلاوة الإيمان)) ليست حلاوة سكر ولا عسل، وإنما هي حلاوة أعظم من كل حلاوة. حلاوة يجدها الإنسان في قلبه، ولذة عظيمة لا يساويها شي، يجد انشراحاً في صدره، رغبة في الخير، حباً لأهل الخير. حلاوة لا يعرفها إلا من ذاقها بعد أن حرمها. ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) وهنا قال أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن المحبة هنا لرسول الله ﵊ هنا تابعة ونابعة من محبة الله .

стр. 1455

فالإنسان يحب الرسول بقدر ما يحب الله، كلما كان لله أحب؛ كان للرسول ﷺ أحب. لكن مع الأسف أن بعض الناس يحب الرسول مع الله ولا يحب الرسول لله. انتبهوا لهذا الفرق. يحب الرسول مع الله ولا يحب الرسول لله. كيف؟ تجده يحب الرسول أكثر من محبته لله، وهذا نوع من الشرك. أنت تحب الرسول لله؛ لأنه رسول الله، والمحبة في الأصل والأم محبة الله ، لكن هؤلاء الذين غلوا في الرسول ﷺ ، يحبون الرسول مع الله لا يحبونه لله، أي يجعلونه شريكاً لله في المحبة؛ بل أعظم من محبة الله. تجده إذا ذكر الرسول ﷺ اقشعر جلده من المحبة والتعظيم، لكن إذا ذكر الله فإذا هو بارد لا يتأثر. هل هذه محبة نافعة للإنسان؟ لا تنفعه، هذه محبة شركية، عليك أن تحب الله ورسوله، وأن تكون محبتك للرسول ﷺ نابعة من محبة الله وتابعة لمحبة الله، ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)) هذا الشاهد. تحب المرء لا تحبه إلا لله. لا تحبه لقرابة، ولا لمال، ولا لجاه، ولا لشيء من الدنيا، إنما تحبه لله. أما محبة القرابة فهي محبة طبيعية. كل يحب قريبه محبة طبيعية، حتى البهائم تحب أولادها، تجد الأم من البهائم والحشرات تحب أولادها حتى يكبروا ويستقلوا بأنفسهم، ثم تبدأ بطردهم. وإذا كان عندك هرة انظر إليها كيف تحنو على أولادها وتحملهم في

стр. 1456

أيام البرد، تدخلهم في الدفء، وتمسكهم بأسنانها، لكن لا تؤثر فيهم شيئاً؛ لأنها تمسكهم إمساك رحمة، حتى إذا فطموا واستقلوا بأنفسهم، بدأت تطردهم؛ لأن الله يلقي في قلبها الرحمة ما داموا محتاجين إليها، ثم بعد ذلك يكونون مثل غيرهم. فالشاهد أن محبة القرابة محبة طبيعية، لكن إذا كان قريبك من عباد الله الصالحين، فأحببته فوق المحبة الطبيعية فأنت أحببته لله. ((أن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يقذف في النار)) يعني: يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه. وهذه ظاهرة فيمن كان كافراً ثم أسلم، لكن من ولد في الإسلام فيكره أن يكون في الكفر بعد أن من الله عليه بالإسلام كما يكره أن يقذف في النار، يعني أنه لو قذف في النار لكان أهون عليه من أن يعود كافراً بعد إسلامه، وهذا والحمد لله حال كثير من المؤمنين. كثير من المؤمنين لو قيل له: تكفر أو نلقيك من أعلى شاهق في البلد أو نحرقك لقال: احرقوني. ألقوني من أعلى شاهق ولا أرتد من بعد إسلامي. وهذا مراد الردة الحقيقية التي تكون في القلب، أما من أكره على الكفر فكفر ظاهراً لا باطناً، بل قلبه مطمئن بالإيمان، فهذا لا يضره لقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) [النحل: ١٠٦، ١٠٧] ، لما

