Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
على القبور.
ولكن ليس في ذلك شبهة؛ لأن المسجد لم يبن على القبر، وإنما امتد المسجد وبقي القبر في البيت مستقلاً عن المسجد، ليس فيه حجة لآي إنسان إلا رجلاً مبطلاً، يقول كما قال إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [االأعراف: ١٢] ، لكن انظر الحكمة؛ أن يكون خروجهم يوم القيامة من مكان واحد، من جوف المسجد النبوي، سبحان الله العظيم، حكمة تغيب عن كثير من الناس.
والحاصل أن النبي ﷺ خرج حين اشتد النهار، يعني حين ارتفعت الشمس إلى دار بني مالك، فاستأذن، فأذن له، فدخل ولم يجلس؛ بل قال: أين تريد أن أصلي؛ لأنه جاء لغرض، فأحب أن يبدأ بالغرض الذي جاء من أجله قبل أي شيء، وهذا من الحكمة؛ أنك إذا أردت شيئاً لا تعرج إلى غيره حتى تنتهي منه من أجل أن تضبط الوقت ويبارك لك فيه.
كثير من الناس تضيع عليه الأوقات بسبب أنه يتلقف الأشياء. وأضرب لهذا مثلاً: هب أنك تريد أن تراجع مسألة من مسائل العلم في كتاب من الكتب، تقرأ الفهرس؛ لأجل أن تعرف أين مكان هذه المسألة، ثم تمر بك مسألة فتقول أريد أن أطلع على هذه المسألة، ثم تطلع على الأخرى، ويفوتك المقصود الذي من أجله راجعت هذا الكتاب. لكن ابدأ أولاً بما أردت قبل أي شيء، ثم بعد ذلك ما زاد فهو فضل.
فصلى النبي ﷺ بالمكان، وصلوا معه جماعة؛ لأن هذه جماعة عارضة لا دائمة.
стр. 1507
ثم لما فرغ من صلاته، إذا هو قد أعد له طعاماً زهيداً، فسمع أهل الدار. الدار هو ما نسميه عندنا بالحي والحارة، سمع أهل الدار أن الرسول ﷺ عند عتبان بن مالك، فثاب إليه أناس، يعني اجتمعوا يريدون أن يهتدوا بالنبي ﵊، ويسمعوا من قوله، ويأخذوا من سنته، فاجتمعوا فقالوا: أين فلان، قالوا: ذاك منافق. ذاك منافق.
فأنكر النبي ﷺ على من قال ذلك وقال: ((لا تقل ذلك، ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) .
فقال الرجل: الله ورسوله أعلم؛ لأن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؛ فهو مؤمن ليس منافقاً، والمنافق يقولها رياء وسمعة، لا تدخل قلبه والعياذ بالله، أما من قالها يبتغي بها وجه الله؛ فإنه مؤمن بها، مصدق، تدخل قلبه.
ثم إن النبي ﷺ قال: ((إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)) فكل من قالها يبتغي بها وجه الله، فإن الله يحرمه على النار، لماذا؟ لأنه إذا قالها يبتغي بها وجه الله؛ فإنه سيقوم بمقتضاها، ويعمل بما تقتضيه هذه الكلمة العظيمة، من أداء الواجب، وترك المحرم، والإنسان إذا أدى الواجب وترك المحرم؛ أحل الحلال، وحرم الحرام، وقام بالفرائض، واجتنب النواهي، فإن هذا من أهل الجنة، يدخل الجنة ويحرم الله عليه النار.
وليس في الحديث دليل على أن تارك الصلاة لا يكفر؛ لأننا نعلم علم اليقين، مثل الشمس، أن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله لا
стр. 1508
يمكن أن يترك الصلاة. هذا محال؛ فالذي يقول: أنا لأقول لا إله إلا الله أبتغي بذلك وجه الله، وهو لا يصلي، فهو من أكذب الكاذبين. لو كان يبتغي وجه الله؛ ما ترك الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين.
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: أن من كانت حاله مثل حال عتبان بن مالك، فإنه معذور بترك الجماعة وله أن يصلي في بيته، مثل أن يكون بينه وبين المسجد وادٍ لا يستطيع العبور معه، فإنه معذور.
ومنها: جواز قول الإنسان سأفعل في المستقبل، إذا قال ستأتينا غداً، قال: سآتيك وإن لم يقل إن شاء الله. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣، ٢٤] ، لشيء: عام سواء من فعل الله أو من فعلك؟
قلنا: إن الذي يقول سآتيك غداً له نيتان:
النية الأولى: أن يقول هذا جازماً بالفعل، فهذا لا يقوله إلا أن يقول إن شاء الله؛ لأنه لا يدري أيأتي عليه الغد أو لا، ولا يدري هل إذا أتى عليه الغد يكون قادراً على الإتيان إليه أو لا، ولا يدري إذا كان قادراً، يحول بينه وبينه مانع أو لا.
النية الثانية: إذا قال: سأفعل، يريد أن يخبر عما في قلبه من الجزم دون أن يقصد الفعل؛ فهذا لا بأس به؛ لأنه يتكلم عن شيء حاضر، مثل: لو قيل لك: هل ستسافر مكة؟ قلت: نعم سأسافر، تريد أن تخبر عما في
стр. 1509
قلبك من الجزم، هذا شيء حاضر حاصل، أما إن أردت الفعل، أنك ستفعل يعني سيقع منك هذا لا تقل سأفعل إلا مقروناً بمشيئة الله.
