← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

٤٩ ـ باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى قال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥] . ١/٣٩٠ ـ وعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى)) متفق عليه. ٣/٣٩١ ـ وعن أبي عبد الله طارق بن أشيم ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى)) رواه مسلم. ٣/٣٩٢ ـ وعن أبي معبد المقداد بن الأسود ﵁، قال: قلت لرسول الله ﷺ : أرايت إن لقيت رجلاً من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال ((أسلمت لله)) أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال ((لا تقتله)) .

стр. 1472

فقلت: يا رسول الله قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ ! فقال: ((لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)) متفق عليه. ومعنى ((أنه بمنزلتك)) أي: معصوم الدم محكوم بإسلامه، ومعنى ((أنك بمنزلته)) أي: مباح الدم بالقصاص لورثته، لا أنه بمنزلته في الكفر، والله أعلم. ٤/٣٩٣ ـ وعن أسامة بن زيد ﵄، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا المدينة، بلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي: ((يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فما زال يكررها على حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) متفق عليه. وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : ((أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟!)) قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!)) فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. ((الحرقة)) بضم الحاء المهملة وفتح الراء: بطن من جهينة القبيلة المعروف، وقوله: ((متعوذاً)) : أي معتصماً بها من القتل لا معتقداً لها.

стр. 1473

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب حمل الناس على ظواهرهم، وأن يكل الإنسان سرائرهم إلى الله . أولاً: اعلم أن العبرة في الدنيا بما في الظواهر؛ اللسان والجوارح، وأن العبرة في الآخرة بما في السرائر بالقلب. فالإنسان يوم القيامة يحاسب على ما في قلبه، وفي الدنيا على ما في لسانه وجوارحه، قال الله ﵎: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) [الطارق: ٨، ٩] ، تختبر السرائر والقلوب. وقال تعالى: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) [العاديات: ٩ ـ١١] . فاحرص يا أخي على طهارة قلبك قبل طهارة جوارحك. كم من إنسان يصلي، ويصوم، ويتصدق، ويحج، لكن قلبه فاسد. وهاهم الخوارج حدث عنهم النبي ﵊؛ أنهم يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ويقرؤون القرآن، ويقومون الليل، ويبكون، ويتهجدون، ويحقر الصحابي صلاته عند صلاتهم، لكن قال النبي ﵊: ((لا يجاوز إيمانهم حناجرهم)) لا يدخل الإيمان قلوبهم.

стр. 1474

مع أنهم صالحو الظواهر، لكن ما نفعهم. فلا تغتر بصلاح جوارحك، وانظر قبل كل شيء إلى قلبك، أسأل الله أن يصلح قلبي وقلوبكم. أهم شيء هو القلب. رفع رجل إلى الرسول ﵊ قد شرب الخمر فجلده، ثم رفع إليه مرة أخرى فجلده، فسبه رجل من الصحابة، وقال: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى الرسول ﵊. فقال له الرسول ﷺ : ((لا تلعنه؛ فإن يحب الله ورسوله)) فالقلب هو الأصل ولهذا قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة: ٤١] . أما في الدنيا بالنسبة لنا مع غيرنا، فالواجب إجراء الناس على ظواهرهم؛ لأننا لا نعلم الغيب، ولا نعلم ما في القلوب، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وقد قال النبي ﵊: ((إنما أقضي بنحو ما أسمع)) ولسنا مكلفين بأن نبحث عما في قلوب الناس، ولهذا قال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التوبة: ٥] ، يعني المشركين إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؛ فخلوا سبيلهم وأمرهم إلى الله، إن الله غفور رحيم.

стр. 1475

وقال النبي ﵊ فيما رواه ابن عمر ﵄: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله)) . وبذلك يكون العمل بالظواهر؛ فإذا شهد إنسان أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ عصم دمه وماله، وحسابه على الله؛ فليس لنا إلا الظاهر. وكذلك أيضا من قال لا إله إلا الله؛ حرم دمه وماله، هكذا قال النبي ﵊. ثم ذكر المؤلف حديثين عجيبين فيهما قصتان عجيبتان: الأول: حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: يا رسول الله، إن لقيت رجلاً من المشركين، فقاتلته، فضربني بالسيف حتى قطع يدي، ثم لاذ مني بشجرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. أفأقتله؟ قال: ((لا تقتله)) وهو مشرك قطع يد رجل مسلم، ولاذ بالشجرة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أأقتله؟ قال ((لا تقتله)) ، فإن قتلته فأنت مثله قبل أن يقول هذه الكلمة، يعني تكون كافراً. مع العلم بأني أنا وأنتم، نظن أن هذا الرجل قال أشهد أن لا إله إلا الله خوفاً من القتل، ومع ذلك يقول: لا تقتله، فعصم دمه وماله. وفي هذا الحديث أيضاً الدليل على أن ما أتلفه الكفار من أموال

стр. 1476

المسلمين وما جنوه على المسلمين غير مضمون. يعني الكافر لو أتلف شيئاً للمسلمين، أو قتل نفساً لا يضمن إذا أسلم، فالإسلام يمحو ما قبله. القصة الثانية: بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد في سرية إلى الحرقة من جهينة، فلما وصلوا إلى القوم وغشوهم، هرب من المشركين رجل، فلحقه أسامة ورجل من الأنصار يتبعانه يريدان قتله، فلما أدركاه قال: لا إله إلا الله، أما الأنصاري فكان أفقه من أسامة، فكف عنه، تركه لما قال لا إله إلا الله. وأما أسامة فقتله. فلما رجعوا إلى المدينة. وبلغ ذلك النبي ﷺ قال لأسامة: ((أقتلته بعد أن قال لا إله إلا لله)) قال: نعم يا رسول الله؛ إنما قال ذلك يتعوذ من القتل، يستجير بها من القتل، قال: ((أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله)) قال: نعم قالها يتعوذ من القتل. كرر ذلك عليه، حتى قال له في رواية لمسلم: ((ما تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتك يوم القيامة؟)) . يقول أسامة ﵁: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل هذا اليوم؛ لأنه لو كان كافراً ثم أسلم عفا الله عنه، لكن الآن فعل هذا الفعل وهو مسلم، فهذا مشكل جداً على أسامة. والرسول ﷺ يكرر: ((أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله)) . ((ما تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتك يوم القيامة؟)) . مع العلم بأن الذي يغلب على الظن ما فهمه أسامة؛ أنه قالها متعوذاً من القتل يستجير بها من القتل، لكن مع ذلك إذا قال لا إله إلا الله انتهى الأمر ويجب الكف عنه، ويعصم بذلك دمه وماله، وإن كان قالها متعوذاً أو قالها نفاقاً، فحسابه على الله.