стр. 1457

قيل لهم: نقتلكم أو اكفروا، فباعوا الآخرة بالدنيا، وكفروا ليبقوا، فاستحبوا الدنيا على الآخرة، وأن الله لا يهدي القوم الكافرين. نسأل الله لنا ولكم الهداية. وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار. ثم ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى عليه وسلم قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعنه امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) فهؤلاء سبعة وليس المراد بالسبعة العدد، يعني أنهم سبعة أنفار فقط، ولكنهم سبعة أصناف؛ لأنهم قد يكونون عدداً لا يحصيهم إلا الله . ونحن لا نتكلم على ما ساق المؤلف الحديث من أجله؛ لأن هذا سبق لنا وقد شرحناه فيما مضى، ولكن نتكلم على مسألة ضل فيها كثير من الجهال، وهي قوله: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) حيث توهموا جهلاً منهم أن هذا هو ظل الله نفسه، وأن الله تعالى يظلهم من الشمس بذاته ، وهذا فهم خاطئ منكر، يقوله بعض المتعالمين الذين يقولون: إن مذهب أهل السنة إجراء النصوص على ظاهرها فيقال أين الظاهر؟! وأين يكون ظاهر الحديث وأن الرب جل وعلا يظلهم من الشمس؟!

стр. 1458

فإن هذا يقتضي أن تكون الشمس فوق الله ، وهذا شيء منكر لا أحد يقول به من أهل السنة، لكن مشكلات الناس ولاسيما في هذا العصر؛ أن الإنسان إذا فهم؛ لم يعرف التطبيق، وإذا فهم مسألة؛ ظن أنه أحاط بكل شيء علماً. والواجب على الإنسان أن يعرف قدر نفسه، وألا يتكلم ـ لا سيما في باب الصفات ـ إلا بما يعلم من كتاب الله سنة رسوله ﷺ وكلام الأئمة. فمعنى ((يوم لا ظل إلا ظله)) أو ((يظلهم الله في ظله)) يعني الظل الذي لا يقدر أحد عليه في ذلك الوقت؛ لأنه في ذلك الوقت لا بناء يبنى، ولا شجر يغرس، ولا رمال تقام، ولا أحجار تصفف، ولا شيء من هذا. قال الله : (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً) لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه: ١٠٥، ١٠٧] . ولا يظل الخلائق من الشمس شيء، لا بناء ولا شجر، ولا حجر، ولا غير ذلك. لكن الله يخلق شيئاً يظلل به من شاء من عباده، يوم لا ظل إلا ظله، هذا هو معنى الحديث، ولا يجوز أن يكون له معنى سوى هذا. والشاهد من هذا الحديث لهذا الباب قوله ((رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) يعني أنهما جرت بينهما محبة، لكنها محبة في الله، لا في مال، ولا جاه، ولا نسب، ولا أي شيء، إنما هو محبة الله ، رآه قائماً بطاعة الله، متجنباً لمحارم الله، فأحبه من أجل ذلك، فهذا هو الذي يدخل في هذا الحديث: ((تحابا في الله)) .

стр. 1459

وقوله: ((اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) يعني اجتمعا عليه في الدنيا وبقيت المحبة بينهما حتى فرق بينهما الموت تفرقا وهما على ذلك. وفي هذا إشارة إلى أن المتحابين في الله لا يقطع محبتهم في الله شيء من أمور الدنيا، وإنما هم متحابون في الله لا يفرقهم إلا الموت، حتى لو أن بعضهم أخطأ على بعض، أو قصر في حق بعض، فإن هذا لا يهمهم؛ لأنه إنما أحبه لله ، ولكنه يصحح خطأه ويبين تقصيره؛ لأنه هذا من تمام النصيحة، فنسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من المتحابين فيه، المتعاونين على البر والتقوى إنه جواد كريم. * * * ٣/٣٧٧ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)) رواه مسلم. ٤/٣٧٨ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) . ٥/٣٧٩ ـ وعنه عن النبي ﷺ : ((أن رجلاً زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً)) وذكر الحديث إلى قوله: ((إن الله قد أحبك كما أحببته))

