← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فأحياناً إذا سمعت القرآن من غيرك خشعت وبكيت، لكن لو قرأته أنت خشعت على هذه الهيئة. فقرا عليه سورة النساء، فلما بلغ هذه الآية العظيمة: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: ٤١] ، يعني ماذا تكون حالك؟ ! وماذا تكون حالهم؟ ! كيف هنا للاستفهام، والاستفهام يشد النفس وينبه القلب (إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد) يوم القيامة. والشهداء طائفتان من الناس: الطائفة الأولى: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: ١٤٣] . والثانية: أهل العلم الذين ورثوا الأنبياء، فإنهم شهداء بعد ميراث الأنبياء بعد أن يموت الأنبياء، فالشهداء على الخلق هم العلماء بعد الرسل يشهدون بأن الرسل بلغوا، ويشهدون على الأمة بأن الرسالة قد بلغتهم، ويالها من ميزة عظيمة لأهل العلم، أن يكونوا هم شهداء الله في أرضه. يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) ، وقد ذكر الله في سورة الجاثية (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) على ركبها (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) كتاب الأعمال، أو إلى كتابها الذي نزل عليها بالوحي (تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) . يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ) يعني يا محمد (عَلَى هَؤُلاء) الأمم (شَهِيداً) ماذا تكون الحال. فقال النبي

стр. 1542

صلى الله عليه وسلم: ((حسبك الآن)) . قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. يبكي ﵊ خوفاً من هذه الحالة الرهيبة العظيمة. ففي هذا دليل على البكاء من قراءة القرآن وأن الإنسان يبكي من قراءة القرآن. وذكر المؤلف حديثاً آخر سبق لنا شرحه وهو أن الرسول ﵊ قال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) يعني لو تعلمون ما أعلم من حقائق الأمور التي أخفاها الله عنكم وعلمها الرسول ﷺ لكنه أخفاها عن الخلق رحمة بهم وعلمها النبي ﷺ ولكنه لم يؤمر بإبلاغها للناس، وقد يكون المراد بذلك حقائق ما أخبره أنه يعلم شيئاً من الحقائق لا يعلمها الناس، فالله أعلم. ولما قال ﷺ : ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قيلا ً ولبكيتم كثيراً)) غطى الصحابة وجوههم ولهم خنين. يعني أصوات بكاء. يبكون لأن المراد بقول الرسول ﵊: ((لو تعلمون ما أعلم)) التحذير مما علمه ﵊، فجعلوا يبكون ﵃ وأرضاهم، وهذا يدل على كمال إيمانهم، وكمال تصديقهم بما أخبر به الرسول ﷺ . ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة المشهور، وقد سبق أيضاً ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر منهم: ((رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأحكامه وآياته، ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، إما شوقاً إليه، وإما خوفاً منه، فهذا من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. والمراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله يوم القيامة يظلل فيه من

стр. 1543

شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا؛ لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلاً من الشمس، فتكون الشمس فوقه وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار؛ لأنه لا يمكن أن يكون الله تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض. قال النبي ﵊ ((حجابه)) يعني حجاب الله ((النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) ، يعني لو كشف هذا الحجاب ـ والحجب أيضاً من نور، لكنها نور دون نور البارئ . لو كشف الله هذا النور لأحرقت سبحات وجهه أي بهاؤه وعظمته ونوره، ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبصره ينتهي إلى كل شيء. والمعنى لو كشفه لأحرق هذا النور كل شيء، كيف يكون المراد بالظل ظل الرب ؟! لكن كما قلت: بعض الناس أجهل من الحمار، لا يدري ما يترتب على قوله الذي يقوله في تفسير كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولا يمكن أن يريد الرسول ﵊ هذا. حتى الرواية التي وردت في ظل عرشه فيها نظر؛ لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة،

стр. 1544

فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟! لو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلاً، والله على كل شيء قدير، لكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله في ذلك اليوم؛ إما من الغمام أو من غير ذلك، الله أعلم، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده حر الشمس. وإنما قال: ((يوم لا ظل إلا ظله)) ؛ لأننا في الدنيا نستظل بالبناء الذي نبنيه، ونستظل بالأشجار التي تغرس، ونستظل بسفوح الجبال، وبالجدران، وبغير ذلك، نستظل بأشياء نحن نصنعها بأيدينا وبأشياء خلقها الله . لكن في الآخرة ليس هناك ظل، قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً) [طه: ١٠٥] ، كل الجبال تنسف مهما عظمت، أكبر الجبال وأعظمها تنسف؛ تكون رملاً، هباءً منثوراً، تطير في الجو (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨] ، تطير في الهواء وإن كنت تظنها جامدة لا تتحرك. وقد سمعت عن بعض الناس المتأخرين يقول: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) يعني في الدنيا، وأن هذا دليل على أن الأرض تدور، وعلل ذلك بان يوم القيامة يقين ليس فيه شيء من الحسبان. وهذا من جهله وعدم معرفته؛ لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (ا١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا

стр. 1545

هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ١، ٢] ، هذا من يراهم على خلاف الواقع، فالأمر إذا ذهل الإنسان ولو كان أمامه شيء متيقن، فإنه تضيع حواسه وإدراكا ته. المهم أن قوله ((يوم لا ظل إلا ظله)) أي: إلا الظل الذي يخلقه الله ، يظل به من شاء من عباده. وهذا هو الشاهد. قوله: ((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) فأنت يا أخي إذا ذكرت الله فاذكر ربك خالي القلب، لا تفكر في شيء، إن فكرت في شيء لم يحصل لك أن تبكي من خشية الله أو الشوق إليه؛ لأنه لا يمكن أن يبكي الإنسان وقلبه مشغول بشيء آخر، كيف تبكي شوقاً إلى الله وخوفاً منه وقلبك مشغول بغيره؟! ولهذا قال: ((ذكر الله خالياً)) يعني: خالي القلب مما سوى الله ، خالي الجسم أيضاً، ليس عنده أحد حتى يكون بكاؤه رياء وسمعه، فهو مخلص القلب، فهذا أيضاً ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. أسأل الله أن يظلني وإياكم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. * * * ٥/٤٥٠ ـ وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: ((أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.)) حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.

