Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
فيقال له: ألا نجعل لك وطاءً، يعني فراشاً تطؤه وتنام عليه؟ فقال: ((مالي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)) .
فالرسول ﷺ ليس له هم في الدنيا، ولا يبقى عنده مال بل كله ينفقه في سبيل الله، ويعيش عيشة الفقراء.
ثم ذكر المؤلف أحاديث في أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، وأن الفقراء أكثر أهل الجنة، وذلك لأن الفقراء ليس عندهم ما يطغيهم، فهم متمسكنون خاضعون.
ولهذا إذا تأملت الآيات؛ وجدت أن الذين يكذبون الرسل هم الملأ الأشراف والأغنياء، وأن المستضعفين هم الذين يتعبون الرسول، فلهذا كانوا أكثر أهل الجنة، وكانوا يدخلون الجنة قبل الأغنياء بتقادير اختلفت فيها الأحاديث عن النبي ﷺ ، ويجمعها أن السير يختلف، فقد يكون السير في عشرة أيام لشخص مسرع يسيره الآخر في عشرين يوماً مثلاً.
ثم ذكر قول النبي ﵊ في كلمة لبيد الشاعر المشهور قال:
" أصدق كلمة قالها شاعر؛ كلمة لبيد:
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل
كل شيء سوى الله فهو باطل ضائع لا ينفع، وأما ما كان لله؛ فإنه هو الذي ينفع صاحبه ويبقى له، ومن ذلك الدنيا فإنها باطل، كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: ٢٠) ، إلا ما كان فيها من ذكر الله وطاعته، فإنه حق وخير.
стр. 1577
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الحق يقبل حتى لو كان من الشعراء، فالحق مقبول من كل أحد جاء به، حتى لو كان كافراً وقال بالحق فإنه يقبل منه، ولو كان شاعراً أو فاسقاً وقال بالحق فإنه يقبل منه.
وأما من قال بالباطل فقوله مردود ولو كان مسلماً؛ يعني العبرة بالمقالات لا بالقائلين، ولهذا ينبغي على الإنسان أن ينظر إلى الإنسان من خلال فعله لا من شخصه.
стр. 1578
٥٦- باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (مريم: ٥٩، ٦٠) .
وقال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً) (القصص: ٧٩، ٨٠) .
وقال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر: ٨) وقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً) (الاسراء: ١٨) .
والآيات في الباب كثيرة معلومة.
١/٤٩١- وعن عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض" متفق عليه.
وفي رواية: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض.
стр. 1579
٢/٤٩٢- وعن عُروة عن عائشة رضى الله عنها، أنها كانت تقولُ: ((والله يا ابن أختي إن كنا لننظرُ إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثم: ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسمل نار. قلتُ: يا خالة، فما كان يعيشكم: قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنهُ قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائحُ وكانوا يرسلون إلى رسول الله من ألبانها فيسقينا)) متفق عليه.
٣/٤٩٣- وعن أبي سعيد المقبري عن أبي هُريرة ﵁، أنه مرَّ بقومٍ بين أيديهم شاة مصلية، فدعوهُ فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذا الباب ذكره المؤلف ﵀ بعد باب الزهد في الدنيا، يبين فيه أنه ينبغي للإنسان ألا يكثر من الشهوات في أمور الدنيا، وأن يتقصر على قدر الحاجة فقط، كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك، وذكر آيات فيها بيان عاقبة الذين يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات، فقال: وقول الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (مريم: ٥٩، ٦٠) . قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أي من بعد الأنبياء الذين ذكروا
стр. 1580
قبل هذه الآية، خلف من بعدهم خلف لم يتبعوا طريقتهم وإنما (خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) .
وإضاعة الصلاة تعني التفريط فيها.
في شروطها: كالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة.
وفي أركانها: كالطمأنينة في الركوع، والسجود، والقيام والقعود.
وفي واجباتها: كسؤال المغفرة بين السجدتين، والتسبيح في الركوع، والسجود، والتشهد الأول، وما أشبه ذلك.
وأشد من هذا الذين يضيعونها عن وقتها؛ فلا يصلون إلا بعد خروج الوقت، فإن هؤلاء إما أن يكون لهم عذر من نوم أو نسيان، فصلاتهم مقبولة ولو بعد الوقت، وإما ألا يكون لهم عذر فصلاتهم مردودة لا تقبل منهم، ولو صلوا ألف مرة.
وقوله: (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) : يعني ليس لهم همٌّ إلا الشهوات؛ ما تشتهيه بطونهم وفروجهم، فهم ينعمون أبدانهم ويتبعون ما تنعم به الأبدان، ويضيعون الصلاة والعياذ بالله.
ثم قال تعالى مبيناً جزاءهم (ِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (إِلَّا مَنْ تَاب) (مريم: ٥٩، ٦٠) ، وهذا وعيد لهم؛ لأنهم والعياذ بالله يلقون الغي لأن الجزاء من جنس العمل (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) .
ثم ذكر المؤلف حديث عائشة ﵂ في بيان عيش النبي ﷺ وأنه ما شبع من خبز الشعير ليلتين تباعاً؛ لقلة ذات يده عليه الصلاة
стр. 1581
والسلام، وأنه كان يمضي عليه الشهران في ثلاثة أهلة ما يوقد في بيته نار، وإنما هو الأسودان: التمر والماء، مع أنه ﷺ لو شاء لصارت الجبال معه ذهباً، ولكنه ﷺ يريد أن يقتصر على الدنيا بما يسوي الدنيا من الحاجة فقط، والله الموفق.
стр. 1582
٥٧- باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة
٣/٥٢٤- وعن حكيم بن حِزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال: " يا حكيمُ، إن هذا المال خضر حُلو، فمن أخذه بسخاوة نفس؛ بورك له فيه، ومن أخذهُ بإشرافِ نفسٍ لم يبارك لهُ فِيه، وكان كالذِي يأكلُ ولا يشبعُ، واليد العُليا خيرٌ من اليد السفلى)) .