стр. 1477

فهذا دليل على أننا نحمل الناس في الدنيا على ظواهرهم، أما ما في القلوب فموعده يوم القيامة، تنكشف السرائر، ويحصل ما في الضمائر، ولهذا علينا أيها الأخوة أن نطهر قلوبنا قبل كل شيء ثم جوارحنا. أما بالنسبة لمعاملتنا لغيرنا، فعلينا أن نعامل غيرنا بالظاهر. واسمع إلى قول الرسول ﷺ : ((إنكم تختصمون إلىّ)) يعني تخاصمون مخاصمات بينكم ((ولعل يعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)) يعني أفصح وأقوى دعوى ((فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقتطع له جمرة من نار، فليستقل أو ليستكثر)) . فحمل النبي ﵊ الأمر في الخصومة على الظاهر، لكن وراءك النار إذا كنت كاذباً في دعواك، وأنك أخذت القاضي بلسانك وبشهادة الزور، فإنما يقتطع لك جمرة من النار فاستقل أو استكثر. وخلاصة ما تقدم: أن الإنسان في الدنيا على الظاهر، وأما يوم القيامة فعلى الباطن. فعلينا نحن أن نعامل غيرنا يظهر لنا من حاله، وأمره إلى الله، وعلينا نحن أنفسنا أن نطهر قلوبنا، لا يكون فيها شيء؛ لا يكون فيها بلاء، كبر، حقد، حسد، شرك، شك، نسأل الله أن يعيذنا من هذه الأخلاق، فإن هذا خطير جداً.

стр. 1478

نسأل الله أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يجنبنا سيئات الأخلاق والأعمال، ولا يجنبنا إياها إلا هو. * * * ٦/٣٩٥ ـ وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً، أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً، لم نأمنه، ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة)) رواه البخاري. [الشَّرْحُ] قال المؤلف فيما نقله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من رواية عبد الله بن عتبة بن مسعود؛ عمه عبد الله ابن مسعود ـ الصحابي الجليل ﵁؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إنا نعلم يعني عمن أسر سريرة باطلة في وقت الوحي بما بنزل من الوحي؛ لأن أناساً في عهد الرسول ﵊ كانوا منافقين يظهرون الخير ويبطنون الشر، ولكن الله تعالى كان يفضحهم بما ينزل من الوحي على رسوله ﷺ ، يفضحهم لا بأسمائهم، ولن بأوصافهم التي تحدد أعيانهم.

стр. 1479

والحكمة من ذكرهم بالأوصاف دون الأعيان؛ أن ذلك يكون للعموم، يعني لكل من اتصف بهذه الصفات، مثل قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُم نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِم إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ [التوبة: ٧٥، ٧٧] ومثل قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) [التوبة: ٥٨] ومثل قوله: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) [التوبة: ٧٩] وهذا كثير في سورة التوبة التي سماها بعض السلف: الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين. لكن لما انقطع الوحي صار الناس لا يعلمون من المنافق؛ لأن النفاق في القلب والعياذ بالله. يقول ﵁: من أظهر لنا خيراً؛ أخذناه بما أطهر لنا، وإن أسر سريرة، يعني سيئة، ومن أظهر لنا شراً، فإننا نأخذ بشره ولو أضمر ضميرةً طيبة؛ لأننا نحن لا نكلف إلا بالظاهر، وهذا من نعمة الله علينا ألا نحكم إلا بالظاهر؛ لأن الحكم على الباطن من الأمور الشاقة، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

стр. 1480

فمن أبدى خيراً؛ عاملناه بخيره الذي أبداه لنا، ومن أبدى شراً؛ عاملناه بشره الذي أبداه لنا، وليس لنا من نيته مسؤولية، النية موكولة إلى رب العالمين ، الذي يعلم ما توسوس به نفس الإنسان.

стр. 1481

٥٠ ـ باب الخوف قال الله تعالى: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة: ٤٠] . وقال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) [البروج: ١٢] . وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) [هود: ١٠٢ ـ ١٠٦] . وقال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨] . وقال تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٤ ـ٣٧] . وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ١ ـ٢] . وقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٤٦] . وقال تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور: ٢٥ ـ ٢٨] .

стр. 1482

والآيات في الباب كثيرة جداً معلومات، والغرض الإشارة إلى بعضها وقد حصل. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀: باب الخوف، الخوف ممن؟ الخوف من الله ؛ لأن الذي يعبد الله يجب أن يكون خائفاً راجياً؛ إن نظر إلى ذنوبه وكثرة أعماله السيئة خاف، إن نظر إلى أعماله الصالحة وأنه قد يشوبها شي من العجب والإدلال على الله خاف، إن نظر إلى عفو الله، ومغفرته، وكرمه، ورحمته رجا؛ فيكون دائراً بين الخوف والرجاء. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا) يعني: يعطون ما أعطوا من الأعمال الصالحة (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) خائفة ألا تقبل منهم (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: ٦٠] . فينبغي بل يجب أن يكون سير الإنسان إلى الله دائراً بين الخوف والرجاء، لكن أيهما يغلب؟ هل يغلب الرجاء؟ أو يغلب الخوف؟ أو يجعلهما سواء؟ قال الإمام أحمد ﵀: ينبغي أن يكون خوفه ورجاءه واحداً، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء، صار من الآمنين من عذاب الله، وإن غلب جانب الخوف؛ صار من القانطين من رحمة الله، وكلاهما سيء، فينبغي أن يكون خوفه ورجاءه واحداً.