стр. 1546

٦/٤٥١ ـ وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب ﵁: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال: وسماني؟ قال: ((نعم)) فبكى أبي. متفق عليه. وفي رواية: فجعل أبي يبكي. ٧/٤٥٢ ـ وعنه قال: قال أبو بكر لعمر ﵄، بعد وفاة رسول الله ﷺ ، انطلق بنا إلى أم أيمن ﵄ نزورها كما كان رسول الله يزورها، فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ قالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكني أبكي أن الوحي قد أنقطع من السماء؛ فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم. وقد سبق في باب زيارة أهل الخير. ٨/٤٥٣ ـ وعن ابن عمر ﵄ قال: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه، قيل له في الصلاة، فقال ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) فقالت عائشة ﵂: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء، فقال: ((مروه فليصل)) . وفي رواية عن عائشة ﵂ قالت: قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء. متفق عليه.

стр. 1547

٩/٤٥٤- وعن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عّوف أنَّ عبدَ الرحمنِ بن عَوف ﵁ أتي بطَعام وكان صائماً، فقال قُتل مًُصعب بن عُمير ﵁ وهو خير مني. فلم يوجد له ما يكفنُ فيه إلا بُردة إن غطي بها رأسهُ بدت رجلاه وإن غُطي بها رجلاهُ بدا رأسُه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بُسِط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أُعطينا- وقد خشينا أن تكُون حسناتنا عُجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعامَ. رواه البخاري [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف في باب البكاء من خشية الله أو من الشوق إليه ، ذكر فيها عدة أحاديث، منها: حديث عبد الله ابن الشخير ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يصلي وكان لصدره أزيز كأزيز المرجل. المرجل: القِدر يغلي على النار وله صوت معروف، وأزيز صدر النبي ﷺ كان من خَشية الله بلا شك، فهذا بكاء من خشية الله. وذكر حديث أنس أن النبي ﷺ قال لأُبي بن كعب" إن الله أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) (البينة: ١) ، فقال: وسماني لك؟ قال: "نعم". فبكى أُبي. لكن هذا البكاء يحتمل أن يكون شوقاً إلى الله ؛ لأن أمر نبيه ﷺ أن يقرأ هذه السورة على أُبي تدل على رفعة أُبي بن كعب ﵁،

стр. 1548

ويحتمل أن يكون ذلك من الفرح؛ فإن الإنسان ربما يبكي إذا فرح، كما أنه يبكي إذا حزن. ثم ذكر المؤلف ﵀ أحاديث كلها تدل على البكاء على الحزن على ما مضى، منها حديث أم أيمن ﵂ حين زارها الصحابيان: أبو بكر وعمر، أتيا إليها كما كان النبي صلى الله عليه وسل يزورها، فلما أتيا إليها بكت فقالا لها: "ما يبكيك"؟ أما عملت أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ؟ قالت بلى إني لا أبكي أني لا أعلم". يعني: بل أنا أعلم" ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء" انقطع الوحي " فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها". وكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ حين جيء إليه بالطعام وهو صائم، والصائم يشتهي الطعام عادة، ولكنه ﵁ تذكر ما كان عليه الصحابة الأولون، وهو ﵁ من الصحابة الأولين من المهاجرين ﵃، لكنه قال احتقاراً لنفسه قال: إن مصعب بن عمير ﵁ كان خيراً مني. وكان مصعبٌ رجلاً شاباً، كان عند والديه بمكة وكان والداه أغنياء، وأمه وأبوه يلبسانه من خير اللباس: لباس الشباب والفتيان، وقد دلّلاه دلالاً عظيماً، فلما أسلم هجراه وأبعداه، وهاجر مع النبي ﷺ ، فكان مع المهاجرين، وكان عليه ثوب مرقع بعدما كان في مكة عند أبويه يلبس أحسن الثياب، لكنه ترك ذلك كله مهاجراً إلى الله ورسوله. وأعطاه النبي ﷺ الراية يوم أحد، فاستشهد ﵁، وكان معه

стр. 1549

بردة- أي ثوب- إذا غطوا به رأسه بدت رجلاه- وذلك لقصر الثوب- وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي ﷺ أن يستر به رأسه وأن تستر رجلاه بالإذخر؛ نبات معروف. فكان عبد الرحمن بن عوف يذكر حال هذا الرجل، ثم يقول: إنهم قد مضوا وسلموا مما فتح الله به من الدنيا على من بعدهم من المغانم الكثيرة، كما قال تعالى: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) (الفتح: ١٩) . ثم قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: " قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا"؛ لأن الكافر يجزى على حسناته في الدنيا، وله في الآخرة عذاب النار، والمؤمن قد يجزى في الدنيا وفي الآخرة، لكن جزاء الآخرة هو الأهم. فخشي ﵁ أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في هذه الدنيا، فبكى خوفاً وفرقاً، ثم ترك الطعام ﵁. ففي هذا دليلٌ على البكاء من خشية الله ومخافة عقابه، والله الموفق.