قال حكيم؛ فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئأً حتى أفارق الدنيا.
فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيماً ليعطيه العطاءَ، فيأبى أن يقبل منه شيئا.
ثم إن عمر رضي الله دعاه ليعطيهُ، فأبى أن يقبلهُ، فقال: يا معشر المسلمين، أشهدكم على حكيم أني أعرضُ عليه حقهُ الذي قسمهُ الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذهُ. فلم يرزأ أحداً من الناس بعد النبي ﷺ حتى تُوفي. متفق عليه.
((يرزأ)) براء ثم زأي ثم همزة، أي: لم يأخذ من أحد شيئاً، وأصل الرزء: النقصان، أي: لم ينقص أحداً شيئاً بالأخذ منه. و ((إشراف النفس)) : تطلعها وطمعها بالشيء. و ((سخاوة النفس)) هي عدم الإشراف إلى الشيء، والطمع فيه،
стр. 1583
والمبالاة به والشره.
٦/٥٢٧- وعن حكيم بن حزام ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((اليدُ العليا خيرٌ من السُفلى، وابدأ بمن تعُولُ، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يُغنه الله)) متفق عليه. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم أخصر.
٧/٥٢٨- وعن أبي سُفيان صخر بن حرب ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: ((لا تُلحفوا في المسألة، فو الله لا يسألني أحد منكم شيئاً، فتخرج له مسألتهُ مني شيئاً وأنا له كارة، فيبارك له فيما أعطيتهُ)) رواه مسلم.
٩/٥٣٠- وعن ابن عُمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لا تزالُ المسألةُ بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجههِ مزعةُ لحمٍ)) متفق عليه.
((المزعة)) بضم الميم وإسكان الزأي وبالعين المهملة: القطعة.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن حكيم بن حزام ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فأعطاه؛ أي سأله مالاً فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه.
стр. 1584
وكان من هدي النبي ﷺ وكرمه وحسن خلقه أنه لا يرد سائلاً سأله شيئاً، فما سئل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه ﵊، ثم قال لحكيم: ((إن هذا المال خضر حلو)) خضر يسر الناظرين، حلو يسر الذائقين، فتطلبه النفس وتحرص عليه.
((فمن أخذه بسخاوة نفسه بورك به فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه)) ، فكيف بمن أخذه بسؤال؟ يكون أبعد وأبعد، ولهذا قال النبي ﵊ لعمر بن الخطاب: " ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك". يعني ما جاءك بإشراف نفس وتطلع وتشوف فلا تأخذه، وما جاءك بسؤال فلا تأخذه.
ثم قال النبي ﵊ لحكيم بن حزام: ((اليد العليا خير من اليد السفلي)) : اليد العليا هي يد المعطي، واليد السفلى هي يد الآخذ، فالمعطي يده خير من يد الآخذ؛ لأن المعطي فوق الآخذ، فيده هي العليا كما قال النبي ﷺ .
فأقسم حكيم بن حزام ﵁ بالذي بعث النبي ﷺ بالحق ألا يسأل أحداً بعده شيئاً، فقال: ((يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزاً أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا)) .
стр. 1585
فتوفي الرسول ﵊، وتولى الخلافة أبو بكر ﵁، فكان يعطيه العطاء فلا يقبله، ثم توفي أبو بكر، فتولى عمر فدعاه ليعطيه، فأبى، فاستشهد الناس عليه عمر، فقال: اشهدوا أني أعطيه من بيت مال المسلمين ولكنه لا يقبله، قال ذلك رضى الله عنه لئلا يكون له حجة على عمر يوم القيامة بين يدي الله، وليتبرأ من عهدته أمام الناس، ولكن مع ذلك أصر حكيم ﵁ ألا يأخذ منه شيئاً حتى توفي.
وفي اللفظ الآخر الذي ساقه المؤلف أن الرسول ﷺ قال: ((اليد العليا خيرٌ من اليد السفلي وابدأ بمن تعول)) فالإنسان يبدأ بمن يعول، يعني بمن يلزمه نفقته، فالإنفاق على الأهل أفضل من الصدقة على الفقراء؛ لأن الإنفاق على الأهل صدقة وصلة وكفاف وعفاف، فكان ذلك أولى، ابداً بمن تعول والإنفاق على نفسك أولى نم الإنفاق على غيرك، كما جاء في الحديث ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك)) .
وذكر المؤلف ﵀ حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم)) . يعني لا يزال الرجل يسأل الناس- يعني يسأل المال- حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم. نسأل الله العافية.
وهذا وعيد شديدٌ يدل على تحريم كثرة السؤال من الناس، ولهذا قال العلماء: لا يحل لأحد أن يسأل شيئاًً إلا عند الضرورة، إذا اضطر الإنسان
стр. 1586
فلا بأس أن يسأل، أما أن يسأل للأمور الكماليات لأجل أن يسابق الناس فيما يجعله في بيته، فإن هذا لا شك في تحريمه، ولا يحل له أن يأخذ ولا الزكاة حتى لو أعطيها فلا يأخذ الزكاة من أجل الكماليات التي لا يريد منها إلا أن يسابق الناس ويماريهم، أما الشيء الضروري فلا بأس به. والله أعلم.
* * *
١١/٥٣٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فليستقل أو ليستكثر)) رواه مسلم.
١٢/٥٣٣- وعن سمرة بن جُندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المسألة كد يكد بها الرجلُ وجههُ، إلا أن يسأل الرجل سُلطاناً أو في أمرِ لابُد منه)) رواهُ الترمذي، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.
١٣/٥٣٤- وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصابتهُ فاقةُ فانزلها بالناس لم تسد فاقتهُ، ومن أنزلها بالله، فيُوشك الله له برزق عاجلٍ أو آجل)) رواه أبو داود، والترمذي، وقال حديث حسن.