стр. 1483

ثم ذكر المؤلف ﵀ آيات في سياق باب الخوف، سبق بعضها، ومنها قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨] ، يعني أن الله يحذرنا من نفسه أن يعاقبنا على معاصينا وذنوبنا، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: ١، ٢] . هذا أيضاً فيه أن الإنسان يجب أن يخاف هذا اليوم العظيم، الذي قال الله عنه: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) يعني من شدة ما ترى من الأهوال ومن الأفزاع. (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) يعني مشدوهين، ليس عندهم عقول، ولكنهم ليسوا بسكارى (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) . وقال الله ﵎: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) [عبس: ٣٤] ، وسبق الكلام عليها. وقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٤٦] ، إلى آخر السورة، أي من خاف المقام بين يدي الله ، فإنه سوف يقوم بطاعته، ويخشى من عقابه، فله جنتان، وفي أثناء الآيات يقول: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٦٢] ، فهذه أربع جنات لمن خاف مقام الله ، ولكن الناس فيها درجات. نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من أهلها

стр. 1484

بمنه وكرمه. وأما الأحاديث فكثير جداً، فنذكر منها طرفاً وبالله التوفيق. ١/ ٣٩٦ ـ عن ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفه، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغه مثل ذلك، ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزق، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينهما إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون

стр. 1485

بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) متفق عليه. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في باب الخوف والتحذير من الأمن من مكر الله، قال فيما نقله عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل أهل الجنة حتى ما يكون بيته وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) . قوله ﵁: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق، يعني الصادق فيما يقول، والمصدوق، فيما يوحى إليه من الوحي، وفيما يقال له من الوحي، فهو صادق لا يخبر إلا بالصدق، مصدوق لا ينبأ إلا بالصدق صلوات الله وسلامه عليه. وإنما قدم هذه المقدمة؛ لأنه سيخبر عن أمر غيبي باطن يحدث في ظلمات ثلاث: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة)) إذا جامع الرجل امرأته، وألقى في رحمها الماء بقي أربعين يوماً وهو نطفة على ما هو عليه، ماء، لكنه يتغير شيئاً فشيئاً، يميل إلى الحمرة، حتى يتم عليه أربعون يوماً. فإذا تم عليه أربعون يوماً، إذا هو قد استكمل الحمرة وصار قطعة دم؛ علقة، فيمضي عليه أربعون يوماً أخرى وهو علقة، يعني قطعة دم، لكنها جامدة، ولكنه يثخن ويغلظ شيئاً فشيئاً، حتى يتم له ثمانون يوماً. فإذا تم له ثمانون يوماً فإذا هو مضغة؛ قطعة لحم، في الرحم هذه المضغة قال الله تعالى فيها: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) [الحج: ٥] ، فتبقى أربعين يوماً، تخلق من واحد وثمانين يوماً إلى مائة وعشرين يوماً، ولا يتبين فيها الخلق تبيناً ظاهراً إلا إذا تم لها تسعون يوماً في الغالب. فإذا مضى عليها أربعون يوماً وهي مضغة، أرسل الله إليها الملك

стр. 1486

الموكل بالأرحام؛ لأن الله يقول: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر: ٣١] ، فالملائكة جنود الله ، وكل منهم موكل بشيء؛ منهم الموكل بالأرحام، ومنهم الموكل بالنفوس يقبضها، ومنهم الموكل بالأعمال يكتبها، ومنهم الموكل بالأبدان يحفظها، وظائف عظيمة للملائكة، أمرهم الله بها. فيأتي ملك الأرحام إلى كل رحم، فينفخ فيه الروح بإذن الله ، وهذه الروح أمر لا يعلمه إلا رب العالمين. قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) [الإسراء: ٨٥] ينفخها في هذا البدن، الذي هو قطعة لحم في الرحم، ليس فيها حراك ولا إحساس ولا شيء، فإذا نفخ هذه الروح دخلت في هذا البدن، فتسير فيه كما تسير الجمرة في الفحمة بإذن الله، أو الطين في المدر اليابس، فتدب في هذا الجسد حتى تدخل في الجسد كله، فيكون إنساناً، يتحرك، وتحس الأم بتحركه بعد مائة وعشرين يوماً، وحينئذ يكون إنساناً، أما قبل فهو ليس بشيء ولو سقط الجنين قبل تمام مائة وعشرين يوماً، فليس له حكم من جهة الصلاة عليه، بل يؤخذ ويدفن في أي حفرة من الأرض، ولا يصلى عليه. أما إذا تم مائة وعشرين يوماً، يعني أربعة أشهر، صار حينئذ إنساناً، فإذا سقط بعد ذلك، فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، لو كان قدر اليد، فإنه يصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين إن كان مسلماً. وإن كان من أولاد النصارى، يعني أمه وأبوه من النصارى، فلا يدفن

стр. 1487

في مقابر المسلمين، بل يخرج ويدفن بدون تغسيل ولا تكفين؛ لأنه وإن كان طفلاً، فإن الرسول سئل عن أولاد المشركين فقال: ((هم منهم)) . والحاصل أنه إذا تم له أربعة أشهر يغسل، ويكفن، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويسمى، ويعق عنه على الأرجح ليشفع لوالديه يوم القيامة؛ لأنه يبعث يوم القيامة. قال النبي عليه والصلاة والسلام: ((ويؤمر)) الملك ((بأربع)) كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. فيكتب رزقه: وكتب الرزق يعني هل هو قليل، أم كثير؟ ومتى يأتيه؟ وهل ينتقص أم لا ينتقص؟ المهم أنه يكتب كاملاً. ويكتب أجله أيضاً: في أي يوم؟ وفي أي مكان؟ وفي أي ساعة؟ وفي أي لحظة؟ وعن بعد أم قرب؟ وبأي سبب من الأسباب موته؟ والمهم أنه يكتب كاملاً. ويكتب عمله: هل هو صالح، أم سيء، أم نافع، أم قاصر على الشخص نفسه؟ والمهم يكتب كل أعماله. ويكتب مآله: وما أدراك ما المآل؟ فيكتب هل هو شقي أم سعيد؟ (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا

стр. 1488

فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود: ١٠٦ـ١٠٨] . وكل هذا يكتب. لكن أين يكتب؟ وردت آثار أنه يكتب في جبينه على جبهته. فإن قال قائل: كيف تتسع الجبهة لكتاب هذه الأشياء كلها؟ قلنا: لا تسأل عن أمور الغيب. ومن أنت حتى تسأل عن أمور الغيب؟ قل آمنت بالله وصدقت بالله وبرسوله، ولا تسأل: كيف؟ وقد وقع الآن في وقتنا ما يشهد لمثل هذا ـ كمبيوتر قدر اليد يكتب به الإنسان آلاف الكلمات، وهو من صنع البشر. فما بالك بصنع الله . والحاصل أن هذا من المسائل التي يخبر بها الرسول ﵊ وأنت لا تدركها بحسك، فإن الواجب عليك أن تصدق وتسلم؛ لأنك لو لم تصدق وتسلم إلا بما تدركه بحسك لم تكن مؤمناً، وما كنت مؤمناً بالغيب، فالذي يؤمن بالغيب هو الذي يقبل كل ما جاء عن الله ورسوله، ويقول آمنت بالله ورسوله وصدقت. قال: ((فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)) . ولكن أبشروا فإن هذا الحديث مقيد، بأنه لا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وأما الذي يعمل بعمل أهل الجنة بقلب وإخلاص فإن الله لا يخذله ، والله أكرم من العبد، فإذا

стр. 1489

عملت بعمل أهل الجنة بإخلاص ـ نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين منهم ـ فإن الله لا يخذلك، لكن فيما يبدو للناس. والدليل على هذا القيد ما ثبت في صحيح البخاري، أن رجلاً كان مع النبي ﷺ في غزوة، وكان شجاعاً مقداماً، لا يترك للعدو شاذة ولا فاذة إلا قضى عليه، فتعجب الناس منه؛ ومن شجاعته، من إقدامه، فقال النبي ﷺ ذات يوم: ((إنه من أهل النار)) أعوذ بالله، هذا الشجاع الذي يفتك بالعدو من أهل النار؟ فكبُر ذلك على المسلمين، وعظم عليهم، وخافوا، كيف يصير هذا من أهل النار؟ فقال رجل: والله لألزمنه؛ أتابعه وأراقبه؛ لأرى نهايته كيف تكون؟ فمشى معه، وفي أثناء القتال أصاب هذا الرجل الشجاع السهم فجزع، فأخذ بسيفه فسله، فوضعه في صدره، واتكأ عليه حتى خرج من ظهره، قتل نفسه جزعاً، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: وبم؟ قال: الرجل الذي قلت إنه من أهل النار. حصل له كذا وكذا. فقال النبي ﷺ : ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)) الحمد لله على هذا القيد، يعمل فيما يبدو للناس بعمل أهل الجنة وهو من أهل النار، يظنون أنه صالح، ولكن في قلبه فساد وهو من أهل النار. قال في حديث ابن مسعود: ((وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) هذا عكس الأول.

стр. 1490

الأول: وجدنا له شاهداً في الواقع وهي قصة هذا الرجل. وهذا له أيضاً شاهد في الواقع، يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وقع هذا عهد الرسول ﷺ ، رجل يقال له الأصيرم من بني عبد الأشهل، كافر منابذ للدعوة الإلهية، ضد المسلمين، فلما كان في غزوة أحد، وخرج الناس من المدينة يغزون، ألقى الله في قلبه الإسلام، فأسلم وخرج يجاهد. فلما حصل ما حصل للمسلمين، وقتل منهم من قتل، وذهب الناس ينظرون في قتلاهم، فوجدوا الأصيرم، فقال له قومه: ما الذي جاء بك؛ فقد عهدناك ضد هذه الدعوة، أحدب على قومك، يعني عصبية، أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، وأقرئوا الرسول ﷺ مني السلام، وأخبروه أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم مات، فأخبروا بذلك النبي ﷺ وأظنه قال: ((إنه من أهل الجنة)) فهذا الرجل أمضى عمره كله في الكفر، ضد الإسلام وضد المسلمين، وكان خاتمته هذه الخاتمة، عمل بعض أهل النار، حتى كم يكن بينه وبينهما إلا ذراع، فسبق عليه الكتاب، فعمل بعمل أهل الجنة، فكان من أهل الجنة. ساق المؤلف هذا الحديث من أجل أن نخاف وأن نرجو، نخاف على أنفسنا من الفتنة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائماً الثبات: اللهم ثبتني بالقول الثابت، وكان النبي على الصلاة والسلام يقول: ((اللهم مقلب

стр. 1491

القلوب، ثبت قلبي على دينك، اللهم مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك)) هذا هو النبي ﷺ . وأيضاً نأخذ من هذا الحديث ألا نيأس، ولا نيأس من شخص نجد على الكفر أو على الفسق، ربما يهديه الله في آخر لحظة، ويموت على الإسلام. نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يتوفانا على الإيمان بمنه وكرمه. * * * ٢/٣٩٧ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((يؤتى بجهنم يؤمئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)) رواه مسلم. ٣/٣٩٨ ـ وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً)) متفق عليه. ٤/٣٩٩ وعن سمرة بن جندب ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: ((منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى

стр. 1492

حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته)) ((الحجزة)) : معقد الإزار تحت السرة. و ((الترقوة)) بفتح التاء وضم القاف: هي العظم الذي عند ثغرة النحر، وللإنسان ترقوتان في جانبي النحر. ٥/٤٠٠ ـ وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)) متفق عليه. ((والرشح)) العرق. ٦/٤٠١ ـ وعن أنس ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلً ولبكيتم كثيراً)) فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، ولهم خنين. متفق عليه. وفي رواية: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب، فقال: ((عرضت علي الحنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قيلاً، ولبكيتم كثيراً)) فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه غطوا رؤوسهم ولهم خنين. ((الخنين)) بالخاء المعجمة: هو البكاء مع غنة وانتشاق الصوت من الأنف.

