Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
منه؛ الكبيرظلماته كبيرة والكثير ظلماته كثيرة، وكل شيء بحسبه، قال تعالى:: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الانبياء: ٤٧) .
وفي هذا دليلٌ على أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه لا وعيد إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، فظلم العباد وظلم الخالق رب العباد؛ كله من كبائر الذنوب.
ثم قال ﷺ : ((واتقوا الشح)) يعني الطمع في حقوق الغير. اتقوه: أي احذروا منه، واجتنبوه ((فإنه أهلك من كان قبلكم)) يعني من الأمم ((حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) فكان هلاكهم بذلك والعياذ بالله.
стр. 1612
٦٢- باب الإيثار والمواساة
قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)
وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨) إلى آخر الآيات.
[الشَّرْحُ]
باب الإيثار والمواساة. ذكر المؤلف هذا الباب عقب باب النهي عن البخل والشح؛ أنهما متضادان.
فالإيثار: أن يقدم الإنسان غير على نفسه.
والمواساة: أن يواسي غيره بنفسه، والإيثار أفضل ولكن ليعلم أن الإيثار ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ممنوع، والثاني: مكروه أو مباح، والثالث: مباح.
أما الممنوع فهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعاً فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعاً.
ومثاله إذا كان معك ماء يكفي لوضوء رجل واحد، وأنت لست على وضوء، وهناك صاحب لك ليس على وضوء فالماء لك، لكن إما أن يتوضأ به صاحبك وتتيمم أنت، أو تتوضأ أنت ويتيمم صاحبك، ففي هذه الحال لا يجوز أن تعطيه الماء وتتيمم أنت؛ لأنك واجد للماء، والماء في ملكك، ولا يجوز العدول عن الماء إلى التيمم إلا لعادم.
стр. 1613
فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل؛ أنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.
وأما القسم الثاني: وهو المكروه أوالمباح: فالإيثار بالأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم، لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحته.
ومثاله: أن تؤثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه، مثل أن تكون أنت في الصف الأول في الصلاة، فيدخل إنسان فتقوم عن مكانك وتؤثره به، فقد كره أهل العلم هذا، وقالوا: إن هذا دليلٌ على أن الإنسان يرغب عن الخير، والرغبة عن الخير مكروهة، إذ كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أنت أحق به منه؟!
وقال بعض العلماء تركه أولى إلا إذا كان فيه مصلحة، كما لو كان أبوك وتخشى أن يقع في قلبه شيء عليك فتؤثره بمكانك الفاضل، فهذا لا بأس به.
القسم الثالث: وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحباً، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي، أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي.
مثل: أن يكون معك طعام وأنت جائع، وصاحب لك جائع مثلك ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على هذا الإيثار؛ لقول الله ﵎ في وصف الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
стр. 1614
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ َ) (الحشر: ٩) .
ووجه إيثارهم على أنفسهم أن المهاجرين لم اقدموا المدينة تلقاهم الأنصار بالإكرام والاحترام والإيثار بالمال، حتى أن بعضهم يقول لأخيه المهاجري: إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجتي لك فعلت؛ يعني يطلقها فيتزوجها المهاجريّ بعد بمضي عدتها. وهذا من شدة إيثاره رضي اله عنهم لإخوانهم المهاجرين.
وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨)
يعني يطعمون الطعام وهم يحبونه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ويتركون أنفسهم، هذا أيضاً من باب الإيثار.
* * *
١/٥٦٤- وعن أبي هُريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءً، فقال النبي ﷺ : ((من يُضيفُ هذا الليلة؟)) فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلهِ، فقال لأمرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ .
وفي رواية قال لامراته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيءٍ وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكلُ؛ فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي ﷺ فقال: ((لقد عجبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة")) متفق عليه.
стр. 1615
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الإيثار على النفس هذا الحديث العظيم العجيب؛ الذي يبين حال رسول الله ﷺ وأصحابه حيث جاءه رجل فقال: ((يا رسول الله ﷺ إني مجهود)) يعني مجهد من الفقر والجوع، وهو ضيف على رسول الله ﷺ ، فأرسل النبي ﷺ إلى زوجاته واحدة تلو الآخرى يسألها هل عندها شيء، فكانت كلّ واحدة تقول: ((لا والذي يعثك بالحق ما عندي إلا الماء)) .
تسعة أبيات للرسول ﵊ ليس فيها إلا الماء، مع أن النبي ﷺ لو شاء أن يسيّر الله الجبال معه ذهباً لسارت، لكنه ﵊ كان أزهد الناس في الدنيا، كل بيوته التسعة ليس فيها شيء إلا الماء.
فقال النبي ﵊: ((من يُضيف هذا الليلة)) يعني هذا الضيف.
فقال رجلٌ من الأنصار: ((أنا يا رسول)) أنا أضيفه. ((فانطلق به إلى رحله، فقال لآمراته: هل عندك شيء؟ قالت: لا؛ إلا قوت صبياني)) يعني ليس عندها في البيت إلا العشاء لهم تلك الليلة فقط. فقال: ((أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ) وأمرها أن تشغل أولادها وتلهيهم.
حتى إذا جاء وقت الطعام نومتهم، وأطفأت المصباح، ورأت الضيف
стр. 1616
أنهم يأكلون معه ففعلت، هدأت الصبيان وعللتهم ونومتهم، فناموا على غير عشاء، ثم إن العشاء لما قدم أطفأت المصباح وأرت الضيف أنها تأكل هي وزوجها معه، وهما لا يأكلان، فشبع الضيف وباتا طاويين، يعني غير متعشيين إكراماً لضيف الرسول ﷺ .