стр. 1587
١٤/٥٣٥- وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً، وأتكفل له بالجنة؟ فقلت: أنا، فكان لا يسألُ أحداً شيئاً) . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
١٥/٥٣٦- وعن أبي بشر قبيصة بن المُخارقِ ﵁ قال: ((تحملتُ حمالةً فأتيتُ رسول الله ﷺ أسألهُ فيها، فقال: " أقم حتى تأتينا الصدقةُ فنأمر لك بها)) ثم قال: ((يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة: فحلت له المسألة حتى يُصيبها، ثم يمسك. ورجل أصابتهُ جائحة اجتاحت مالهُ فحلت له المسالةُ حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال: سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يُصيب قوماً من عيش، أو قال: سداداً من عيش فما سواهن من المسالة يا قبيصةُ، سحتٌ، يأكلها صاحبُها سحتاً)) رواه مسلم.
١٦/٥٣٧- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليس المسكينُ الذي يطوفُ على الناس تردهُ اللقمةُ واللقمتانِ، والتمرةُ والتمرتانِ ولكن المسكين الذي لا يجدُ غنى يُغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا يقومُ فيسأل الناس)) متفق عليه.
стр. 1588
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بيان الوعيد لمن سأل الناس أموالهم بغير ضرورة. ففي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((من سأل الناس أموالهم تكثراً، فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر)) ، يعني من سأل الناس أموالهم ليكثر بها ماله، فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر، إن استكثر زاد الجمر عليه، وإن استقل قلَّ الجمر عليه، وإن ترك سلم من الجمر ففي هذا دليلٌ على أن سؤال الناس بلا حاجة من كبائر الذنوب.
ثم ذكر أحاديث منها أن من أنزل حاجته بالناس، وفاقته بالناس فإنها لا تقضى حاجته؛ لأن من تعلق شيئاً وُكِل إليه، ومن وكل إلى الناس أمره، فإنه خائب لا تقضى حاجته، ويستمر دائماً يسأل ولا يشبع، ومن أنزلها بالله واعتمد على الله وتوكل عليه، وفعل الأسباب التي أمر بها؛ فإنه يوشك أن تقضى حاجته؛ لأن الله يقول: (ُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه) (الطلاق: ٣) .
وذكر حديث قبيصة أنه جاء يسأل النبي ﷺ في حمالة تحملها، فأمره أن يقيم عنده حتى تأتيه الصدقة فيأمر له بها، وذكر ﷺ أن المسألة لا تحل إلا لواحد من ثلاثة:
رجل تحمل حمالة، يعني التزم ذمته لإصلاح ذات البين، فهذا يعطى وله أن يسأل حتى يصيبها، ثم يمسك ولا يسأل.
ورجل آخر أصابته جائحة اجتاحت ماله، كنارٍ وغرق وعدوٍ وغير ذلك، فيسأل حتى يصيب قواماً من عيش.
стр. 1589
والثالث: رجلٌ كان غنياً فافتقر بدون سبب ظاهر، وبدون جائحة معلومة، فهذا له أن يسأل، لكن لا يعطى حتى يشهد ثلاثة من أهل العقول من قومه بأنه أصابته فاقة، فيعطى بقدر ما أصابه من الفقر.
فهؤلاء الثلاثة هم الذين تحل لهم المسألة وما سوى ذلك يقول الرسول ﷺ : ((فما سواهن من المسألة يا قبيصة، سحت يأكلها صاحبها سحتاً)) .
والسحت هو الحرام وسمي سحتاً؛ لأنه يسحت بركة المال، وربما يسحت المال كله، فيكون عليه آفات وغرامات تسحت ماله من أصله والله الموفق.
стр. 1590
٥٨- باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه
١/٥٣٨- عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عُمر، عن عمر ﵃ قال: كان رسول الله ﷺ يُعطينى العطاء، فأقولُ: أعطه من هو أفقر إليه مني فقال: ((خذه؛ إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مُشرف ولا سائل، فخذه فتمولهُ، فإن شئت كلهُ، وإن شئت تصدق به، وما لا، فلا تتبعه نفسك)) .
قال سالمٌ: فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يرد شيئاً أعطيهُ. متفق عليه.
"مُتشرفٍ" بالشين المعجمة: أي: متطلع إليه.
стр. 1591
٥٩- باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء
قال الله تعالي: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ َ) (الجمعة: ١٠)
١/٥٣٩- عن أبي عبد الله الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يأخذ أحدثكم أحبُلةُ ثم يأتي الجبل، فيأتي يحُزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجههُ، خير له من أن يسأل الناس، اعطوه أو منعوه)) رواه البخاري.
٢/٥٤٠- وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يحتطب أحدكم حُزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحداً، فليعطيه أو يمنعهُ")) متفق عليه.
٣/٥٤١- وعنه عن النبي ﷺ قال: ((كان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده)) رواه البخاري.
٤/٥٤٢- وعنه أن رسول الله ﷺ قال: ((كان زكريا ﵇ نجاراً")) رواه مسلم.
стр. 1592
٥/٥٤٣- وعن المِقدامِ بن معدي كرب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكُل من عمل يديه، وإن نبي الله داود ﷺ كان يأكل من عمل يده)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قبول الإنسان ما يعطى من غير أن يكون له تطلع إليه، وهذا معنى الترجمة.
يعني أن الإنسان لا ينبغي له أن يعلق نفسه بالمال فيتطلع إليه أو يسأل، لأن ذلك يؤدي إلى ألا يكون له هم الدنيا، والإنسان إنما خلق في الدنيا من أجل الآخرة، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) وقال تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: ١٦، ١٧) .