стр. 1493

[الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀، كلها أحاديث تفيد الخوف من يوم القيامة ومن عذاب النار، فذكر أحاديث منها: أنه يؤتى يوم القيامة بجهنم، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، وهذا يدل على هول هذه النار ـ نسأل الله أن يعيذنا والمسلمين منها، ومن هول ذلك اليوم ـ؛ لأن الله تعالى جعل سبعين ألف ملك مع كل زمام من سبعين ألف زمام يجرون بها جهنم والعياذ بالله. فهذا العدد الكبير من الملائكة يدل على أن الأمر عظيم والخطر جسيم. وبين النبي ﷺ أن أهون أهل النار عذاباً، من يوضع في قدميه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه. وهو يرى أنه أشد الناس عذاباً، وأنه لأهونهم؛ لأنه لو رأى غيره؛ لهان عليه الأمر، وتسلى به، ولكنه يرى أنه أشد الناس عذاباً والعياذ بالله، فحينئذ يتضجر ويزداد بلاء ومرضا نفسياً والعياذ بالله، ولذلك ذكر النبي ﷺ هذا الحديث تحذيراً لأمته من عذاب النار. وذكر أيضاً أن من الناس من تبلغ النار إلى كعبيه وإلى ركبتيه وإلى حُجزته. وذكر أيضاً أن الناس في يوم القيامة يبلغ العرق منهم إلى الكعبين، وإلى الركبتين، والحقوين، ومن الناس من يلجمه العرق. فالأمر خطير، فيجب علينا جمعياً أن نحذر من أهوال هذا اليوم، وأن نخاف الله ، فنقوم بما أوجب علينا، وندع ما حرم علينا.

стр. 1494

نسأل الله أن يعيننا والمسلمين على ذلك بمنه وكرمه. * * * ٧/٤٠٢ ـ وعن المقداد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل)) . قال سليم بن عامر الراوي عن المقداد: فو الله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين ((فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقوية، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما)) وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه)) رواه مسلم. ٨/٤٠٣ ـ وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم)) متفق عليه. ومعنى ((يذهب في الأرض)) : ينزل ويغوص. ٩/٤٠٤ ـ وعنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال: ((هل تدرون ما هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: ((حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وجبتها)) رواه

стр. 1495

مسلم. ١٠/٤٠٥ ـ وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) متفق عليه. ١١/٤٠٦ ـ وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. و ((أطت)) بفتح الهمزة وتشديد الطاء، و ((تئط)) بفتح التاء وبعدها همزة مكسورة، والأطيط: صوت الرحل والقتب وشبههما، ومعناه: أن كثرة من في السماء من الملائكة العابدين قد أثقلتها حتى أطت. و ((الصعدات)) بضم الصاد والعين: الطرقات: ومعنى ((تجأرون)) : تستغيثون. ١٢/٤٠٧ ـ وعن أبي برزة ـ براء ثم زاي ـ نضله بن عبيد الأسلمي رضي الله

стр. 1496

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، كلها تدل على عظم يوم القيامة، وأن على المؤمن أن يخاف من هذا اليوم العظيم. ذكر أحاديث فيها دنو الشمس من الخلائق بقدر ميل، قال سليم بن عامر الراوي عن المقداد: لا أدري أيريد بذلك: مسافة الأرض، أم ميل المكحلة، وكلاهما قريب، وإذا كانت الشمس في أوجها في الدنيا وبعدها عنا بهذه الحرارة، فكيف إذا كانت بهذا القرب؟ ! ولكن هذه الشمس ينجو منها من شاء الله، فإن الله تعالى يظل أقواماً بظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم من سبق ذكره وهم: السبعة الذين بظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال؛ فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.

стр. 1497

وكذلك من أنظر معسراً، أو وضع عنه، المهم أن هناك أناساً ينجون من هذه الشمس، فيظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وذكر أحاديث العرق، وأن الناس يعرقون، حتى يبلغ العرق من الأرض سبعين ذراعاً، وحتى يلجم بعضهم إلجاماً، وبعضهم يصل إلى كعبيه، وبعضهم إلى ركبتيه، وبعضهم إلى حقويه، يختلف الناس حسب أعمالهم في هذا العرق. وذكر أيضاً أحاديث أخرى، فيها التحذير من نار جهنم، نسأل الله لنا والمسلمين السلامة منها. والحاصل أن الإنسان إذا قرأ هذه الأحاديث وغيرها مما لم يذكره المؤلف، فإن المؤمن يخاف ويحذر، وليس بين الإنسان وبين هذا إلا أن ينتهي أجله في الدنيا، ثم ينتقل إلى دار الجزاء؛ لأنه ينتهي العمل. أحسن الله لنا وللمسلمين الخاتمة. * * * ١٥/٤١٠ ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خاف أدلج، ومن أدلج، بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إن سلعة الله الجنة)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. و ((أدلج)) بإسكان الدال، ومعناه: سار من أول الليل، والمراد: التشمير في