стр. 1460

رواه مسلم وقد سبق بالباب قبله. ٨/٣٨٢ ـ وعن أبي إدريس الخولاني ﵀ قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء، أسندوه إليه، وصدورا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل ﵁ فلما كان من الغد، هجرت، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله؟ فقلت ألله، فقال: آلله؟ فقلت: ألله فأخذني بحبوة ردائي، فجبذني إليه، فقال: أبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتياذلين فيّ)) حديث صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح. قوله: ((هجرت)) أي بكرت، وهو بتشديد الجيم. قوله: ((آلله فقلت ألله)) الأول بهمزة ممدودة للاستفهام والثاني بلا مد. ٩/٣٨٣ ـ عن أبي كريمة المقداد بن معدي ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا أحب الرجل أخاه فليخيره أنه يحبه)) رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن. ١٠/٣٨٤ ـ وعن معاذ ﵁، أن رسول الله ﷺ ، أخذ بيده وقال: ((يا

стр. 1461

معاذ والله، إني لأحبك، ثم أوصيك يا معاذ: لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكر وشكرك وحسن عبادتك)) . رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح. ١١/٣٨٥ ـ وعن أنس ﵁، أن رجلاًً كان عند النبي ﷺ ، فمر رجل به، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ ((أأعلمته؟)) قال: لا قال: ((أعلمه)) فلحقه. فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له. رواه أبو داود بإسناد صحيح. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث كلها في بيان المحبة وأن الإنسان ينبغي له أن يكون حبه لله وفي الله، وفي الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ حيث قال النبي ﷺ : ((والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) . ففي هذا دليل على أن المحبة من كمال الإيمان، وأنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب أخاه، وأن من أسباب المحبة أن يفشي الإنسان السلام بين إخوانه، أي يظهره ويعلنه، ويسلم على من لقيه من المؤمنين، سواء عرفه أو لم يعرفه، فإن هذا من أسباب المحبة، ولذلك إذا مر بك رجل وسلم عليك أحببته، وإذا أعرض؛ كرهته ولو كان أقرب الناس إليك.

стр. 1462

فالذي يجب على الإنسان؛ أن يسعى لكل سبب يوجب المودة والمحبة بين المسلمين؛ وليس من المعقول ولا من العادة أن يتعاون الإنسان مع شخص لا يحبه، ولا يمكن التعاون على الخير والتعاون على البر والتقوى إلا بالمحبة، ولهذا كانت المحبة في الله من كمال الإيمان. وفي حديث معاذ ﵁ إخبار النبي ﷺ أنه يحبه، وقوله لأنس لما قال له: إني أحب هذا الرجل. قال له ((أأعلمته)) فدل هذا على أنه منه السنة إذا أحببت شخصاً أن تقول: إني أحبك، وذلك لما في هذه الكلمة من إلقاء المحبة في قلبه؛ لأن الإنسان إذا علم أنك تحبه أحبك مع أن القلوب لها تعارف وتآلف وإن لم تنطق الألسن. وكما قال النبي ﵊: ((الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)) لكن إذا قال الإنسان بلسانه؛ فإن هذا يزيده محبة في القلب فتقول: إني أحبك في الله. وفي قوله ﵊: ((لا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة)) يعني: في آخر كل صلاة؛ لأن دبر الشيء من الشيء كدبر الحيوان، وقد ورد هذا الحديث بلفظ واضح يدل على أن الإنسان يقولها قبل أن يسلم فيقول قبل السلام: ((اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك))

стр. 1463

٤٧ ـ باب علامات حب الله تعالى للعبد والحث على التخلق بها والسعي في تحصيلها قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: ٣١] ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة: ٥٤] . ١/٣٨٦ ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني، أعطيته، ولئن استعاذني، لأعيذ نه)) رواه البخاري. معنى ((آذنته)) : أعلمته بأني محارب له. وقوله ((استعاذني)) روي بالباء وروي بالنون. ٢/٣٨٧ ـ وعنه عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا أحب الله تعالى العبد، نادى جبريل، إن الله تعالى يحب فلاناً، فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)) متفق