فلا ينبغي للإنسان أن يعلق نفسه بالمال ولا يهتم به. إن جاءه من غير تعب ولا سؤال ولا استشراف نفس فيقبله، وإلا فلا.
ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ كان يعطيه العطاء فيقول: أعطه من هو أفقر مني فيقول له الرسول ﵊: ((خذه؛ إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، فتموله فإن شئت كله، وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك)) .
فكان ابن عمر ﵄ لا يسأل أحداً شيئاً، وإذا جاءه شيء من
стр. 1593
غير سؤال قبله، وهذا غاية ما يكون من الأدب، إلا تذل نفسك بالسؤال، ولا تستشرف للمال وتعلق قلبك به.
وإذا أعطاك أحد شيئاً فاقبله؛ لأن رد العطية والهدية قد يحمل من أعطاك على كراهيتك فيقول: هذا الرجل استكبر، هذا الرجل عنده غطرسة، وما أشبه ذلك.
فالذي ينبغي أن من يعطيك تقبل منه ولكن لا تسأل، إلا إذا كان الإنسان يخشى ممن أعطاه أن يمنَّ به عليه في المستقبل فيقول: أنا أعطيتك، أنا فعلت معك كذا وكذا وما أشبه ذلك، فهنا يرده؛ لأنه إذا خشي أن يقطع المعطي رقبته بالمنة عليه في المستقبل؛ فليحمِ نفسه من هذا.
ثم ذكر المؤلف أنه ينبغي للإنسان أن يأكل من عمل يده ويتعفف عن السؤال، وأن يكتسب ويتجر؛ لقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) (الملك: ١٥) إي في أنحائها: (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) إي ابتغوا الرزق من فضل الله .
وقال الله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: ١٠) فقال: انتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله.
ولكن لا ينسينك ابتغاؤك من فضل الله ذكر ربك، ولهذا قال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
ثم ذكر ﵀ ما ثبت في صحيح البخاري، أن داود ﵇ كان يأكل من كسب يديه، وكان داود يصنع الدروع كما قال الله تعالى
стр. 1594
(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الانبياء: ٨٠) ، فكان حداداً.
أما زكريا فكان نجاراً يعمل وينشر ويأخذ الأجرة على ذلك.
وهذا يدل على أن العمل والمهنة ليست نقصا؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يمارسونها، ولا شك أن هذا خيرٌ من سؤال الناس، حتى أن الرسول ﵊ قال: ((لأن يأخذ أحدكم حزمة من حطب على ظهره فيبيعها)) يعني ويأخذ ما كسب منها: ((خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)) .
ولا شك أن هذا هو الخلق النبيل؛ إلا يخضع الإنسان لأحد، ولا يذل له، بل يأكل من كسب يده، من تجارته أو صناعته أو حرثه. قال تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: ٢٠) ولا يسأل الناس شيئاً، والله الموفق.
стр. 1595
٦٠- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) (سبأ: ٣٩) .
قال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٢) .
وقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٧٣) .
١/٥٤٤- وعن ابن مسعودٍ رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطهُ على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حِكمة، فهو يقضي بها ويعلمها)) متفق عليه.
٢/٥٤٥- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: ((أيكم مالُ وارثهِ أحب إليه من مالهِ؟)) قالُوا: يا رسول الله، ما مِنا أحد إلا مالُهُ أحب إليه. قال: ((فإن مالهُ ما قدم ومال وارثه ما آخر)) رواه البخاري.
٣/٥٤٦- وعن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((اتقوا
стр. 1596
النار ولو بشق تمرة)) متفق عليه.
٤/٥٤٧- وعن جابر ﵁ قال: ما سُئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا. متفق عليه.
٥/٥٤٨- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من يوم يصبح العبادُ فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: الله اعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفا" متفق عليه.
٦/٥٤٩- وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " قال الله تعالى: ((انفق يا ابن آدم ينفق عليك)) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحث على إنفاق المال في سبل الخير مع الثقة بالله .
المال الذي أعطاه الله بني آدم، أعطاهم الله إياه فتنة؛ ليبلوهم هل يحسنون التصرف فيه أم لا.
قال الله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)
стр. 1597
(التغابن: ١٥) ، فمن الناس من ينفقه في شهواته المحرمة، وفي لذائذه التي لا تزيده من الله إلا بعداً، فهذا يكون ماله وبالاً عليه والعياذ بالله.
ومن الناس من ينفقه ابتغاء وجه الله فيما يقرب إلى الله على حسب شريعة الله، فهذا ماله خيرا له.
ومن الناس من يبذل ماله في غير فائدة، ليس في شيء محرم ولا في شيء مشروع، فهذا ماله ضائع عليه، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
وينبغي للإنسان إذا بذل ماله فيما يرضي الله أن يكون واثقاً بوعد الله حيث قال في كتابه: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: ٣٩) ، (فَهُوَ يُخْلِفُهُ) أي يعطيكم خلفاً عنه.
وليس معناه فهو يخلُفهُ، إذ لو كانت فهو يخلفه، لكان معنى الآية: أن الله يكون خليفة، وليس الأمر كذلك، بل فهو يُخلفه أي يعطيكم خلفاً عنه.
ومنه الحديث: ((اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها)) ولا تقل واخلف لى خيراً منها، بل وأخلف أي أرزقني خلفاً عنها خيراً منها. ولا تقل واخلف لي خيراً منها، بل وأخلف أي ارزقني خلفاًً عنها خيراً منها.
فالله وعد في كتابه أن ما أنفقه الإنسان فإن الله يخلفه عليه، يعطيه خلفاً عنه، وهذا يفسره قول الرسول ﵊ في الأحاديث التي ساقها المؤلف مثل قوله ﷺ : ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: الله أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر:
стр. 1598
الله أعط ممسكاً تلفاً)) يعني أتلف ماله.