стр. 1498

الطاعة. والله أعلم. ١٦/٤١١ ـ وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً)) قلت: يا رسول الله: الرجال والنساء جميعا؛ ينظر بعضهم إلى بعض!؟ قال ((يا عائشة الأمرأشد من أن يهمهم ذلك)) . وفي رواية: ((الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض)) متفق عليه. ((غرلاًً)) بضم الغين المعجمة، أي: غير مختونين. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ﵀ في باب الخوف: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل)) أدلج يعني: مشى في الدلجة، وهي أول الليل ((ومن أدلج بلغ المنزل)) ؛ لأنه إذا سار في أول الليل، فهو يدل على اهتمامه في المسير، وأنه جاد فيه، ومن كان كذلك بلغ المنزل. ((ألا وإن سلعة الله غالية، ألا وإن سلعة الله الجنة)) . السلعة: يعني التي يعرضها الإنسان للبيع، والجنة قد عرضها الله لعباده ليشتروها. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ

стр. 1499

أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: ١١١] . فمن خاف: يعني من كان في قلبه خوف لله؛ عمل العمل الصالح الذي ينجيه مما يخاف. وأما حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يحشر الناس)) يعني يجمعون يوم القيامة ((حفاة)) ليس لهم نعال ((عراة)) ليس عليهم ثياب ((غرلاً)) غير مختونين. يخرج الناس من قبورهم كيوم ولدتهم أمهاتهم يعني في كمال الخلقة، كما قال تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) [الأنبياء: ١٠٤] ، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، الرجال والنساء، يعني عراة ينظر بعضهم إلى بعض. قال: الأمر أكبر أو أعظم من أن يهمهم ذلك، أو من أن ينظر بعضهم إلى بعض، أي: إن الأمر عظيم جداً، لا ينظر أحد إلى أحد (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٧] . نسأل الله تعالى أن ينجينا وإياكم من عذاب النار، وأن يجعلنا وإياكم ممن يخافه ويرجوه.

стр. 1500

٥١ ـ باب الرجاء قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: ٥٣] . وقال تعالى: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) [سبأ: ١٧] . وقال تعالى: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [طه: ٤٨] . وقال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: ١٥٦] . ١/٤١٢ ـ وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من شهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)) . متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ حرم الله عليه النار)) . ٢/٤١٣ ـ وعن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : يقول الله : من جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة، فجزاء سيئة

стр. 1501

سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبراً؛ تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا، تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا؛ لقيته بمثلها مغفرة)) . رواه مسلم. معنى الحديث: ((من تقرب إلى بطاعتي ((تقربت)) إليه برحمتي، وإن زاد زدت، ((فإن أتاني يمشي)) وأسرع في طاعتي ((أتيته هرولة)) أي: صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود. ((وقراب الأرض)) بضم القاف ويقال بكسرها، والضم أصح، وأشهر، ومعناه: ما يقارب ملأها، والله أعلم. ٣/٤١٤ ـ وعن جابر ﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً؛ دخل الجنة؛ ومن مات يشرك به شيئاً؛ دخل النار)) رواه مسلم. ٤/٤١٥ ـ وعن أنس ﵁، أن النبي ﷺ ، ومعاذ رديفه على الرحل قال: ((يا معاذ)) . قال لبيك يا رسول الله، وسعديك، قال: ((يا معاذ)) قال: لبيك يا رسول الله، وسعديك، قال: ((يا معاذ)) قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثاً، قال: ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار)) قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟

стр. 1502

قال: ((إذا يتكلوا)) فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً. متفق عليه. وقوله؛ ((تأثماً)) أي: خوفا من الإثم في كتم هذا العلم. [الشَّرْحُ] لما ذكر المؤلف ﵀ باب الخوف؛ ذكر باب الرجاء، وكأنه ﵀ يغلب جانب الخوف، أو يقول: إذا رأيت الخوف قد غلب عليك؛ فافتح باب الرجاء. ثم ذكر المؤلف آيات وأحاديث؛ منها قول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: ٥٣] . هذه الآية نزلت في التائبين، فإن تاب؛ تاب الله عليه وإن عظم ذنبه، كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) [الفرقان: ٦٨ ـ ٧٠] فمن تاب من أي ذنب؛ فإن الله يتوب عليه مهما عظم ذنبه، لكن إن كانت المعصية في أمر يتعلق بالمخلوقين، فلابد من إيفائهم حقهم في

стр. 1503

الدنيا قبل الآخرة، حتى تصح توبتك. أما غير التائبين، فقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨] فغير التائبين إن كان عملهم كفراً، فإنه لا يغفر، وإن كان سوى الكفر، فإنه تحت المشيئة،؛ إن شاء الله عذب عليه، وإن شاء غفر له. لكن إن كان من الصغائر، فإن الصائر تكفر باجتناب الكبائر، وببعض الأعمال الصالحة. ثم ذكر المؤلف أحاديث متعددة في هذا الباب، وكلها أحاديث توجب للإنسان قوة الرجاء بالله ، حتى يلاقي الإنسان ربه وهو يرجو رحمته، ويغلبها على جانب الخوف. وفيها أحاديث مطلقة مقيدة بنصوص أخرى، مثل ما ذكره ﵀ في أن من لقي الله لا يشرك يه شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار. المراد بهذا: الشرك وكذلك الكفر؛ ككفر الجحود والاستكبار وما أشبه ذلك، فإنه داخل في الشرك الذي لا يغفر. نسأل الله أن يجعلنا ممن يرجو رحمته ويخافون عذابه. * * * ٦/٤١٧ ـ وعن عتبان بن مالك ﵁، وهو ممن شهد بدراً، قال: كنت اصلي لقومي ببني سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار، فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشق علي