ومنها: أن الإنسان يعذر بترك الجماعة فيما إذا كان بينه وبين المسجد ما يشق عليه من وحل أو ماء أو غيره، وقد كان من هدي النبي ﷺ أنه كان ينادي مناديه في الليلة المطيرة؛ أن صلوا في رحالكم يعني في أماكنكم، وذلك من أجل أن لا يشق على الناس، فأما إذا كان ماء بلا مشقة وبلا دحر ووحل؛ فإنه لا يعذر الإنسان بترك الجماعة.
ومن فوائد حديث عتبان بن مالك ﵁: أن المصلى الذي يكون في البيت لا يكون له حكم المسجد، فلو أن الإنسان اتخذ مصلى في بيته لا يصلي إلا فيه فليس بمسجد، سواء حجره أو لم يحجره.
وعلى هذا فلا تثبيت له أحكام المسجد؛ فيجوز للإنسان أن يبقى فيه وهو جنب، وإذا جلس فيه لا يلزمه تحية المسجد، فكل أحكام المساجد لا تثبت له، وإذا أراد أن يعتكف فيه؛ لم يصح اعتكافه. حتى لو كانت امرأة ولها مسجد في بيتها، فإنها لا تعتكف فيه.
ومن فوائد حديثه ﵁: أنه يجوز أن تقام الجماعة في النوافل؛ لكن ليس دائماً بل أحياناً، فإن النبي ﷺ لما أراه عتبان المكان الذي يصلي فيه، وتقدم وصلى بهم ركعتين وصلوا خلفه، فإذا صلى الإنسان الراتبة مثلاً أو سنة الضحى، إذا صلاها جماعة؛ فلا بأس بذلك أحياناً.
стр. 1510
وثبت عنه ﷺ أنه صلى معه ابن عباس ﵄ صلاة الليل، وصلى معه ابن مسعود، وصلى معه حذيفة، لكن ليس دائماً. فصلاة الجماعة نفلا أحياناً لا بأس بها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بأس أن يتخذ الإنسان مصلى يعتاد الصلاة فيه في بيته، ولا يقال إن هذا مثل اتخاذ مكان معين في المسجد لا يصلي إلا فيه، فإن هذا منهي عنه، يعني ينهى الإنسان أن يتخذ في المسجد مكاناً لا يصلي إلا فيه، مثل أنه لا يصلي النافلة، لا تحية المسجد ولا غيرها إلا فيه، فإن النبي ﷺ نهى عن استيطان كاستيطان البعير، يعني عن اتخاذ موطن كأعطان الإبل، تأوي إليه وتبيت فيه.
ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يحبس لسانه عن الكلام في الناس، بنفاق، أو كفر أو فسق، إلا ما دعت الحاجة إليه، فإنه لا بد أن يبينه؛ لأن النبي ﷺ لما قال رجل عن مالك: إنه منافق، قال: ((لا تقل هكذا؛ أما علمت أنه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟)) .
لكن هذا متى يحصل أن يشهد الرسول ﵊ لرجل بالإخلاص؛ هو ليس بحاصل بعد موت الرسول ﵊، إنما ليس لنا إلا الظاهر، فمن طهر لنا من حاله الصلاح؛ وجب علينا أن نحكم له بالصلاح، وألا نغتابه ولا نسبه.
ومن فوائد هذا الحديث: محبة الصاحبة لرسول الله ﷺ والجلوس إليه؛ لأنهم لما علموا أنه عند عتبان بن مالك ثابوا إليه، واجتمعوا عنده، ليتعلموا منه، وينالهم من بركة علمه ﵊.
стр. 1511
ومنها: ما سبق أن أشرنا إليه أن الإنسان يبدأ بالشغل الذي يريده قبل كل شيء؛ لأن النبي ﷺ صلى في المكان قبل أن يجلس، وقبل لأن ينظر إلى ما صنع له من الطعام.
ومن فوائده أيضاً: أن الرسول ﵊ كان على جانب كبير من التواضع؛ لأنه لما انتهى من الصلاة، يقول عتبان: حبسته على (خريرة) نوع من الطعام ليس بذاك الجيد. حبسه: يعني قال له انتظر حتى ينتهي الطعام، ويقدمه إلى رسول الله ﷺ ، وهذا لا شك أن فيه تواضعاً من رسول الله ﷺ .
ومنها: وهي من أكبر فوائد هذا الحديث. أن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، فإن الله يحرم عليه النار ((فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) يعني يطلب وجه الله.
ومعلوم أن الذي يقول هذا طالباً وجه الله، فسيفعل كل شيء يقربه إلى الله، من فروض ونوافل، فلا يكون في هذا دليل للكسالى والمهملين؛ يقولون: نحن نقول لا إله إلا الله نبتغي بذلك وجه الله. نقول: لو كنتم صادقين ما أهملتم العبادات الواجبة عليكم.
* * *
٧/٤١٨ ـ وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ ، بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذ وجدت صبياً في السبي أخذته، فألزقته ببطنها، فأرضعته، فقال رسول الله ﷺ : ((أترون هذه المرأة طارحة ولدها في
стр. 1512
النار؟ قلنا: لا والله. فقال: ((لله أرحم بعباده من هذه بولدها)) متفق عليه.
٨/٤١٩ ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)) .
وفي رواية: ((غلبت غضبي)) وفي رواية ((سبقت غضبي)) . متفق عليه.
٩/٤٢٠ ـ وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه)) .
وفي رواية: ((إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تعالى تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة)) متفق عليه.
ورواه مسلم أيضا من رواية سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إن لله تعالى مائة رحمة؛ فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسع وتسعون ليوم القيامة)) .
стр. 1513
وفي رواية: ((إن الله تعالى خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمه؛ كل رحمة طباق ما بين السماء إلى الأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة، أكملها بهذه الرحمة)) .