والمراد بذلك من يمسك عما أوجب الله عليه من بذل المال فيه، وليس كل ممسك يُدعى عليه، بل الذي يمسك ماله عن إنفاقه فيما أوجب الله، فهو الذي تدعو عليه الملائكة بأن الله يتلفه ويتلف ماله.
والتلف نوعان: تلف حسي، وتلف معنوي:
١- التلف الحسي: أن يتلف المال نفسه، بأن يأتيه آفة تحرقه أو يُسرق أو ما أشبه ذلك.
٢- والتلف المعنوي: أن تنزع بركته، بحيث لا يستفيد الإنسان منه في حسناته، ومنه ما ذكره النبي ﷺ حيث قال لأصحابه: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟)) قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا وماله أحب إليه.
فمالك أحب إليك من مال زيد وعمرو وخالد، ولو كان من ورثتك، قال: " فإن ماله ما قدّم وماله وارثه ما أخَّر".
وهذه حكمة عظيمة ممن أوتي جوامع الكلم ﷺ ، فمالك الذي تقدمه لله تجده أمامك يوم القيامة، ومال الوارث ما يبقى بعدك من الذي ينتفع به ويأكله هو الوارث، فهو مال وارثك على الحقيقة. فأنفق مالك فيما يرضي الله، وإذا أنفقت؛ فإن الله يخلفه وينفق عليك، كما قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: يا ابن آدم أنفق ينفق عليك)) .
وهذه الأحاديث كلها وكذلك الآيات تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يبذل ماله حسب ما شرع الله ، كما جاء في الحديث الذي صدر به
стр. 1599
المؤلف هذا الباب؛ أن الرسول ﷺ قال: ((لا حسد إلا في اثنتين)) يعني لا غبطة، ولا أحد يغبط على ما أعطاه الله من مال وغيره إلا في اثنتين فقط:
الأولى: رجل أعطاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، صار لا يبذله إلا فيما يرضي الله، هذا يحسد؛ لأنك الآن تجد التجار يختلفون، منهم من ينفق أمواله في سبيل الله، في الخيرات، في أعمال البر
، إعانة فقير، بناء مساجد، بناء مدارس، طبع كتب، إعانة على الجهاد، وما أشبه ذلك. فهذا سلط على هلكته في الحق.
ومنهم من يسلطه على هلكته في اللذائذ المحرمة والعياذ بالله، يسافر إلى الخارج فيزني، ويشرب الخمر، ويعلب القمار، ويتلف ماله فيما يغضب الرب ، فالذي سلطه الله على هلكة ماله في الحق هذا يغبط؛ لأن الغالب أن الذي يستغني يبطر ويمرح ويفسق، فإذا رؤي أن هذا الرجل الذي أعطاه الله المال ينفقه في سبيل الله؛ فهو يغبط.
والثانية: رجل آتاه الله الحكمة يعني العلم، الحكمة هنا العلم كما قال الله تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) (النساء: ١١٣) ، ((فهو يقضي بها ويعلمها الناس)) يقضي بها في نفسه وفي أهله، وفي من تحاكم عنده، ويعلمها الناس أيضاً، ليس يقتصر على أن يأتيه الناس فيقول: إذا جاءوني حكمت وقضيت؛ بل يقضي ويعلم، ويبدأ الناس بذلك، فهذا لا شك أنه مغبوط على ما آتاه الله من الحكمة.
стр. 1600
والناس في الحكمة ينقسمون إلى أقسام:
قسم آتاه الله الحكمة فبخل بها حتى على نفسه، لم ينتفع بها في نفسه، ولم يعمل بطاعة الله، ولم ينته عن معصية الله، فهذا خاسر والعياذ بالله، وهذا يشبه اليهود الذين علموا الحق واستكبروا عنه.
وقسم أخر أعطاه الله الحكمة فعمل بها في نفسه، لكن لم ينفع بها عباد الله، وهذا خيرٌ من الذي قبله، لكنه ناقص.
وقسم آخر أعطاه الله الحكمة فقضي بها وعمل بها في نفسه وعلمها الناس، فهذا خير الأقسام.
وهناك قسم رابع لم يؤت الحكمة إطلاقاً فهو جاهل، وهذا حُرم خيراً كثيراً، لكنه أحسن حالاً ممن أوتي الحكمة ولم يعمل بها؛ لأن هذا يُرجى إذا علم أن يتعلم ويعمل، بخلاف الذي أعطاه الله العلم، وكان عمله وبالاً عليه والعياذ بالله نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الحكمة والعلم النافع والعمل الصالح.
١/٥٥٣- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ما سُئل رسولُ الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاهُ، ولقد جاءه رجلٌ، فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكُون الإسلامُ أحب إليه من الدنيا وما عليها. رواه مسلم.
стр. 1601
١٣/٥٥٦- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أنس بن مالك ﵁ قال ما سئل النبي ﷺ شيئاً على الإسلام إلا أعطاه؛ لأنه ﷺ كان أكرم الناس، وكان يبذل أمواله فيما يقرب إلى الله .
ومن ذلك أنه ﷺ إذا سأله شخص على الإسلام يعني على التأليف على الإسلام والرغبة فيه إلا اعطاه، مهما كان هذا الشيء، حتى إنه سأله أعرابي فأعطاه غنماً بين جبلين، بين جبلين معناه: أنها غنم كثيرة؛ لكن الرسول ﷺ أعطاه لما يرجوا من الخير لهذا الرجل ولمن وراه.
ولذلك ذهب هذا الرجل إلى قومه فقال: ((يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر)) ، ﵊، يعني: يعطي عطاءً جزيلاً، عطاء من لا يخشى الفقر، فانظر إلى هذا العطاء كيف أثر في هذا الرجل هذا التأثير العظيم، حتى أصبح داعية إلى الإسلام.