стр. 1504

اجتيازه، فوددت أنك تأتي، فتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى. فقال رسول الله ﷺ ((سأفعل)) فغدا علي رسول ﷺ وأبو بكر الصديق، ﵁ بعد ما أشتد النهار واستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: ((أين تحب أن أصلي من بيتك؟)) فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر وصفننا وراءه فصلى ركعتين، ثم سلم وسلمنا حين سلم فحبسته على خزيرة تصنع له، فسمع أهل الدار أن رسول الله ﷺ بيتي، فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت فقام رجل: ما فعل مالك لا أراه! فقال رجل: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رجل: ما فعل رسول الله ﷺ : ((لا تقل ذلك، ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى؟!)) . فقال: الله ورسوله أعلم، أما نحن فو الله ما نرى وده، ولا حديثه إلا إلى المنافقين! فقال رسول الله ﷺ : ((فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي يذلك وجه الله)) متفق عليه. و ((عتبان)) بكسر العين المهملة، وإسكان التاء المثناه فوق وبعدها باء موحدة. و ((الخريرة)) بالخاء المعجمة، والري: هي دقيق يطبخ بشحم. وقوله: ((ثاب رجال)) بالتاء المثلثة، أي: جاؤوا واجتمعوا. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عتبان بن مالك رضي الله

стр. 1505

عنه، وكان يؤم قومه بني سالم، وكان بينه؛ أي بين بيته وبين قومه وادٍ يعني شعيب يجري فيه السيل. فإذا جاء السيل؛ شق عليه عبوره. وأضف إلى ذلك أن بصره ضعف، فصار يشق عليه مرتين؛ من جهة المشي، ومن جهة البصر والنظر. فجاء فأخبر النبي ﷺ بذلك، وطلب منه أن يأتي إلى بيته ليصلي في مكان من البيت، يتخذه عتبان مصلى يصلي فيه، وإن لم يكن مسجداً. فقال النبي ﷺ : ((سأفعل)) ثم خرج هو وأبو بكر ﵁ حين اشتد النهار، وكان أبو بكر رفيقه حضراً وسفراً، لا يفارقه، كثيراً ما يكون معه، وكثيراً ما يقول الرسول ﵊: جئت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، رجعت أنا وأبو بكر وعمر. فهما صاحباه ووزيراه ﵄، صاحباه في الدنيا، وصاحباه في البرزخ، وقريناه يوم القيامة هؤلاء الثلاثة يقومون لله رب العالمين من مكان واحد، من البيت الذي دفن فيه الرسول عليه والصلاة والسلام، والذي أصبح الآن في قرارة المسجد النبوي. انظر إلى الحكمة: اختار الله أن يكون البيت الذي دفن فيه الرسول داخل المسجد؛ ليقوم هؤلاء الثلاثة يوم القيامة من وسط المسجد، مسجد النبي عليه والصلاة والسلام. وعلى هذا لا تكره شيئاً اختاره الله، قد يختار الله شيئاً فيه مصلحة عظيمة لا تدري عنها أنت، كره الناس أن يكون بيت الرسول الذي دفن فيه في وسط المسجد، وقالوا: هذا شبهة لعباد القبور الذين يبنون المساجد

стр. 1506

على القبور. ولكن ليس في ذلك شبهة؛ لأن المسجد لم يبن على القبر، وإنما امتد المسجد وبقي القبر في البيت مستقلاً عن المسجد، ليس فيه حجة لآي إنسان إلا رجلاً مبطلاً، يقول كما قال إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [االأعراف: ١٢] ، لكن انظر الحكمة؛ أن يكون خروجهم يوم القيامة من مكان واحد، من جوف المسجد النبوي، سبحان الله العظيم، حكمة تغيب عن كثير من الناس. والحاصل أن النبي ﷺ خرج حين اشتد النهار، يعني حين ارتفعت الشمس إلى دار بني مالك، فاستأذن، فأذن له، فدخل ولم يجلس؛ بل قال: أين تريد أن أصلي؛ لأنه جاء لغرض، فأحب أن يبدأ بالغرض الذي جاء من أجله قبل أي شيء، وهذا من الحكمة؛ أنك إذا أردت شيئاً لا تعرج إلى غيره حتى تنتهي منه من أجل أن تضبط الوقت ويبارك لك فيه. كثير من الناس تضيع عليه الأوقات بسبب أنه يتلقف الأشياء. وأضرب لهذا مثلاً: هب أنك تريد أن تراجع مسألة من مسائل العلم في كتاب من الكتب، تقرأ الفهرس؛ لأجل أن تعرف أين مكان هذه المسألة، ثم تمر بك مسألة فتقول أريد أن أطلع على هذه المسألة، ثم تطلع على الأخرى، ويفوتك المقصود الذي من أجله راجعت هذا الكتاب. لكن ابدأ أولاً بما أردت قبل أي شيء، ثم بعد ذلك ما زاد فهو فضل. فصلى النبي ﷺ بالمكان، وصلوا معه جماعة؛ لأن هذه جماعة عارضة لا دائمة.

стр. 1507

ثم لما فرغ من صلاته، إذا هو قد أعد له طعاماً زهيداً، فسمع أهل الدار. الدار هو ما نسميه عندنا بالحي والحارة، سمع أهل الدار أن الرسول ﷺ عند عتبان بن مالك، فثاب إليه أناس، يعني اجتمعوا يريدون أن يهتدوا بالنبي ﵊، ويسمعوا من قوله، ويأخذوا من سنته، فاجتمعوا فقالوا: أين فلان، قالوا: ذاك منافق. ذاك منافق. فأنكر النبي ﷺ على من قال ذلك وقال: ((لا تقل ذلك، ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) . فقال الرجل: الله ورسوله أعلم؛ لأن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؛ فهو مؤمن ليس منافقاً، والمنافق يقولها رياء وسمعة، لا تدخل قلبه والعياذ بالله، أما من قالها يبتغي بها وجه الله؛ فإنه مؤمن بها، مصدق، تدخل قلبه. ثم إن النبي ﷺ قال: ((إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)) فكل من قالها يبتغي بها وجه الله، فإن الله يحرمه على النار، لماذا؟ لأنه إذا قالها يبتغي بها وجه الله؛ فإنه سيقوم بمقتضاها، ويعمل بما تقتضيه هذه الكلمة العظيمة، من أداء الواجب، وترك المحرم، والإنسان إذا أدى الواجب وترك المحرم؛ أحل الحلال، وحرم الحرام، وقام بالفرائض، واجتنب النواهي، فإن هذا من أهل الجنة، يدخل الجنة ويحرم الله عليه النار. وليس في الحديث دليل على أن تارك الصلاة لا يكفر؛ لأننا نعلم علم اليقين، مثل الشمس، أن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله لا