١١/٤٢٢ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم)) رواه مسلم.
١١/٤٢٣ ـ وعن أبي خالد بن زيد ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لولا أنكم تذنبون؛ لخلق الله خلقا يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم) رواه مسلم.
١٣/٤٢٤ ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا قعوداً مع رسول الله ﷺ معنا أبو بكر وعمر ﵄ في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، فخشينا أن يقتطع دوننا؛ ففزعنا، فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطا للأنصار ـ وذكر الحديث بطوله إلى قوله: فقال: رسول الله ﷺ : ((اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة)) رواه مسلم.
стр. 1514
١٤/٤٢٥ ـ وعن عبد الله عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم ﷺ : (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) (إبراهيم: ٣٦)
وقول عيسى ﷺ : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: ١١٨] ، فرع يديه وقال: ((اللهم أمتي أمتي)) وبكى، فقال الله : ((يا جبريل اذهب إلى محمدٍ، وربك أعلم، فسله ما يبكيه؟)) فأتاه جبريل فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله تعالى: ((يا جبريل اذهب إلى محمدٍ فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك)) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في باب الرجاء، ذكرها المؤلف ﵀ وهي كثيرة جداً منها: أن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، ودليل ذلك قصة المرأة التي كانت في السبي فرأت صبياً، فأخذته وألصقته على صدرها وأرضعته. فقال النبي ﷺ : ((أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار)) . قالوا لا. قال: ((فالله أرحم بعباده من هذه بولدها)) .
وهذا من تمام رحمته .
وآيات ذلك كثيرة، منها النعم التي تترى علينا، وأعظمها نعمة الإسلام، فإن الله تعالى أضل عن الإسلام أمماً، وهدى عباده المؤمنين لذلك وهي أكبر النعم.
стр. 1515
ومنها: أن الله أرسل الرسل إلى الخلق مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل.
وكذلك ذكر المؤلف الأحاديث التي فيها أن رحمة الله سبقت غضبه، ولهذا يعرض الله المذنبين أن يستغفروا ربهم، حتى يغفر لهم، ولو شاء لأهلكهم ولم يرغبهم في التوبة.
(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) [فاطر: ٤٥] ، ولهذا قال في الحديث الذي رواه مسلم، قال: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم)) .
وهذا ترغيب في أن الإنسان إذا أذنب، فليستغفر الله، فإنه إذا استغفر الله بنية صادقة، وقلب موقن فإن الله تعالى يغفر له، (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: ٥٣] .
ومنها: أن النبي صلى اله عليه وسلم لما تلا قول إبراهيم ﵊ في الأصنام: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦] ، وقول عيسى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: ١١٨] ؛ رفع ﷺ يديه وبكى، وقال: ((يا رب؛ أمتي أمتي)) فقال الله لجبريل ((اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولانسوؤك)) .
وقد أرضاه الله في لأمته، بأن جعل لهذه الأمة أجرها
стр. 1516
مضاعفاً، كما جاء في الحديث الصحيح: أن مثل الأمة مع من سبقها، كمثل رجل استأجر أجراء، من أول النهار إلى الظهر، فأعطاهم على دينار ديناراً، واستأجر أجراء من الظهر إلى العصر وأعطاهم على دينار دينارً، واستأجر أجراء من العصر إلى الغروب وأعطاهم على دينارين دينارين، فاحتج الأولون وقالوا: كيف تعطينا على دينار دينار ونحن أكثر منهم عملاً وتعطي هؤلاء على دينارين دينارين.
فقال لهم الذي استأجرهم: هل ظلمتكم شيئاً؟ قالوا: لا.
إذاً لا لوم عليه في ذلك؛ ففضل الله على هذه الأمة كثير.
وقد أرضاه الله في أمته ولله الحمد من عدة وجوه، منها كثرة الأجر، وأنهم الآخرون السابقون يوم القيامة، وأنها فضلت بفضائل كثيرة، مثل قوله ﵊: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)) .
فهذه الخصائص له ولأمته ﵊. فالحاصل أن هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀، كلها أحاديث رجاء، تحمل الإنسان على أن يعمل العمل الصالح، يرجو بذلك ثواب الله ومغفرته.
* * *
стр. 1517
١٥/٤٢٦ ـ وعن معاذ بن جبل ﵁، قال: كنت ردف النبي ﷺ على حمار فقال: ((يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟)) قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: ((فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا)) .
فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: ((لا تبشرهم فيتكلوا)) متفق عليه.
١٦/٤٢٧ ـ وعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: ٢٧] متفق عليه.
١٧/٤٢٨ ـ وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الكافر إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن، فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته)) .
وفي رواية: ((إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها
стр. 1518
في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله تعالى في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها)) رواه مسلم.
١٩/٤٣٠ ـ وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه)) رواه مسلم.
٢٠/٤٣١ ـ وعن ابن مسعود رصي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في قبة نحوا من أربعين، فقال: ((أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)) قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم.
قال: ((والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر)) متفق عليه.
٢١/٤٣٢ ـ وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً، فيقول: هذا فكاكك من النار)) .
стр. 1519
وفي رواية عن النبي ﷺ قال: ((يجئ يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم)) رواه مسلم.
قوله: ((دفع إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً، فيقول: هذا فكاكك من النار)) معناه ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: ((لكل أحد منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار؛ لأنه مستحق لذلك بكفره)) .
ومعنى ((فكاكك)) : أنك كنت معرضاً لدخول النار، وهذا فكاكك؛ لأن الله تعالى قدر للنار عدداً يملؤها، فإذا دخلها الكافر بذنوبهم وكفرهم، صاروا في معنى الفكاك للمسلمين. والله أعلم.