وهو إنما سأل طمعاً كغيره من الأعراب، فالأعراب أهل طمع، يحبون المال ويسألونه، ولكنه لما أعطاه الرسول ﵊ هذا العطاء الجزيل صار داعية إلى الإسلام، فقال: ((يا قوم أسلموا)) ولم يقل
стр. 1602
أسلموا تدخلوا الجنة وتنجوا من النار، بل قال: ((أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر)) يعني سيعطيكم ويكثر.
ولكنهم إذا أسلموا من أجل المال، فإنهم لا يلبثون يسيراً إلا وقد صار الإسلام أحب شيء إليهم، أحب من الدنيا وما فيها، ولهذا كان الرسول ﵊ يعطي الرجل تأليفاً له على الإسلام، يعطيه حتى يسلم للمال؛ لكنه لا يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها.
ويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله: أنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن أهل الكفر وعن أهل الفسوق، وأن ندعهم للشياطين تلعب بهم؛ بل نؤلفهم، ونجذبهم إلينا بالمال واللين وحسن الخلق حتى يألفوا الإسلام، فها هو الرسول صلى الله ﵊ يعطي الكفار، يعطيهم حتى من الفيء.
بل إن الله جعل لهم حظاً من الزكاة، نعطيهم لنؤلفهم على الإسلام، حتى يدخلوا في دين الله، والإنسان قد يسلم للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإسلام رغب فيه، فصار أحب شيء إليه.
قال بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله؛ فأبى أن يكون إلا لله، فالأعمال الصالحة لابد أن تربي صاحبها على الإخلاص لله ، والمتابعة للرسول ﵊.
وإذا كان هذا دأب الإسلام فيمن يُعطى على الإسلام ويُولف؛ فإنه ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا نظرة جدية، فنعطي من كان كافراً إذا وجدنا فيه قرباً من الإسلام، ونهاديه ونحسن له الخلق، فإذا اهتدى فلئن يهدي الله
стр. 1603
بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم.
وهكذا أيضاً الفساق هادهم، أنصحهم باللين، وبالتي هي أحسن، ولا تقل: أنا أبغضهم لله، ابغضهم لله وادعهم إلى الله، بغضك إياهم لله لا يمنعك أن تدعوهم إلى الله؛ بل ادعهم إلى الله وإن كنت تكرههم فلعلهم يوماً من الأيام يكونون من أحبابك في الله.
ثم ذكر المؤلف الحديث الآخر أن الرسول ﵊ قال: " ما نقصت صدقة من مال" يعني الإنسان إذا تصدق؛ فإن الشيطان يقول له: أنت إذا تصدقت نقص مالك، عندك مائة ريال إذا تصدقت بعشرة لم يكن عندك إلا تسعون، إذا نقص المال فلا تتصدق، كلما تصدقت ينقص مالك.
ولكن من لا ينطق عن الهوى يقول: ((إن الصدقة لا تنقص المال، لا تنقصه لماذا؟)) ، قد تنقصه كمّا، لكنها تزيده كيفا وبركة، وربما هذه العشرة يأتي بدلها مائة، كما قال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) (سبأ: ٣٩) ، إي يجعل لكم خلفاً عنه عاجلاً، وأجراً وثواباً آجلاً. قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) (البقرة: ٢٦١) .
والمسلمون اليوم مقبلون على شهر رمضان، وشهر رمضان مقبل عليهم، فهو شهر الجود والكرم، كان النبي ﵌ أكرم الناس، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.
стр. 1604
الريح المرسلة التي أمرها الله وأرسلها فهي عاصفة سريعة، ومع ذلك فالرسول ﵊ أسرع بالخير في رمضان من هذه الريح المرسلة، فينبغي لنا إن كانت زكاة فزكاة، وإن كانت تبرعاً فتبرع؛ لأنه شهر الخير والبركة والإنفاق.
ويزيد العامة على قوله ﷺ : ((ما نقصت صدقة من مال)) يجري على السنة العامة قولهم: ((بل تزده)) وهذه لا صحة لها، فلم تصح عن الرسول ﵊، وإنما الذي صح عنه ﷺ قوله: " ما نقصت صدقة من مال".
فالزيادة التي تحصل بدل الصدقة إما كمية وإما كيفية.
مثال الكمية: أن الله تعالى يفتح لك باباً من الرزق ما كان في حسابك
والكيفية: أن ينزل الله لك البركة فيما بقي من مالك.
ثم قال ﷺ : " وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً"، إذا جنى عليك أحد وظلمك في مالك، أو في بدنك، أو في أهلك، أو في حق من حقوقك، فإن النفس شحيحة تأبى إلا أن تنتقم منه، وأن تأخذ بحقك، وهذا لك. قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤) وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (النحل: ١٢٦)
ولا يلام الإنسان على ذلك، لكن إذا هم بالعفو وحدث نفسه بالعفو قالت له نفسه الأمارة بالسوء: إن هذا ذل وضعف، كيف تعفو عن شخص
стр. 1605
جنى عليك أو اعتدى عليك؟!
فيقول الرسول ﵊: وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً" والعز ضد الذل، والذي تحدثك به نفسك أنك إذا عفوت فقد ذللت أمام من اعتدى عليك، فهذا من خداع النفس الأمارة بالسوء ونهيها عن الخير، فإن الله تعالى يثيبك على عفوك هذا، فالله لا يزيدك إلا عزاً ورفعة في الدنيا والآخرة.
ثم قال ﷺ ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) . وهذه الرفعة تكون بسبب التواضع والتضامن، والتهاون، ولكن الإنسان يظن أنه إذا تواضع نزل، ولكن الأمر بالعكس، إذا تواضعت لله؛ فإن الله تعالى يرفعك.
وقوله: " تواضع لله" لها معنيان:
المعنى الأول: أن تتواضع لله بالعبادة وتخضع لله وتنقاد لأمر الله.