стр. 1550

٥٥- باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها، وفضل الفقر قال الله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس: ٢٤) وقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (الكهف: ٤٥، ٤٦) وقال تعالي: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: ٢٠) وقال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: ١٤) وقال تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر: ٥)

стр. 1551

وقال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) التكاثر: ١-٥) . وقال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: ٦٤) [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقراء. الدنيا: هي حياتنا هذه التي نعيش فيها، وسميت دنيا لسببين: السبب الأول: أنها أدنى من الآخرة؛ لأنها قبلها كما قال تعالى: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى: ٤) . والثاني: أنها دنيئة ليست بشيء بالنسبة للآخرة، كما روى الإمام أحمد ﵀ من حديث المستورد بن شداد أن النبي ﷺ قال: " لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" موضع السوط: موضع العصى القصيرة الصغيرة في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها من أولها على آخرها، فهذه هي الدنيا. وذكر المؤلف ﵀ آيات عديدة كلها تفيد أنه لا ينبغي للعاقل أن

стр. 1552

يركن إلى الدنيا، أو يغتر بها، أو يلهو بها عن الآخرة، أو تكون مانعاً له من ذكر الله ، منها قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) يعني: المطر (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) يعني أنبتت الأرض منه نباتاً متنوعاً مختلطاً متقارباً، ليس بينه فجوات ليس فيها نبات، كل الأرض نباتات بأنواع الأعشاب من كل زوج بهيج (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) أي: كملت (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) كأن لم تكن. وهذه هي الحياة الدنيا، واعتبر ذلك أنت في واقعك، كم من أناس عشت معهم عاشوا في هذه الدنيا عيشة راضية، وفي رفاهية وأنس وأولاد وزوجات وقصور وسيارات، ثم انتقلوا عنها، كأن لم يكونوا بالأمس، انتقلوا هم عنها، أو يأتي دنياهم شيء يتلفها، فكم من إنسان غني عنده أموال عظيمة أصبح فقيراً يسأل الناس. فهذه هي الدنيا، وإنما ضرب الله هذا المثل لئلا نغتر بها، فقال (كَذَلِكَ) يعني: مثل هذا التفصيل والتبيين (نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) لمن عندهم تفكير في الأمور ونظر في العواقب. ثم قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) (يونس: ٢٥) ، أي فرق بين هذه وهذه، دار السلام هي الجنة: أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها دار السلام وسميت كذلك؟ لأنها سالمة من كل كدر، ومن كل تنغيص، ون كل أذى. لما ذكر الدنيا قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) فإلى أيهما تركن أيها العاقل؟ لا شك أن العاقل يركن إلى دار السلام، ولا تهمه دار الفناء

стр. 1553

والنكد والتنغيص، فهو يدعو كل الخلق إلى دار السلام (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (يونس: ٢٥) . والهداية مقيدة، لم يقل: ويهدي كل أحد، ولكن قال: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فمن هو الحقيق والجدير بهداية الله؟ هو من أناب إلى الله ، كما قال تعالى: (ُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) (الرعد: ٢٧) وقال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: الآية٥) ، فمن كان عنده نية طيبة وخالصة لابتغاء وجه الله والدار الآخرة، فهذا هو الذي يهديه الله ، وهو داخل في قوله: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) . ثم ذكر المؤلف آيات أخرى مثل قوله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) (الكهف: الآية٤٥) ، معناه: أن الحياة الدنيا كماء نزل على أرض فأنبتت، فأصبح هشيماً تذوره الرياح، يبس وصارت الرياح تطير به، هكذا أيضاً الدنيا. وقال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: الآية٢٠) . هذه خمسة أشياء كلها ليس بشيء: لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد، مثالها: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) (الحديد: ٢٠) ، أعجب الكفار؛ لأن الكفار هم الذين يتعلقون بالدنيا وتسبي عقولهم الدنيا، فهذا نبات نبت من الغيث فصار الكفار يتعجبون منه من حسنه ونضارته: (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) (الحديد: ٢٠) ، ويزول وينتهي الآخرة (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ

стр. 1554

وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) (الحديد: ٢٠) . فأيهما تريد؟ تريد الآخرة؛ فيها عذابٌ شديد لمن آثر الدنيا على الآخرة، وفيها مغفرة ورضوان لمن آثر الآخرة على الدنيا. والعاقل إذا قرأ القرآن وتبصر؛ عرف قيمة الدنيا، وأنها ليست بشيء، وأنها مزرعة للآخرة، فانظر ماذا زرعت فيها لآخرتك؟ إن كنت زرعت خيراً؛ فأبشر بالحصاد الذي يرضيك، وإن كان الأمر بالعكس؛ فقد خسرت الدنيا والآخرة، نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية. * * * وأما الأحاديث فأكثرُ من أن تحصر فننبهُ بطرف منها على ما سواه. ١/٤٥٧- عن عمرو بن عوفِ الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصارُ بقُدوم أبي عُبيدةَ، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف، فتعرضوا لهُ، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: " أظنكم سمعتُم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ " فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: "أبشرُوا وأملُوا ما يسركم، فو الله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنى أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم" متفق عليه.

стр. 1555

٢/٤٥٨- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جلس رسول الله ﷺ على المِنبر، وجلسنا حولهُ، فقال: " إن مما أخافُ عليكم من بعدي ما يفتحُ عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" متفق عليه ٣/٤٥٩- وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الدنيا حُلوة خضرةٌ، وإن الله تعالى مُستخلفكم فيها فينظرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء" رواه مسلم [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث ذكرها المؤلف ﵀ في باب الزهد في الدنيا والترغيب فيه، وقد ذكر قبل ذلك آيات متعددة كلها تدل على أن هذه الدنيا ليست بشيء بالنسبة للآخرة، وأنها ممر ومزرعة للآخرة، فإن قال قائل: يقال ورع، ويُقال زهد، فأيهما أعلى؟ وما الفرق بينهما؟ فالجواب أن الزهد أعلى من الورع، والفرق بينهما أن الورع ترك ما يضر، والزهد ترك ما لا ينفع، فالأشياء ثلاثة أقسام: منها ما يضر في الآخرة، ومنها ما ينفع، ومنها ما لا يضر ولا ينفع. فالورع: أن يدع الإنسان ما يضره في الآخرة، يعني أن يترك الحرام. والزهد: أن يدع ما لا ينفعه في الآخرة، فالذي لا ينفعه لا يأخذ به،