٢٢/٤٣٣ ـ وعن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته)) متفق عليه.
((كنفه)) ستره ورحمته.
стр. 1520
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث المتعددة كلها في باب الرجاء، ولكن الرجاء لابد أن يكون له عمل يبني عليه.
أما الرجاء من دون عمل يُبنى عليه، فإنه تمنٍّ لا يستفيد منه العبد، ولهذا جاء في الحديث: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)) . فلابد من عمل يتحقق به الرجاء.
ذكر المؤلف ﵀ حديث معاذ بن جبل؛ أنه كان ردف النبي ﷺ على حمار. فقال: له: ((أتدري ما حق الله على العباد، وحق العباد على الله؟)) قال الله ورسوله أعلم.
وهذا من آداب طالب العلم، إذا سئل عن شيء؛ أن يقول الله أعلم، ولا يتكلم فيما لا يعلم.
قال ((حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)) .
يعني أن لا يعذب من عبده وهو لا يشرك به شيئاً؛ لأن نفي الشرك يدل على الإخلاص والتوحيد، ولا إخلاص وتوحيد إلا بعبادة.
فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ فقال ((لا تبشرهم فيتكلوا)) .
стр. 1521
يعني لا تبشرهم فيتكلوا على ما يجب، ولا يقوموا بما ينبغي أن يقوموا به من النوافل، ولكن معاذاً ﵁ أخبر بها عند موته تأثماً. يعني خوفاً من إثم كتمان العلم فأخبر بها.
ولكن قول الرسول: ((لا تبشرهم فيتكلوا)) فيه إنذار من الاتكال على هذا، وأن الإنسان يجب أن يعلم أنه لابد من عبادة.
وكذلك الأحاديث التي ذكرها المؤلف كلها في سياق الرجاء. منها أن المؤمن يسأل في القبر، فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال النبي ﷺ هذا هو القول الثابت الذي قال الله فيه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: ٢٧] ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
والميت في قبره يسأل عن ثلاث: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ .
وكذلك أيضا ما ذكره ﵀ من صفة محاسبة العبد المؤمن، أن الله يأتي يوم القيامة، فيخلو بعبده المؤمن، ويضع عليه كنفه يعني ستره ويقول: فعلت كذا وفعلت كذا، ويقرره بالذنوب، فإذا أقر قال ((كنت سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطى كتاب حسناته باليمين)) .
ومن ذلك أيضا أن المؤمنين كل واحد منهم يهودياً أو نصرانياً يوم القيامة، ويقال: هذا فكاكك من النار، يعني هذا يكون بدلك في النار، وأما أنت فقد نجوت.
стр. 1522
فنحن يوم القيامة إن شاء الله تعالى كل واحد منا يجعل بيده يهودي أو نصراني يلقى في النار بدلاً عنه، يكون فكاكاً له من النار.
ولا يلزم من هذا أن يكون اليهود والنصارى على قدر المسلمين، فالكفار أكثر من المسلمين بكثير، من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم؛ لأن بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون كلهم في النار وواحد في الجنة.
وذكر المؤلف أيضا حديثاً أن الرسول ﵊ عرض على الصحابة. فقال ((أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة؟ قالوا: بلى، قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة)) يعني: نصف أهل الجنة من هذه الأمة، والنصف الباقي من بقية الأمم كلها، وهذا يدل على كثرة هذه الأمة، لأنها آخر الأمم، وهي التي ستبقى إلى يوم القيامة.
وقد جاء في السنن والمسند، أن صفوف أهل الجنة مائة وعشرون، منها ثمانون من هذه الأمة، فتكون هذه الأمة ثلثي أهل الجنة، وهذا من رحمة الله ومن فضل الرسول ﵊؛ لأن الرسول ﷺ يعطى أجر كل من عمل بسنته وشريعته.
* * *
стр. 1523
٢٣/٤٣٤ ـ وعن ابن مسعود ﵁ أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، أتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات) [هود: ١١٤] . فقال الرجل: ألي هذا يا رسول الله؟ قال: ((لجميع أمتي كلهم)) متفق عليه.
٢٤/٤٣٥ ـ وعن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أصبت حداً، فأقمه علي، وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله ﷺ فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله، إني أصب حداً، فأقم في كتاب الله. قال: ((هل حضرت معنا الصلاة؟)) قال: نعم ((قد غُفِر لك)) متفق عليه.
وقوله: ((أصبت حداً)) معناه: معصية توجب التعزير، وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي؛ كحد الزنا والخمر وغيرهما، فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة، ولا يجوز للإمام تركها.
٢٥/٤٣٦ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها)) رواه مسلم.
((الأكلة)) بفتح الهمزة وهي المرة الواحدة من الأكل: الغدوة والعشوة ,
стр. 1524
والله أعلم
٢٦/٤٣٧ ـ وعن أبي موسى ﵁ عن النبي صلى الله عله وسلم قال: ((إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)) رواه مسلم.
٢٧/٤٣٨ ـ وعن أبي نجيح عمرو بن عبسة ـ بفتح العين والباء ـ السلمي ﵁ قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً، جراْء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت قال: ((أنا نبي)) .
قلت: وما نبي؟ قال: ((أرسلني الله)) .
قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: ((أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء)) .
قلت: فمن معك على هذا؟
قال: ((حر وعبد)) . ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ﵄ قلت: إني متبعك، قال: ((إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني)) .
قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم نفر من أهلي المدينة،
стр. 1525
فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟
قال ((نعم أنت الذي لقيتني بمكة)) قال: فقلت: يا رسول الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟
قال ((صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإنه الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنه حينئذ تسجر جنهم؛ فإذا أقبل الفيء فصل؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار)) .