стр. 1464

عليه. وفي رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا، فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً، فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم توضع له البغضاء في السماء)) . ٣/٣٨٨ ـ وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ ، بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه قي صلاتهم، فيختم بـ ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فلما رجعوا، ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟)) فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ : ((أخبروه أن الله تعالى يحبه)) متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب علامات حب الله تعالى للعبد، يعني علامة أن الله تعالى يحب العبد؛ لأن لكل شيء علامة، ومحبة الله

стр. 1465

للعبد لها علامة؛ منها كون الإنسان متبعاً لرسول الله ﷺ فإنه كلما كان الإنسان لرسول الله ﷺ أتبع؛ كان لله أطوع، وكان أحب إلى الله تعالى. واستشهد المؤلف ﵀ لذلك بقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: ٣١] . يعني إن كنتم صادقين في أنكم تحبون الله فأروني علامة ذلك: اتبعوني يحببكم الله. وهذه الآية تسمى عند السلف آية الامتحان، يمتحن بها من ادعى محبة الله فينظر إذا كان يتبع الرسول ﵊؛ فهذا دليل على صدق دعواه. وإذا أحب الله؛ أحبه الله ، ولهذا قال: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وهذه ثمرة جليلة؛ أن الله تعالى يحبك؛ لأن الله تعالى إذا أحبك؛ نلت بذلك سعادة الدنيا والآخرة. ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)) من عادى لي ولياً: يعني صار عدوا لولي من أوليائي، فإنني أعلن عليه الحرب، يكون حرباً لله. الذي يكون عدوا لأحد من أولياء الله فهو حرب لله والعياذ بالله مثل أكل الربا (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: ٢٧٩] . ولكن من هو ولي الله؟ ولي الله في قوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس: ٦٢، ٦٣] . هؤلاء هم أولياء الله، فمن كان مؤمناً تقياً؛ كان لله ولياً، هذه هي

стр. 1466

الولاية، وليست الولاية أن يخشوشن الإنسان في لباسه، أو أن يترهبن أمام الناس، أو أن يطيل كمه أو أن يخنع رأسه؛ بل الولاية الإيمان والتقوى (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فمن عادى هؤلاء فإنه حرب لله والعياذ بالله. ثم قال الله في الحديث القدسي: ((وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضه عليه)) يعني أحب ما يحب الله الفرائض. فالظهر أحب إلى الله من راتبة الظهر، والمغرب أحب إلى الله من راتبة المغرب، والعشاء أحب إلى الله من راتبة العشاء، والفجر أحب إلى الله من راتبة الفجر، والصلاة المفروضة أحب إلى الله من قيام الليل، كل الفرائض أحب إلى الله من النوافل، والزكاة أحب إلى الله من الصدقة، وحج الفريضة أحب إلى الله من حج التطوع، كل ما كان أوجب فهو أحب إلى الله . ((وما تقرب إلى عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليَ بالنوافل حتى أحبه)) وفي هذا إشارة إلى أن من أسباب محبة الله أن تكثر من النوافل ومن التطوع؛ نوافل الصلاة، نوافل الصدقة، نوافل الصوم، نوافل الحج، وغير ذلك من النوافل. فلا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يحبه الله، فإذا أحبه الله كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصره به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سأله ليعطينه، ولئن استعاذه ليعيذنه. ((كنت سمعه)) يعني: أنني أسدده في سمعه، فلا يسمع إلا ما يرضي الله، ((وبصره)) أسدده في بصره فلا يبصر إلا ما يحب الله ((ويده التي يبطش بها)) فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله ((ورجله التي يمشي بها)) فلا