стр. 1556

والذي ينفعه يأخذ به، والذي يضره لا يأخذ به من باب أولى، فكان الزهد أعلى حالاً من الورع، فكل زاهد ورع، وليس كل ورع زاهداً. ولكن حذر النبي ﵊ من أن تفتح الدنيا علينا كما فتحت على من كان قبلنا فنهلك كما هلكوا. لما قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، وسمع الأنصار بذلك، جاءووا إلى النبي ﷺ فوافوه في صلاة الفجر، فلما انصرف من الصلاة تعرضوا له فتبسم ﵊، يعني ضحك، لكن بدون صوت، تبسم لأنهم جاءوا متشوفين للمال. فقال لهم: " لعلكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة من البحرين؟ " قالوا: أجل يا رسول الله. سمعنا بذلك يعني وجئنا لننال نصيبنا. فقال ﵊: "ما الفقر أخشى عليكم" الفقر لا أخشاه. والفقر قد يكون خيراً للإنسان، كما جاء في الحديث القدسي الذي يروى عن النبي ﷺ أن الله قال: " إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى"، يعني: أطغاه وأضله وصده عن الآخرة والعياذ بالله ففسد، " وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر". فقال النبي ﵊: "ما الفقر أخشى عليكم" يعني: لا أخشى عليكم من الفقر؛ لأن الفقير في الغالب أقرب إلى الحق من الغني. وانظروا إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ من الذي يكذبهم؟ يكذبهم الملأ الأشرار الأغنياء، وأكثر من يتبعهم الفقراء، حتى النبي ﵊ أكثر من يتبعه الفقراء.

стр. 1557

فالفقر لا يخشى منه، بل الذي يخشى منه أن تبسط الدنيا عليهم، كما قال النبي ﵊: " أخشى أن تبسط عليكم - يعني كما بسطت على من كانوا قبلنا، فتهلككم كما أهلكتهم". وهذا هو الواقع، وأنظر إلى حالنا نحن هنا- يعني في المملكة- لما كان الناس إلى الفقر أقرب، كانوا لله أتقى وأخشع وأخشى، ولما كَثُر المال؛ كثُر الإعراض عن سبيل الله، وحصل الطغيان، وصار الإنسان الآن يتشوف لزهرة الدنيا وزينتها ... سيارة، بيت، فرش، لباس، يباهي الناس بهذا كله، ويعرض عما ينفعه في الآخرة. وصارت الجرائد والصحف وما أشبهها لا تتكلم إلا بالرفاهية وما يتعلق بالدنيا، وأعرضوا عن الآخرة، وفسد الناس إلا من شاء الله. فالحاصل أن الدنيا إذا فتحت- نسأل الله أن يقنا وإياكم شرها - أنها تجلب شرًّاً وتطغي الإنسان (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى) (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٧، ٦) . وقد قال فرعون لقومه: (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) (الزخرف: ٥١) ، افتخر بالدنيا، فالدنيا خطيرة جداً. وفي هذه الأحاديث أيضاً قال النبي ﵊: " إن الدنيا حلوة خضرة" حلوة المذاق، خضرة المنظر، تجذب وتفتن، فالشيء إذا كان حلواً ومنظره طيباً فإنه يفتن الإنسان، فالدنيا هكذا حلوة خضرة حلوة في المذاق، خضرة في المنظر. ولكن: " وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون" يعني جعلكم

стр. 1558

خلائف فيها؛ يخلف بعضكم بعضاً، ويرث بعضكم بعضاً. " فينظر كيف تعملون" هل تقدمون الدنيا أو الآخرة؟، ولهذا قال: " فاتقوا الدنيا واتقوا النساء". ولكن إذ١ أغنى الله الإنسان، وصار غناه عوناً له على طاعة الله، ينفق ماله في الحق؟، وفي سبيل الله؛ صارت الدنيا خيراً. ولهذا كان رجل الدنيا الذي ينفق ماله في سبيل الله، وفي مرضاة الله ، صار ثاني اثنين بالنسبة للعالم الذي آتاه الله الحكمة والعلم وصار يعلم الناس. فهناك فرق بي الذين ينهمك في الدنيا ويعرض عن الآخرة، وبين الذي يغنيه الله، ويكون غناه سبباً للسعادة والإنفاق في سبيل الله (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: ٢٠١) * * * ٤/٤٦٠- وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة". متفق عليه. ٥/٤٦١- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: ((يتبع الميت ثلاثةٌ: أهلهُ ومالهُ وعملهُ: فيرجع اثنان، ويبقي واحد؛ يرجعُ أهلهُ ومالهُ ويبقى عملهُ" متفق عليه.

стр. 1559

٦/٤٦٢- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((يؤتى بأنعمِ أهلِِ الدنيا من أهل النارِ يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقالُ: يا ابن آدم؛ هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بُوساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنةِ فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شِدة قط؟ فيقول لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيتُ شِدةً قط" رواه مسلم. ٧/٤٦٣- وعن المستورد بن شداد رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعلُ أحدكم أصبعه في اليم، فينظر بما يرجع؟ " رواه مسلم. ٨/٤٦٤- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بالسوق والناس كنفتية، فمر بجدي أسك ميتٍ، فتناولهُ، فأخذ بأذُنهِ، ثم قال: " أيكم يجبٌ أن يكون هذا لهُ بدرهمٍ؟ " فقالوا ما نُحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ ثم قال": أتحبون أنهُ لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيا كان عيباً؛ أنه أسكٌ فكيف وهو ميت؟ فقال: فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" رواه مسلم.