قال: فقلت: يا نبي الله، فالوضوء حدثني عنه.
فقال: ((ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض ويستنشق فينتثر، إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه، إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل، وفرَغ قلبه لله تعالى، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه)) .
стр. 1526
فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة، انظر ما تقول! في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا أمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله تعالى، لا على رسول الله ﷺ ، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ مرة أو مرتين أو ثلاثا، حتى عد سبع مرات، ما حدثت أبداً به، ولكني سمعته أكثر من ذلك. رواه مسلم.
قوله: ((جُرآء عليه قومه)) : هو بجيم مضمومة وبالمد على وزن علماء، أي: جاسرون مستطيلون غير هائبين. هذه الرواية المشهورة، ورواه الحميدي وغيره: ((حِراء)) بكسر الحاء المهملة، وقال: معناه: غِضاب ذوو غم وهم، قد عيل صبرهم به، حتى أثر في أجسامهم، من قولهم: حري جسمه يحرى، إذا نقص من ألم أو غم ونحوه، والصحيح أنه بالجيم. قوله ﷺ : ((بين قرني الشيطان)) أي: ناحيتي رأسه، والمراد التمثيل، معناه: أنه حينئذ يتحرك الشيطان وشيعته، ويتسلطون. وقوله: ((يقرب وضوءه)) معناه: يحضر الماء الذي يتوضأ به. وقوله: ((إلا خرت خطايا)) هو بالخاء المعجمة: أي سقطت، وراء بعضهم ((جرت) بالجيم، والصحيح بالخاء، وهو رواية الجمهور. وقوله: ((فينتثر)) أي: يستخرج ما في أنفه من أذى، والنثرة: طرف الأنف.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ كلها أيضاً فيها من
стр. 1527
الرجاء ما فيها، فمن ذلك أن الصلوات الخمس تكفر السيئات التي قبلها، كما في قصة الرجل الذي أصاب من امرأة قبلة، والذي أصاب حداً وطلب من النبي ﷺ أن يقيمه عليه، فإن الصلاة هي أفضل أعمال البدن وهي تذهب السيئات، قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤] .
ولكن لابد أن تكون الصلاة على الوجه الذي يرضاه الله ، كما في حديث عمرو بن عبسة حينما أمره النبي ﷺ أن يتوضأ وأرشده إلى أن لها لأوقات محدودة، وهناك أوقات ينهى الإنسان أن يصلي فيها.
ثم أرشد النبي صلى اله عليه وسلم عمرو بن عبسة إلى صفة الوضوء الصحيحة؛ لأن الإنسان إذا توضأ على هذه الصفة خرجت خطاياه، وإذا صلى وقد فرغ قلبه لله كفر الله عنه.
فلابد من ملاحظة هذا القيد؛ لأن من الناس من يصلي ولكنه ينصرف من صلاته ما كتب له إلا عشرها أو أقل؛ لأن قلبه غافل وكأنه ليس في صلاة؛ بل كأنه يبيع ويشتري أو يعمل أعمالاً أخرى حتى تنتهي الصلاة.
ومن وساوس الشيطان أن الإنسان يصلي فإذا كبر للصلاة؛ انفتحت عليه الهواجس من كل مكان، فإذا سلم زالت عنه، مما يدل على أن هذا من الشيطان، يريد أن يخرب عليه صلاته حتى يحرم من هذا الأجر العظيم.
وفي حديث عمرو بن عبسة فوائد كثيرة منها: أن النبي ﷺ بدأ غريباً خائفاً متخفياً ﵊، جاءه عمرو بن عبسة وقد رأى ما عليه
стр. 1528
أهل الجاهلية وأنهم ليسوا على شيء، فصار يتطلب الدين الصحيح الموافق للفطرة، حتى سمع بالنبي ﷺ في مكة، فجاء إليه، فوجده مستخفياً في بيته، لم يتبعه إلا حر وعبد ـ أبو بكر وبلال ـ لم يتبعه أحد، وفي هذا دليل على أن أبا بكر ﵁ أول من آمن بالرسول ﵊، ثم آمن بعده من الأحرار على بن أبي طالب ﵁.
ومن حكمة النبي ﷺ أنه قال لعمرو: ((إنك لا تستطيع أن تعلن إسلامك في هذا اليوم، ولكن اذهب فإذا سمعت أني خرجت فأتني)) فذهب وأتى إليه بعد نحو ثلاثة عشرة سنة في المدينة، بعد أن هاجر وقال له: أتعرفني؟ قال ((نعم)) . وأخبره أنه يعرفه، لم ينس طوال هذه المدة.
ثم أخبره مما يجب عليه لله من حقوق، وبين له أن الإنسان إذا توضأ وأحسن الوضوء؛ خرجت خطاياه من جميع أعضائه، وأنه إذا صلى فإن هذه الصلاة تكفر عنه، فدل ذلك على أن فضل الله أوسع من غضبه، وأن رحمته سبقت غضبه. نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته إنه جواد كريم.
стр. 1529
٥٢ ـ باب فضل الرجاء
قال الله تعالى إخباراً عن العبد الصالح: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) [غافر: ٤٤، ٤٥] .
١/٤٤٠ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((قال الله : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني ـ والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة ـ ومن تقرب إلى شبرا؛ تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا؛ تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول)) متفق عليه، وهذا لفظ إحدى روايات مسلم. وتقدم شرحه في الباب قلبه.
٢/٤٤١ ـ وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) رواه مسلم.