المعنى الثاني: أن تتواضع لعباد الله من أجل الله، وكلاهما سبب للرفعة، وسواء تواضعت لله بامتثال أمره واجتناب نهيه وذللت له وعبدته، أو تواضعت لعباد الله من أجل الله لا خوفاً منهم، ولا مداراة لهم، ولا طلباً لمال أو غيره، إنما تتواضغ من أجل الله ، فإن الله تعالى يرفعك في الدنيا أو في الآخرة.
فهذه الأحاديث كلها تدل على فضل الصدقة والتبرع، وبذل المعروف والإحسان إلى الغير، وأن ذلك من خلف النبي ﵌.
стр. 1606
٦١- باب النهي عن البخل والشح
قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١، ٨) .
وقال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب النهي عن البخل والشح.
والبخل: هو منع ما يجب وما ينبغي بذله.
والشح: هو الطمع فيما ليس عنده، وهو أشد من البخل؛ لأن الشحيح يطمع فيما عند الناس ويمنع ما عنده، والبخيل يمنع ما عنده مما أوجب الله عليه من زكاة ونفقات، ومما ينبغي بذله فيما تقتضيه المروءة.
وكلاهما - أعني البخل والشح- خلقان ذميمان، فإن الله ذم من يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وقال (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) .
ثم استدل المؤلف ﵀ بآيتين من كتاب الله:
الآية الأولي: وهي في البخل، وهي قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١، ٨) وهذه الآيات قسيم الآيات التي قبلها، وهي قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٧، ٥) .
فالإنسان المصدق بالحق المعطي لما يجب إعطاؤه وبذله من علم،
стр. 1607
ومال وجاه، والمتقي لله ، هذا ييسر لليسرى، أي ييسره الله تعالى لأيسر الطرق في الدنيا والآخرة.
وقد أجاب النبي ﷺ أصحابه حينما حدثهم. قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومن النار)) يعني أن الأمر مفروغ منه- قالوا" يا رسول الله، أفلا نتكل وندع العمل؟ يعني نتكل على ما كتب لنا وندع العمل. قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له".
ثم قرأ قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) .
فأنت فكر في نفسك، هل عندك تصديق وإعطاء وبذل لما يجب بذله وتقوى لله ، فإنك موفق ميسر لليسرى، والعكس بالعكس.
الشاهد من هذه الآية في الباب قوله: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) بخل بما يجب بذله من مال أو جاه أو علم.
ومن ذلك ما جاء في الحديث عن النبي ﵊ أنه قال: ((البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصلّ عليَّ)) ﵊. وهذا بخل بما يجب على الإنسان إذا سمع ذكر نبيه ﵊ الذي هداه الله على يديه. أن يبخل فلا يصلى عليه، ﵊، وكان
стр. 1608
الأولى به والأجدر بالصلاة والسلام عليه.
وقوله (وَاسْتَغْنَى) أي استغنى بنفسه وزعم أنه مستغن عن رحمة الله والعياذ بالله، فلا يعمل ولا يستقيم على أمر الله.
(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي كذب بالكلمة الحسنى وهي قول الحق، وهي ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﵌.
(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) تعسر عليه الأمور التي تسهل على المتقي، فلا تسهل عليه الطاعات يجد الطاعات ثقيلة؛ الصلاة ثقيلة، والصدقة ثقيلة، والصيام ثقيل، والحج ثقيل، كل شيء متعسر عنده.
(وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١) يعني أي شيء يغني عنه ماله إذا هلك؟ والجواب أنه لا يغني عنه شيئاً، فهذا المال الذي بخل به لا يحميه من عذاب الله وعقابه ولا يغني عنه شيئاً.
وأما الآية الثانية التي استدل بها المؤلف فهي في الشح، وهي قوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) يعني من يقيه الله شحَّ نفسه فلا يطمع فيما ليس له؛ فهذا هو المفلح.
١/٥٦٣- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحَّ؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم)) رواه مسلم.
стр. 1609
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب النهي عن البخل والشح قال عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) اتقوا الظلم بمعنى احذروه، واتخذوا وقاية منه وابتعدوا عنه.
والظلم: هو العدوان على الغير، وأعظم الظلم وأشده بالله قال الله تعالى: (ِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: ١٣)
ويشمل الظلم ظلم العباد، وهو نوعان: ظلم بترك الواجب لهم، وظلم بالعدوان عليهم بأخذ أو بانتهاك حرماتهم.
فمثال الأول ما ذكره النبي ﵊ في قوله: ((مطل الغني ظلم)) يعني ممانعة الإنسان الذي عليه دين عن الوفاء وهو غني قادرٌ على الوفاء ظلم، وهذا منع ما يجب؛ لأن الواجب على الإنسان أن يبادر بالوفاء إذا كان له قدرة، ولا يحل له أن يؤخر، فإن أخر الوفاء وهو قادر عليه؛ كان ظالماً والعياذ بالله.
والظلم ظلمات يوم القيامة، وكل ساعة أو لحظة تمضي على المماطل فإنه لا يزداد بها إلا إثماً والعياذ بالله، وربما يعسر الله عليه أمره فلا يستطيع الوفاء إما بخلاً وإما إعداماً؛ لأن الله تعالى يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ
стр. 1610
يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) (الطلاق: ٤) .
فمفهوم الآية أن من لا يتقي الله لا يجعل له من أمره يسراً، ولذلك يجب على الإنسان القادر أن يبادر بالوفاء إذا طلبه صاحبه، أو أجله وانتهى الأجل.
ومن الظلم أيضاً اقتطاع شيء من الأرض. قال النبي ﵊: ((من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً؛ طُوقه يوم القيامة من سبع أرضين)) .
ومن الظلم الاعتداء على الناس في أعراضهم بالغيبة أو النميمة أو ما أشبه ذلك، فإن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، فإن كان في حضرته؛ فهو سب وشتم، فإذا ظلم الناس بالغيبة بأن قال: فلان طويل. فلان قصير. فلان سيء الخلق. فلان فيه كذا، فهذه غيبة وظلم يحاسب عليها يوم القيامة.