стр. 1467

يمشي برجله إلا لما يرضي الله ، فيكون مسدداً في أقواله وفي أفعاله. ((ولئن سألني لأعطينه)) هذه من ثمرات النوافل ومحبة الله ؛ أنه إذا سأل الله أعطاه، ((ولئن استعاذني)) يعني استجار بي مما يخاف من شره ((لأعيذنه)) فهذه من علامة محبة الله؛ أن يسدد الإنسان في أقواله وأفعاله، فإذا سدد دل ذلك على أن الله يحبه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم) [الأحزاب: ٧٠، ٧١] . وذكر أيضاً أحاديث أخرى في بيان محبة الله وأن الله تعالى إذا أحب شخصاً نادى جبريل، وجبريل أشرف الملائكة، كما أن محمداً ﷺ أشرف البشر. ((نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)) فيحبه أهل الأرض. وإذا أبغض الله أحداً ـ والعياذ بالله ـ نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض، والعياذ بالله؛ فيبغضه أهل الأرض وهذا أيضاً من علامات محبة الله، أن يوضع للإنسان القبول في الأرض، بأن يكون مقبولاً لدى الناس، محبوباً إليهم، فإن هذا من علامات محبة الله تعالى للعبد. نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من أحبابه وأوليائه.

стр. 1468

٤٨ ـ باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) [الأحزاب: ٥٨] وقال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: ٩، ١٠] . وأما الأحاديث، فكثيرة منها: حديث أبي هريرة ﵁ في الباب قبل هذا: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)) . ومنها حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ السابق في ((باب ملاطفة اليتيم)) وقوله ﷺ : ((يا أبا بكر لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك)) . ١/٣٨٩ ـ وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى صلاة الصبح، فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)) رواه مسلم.

стр. 1469

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين ونحوهم، ثم ساق المؤلف قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) [الأحزاب: ٥٨] . والأذية: هي أن تحاول أن تؤذي الشخص بما يتألم منه قلبياً، أو بما يتألم منه بدنياً؛ سواء كان ذلك بالسب، أو بالشتم، أو باختلاق الأشياء عليه، أو بمحاولة حسده، أو غير ذلك من الأشياء التي يتأذى بها المسلم. وهذا كله حرام؛ لأن الله بين أن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإنما مبيناً. وفهم من الآية الكريمة أنه إذا آذى المؤمنين بما اكتسبوا فإنه ليس عليه شيء مثل إقامة الحد على المجرم، وتغريم الظالم، وما أشبه ذلك، فهذا وإن كان فيه أذية، لكنها بكسبه، فقد قال الله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر) [النور: ٢] . ولا حرج من أن يؤذي الإنسان شخصاً بسبب كسبه هو وجنايته على نفسه، فإن ذلك لا يؤثر عليه شيئاً. ثم أشار المؤلف إلى أحاديث تدل على التحذير من أذية المؤمنين، ومنها ما سبق من حديث أبي هريرة ﵁ أن الله قال: ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)) فالذي يعادي أحدا من أولياء الله؛ فإن الله تعالى

стр. 1470

يعلن عليه الحرب، ومن كان حرباً لله تعالى؛ فهو خاسر. قال أهل العلم: وأنواع الأذى كثيرة، منها أن يؤذي جاره، ومنها أن يؤذي صاحبه، ومنها أن يؤذي من كان معه في عمل من الأعمال ـ وإن لم يكن بينهم صداقة ـ بالمضايقة وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام والواجب على المسلم الحذر منه.

стр. 1471

٤٩ ـ باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى قال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥] . ١/٣٩٠ ـ وعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى)) متفق عليه. ٣/٣٩١ ـ وعن أبي عبد الله طارق بن أشيم ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى)) رواه مسلم. ٣/٣٩٢ ـ وعن أبي معبد المقداد بن الأسود ﵁، قال: قلت لرسول الله ﷺ : أرايت إن لقيت رجلاً من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال ((أسلمت لله)) أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال ((لا تقتله)) .