٢/٤٤٢ ـ وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: ((يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي
стр. 1530
شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
((عنان السماء)) بفتح العين، قيل: هو ما عنَ لك منها، أي: ظهر إذا رفعت رأسك، وقيل: هو السحاب، و ((قراب الأرض)) بضم القاف، وقيل: بكسرها، والضم أصح وأشهر، وهو ما يقارب ملأها، والله أعلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الرجاء، لما ذكر ﵀ النصوص الدالة على الرجاء وعلى سعة فضل الله وكرمه، ذكر فضل الرجاء، وأن الإنسان ينبغي له أن يكون طامعاً في فضل الله راجياً ما عنده.
ثم ذكر قول العبد الصالح وهو الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه، وكان ناصحاً لقومه، يناصحهم ويبين لهم بالبرهان ما هم عليه من الباطل، وما عليه موسى من الحق، وفي النهاية قال لهم: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر: ٤٤] .
(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) يعني: أجعله مفوضاً إليه، لا أعتمد على غيره، ولا أرجو إلا إياه (إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) قال الله تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) أي: سيئات مكرهم (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٥] .
стр. 1531
ثم ذكر حديث أبي هريرة أن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني)) . أنا عند ظن عبدي بي: يعني أن الله عند ظن عبده به؛ إن ظن به خيراً فله، وإن ظن به سوى ذلك فله، ولكن متى يحسن الظن بالله ؟
يحسن الظن بالله إذا فعل ما يوجب فضل الله ورجاءه، فيعمل الصالحات ويحسن الظن بأن الله تعالى يقبله، أما أن يحسن الطن وهو لا يعمل؛ فهذا من باب التمني على الله، ومن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فهو عاجز.
حسن الظن بأن يوجد من الإنسان عمل يقتضي حسن الظن بالله ، فمثلاً إذا صليت أحسن الظن بالله بأن الله يقبلها منك، إذا صمت فكذلك، إذا تصدقت فكذلك، إذا عملت عملاً صالحاً أحسن الظن بأن الله تعالى يقبل منك، أما أن تحسن الظن بالله مع مبارزتك له بالعصيان فهذا دأب العاجزين الذين ليس عندهم رأس مالٍ يرجعون إليه.
ثم ذكر أن الله أكرم من عبده، فإذا تقرب الإنسان إلى الله شبراً؛ تقرب الله منه ذراعاً، وإن تقرب منه ذراعا ً، تقرب منه باعاً، وإن أتاه يمشي أتاه يهرول ، فهو أكثر كرما وأسرع إجابة من عبده.
وهذه الأحاديث وأمثالها مما يؤمن يه أهل السنة والجماعة على أنه حق حقيقة لله ، لكننا لا ندري كيف تكون هذه الهرولة، وكيف يكون هذا التقرب، فهو أمر ترجع كيفيته إلى الله، وليس لنا أن نتكلم فيه، لكن نؤمن بمعناه ونفوض كيفيته، إلى الله .
стр. 1532
ثم ذكر المؤلف أحاديث في هذا المعنى كلها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بالله أن يحسن الظن بالله ، ولكن مع فعل الأسباب التي توجب ذلك. نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.
стр. 1533
٥٣ ـ باب الجمع بين الخوف والرجاء
اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفاً راجياً، ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء.
وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك،
قال الله تعالى: (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [االأعراف: ٩٩] . وقال تعالى: (إِنَّهُ لا يَايْئسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: ٨٧] . وقال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران: ١٠٦] وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأعراف: ١٦٧] . وقال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: ١٣، ١٤] . وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) [القارعة: ٦، ٩] . والآيات في هذا المعني كثيرة. فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية.
١/٤٤٣ ـ وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد)) رواه مسلم.
٢/٤٤٤ ـ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا
стр. 1534
وضعت الجنازة واحتملها الناس أو الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة، قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق)) رواه البخاري.
٣/٤٤٥ ـ وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الجمع بين الخوف والرجاء، وتغليب الرجاء في حال المرض.
هذا الباب قد اختلف فيه العلماء هل الإنسان يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؟ .
فمنهم من قال: يغلب جانب الرجاء مطلقاً، ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف مطلقاً.
ومنهم من قال ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه سواء، لا يغلب هذا على هذا، ولا هذا على هذا؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء؛ أمن مكر الله، وإن غلب جانب الخوف؛ يئس من رحمة الله.
وقال بعضهم: في حال الصحة يجعل رجاءه وخوفه واحداً كما اختاره النووي ﵀ في هذا الكتاب، وفي حال المرض يغلب الرجاء
стр. 1535
أو يمحضه.
وقال بعض العلماء أيضاً: إذا كان في طاعة؛ فليغلب الرجاء، وأن الله يقبل منه، وإذا كان فعل المعصية؛ فليغلب الخوف؛ لئلا يقدم على المعصية.
والإنسان ينبغي له أن يكون طبيب نفسه، إذا رأى من نفسه أنه أمن من مكر الله، وأنه مقيم على معصية الله، ومتمنٍ على الله. الأماني، فليعدل عن هذه الطريق، وليسلك طريق الخوف.
وإذا رأى أن فيه وسوسة، وأنه يخاف بلا موجب؛ فليعدل عن هذا الطريق وليغلب جانب الرجاء حتى يستوي خوفه ورجاؤه.
ثم ذكر المؤلف ﵀ آيات جمع الله فيها ذكر ما يوجب الخوف، وذكر ما يوجب الرجاء، ذكر فيها أهل الجنة وأهل النار، وذكر فيها صفته وأنه شديد العقاب وأنه غفور رحيم.