стр. 1560

[الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ أحاديث في بيان الزهد في الدنيا، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، منها: عن أنس بن مالك ﵁ عن الني ﷺ قال: " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" يعنى العيشة الهنية الراضية الباقية هو عيش الآخرة، أما الدنيا فإنه مهما طاب عيشها فمآلها للفناء، وإذا لم يصحبها عمل صالح فإنها خسارة. ولهذا ذكر في ضمن الأحاديث هذه" أنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا في الدنيا" يعني أشدهم نعيماً في بدنه وثيابه وأهله ومسكنه ومركوبه وغير ذلك، " فيصبغ في النار صبغة" يعني يغمس فيها غمسة واحدة، ويقال له " يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت" لأنه ينسى كل هذا النعيم، هذا وهو شيء يسير، فكيف بمن يكون مخلداً فيها والعياذ بالله أبد الآبدين. وذكر أيضاً حديث جابر أن النبي ﷺ مرَّ في السوق بجدي أسك. والجدي من صغار الماعز، وهو أسك: أي مقطوع الأذنين، فأخذه النبي ﵊ ورفعه وقال: " هل أحد منكم يريده بدرهم؟ قالوا يا رسول الله، ما نريده بشي. قال: "هل أحد منكم يود أن يكون له؟ قالوا: لا. قال: إن الدنيا أهون عند الله تعالى من هذا الجدي". فهذا جدي ميت لا يساوي شيئاً، ومع ذلك فالدنيا أهون وأحقر عند الله تعالى من هذا الجدي الأسك الميت، فهي ليست بشيء عند الله، ولكن من عمل فيها عملاً صالحاً؛ صارت مزرعة له في الأخرة، ونال فيها

стр. 1561

السعادتين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. أما من غفل وتغافل وتهاون ومضت الأيام عليه وهو لم يعمل؛ فإنه يخسر الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: (ِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: ١٥) ، وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ) (إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ٣: ١) . وكل بني آدم خاسر إلا هؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف الأربعة: آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر. جعلنا الله وإياكم منهم. * * * ٩/٤٦٥- وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كنت امشي مع النبي ﷺ في حرة بالمدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: " يا أبا ذر". قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: " ما يسرني أن عندي مثل أحدِ هذا ذهبا تمضي على ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلا شيء أرصدة لدين، إلا أن أٌول به في عباد الله هكذا، وهكذا وهكذا" عن يمينه وعنه شماله ومن خلفه. ثم سار فقال: " إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا" عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه" وقليل ما هم". ثم قال لي" مكانك لا تبرح حتى آتيك". ثم أنطلق في سواد الليل حتى توارى فسمعتُ صوتاً قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي ﷺ فأردت أن آتيه، فذكرتُ قوله ((لا تبرح حتى آتيك))

стр. 1562

فلم أبرح حتى أتاني. فقلت: لقد سمعتُ صوتاً تخوفت منه، فذكرت له، فقال: " وهل سمعته؟ " قلت: نعم، قال: " ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشركُ بالله شيئاً دخل الجنة". قلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: " وإن زنى، وإن سرق". متفق عليه. وهذا لفظ البخاري. ١٠/٤٦٦- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لو كان لي مثل أحدٍ ذهباً؛ لسرني أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء ارصده لدين" متفق عليه. ١١/٤٦٧- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. ١٢/٤٦٨- وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " تعِس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطى رضي؛ وإن لم يعط لم يرض" رواه

стр. 1563

البخاري. ١٣/٤٦٩- وعنه ﵁ قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، وما منهم رجل عليه رداء؛ إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته" رواه البخاري. ١٤/٤٧٠- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ ((الدنيا سِجن المؤمن، وجنة الكافرِ)) رواه مسلم. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀، كلها تدل على الزهد في الدنيا. فمنها حديث أبي ذر وأبي هريرة أن النبي ﵌ قال: ((ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيء أرصدة لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا" وعنه يمينه وعن شماله ومن خلفه. وهذا يدل على أن النبي ﵌ من أزهد الناس في الدنيا؛ لأنه لا يريد أن يجمع المال إلا شيئاً يرصده لدين، وقد توفي صلى الله عليه وسلم

стр. 1564

ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لأهله. ولو كانت الدنيا محبوبة إلى الله ما حرم منها نبيه ﷺ " فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه وعالماً ومتعلماً" وما يكون في طاعة الله . ثم ذكر في حديث أبي ذر " أن المكثرين هم المقلون يوم القيامة" يعني المكثرون من الدنيا هم المقلون من الأعمال الصالحة يوم القيامة، وذلك لأن الغالب على من كثر ماله في الدنيا الغالب عليه الاستغناء والتكبر والإعراض عن طاعة الله؛ لأن الدنيا تلهيه، فيكون مكثراً في الدنيا مقلاً في الآخرة. وقوله: إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا" يعني في المال وصرفه في سبيل الله . وفي حديث أبي ذر: ((أن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)) وهذا لا يعني أن الزنى والسرقة سهلة، بل هي صعبة، ولهذا استعظمها أبو ذر وقال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق)) . وذلك لأن من مات على الإيمان وعليه معاص من كبائر الذنوب؛ فإن الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء) (النساء:

стр. 1565

٤٨، ١١٦) . قد يعفو الله عنه ولا يعاقبه، وقد يعاقبه، ولكن إن عاقبه فمآله إلى الجنة؛ لأن كل من كان لا يشرك بالله ولم يأت شيئاً مكفراً؛ فإن مآله إلى الجنة. أما من أتى مكفراً كالذي لا يصلي والعياذ بالله، فهذا مخلد في النار؛ الذي لا يصلي كافر مرتد مخلد في نار جهنم حتى لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وآمنت بالله وآمنت باليوم الآخر وهو لا يصلى، فإنه مرتد؛ لأن المنافقين كانوا يقولون للرسول ﵊: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) (المنافقون: ١) ، وكانوا يذكرون الله ولكن لا يذكرون الله إلا قليلاً ويصلون ولكن (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) (النساء: ١٤٠) ومع ذلك فهم في الدرك الأسفل من النار. وكذلك الآحاديث التي تلت ما رواه أبو ذر ﵁، كلها تدل على الزهد في الدنيا، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعلق نفسه بها، وأن تكون الدنيا بيده لا بقلبه، حتى يقبل بقلبه على الله ؛ فإن هذا هو كمال الزهد، وليس المعنى أنك لا تأخذ شيئاً من الدنيا؛ بل خذ من الدنيا ما يحل لك، ولا تنس نصيبك منها، ولكن اجعلها في يدك ولا تجعلها في قلبك، وهذا هو المهم. نسأل الله لنا وللمسلمين العافية والسلامة.

стр. 1566

١٥/٤٧١- وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)) . وكان ابن عمر ﵄ يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" رواه البخاري. قالوا في شرح هذا الحديث معناه: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريبُ الذي يريد الذهاب إلى أهله. وبالله التوفيق. ١٦/٤٧٢- وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دلنى على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يُحبك الناس)) حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة رواه ابن ماجة. ١٧/٤٧٣- عنِ النعمانِ بن بشير ﵄ قال: ذكر عمرُ بن الخطاب ﵁ ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيتُ رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي، ما يحدث من الدقلِ ما يملاٌ به بطنه. رواه مسلم. "الدقل" بفتحِ الدالِ المهملةِ والقافِ: رديءُ التمرِ.

стр. 1567

١٨/٤٧٤- وعن عائشة ﵂ قالت: توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكلهُ ذُو كبد إلا شطرُ شعير في رف لي، فأكلتُ منهُ حتى طالَ علي، فِكلتُه ففني. متفق عليه. قولها: " شطر شعير". أي شيء من شعير. ١٩/٤٧٥- وعن عمرو بن الحارث- أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين- ﵄ قال: ما ترك رسول الله ﷺ عند موته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحهُ، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة. رواه البخاري. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى في باب الزهد في الدنيا وترك المكاثرة فيها والرغبة في الآخرة، والمتاجرة فيها، فذكر حديث ابن عمر ﵄ قال: أخذ النبي ﷺ بمنكبي، وأخذ بمنكبه من أجل أن يستعد لما يلقيه عليه فينتبه فقال: ((كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) يحتمل أن هذا من باب الشك، أي: أن الراوي شك، هل قال رسول الله ﷺ الأول أو الثاني. ويحتمل أنه من باب التنويع يعني: كن كالغريب الذي يداخل الناس ولا يهتم بالناس، ولا يعرف بين الناس، أو كأنك عابر سبيل تريد أن تأخذ

стр. 1568

ما تحتاجه في سفرك وأنت ماش. وهذا التمثيل الذي ذكره النبي ﷺ هو الواقع؛ لأن الإنسان في هذه الدنيا مسافر، فالدنيا ليست دار مقر؛ بل هي دار ممر، سريعٌ راكبه لا يفتر ليلاً ولا نهاراً، فالمسافر ربما ينزل منزلاً فيستريح، ولكن مسافر الدنيا لا ينزل، هو دائماً في سفر، كل لحظة فإنك تقطع بها شوطاً من هذه الدنيا لتقرب من الآخرة. فما ظنكم بسفر لا يفتأ صاحبه يمشي ويسير. أليس ينتهي بسرعة؟ الجواب: بلى، ولهذا قال الله : (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) (النازعات: ٤٦) . وينبغي للإنسان أن يقيس ما يستقبل من عمره بما مضي، فالذي مضى كأنه لا شيء، حتى أمسك الأدنى، كأنك لم تمر به، أو كأنه حلم، وكذلك فما يستقبل من دنياك، فهو كالذي تقدم، ولهذا لا ينبغي الركون إلى الدنيا ولا الرضا بها؛ وكأن الإنسان مخلد فيها. ولذلك كان ابن عمر ﵁ يقول: ((إذا أصبحت فلا تنتظر المساء)) فإنك قد تموت قبل أن تمسي. ((وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)) فإنك قد تموت قبل أن تصبح، ولكن انتهز الفرصة، لا تؤخر العمل، لا تركن إلى الدنيا فتؤمل البقاء مع أنك لا تدري. " وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" انتهز الصحة، انتهز الحياة، فإنك قد تمرض فتعجز، وقد تفتقر فتعجز، وقد تموت فينقطع عملك.

стр. 1569

ثم ذكر أحاديث في هذا المعنى، منها: أن النبي ﷺ مات ولم يترك شيئاً مما يأكله ذو كبد رطبة إلا شيئاً من الشعير" كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين ﵂: ((لم يترك إلا شيئاً من الشعير)) ومع ذلك فإنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بشعير أخذه لأهله. اضطر ﵊ فأخذ من هذا اليهودي شعيراً، ابتاعه منه ورهنه درعه، فمات وهي مرهونة عنده ﵊. وهذا يدل على أنه ﵊ أزهد الناس في الدنيا إذ لو شاء أن تصير معه الجبال ذهباً لصارت، ولكنه لا يريد هذا، يريد أن يتقلل من الدنيا حتى يخرج منها لا عليه ولا له منها؛ بل كان ﵊ يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، ويعيش عيشة الفقراء. والله الموفق. * * * ٢٠/٤٧٦-وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: "هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله تعالى؛ فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعبُ بن عُميرٍ ﵁ قُتل يوم أُحد وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسهُ بدت رجلاهُ، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسهُ، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نُغطي رأسهُ، ونجعل على رجليه شيئاً من الإذخر، ومنا من أينعت لهُ ثمرتهُ، فهو يهدبها". متفق عليه.