стр. 1508

يمكن أن يترك الصلاة. هذا محال؛ فالذي يقول: أنا لأقول لا إله إلا الله أبتغي بذلك وجه الله، وهو لا يصلي، فهو من أكذب الكاذبين. لو كان يبتغي وجه الله؛ ما ترك الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. وفي هذا الحديث فوائد: منها: أن من كانت حاله مثل حال عتبان بن مالك، فإنه معذور بترك الجماعة وله أن يصلي في بيته، مثل أن يكون بينه وبين المسجد وادٍ لا يستطيع العبور معه، فإنه معذور. ومنها: جواز قول الإنسان سأفعل في المستقبل، إذا قال ستأتينا غداً، قال: سآتيك وإن لم يقل إن شاء الله. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣، ٢٤] ، لشيء: عام سواء من فعل الله أو من فعلك؟ قلنا: إن الذي يقول سآتيك غداً له نيتان: النية الأولى: أن يقول هذا جازماً بالفعل، فهذا لا يقوله إلا أن يقول إن شاء الله؛ لأنه لا يدري أيأتي عليه الغد أو لا، ولا يدري هل إذا أتى عليه الغد يكون قادراً على الإتيان إليه أو لا، ولا يدري إذا كان قادراً، يحول بينه وبينه مانع أو لا. النية الثانية: إذا قال: سأفعل، يريد أن يخبر عما في قلبه من الجزم دون أن يقصد الفعل؛ فهذا لا بأس به؛ لأنه يتكلم عن شيء حاضر، مثل: لو قيل لك: هل ستسافر مكة؟ قلت: نعم سأسافر، تريد أن تخبر عما في

стр. 1509

قلبك من الجزم، هذا شيء حاضر حاصل، أما إن أردت الفعل، أنك ستفعل يعني سيقع منك هذا لا تقل سأفعل إلا مقروناً بمشيئة الله. ومنها: أن الإنسان يعذر بترك الجماعة فيما إذا كان بينه وبين المسجد ما يشق عليه من وحل أو ماء أو غيره، وقد كان من هدي النبي ﷺ أنه كان ينادي مناديه في الليلة المطيرة؛ أن صلوا في رحالكم يعني في أماكنكم، وذلك من أجل أن لا يشق على الناس، فأما إذا كان ماء بلا مشقة وبلا دحر ووحل؛ فإنه لا يعذر الإنسان بترك الجماعة. ومن فوائد حديث عتبان بن مالك ﵁: أن المصلى الذي يكون في البيت لا يكون له حكم المسجد، فلو أن الإنسان اتخذ مصلى في بيته لا يصلي إلا فيه فليس بمسجد، سواء حجره أو لم يحجره. وعلى هذا فلا تثبيت له أحكام المسجد؛ فيجوز للإنسان أن يبقى فيه وهو جنب، وإذا جلس فيه لا يلزمه تحية المسجد، فكل أحكام المساجد لا تثبت له، وإذا أراد أن يعتكف فيه؛ لم يصح اعتكافه. حتى لو كانت امرأة ولها مسجد في بيتها، فإنها لا تعتكف فيه. ومن فوائد حديثه ﵁: أنه يجوز أن تقام الجماعة في النوافل؛ لكن ليس دائماً بل أحياناً، فإن النبي ﷺ لما أراه عتبان المكان الذي يصلي فيه، وتقدم وصلى بهم ركعتين وصلوا خلفه، فإذا صلى الإنسان الراتبة مثلاً أو سنة الضحى، إذا صلاها جماعة؛ فلا بأس بذلك أحياناً.

стр. 1510

وثبت عنه ﷺ أنه صلى معه ابن عباس ﵄ صلاة الليل، وصلى معه ابن مسعود، وصلى معه حذيفة، لكن ليس دائماً. فصلاة الجماعة نفلا أحياناً لا بأس بها. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بأس أن يتخذ الإنسان مصلى يعتاد الصلاة فيه في بيته، ولا يقال إن هذا مثل اتخاذ مكان معين في المسجد لا يصلي إلا فيه، فإن هذا منهي عنه، يعني ينهى الإنسان أن يتخذ في المسجد مكاناً لا يصلي إلا فيه، مثل أنه لا يصلي النافلة، لا تحية المسجد ولا غيرها إلا فيه، فإن النبي ﷺ نهى عن استيطان كاستيطان البعير، يعني عن اتخاذ موطن كأعطان الإبل، تأوي إليه وتبيت فيه. ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يحبس لسانه عن الكلام في الناس، بنفاق، أو كفر أو فسق، إلا ما دعت الحاجة إليه، فإنه لا بد أن يبينه؛ لأن النبي ﷺ لما قال رجل عن مالك: إنه منافق، قال: ((لا تقل هكذا؛ أما علمت أنه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟)) . لكن هذا متى يحصل أن يشهد الرسول ﵊ لرجل بالإخلاص؛ هو ليس بحاصل بعد موت الرسول ﵊، إنما ليس لنا إلا الظاهر، فمن طهر لنا من حاله الصلاح؛ وجب علينا أن نحكم له بالصلاح، وألا نغتابه ولا نسبه. ومن فوائد هذا الحديث: محبة الصاحبة لرسول الله ﷺ والجلوس إليه؛ لأنهم لما علموا أنه عند عتبان بن مالك ثابوا إليه، واجتمعوا عنده، ليتعلموا منه، وينالهم من بركة علمه ﵊.
следующие страницы →