وتأمل قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) [المائدة: ٩٨، ٩٩] ؛ حيث إنه في مقام التهديد والوعيد قدم ذكر شدة العقاب (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
وفي حالة تحدثه عن نفسه وبيان كمال صفاته قال: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [الحجر: ٤٩، ٥٠] ؛ فقدم ذكر المغفرة على ذكر العذاب؛ لأنه يتحدث عن نفسه ، وعن صفاته الكاملة ورحمته التي سبقت غضبه.
ثم ذكر المؤلف أحاديث في هذا المعنى تدل على أنه يجب على
стр. 1536
الإنسان أن يجمع بين الخوف الرجاء، مثل قول النبي ﷺ : ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة؛ ما طمع بجنته أحد)) .
والمراد لو يعلم علم حقيقة وعلم كيفية لا أن المراد لو يعلم علم نظر وخبر؛ فإن المؤمن يعلم ما عند الله من العذاب لأهل الكفر والضلال، لكن حقيقة هذا لا تدرك الآن، لا يدركها إلا من رقع في ذلك ـ أعاذنا الله وإياكم من عذابه.
((ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد)) ، والمراد حقيقة ذلك، وإلا فإن الكافر يعلم أن الله غفور رحيم، ويعلم معنى المغفرة، ويعلم معنى الرحمة.
وذكر المؤلف أحاديث في معنى ذلك مثل قوله: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) .
شراك النعل يضرب به المثل في القرب؛ لأن الإنسان لا بس نعله، فالجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله؛ لأنها ربما تحصل للإنسان بكلمة واحدة، والنار مثل ذلك، ربما تحدث النار بسبب كلمة يقولها القائل، مثل الرجل الذي كان يمر على صاحب معصية فينهاه ويزجره، فلما تعب قال: والله لا يغفر الله لفلان.
فقال الله تعالى: ((من ذا الذي يتألى علىَ ألا أغفر لفلان؛ قد غفرت له وأحبطت عملك)) ، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
стр. 1537
فالواجب على الإنسان أن يكون طبيب نفسه في كونه يغلب كونه الخوف أو الرجاء، إن رأى نفسه تميل إلى الرجاء وإلى التهاون بالواجبات وإلى انتهاك المحرمات استناداً إلى مغفرة الله ورحمته؛ فليعدل عن هذا الطريق، وإن رأى أن عنده وسواساً، وأن الله لا يقبل منه؛ فإنه يعدل عنه هذا الطريق.
стр. 1538
٥٤ ـ باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقا إليه
قال الله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) [الإسراء: ١٠٩] . وقال تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠] .
١/٤٤٦ ـ وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : اقرأ علي القرآن)) قلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ ! قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: ٤١] قال: ((حسبك الآن)) فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه.
٢/٤٤٧ ـ وعن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) قال فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين. متفق عليه، وسبق بيانه في باب الخوف.
٣/٤٤٨ ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يلج
стр. 1539
النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم)) رواه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح.
٤/٤٤٩ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب فضل البكاء من خشية الله ، يعني خوفاً منه وشوقاً إليه ﵎، وذلك أن البكاء له أسباب: تارة يكون الخوف، وتارة يكون الألم، وتارة يكون الشوق، وغير ذلك من الأسباب التي يعرفها الناس.
ولكن البكاء من خشية الله إما خوفاً منه وإما شوقاً إليه ﵎، فإذا كان البكاء من معصية فعلها
الإنسان؛ فهذا البكاء سببه الخوف من الله ، وإذا كان عن طاعة فعلها، كان هذا البكاء شوقاً إلى الله .
стр. 1540
وذكر المؤلف ﵀ آيتين: آية فيها الثناء على الذين يبكون من خشية الله وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) [الإسراء: ١٠٧] أي أوتوا العلم من قبل القرآن، وهم أهل الكتاب (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً) [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨] ، يعني إن وعد ربنا واقع لا محالة، فإن هنا للتوكيد.
(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) يعني عليها، والمراد المبالغة في السجود، حتى تكاد أذقانهم تضرب بالأرض من شدة المبالغة في سجودهم (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) خشوعاً في القلب يظهر أثره وعلامته على الجوارح.
والآية الثانية قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠] ، وهذا ذم لهم أن يضحك الإنسان من القرآن ويعجب منه عجب استنكار وسخرية ولا يبكي منه، والقرآن أعظم واعظ، يعظ الله به القلوب، لكنه إذا ورد على قلوب كالحجارة والعياذ بالله؛ فإنها لا تلين ولكنها تزداد صلابة. نسأل الله العافية.
ثم ذكر المؤلف حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ طلب منه أن يقرأ عليه القرآن، فقال: يا رسول الله، كيف أقرؤه عليك وعليك أنزل؟ يعني: أنت أعلم به مني، فكيف أقرؤه عليك؟ . قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) .
هكذا قال النبي ﵊، وفيه إشارة إلى أن الإنسان قد يكون إنصاته لقراءة غيره أخشع لقلبه مما لو قرأ هو، وهو كذلك أحياناً،
стр. 1541
فأحياناً إذا سمعت القرآن من غيرك خشعت وبكيت، لكن لو قرأته أنت خشعت على هذه الهيئة.
فقرا عليه سورة النساء، فلما بلغ هذه الآية العظيمة: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: ٤١] ، يعني ماذا تكون حالك؟ ! وماذا تكون حالهم؟ !
كيف هنا للاستفهام، والاستفهام يشد النفس وينبه القلب (إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد) يوم القيامة.
والشهداء طائفتان من الناس:
الطائفة الأولى: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: ١٤٣] .