стр. 1570

٢١/٤٧٧- وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء)) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ٢٢/٤٧٨- وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ((ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالماً ومتعلماً". رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن. ٢٣/٤٧٩- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)) . رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن. ٢٥/٤٨١- وعن كعب بن عياض ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ((إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي: المال)) . رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ٢٦/٤٨٢- وعن أبي عمرو - ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو ليلى -عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنهُ، وثوب يُواري عورتهُ، وجلف الخُبز، والماء)) . رواهُ الترمذي وقال

стр. 1571

حديثٌ صحيحٌ. قال الترمذي: سمعت أبا داود سليمان بن سالم البلخي يقول: سمعت النصر بن شميل يقول: الجلف: الخبز ليس معه إدام. وقال غيرهُ: هو غليظ الخبز. وقال الهروي: المراد به هنا وعاء الخبز: كالجوالق والخرج. والله أعلم. ٢٧/٤٨٣- وعن عبد الله بن الشخير - بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين- ﵁ أنهُ قال: أتيتُ النبي ﷺ وهو يقرأ ُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يابن آدم مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت!؟)) رواهُ مسلم. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث كلها تدور على ما سبق من الحث على الزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة. فذكر المؤلف ﵀ حديث خباب بن الأرت ﵁ في قصة مصعب بن عمير، وهو من المهاجرين الذي هاجروا لله ابتغاء وجه الله، وكان شاباً مدللاً من قبل والديه في مكة، ولما أسلم طرده أبواه لأنهما كانا كافرين، فهاجر ﵁ وقتل في أحد في السنة الثالثة من الهجرة، يعني لم يمض على هجرته إلا ثلاثة أعوام أو أقل، فقتل شهيداً ﵁، وكان صاحب الراية، ولم يكن معه شيء إلا بردة،

стр. 1572

ثوب واحد، إن غطوا به رأسه؛ بدت رجلاه، وإن غطوا به رجليه بدأ رأسه، فأمر النبي ﷺ أن يغطى رأسه، ويجعل على رجليه شيء من الإذخر، والإذخر نبات معروف تأكله البهائم، فأمر النبي ﷺ أن يجعل على رجليه لأجل أن يغطيهما. قال: ((ومنا)) : يعني المهاجرين ((من أينعت له الدنيا)) أينعت: يعني استوت وأثمرت ((فهو يهدبها)) أي يجنيها ويقطفها ويتمتع بها، ولا يعلم الأول خير أم الآخر، لكن الدنيا خطيرة جداً على الإنسان كما في هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف أن الرسول ﵊ قال: ((إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي في المال)) ، يكثر المال عند الناس فينسوا به الآخرة، ولهذا نهي عن اتخاذ الضياع، الضياع يعني الحدائق والبساتين، فإن الإنسان يلهو بها عما هو أهم منها من أمور الآخرة، والحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يكون زهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، وأن الله إذا رزقه مالاً فليجعله عوناً على طاعة الله، وليجعل الدنيا في يده لا في قلبه، حتى يربح بالدنيا والآخرة (وَالْعَصْرِ (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ١-٣) . وقرأ النبي ﷺ قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: ١، ٢) ، الهاكم يعني شغلكم عن المقابر وعن الموت وما بعده (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) لم ينطق الإنسان من الدنيا حتى مات، فقال عليه

стр. 1573

الصلاة والسلام: ((مالي مالي، مالي مالي)) . يفتخر به " وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت"، هكذا قال النبي ﵊ وهو كذلك، فالإنسان ما لَه إلا هذه الأشياء، إما أن يأكل طعاماً وشراباً، وإما أن يلبس من أنواع اللباس، وإما أن يتصدق، والباقي له هو ما يتصدق به، أما ما يأكله ويلبسه؛ فإن كان يستعين به على طاعة الله؛ كان خيراً له، وإن كان يستعين به على معصية الله وعلى الأشر والبطر؛ كان محنة عليه والعياذ بالله والله الموفق. * * * ٢٨/٤٨٤- وعن عبد الله بن مُغفل ﵁ قال: قال رجلٌ للنبي ﷺ : يا رسول الله، والله إني لأحبك، فقال: ((انظر ماذا تقولُ؟)) قال: والله إني لأحبك، ثلاث مرات، فقال ((إن كنت تُحبني فاعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرعُ إلى من يحبني من السيل إلى مُنتهاه)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ٣٠/٤٨٦- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسل على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاءً! فقال: ((مالي وللدنيا)) ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثُم راح وتركه)) رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.

стр. 1574

٣١/٤٨٧- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح. ٣٢/٤٨٨- وعن ابن عباس وعمران بن الحُصين ﵃، عن النبي ﷺ : ((اطلعتُ في الجنة فرأيتُ اكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) متفق عليه من رواية ابن عباس، ورواه البخاري أيضاً من رواية عمران بن الحُصين. ٣٣/٤٨٩- وعن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((قُمتُ على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكينُ، وأصحابُ الجد محبُوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)) متفق عليه. ٣٤/٤٩٠- وعن أبي هريرة ﵁ النبي ﷺ قال: ((أصدقُ كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيءٍ ما خَلا الله بَاطِلُ)) متفق عليه.