وكذلك أيضاً إذا جحد ما يجب عليه جحوداً؛ بأن كان لفلان عليه حق، فيقول ليس له علي حق ويكتم، فإن هذا ظلم؛ لأنه إذا كانت المماطلة ظلماً فهذا أظلم، كمن جحد شيئاً واجباً عليه، فإنه ظالم.
وعلى كل حال؛ اتقوا الظلم بجميع الأنواع، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، يكون على صاحبه والعياذ بالله ظلمات بحسب الظلم الذي وقع
стр. 1611
منه؛ الكبيرظلماته كبيرة والكثير ظلماته كثيرة، وكل شيء بحسبه، قال تعالى:: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الانبياء: ٤٧) .
وفي هذا دليلٌ على أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه لا وعيد إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، فظلم العباد وظلم الخالق رب العباد؛ كله من كبائر الذنوب.
ثم قال ﷺ : ((واتقوا الشح)) يعني الطمع في حقوق الغير. اتقوه: أي احذروا منه، واجتنبوه ((فإنه أهلك من كان قبلكم)) يعني من الأمم ((حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) فكان هلاكهم بذلك والعياذ بالله.
стр. 1612
٦٢- باب الإيثار والمواساة
قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)
وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨) إلى آخر الآيات.
[الشَّرْحُ]
باب الإيثار والمواساة. ذكر المؤلف هذا الباب عقب باب النهي عن البخل والشح؛ أنهما متضادان.
فالإيثار: أن يقدم الإنسان غير على نفسه.
والمواساة: أن يواسي غيره بنفسه، والإيثار أفضل ولكن ليعلم أن الإيثار ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ممنوع، والثاني: مكروه أو مباح، والثالث: مباح.
أما الممنوع فهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعاً فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعاً.
ومثاله إذا كان معك ماء يكفي لوضوء رجل واحد، وأنت لست على وضوء، وهناك صاحب لك ليس على وضوء فالماء لك، لكن إما أن يتوضأ به صاحبك وتتيمم أنت، أو تتوضأ أنت ويتيمم صاحبك، ففي هذه الحال لا يجوز أن تعطيه الماء وتتيمم أنت؛ لأنك واجد للماء، والماء في ملكك، ولا يجوز العدول عن الماء إلى التيمم إلا لعادم.
стр. 1613
فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل؛ أنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.
وأما القسم الثاني: وهو المكروه أوالمباح: فالإيثار بالأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم، لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحته.
ومثاله: أن تؤثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه، مثل أن تكون أنت في الصف الأول في الصلاة، فيدخل إنسان فتقوم عن مكانك وتؤثره به، فقد كره أهل العلم هذا، وقالوا: إن هذا دليلٌ على أن الإنسان يرغب عن الخير، والرغبة عن الخير مكروهة، إذ كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أنت أحق به منه؟!
وقال بعض العلماء تركه أولى إلا إذا كان فيه مصلحة، كما لو كان أبوك وتخشى أن يقع في قلبه شيء عليك فتؤثره بمكانك الفاضل، فهذا لا بأس به.
القسم الثالث: وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحباً، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي، أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي.
مثل: أن يكون معك طعام وأنت جائع، وصاحب لك جائع مثلك ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على هذا الإيثار؛ لقول الله ﵎ في وصف الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
стр. 1614
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ َ) (الحشر: ٩) .
ووجه إيثارهم على أنفسهم أن المهاجرين لم اقدموا المدينة تلقاهم الأنصار بالإكرام والاحترام والإيثار بالمال، حتى أن بعضهم يقول لأخيه المهاجري: إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجتي لك فعلت؛ يعني يطلقها فيتزوجها المهاجريّ بعد بمضي عدتها. وهذا من شدة إيثاره رضي اله عنهم لإخوانهم المهاجرين.
وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨)
يعني يطعمون الطعام وهم يحبونه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ويتركون أنفسهم، هذا أيضاً من باب الإيثار.
* * *
١/٥٦٤- وعن أبي هُريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءً، فقال النبي ﷺ : ((من يُضيفُ هذا الليلة؟)) فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلهِ، فقال لأمرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ .
وفي رواية قال لامراته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيءٍ وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكلُ؛ فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي ﷺ فقال: ((لقد عجبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة")) متفق عليه.
стр. 1615
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الإيثار على النفس هذا الحديث العظيم العجيب؛ الذي يبين حال رسول الله ﷺ وأصحابه حيث جاءه رجل فقال: ((يا رسول الله ﷺ إني مجهود)) يعني مجهد من الفقر والجوع، وهو ضيف على رسول الله ﷺ ، فأرسل النبي ﷺ إلى زوجاته واحدة تلو الآخرى يسألها هل عندها شيء، فكانت كلّ واحدة تقول: ((لا والذي يعثك بالحق ما عندي إلا الماء)) .
تسعة أبيات للرسول ﵊ ليس فيها إلا الماء، مع أن النبي ﷺ لو شاء أن يسيّر الله الجبال معه ذهباً لسارت، لكنه ﵊ كان أزهد الناس في الدنيا، كل بيوته التسعة ليس فيها شيء إلا الماء.
فقال النبي ﵊: ((من يُضيف هذا الليلة)) يعني هذا الضيف.
فقال رجلٌ من الأنصار: ((أنا يا رسول)) أنا أضيفه. ((فانطلق به إلى رحله، فقال لآمراته: هل عندك شيء؟ قالت: لا؛ إلا قوت صبياني)) يعني ليس عندها في البيت إلا العشاء لهم تلك الليلة فقط. فقال: ((أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ) وأمرها أن تشغل أولادها وتلهيهم.
حتى إذا جاء وقت الطعام نومتهم، وأطفأت المصباح، ورأت الضيف
следующие страницы →