والثانية: أهل العلم الذين ورثوا الأنبياء، فإنهم شهداء بعد ميراث الأنبياء بعد أن يموت الأنبياء، فالشهداء على الخلق هم العلماء بعد الرسل يشهدون بأن الرسل بلغوا، ويشهدون على الأمة بأن الرسالة قد بلغتهم، ويالها من ميزة عظيمة لأهل العلم، أن يكونوا هم شهداء الله في أرضه.
يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) ، وقد ذكر الله في سورة الجاثية (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) على ركبها (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) كتاب الأعمال، أو إلى كتابها الذي نزل
عليها بالوحي (تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ) يعني يا محمد (عَلَى هَؤُلاء) الأمم (شَهِيداً) ماذا تكون الحال. فقال النبي
стр. 1542
صلى الله عليه وسلم: ((حسبك الآن)) . قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
يبكي ﵊ خوفاً من هذه الحالة الرهيبة العظيمة. ففي هذا دليل على البكاء من قراءة القرآن وأن الإنسان يبكي من قراءة القرآن.
وذكر المؤلف حديثاً آخر سبق لنا شرحه وهو أن الرسول ﵊ قال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) يعني لو تعلمون ما أعلم من حقائق الأمور التي أخفاها الله عنكم وعلمها الرسول ﷺ لكنه أخفاها عن الخلق رحمة بهم وعلمها النبي ﷺ ولكنه لم يؤمر بإبلاغها للناس، وقد يكون المراد بذلك حقائق ما أخبره أنه يعلم شيئاً من الحقائق لا يعلمها الناس، فالله أعلم.
ولما قال ﷺ : ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قيلا ً ولبكيتم كثيراً)) غطى الصحابة وجوههم ولهم خنين. يعني أصوات بكاء. يبكون لأن المراد بقول الرسول ﵊: ((لو تعلمون ما أعلم)) التحذير مما علمه ﵊، فجعلوا يبكون ﵃ وأرضاهم، وهذا يدل على كمال إيمانهم، وكمال تصديقهم بما أخبر به الرسول ﷺ .
ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة المشهور، وقد سبق أيضاً ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر منهم: ((رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأحكامه وآياته، ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، إما شوقاً إليه، وإما خوفاً منه، فهذا من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
والمراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله يوم القيامة يظلل فيه من
стр. 1543
شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا؛ لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلاً من الشمس، فتكون الشمس فوقه وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار؛ لأنه لا يمكن أن يكون الله تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض.
قال النبي ﵊ ((حجابه)) يعني حجاب الله ((النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) ، يعني لو كشف هذا الحجاب ـ والحجب أيضاً من نور، لكنها نور دون نور البارئ . لو كشف الله هذا النور لأحرقت سبحات وجهه أي بهاؤه وعظمته ونوره، ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبصره ينتهي إلى كل شيء.
والمعنى لو كشفه لأحرق هذا النور كل شيء، كيف يكون المراد بالظل ظل الرب ؟! لكن كما قلت: بعض الناس أجهل من الحمار، لا يدري ما يترتب على قوله الذي يقوله في تفسير كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولا يمكن أن يريد الرسول ﵊ هذا.
حتى الرواية التي وردت في ظل عرشه فيها نظر؛ لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة،
стр. 1544
فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟!
لو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلاً، والله على كل شيء قدير، لكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله في ذلك اليوم؛ إما من الغمام أو من غير ذلك، الله أعلم، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده حر الشمس.
وإنما قال: ((يوم لا ظل إلا ظله)) ؛ لأننا في الدنيا نستظل بالبناء الذي نبنيه، ونستظل بالأشجار التي تغرس، ونستظل بسفوح الجبال، وبالجدران، وبغير ذلك، نستظل بأشياء نحن نصنعها بأيدينا وبأشياء خلقها الله .
لكن في الآخرة ليس هناك ظل، قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً) [طه: ١٠٥] ، كل الجبال تنسف مهما عظمت، أكبر الجبال وأعظمها تنسف؛ تكون رملاً، هباءً منثوراً، تطير في الجو (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨] ، تطير في الهواء وإن كنت تظنها جامدة لا تتحرك.
وقد سمعت عن بعض الناس المتأخرين يقول: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) يعني في الدنيا، وأن هذا دليل على أن الأرض تدور، وعلل ذلك بان يوم القيامة يقين ليس فيه شيء من الحسبان.
وهذا من جهله وعدم معرفته؛ لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (ا١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا
стр. 1545
هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ١، ٢] ، هذا من يراهم على خلاف الواقع، فالأمر إذا ذهل الإنسان ولو كان أمامه شيء متيقن، فإنه تضيع حواسه وإدراكا ته.
المهم أن قوله ((يوم لا ظل إلا ظله)) أي: إلا الظل الذي يخلقه الله ، يظل به من شاء من عباده. وهذا هو الشاهد.
قوله: ((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) فأنت يا أخي إذا ذكرت الله فاذكر ربك خالي القلب، لا تفكر في شيء، إن فكرت في شيء لم يحصل لك أن تبكي من خشية الله أو الشوق إليه؛ لأنه لا يمكن أن يبكي الإنسان وقلبه مشغول بشيء آخر، كيف تبكي شوقاً إلى الله وخوفاً منه وقلبك مشغول بغيره؟! ولهذا قال: ((ذكر الله خالياً)) يعني: خالي القلب مما سوى الله ، خالي الجسم أيضاً، ليس عنده أحد حتى يكون بكاؤه رياء وسمعه، فهو مخلص القلب، فهذا أيضاً ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. أسأل الله أن يظلني وإياكم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
* * *
٥/٤٥٠ ـ وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: ((أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.))
حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.
следующие страницы →