стр. 1472

فقلت: يا رسول الله قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ ! فقال: ((لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)) متفق عليه. ومعنى ((أنه بمنزلتك)) أي: معصوم الدم محكوم بإسلامه، ومعنى ((أنك بمنزلته)) أي: مباح الدم بالقصاص لورثته، لا أنه بمنزلته في الكفر، والله أعلم. ٤/٣٩٣ ـ وعن أسامة بن زيد ﵄، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا المدينة، بلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي: ((يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فما زال يكررها على حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) متفق عليه. وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : ((أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟!)) قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!)) فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. ((الحرقة)) بضم الحاء المهملة وفتح الراء: بطن من جهينة القبيلة المعروف، وقوله: ((متعوذاً)) : أي معتصماً بها من القتل لا معتقداً لها.

стр. 1473

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب حمل الناس على ظواهرهم، وأن يكل الإنسان سرائرهم إلى الله . أولاً: اعلم أن العبرة في الدنيا بما في الظواهر؛ اللسان والجوارح، وأن العبرة في الآخرة بما في السرائر بالقلب. فالإنسان يوم القيامة يحاسب على ما في قلبه، وفي الدنيا على ما في لسانه وجوارحه، قال الله ﵎: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) [الطارق: ٨، ٩] ، تختبر السرائر والقلوب. وقال تعالى: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) [العاديات: ٩ ـ١١] . فاحرص يا أخي على طهارة قلبك قبل طهارة جوارحك. كم من إنسان يصلي، ويصوم، ويتصدق، ويحج، لكن قلبه فاسد. وهاهم الخوارج حدث عنهم النبي ﵊؛ أنهم يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ويقرؤون القرآن، ويقومون الليل، ويبكون، ويتهجدون، ويحقر الصحابي صلاته عند صلاتهم، لكن قال النبي ﵊: ((لا يجاوز إيمانهم حناجرهم)) لا يدخل الإيمان قلوبهم.

стр. 1474

مع أنهم صالحو الظواهر، لكن ما نفعهم. فلا تغتر بصلاح جوارحك، وانظر قبل كل شيء إلى قلبك، أسأل الله أن يصلح قلبي وقلوبكم. أهم شيء هو القلب. رفع رجل إلى الرسول ﵊ قد شرب الخمر فجلده، ثم رفع إليه مرة أخرى فجلده، فسبه رجل من الصحابة، وقال: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى الرسول ﵊. فقال له الرسول ﷺ : ((لا تلعنه؛ فإن يحب الله ورسوله)) فالقلب هو الأصل ولهذا قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة: ٤١] . أما في الدنيا بالنسبة لنا مع غيرنا، فالواجب إجراء الناس على ظواهرهم؛ لأننا لا نعلم الغيب، ولا نعلم ما في القلوب، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وقد قال النبي ﵊: ((إنما أقضي بنحو ما أسمع)) ولسنا مكلفين بأن نبحث عما في قلوب الناس، ولهذا قال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التوبة: ٥] ، يعني المشركين إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؛ فخلوا سبيلهم وأمرهم إلى الله، إن الله غفور رحيم.

стр. 1475

وقال النبي ﵊ فيما رواه ابن عمر ﵄: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله)) . وبذلك يكون العمل بالظواهر؛ فإذا شهد إنسان أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ عصم دمه وماله، وحسابه على الله؛ فليس لنا إلا الظاهر. وكذلك أيضا من قال لا إله إلا الله؛ حرم دمه وماله، هكذا قال النبي ﵊. ثم ذكر المؤلف حديثين عجيبين فيهما قصتان عجيبتان: الأول: حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: يا رسول الله، إن لقيت رجلاً من المشركين، فقاتلته، فضربني بالسيف حتى قطع يدي، ثم لاذ مني بشجرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. أفأقتله؟ قال: ((لا تقتله)) وهو مشرك قطع يد رجل مسلم، ولاذ بالشجرة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أأقتله؟ قال ((لا تقتله)) ، فإن قتلته فأنت مثله قبل أن يقول هذه الكلمة، يعني تكون كافراً. مع العلم بأني أنا وأنتم، نظن أن هذا الرجل قال أشهد أن لا إله إلا الله خوفاً من القتل، ومع ذلك يقول: لا تقتله، فعصم دمه وماله. وفي هذا الحديث أيضاً الدليل على أن ما أتلفه الكفار من أموال
следующие страницы →