стр. 1575

[الشَّرْحُ] هذه الأحاديث ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في باب الزهد في الدنيا، منها حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : والله إني لأحبك، فقال النبي ﷺ : ((انظر ماذا تقول؟)) قال: والله إني لأحبك، فرددها ثلاثاً، فقال النبي ﷺ : ((إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه)) ؛ لأن السيل إذا كان له منتهى وقد جاء من مرتفع يكون سريعاً. ولكن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ؛ لأنه لا ارتباط بين الغنى ومحبة النبي ﷺ ، فكم من إنسان غني يحب الرسول ﵊، وكم من إنسان فقير أبغض ما يكون إليه الرسول ﵊، فهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ . ولكن علامة محبة الرسول ﷺ أن يكون الإنسان أشد اتباعاً له، وأشد تمسكاً بسنته، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: ٣١) . فالميزان هو اتباع الرسول ﵊، من كان للرسول أتبع فهو له أحب، وأما الفقر والغنى فإنه بيد الله . وكذلك أيضاً من الزهد في الدنيا ما كان النبي ﷺ من شظف العيش وقلة ذات اليد، حيث كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه.

стр. 1576

فيقال له: ألا نجعل لك وطاءً، يعني فراشاً تطؤه وتنام عليه؟ فقال: ((مالي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)) . فالرسول ﷺ ليس له هم في الدنيا، ولا يبقى عنده مال بل كله ينفقه في سبيل الله، ويعيش عيشة الفقراء. ثم ذكر المؤلف أحاديث في أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، وأن الفقراء أكثر أهل الجنة، وذلك لأن الفقراء ليس عندهم ما يطغيهم، فهم متمسكنون خاضعون. ولهذا إذا تأملت الآيات؛ وجدت أن الذين يكذبون الرسل هم الملأ الأشراف والأغنياء، وأن المستضعفين هم الذين يتعبون الرسول، فلهذا كانوا أكثر أهل الجنة، وكانوا يدخلون الجنة قبل الأغنياء بتقادير اختلفت فيها الأحاديث عن النبي ﷺ ، ويجمعها أن السير يختلف، فقد يكون السير في عشرة أيام لشخص مسرع يسيره الآخر في عشرين يوماً مثلاً. ثم ذكر قول النبي ﵊ في كلمة لبيد الشاعر المشهور قال: " أصدق كلمة قالها شاعر؛ كلمة لبيد: ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل كل شيء سوى الله فهو باطل ضائع لا ينفع، وأما ما كان لله؛ فإنه هو الذي ينفع صاحبه ويبقى له، ومن ذلك الدنيا فإنها باطل، كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: ٢٠) ، إلا ما كان فيها من ذكر الله وطاعته، فإنه حق وخير.

стр. 1577

وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الحق يقبل حتى لو كان من الشعراء، فالحق مقبول من كل أحد جاء به، حتى لو كان كافراً وقال بالحق فإنه يقبل منه، ولو كان شاعراً أو فاسقاً وقال بالحق فإنه يقبل منه. وأما من قال بالباطل فقوله مردود ولو كان مسلماً؛ يعني العبرة بالمقالات لا بالقائلين، ولهذا ينبغي على الإنسان أن ينظر إلى الإنسان من خلال فعله لا من شخصه.

стр. 1578

٥٦- باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (مريم: ٥٩، ٦٠) . وقال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً) (القصص: ٧٩، ٨٠) . وقال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر: ٨) وقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً) (الاسراء: ١٨) . والآيات في الباب كثيرة معلومة. ١/٤٩١- وعن عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض" متفق عليه. وفي رواية: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض.

стр. 1579

٢/٤٩٢- وعن عُروة عن عائشة رضى الله عنها، أنها كانت تقولُ: ((والله يا ابن أختي إن كنا لننظرُ إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثم: ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسمل نار. قلتُ: يا خالة، فما كان يعيشكم: قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنهُ قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائحُ وكانوا يرسلون إلى رسول الله من ألبانها فيسقينا)) متفق عليه. ٣/٤٩٣- وعن أبي سعيد المقبري عن أبي هُريرة ﵁، أنه مرَّ بقومٍ بين أيديهم شاة مصلية، فدعوهُ فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. رواه البخاري. [الشَّرْحُ] هذا الباب ذكره المؤلف ﵀ بعد باب الزهد في الدنيا، يبين فيه أنه ينبغي للإنسان ألا يكثر من الشهوات في أمور الدنيا، وأن يتقصر على قدر الحاجة فقط، كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك، وذكر آيات فيها بيان عاقبة الذين يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات، فقال: وقول الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (مريم: ٥٩، ٦٠) . قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أي من بعد الأنبياء الذين ذكروا

стр. 1580

قبل هذه الآية، خلف من بعدهم خلف لم يتبعوا طريقتهم وإنما (خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) . وإضاعة الصلاة تعني التفريط فيها. في شروطها: كالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة. وفي أركانها: كالطمأنينة في الركوع، والسجود، والقيام والقعود. وفي واجباتها: كسؤال المغفرة بين السجدتين، والتسبيح في الركوع، والسجود، والتشهد الأول، وما أشبه ذلك. وأشد من هذا الذين يضيعونها عن وقتها؛ فلا يصلون إلا بعد خروج الوقت، فإن هؤلاء إما أن يكون لهم عذر من نوم أو نسيان، فصلاتهم مقبولة ولو بعد الوقت، وإما ألا يكون لهم عذر فصلاتهم مردودة لا تقبل منهم، ولو صلوا ألف مرة. وقوله: (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) : يعني ليس لهم همٌّ إلا الشهوات؛ ما تشتهيه بطونهم وفروجهم، فهم ينعمون أبدانهم ويتبعون ما تنعم به الأبدان، ويضيعون الصلاة والعياذ بالله. ثم قال تعالى مبيناً جزاءهم (ِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (إِلَّا مَنْ تَاب) (مريم: ٥٩، ٦٠) ، وهذا وعيد لهم؛ لأنهم والعياذ بالله يلقون الغي لأن الجزاء من جنس العمل (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) . ثم ذكر المؤلف حديث عائشة ﵂ في بيان عيش النبي ﷺ وأنه ما شبع من خبز الشعير ليلتين تباعاً؛ لقلة ذات يده عليه الصلاة
следующие страницы →