ثم إنه أصبح فغدا إلى رسول الله ﷺ فأخبره الرسول ﵊ أن الله قد عجب من صنيعهما تلك الليلة، والعجب هنا عجب استحسان، استحسن صنيعهما من تلك الليلة لما يشتمل عليه من الفوائد العظيمة.
ففي هذا الحديث من الفوائد ما يلي:
أولاً: بيان حال رسول الله ﷺ وما هو عليه من شظف العيش وقلة ذات اليد، مع أنه ﵊ أكرم الخلق على الله، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله شيئاً؛ لكان أبر الناس بها وأحقهم رسول الله ﷺ ، ولكنها لا تساوي شيئاً.
قال ابن القيم ﵀:
لو ساوت الدنيا جناح بعوضة ... لم يسق منها الرب ذا الكفران
لكنها والله أحقر عنده من ... ذا الجناح القاصر الطيران
أحقر من جناح البعوضة عند الله؛ فليست بشيء.
ومنها: حسن أدب الصحابة مع النبي ﷺ ، فإن هذا الأنصاري رضي
стр. 1617
الله عنه قال لزوجته: ((أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ) ولم يقل أكرمي ضيفنا مع أن الذي أضافه في الحقيقة هو هذا الرجل، لكنه أضافه نيابة عن الرسول ﵊، فجعله ضيفاً لرسول الله ﷺ .
ومنها: إنه يجوز عرض الضيافة على الناس، ولا يعد هذا من المسالة المذمومة، أولاً لأنه لم يعين، فلم يقل: يا فلان ضيف هذا الرجل حتى نقول: إنه أحرجه، وإنما هو على سبيل العموم، فيجوز للإنسان مثلاً إذا نزل به ضيف وكان مشغولاً، أو ليس عنده ما يضيفه به، أن يقول لمن حوله: من مضيف هذا الرجل؟ ولا حرج في ذلك
ومنها: الإيثار العظيم من هذا الرجل الأنصاري، حيث بات هو وزوجته وصبيته من غير عشاء إكراماً لهذا الضيف الذي نزل ضيفاً على رسول الله ﷺ .
ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يُري ضيفه أنه مانّ عليه، أو أن الضيف مضيق عليه، ومحرج له؛ لأن الرجل أمر بإطفاء المصباح حتى لا يظن الضيف أنه ضيق عليهم وحرمهم العشاء، وهذا مأخوذ من أدب الخليل إبراهيم ﵇ حين نزلت به الملائكة ضيوفاً (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦) ، حينئذٍ، لكنه راغ إلى أهله، أي ذهب بسرعة وخفية لئلا يخجل الضيف.
ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يؤثر الضيف ونحوه على عائلته، وهذا في الآحوال النادرة العارضة، وإلا فقد قال النبي ﷺ : ((أبدا بنفسك
стр. 1618
فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك))
ولكن إذا عرضت مثل هذه الأحوال؛ فلا حرج على الإنسان أن يقدم الضيف أو نحوه ممن يجب عليه إكرامه.
ومن تأمل سنة الرسول ﵊ وهديه وهدي أصحابه؛ وجد فيها من مكارم الأخلاق ومعالي الآداب ما لو سار الناس عليه لنالوا بذلك رفعة الدنيا والآخرة. وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.
٢/٥٦٥- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((طعامُ الواحد يكفي الإثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) .
٣/٥٦٦- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحنُ في سفرٍ مع النبي ﷺ إذ جاء رجلٌ على راحلة لهُ، فجعل يصرفُ بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : ((من كان معه فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن
стр. 1619
كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له)) فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضل. رواه مسلم..
٤/٥٦٧- وعن سهل بن سعد ﵁ أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ مُحتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسينها ما أحسنها!
فقال: ((نعم)) فجلس النبي ﷺ في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.
فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها النبي ﷺ محتاجاً إليها، ثم سألتهُ، وعلمت أنهُ لا يرد سائلاً، فقال: إني والله ما سألتهُ لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنهُ. رواه البخاري
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ هذه الآحاديث الآربعة في باب الإيثار وهي حديث أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد.
ففي الحديثين الأولين، بين النبي ﷺ إن طعام الواحد يكفي الإثنين، وأن طعام الإثنين يكفي الأربعة، وأن طعام الأربعة يكفي الثمانية، وهذا حث منه ﵊ على الإيثار، يعني أنك لو أتيت بطعامك الذي قدرت أنه يكفيك، وجاء رجلٌ آخر فلا تبخل، لا تبخل عليه وتقول
стр. 1620
هذا طعامي وحدي، بل أعطه حتى يكون كافياً للاثنين.
وكذلك لو جاء اثنان بطعامهما، ثم جاءهما اثنان، فلا يبخلان عليه ويقولان هذا طعامنا، بل يطمعانهما؛ فإن طعامهما يكفيهما ويكفي الإثنين، وهكذا الأربعة مع الثمانية.
وإنما ذكر الرسول ﵊ هذا من أجل أن يؤثر الإنسان بفضل طعامه على أخيه.
وكذلك أيضاً حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ على رحل له، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، وكأن النبي ﷺ فهم أن الرجل محتاج، فقال ﵊: ((من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له)) .
وذكر أنواعاً ولم يبادر فيقول من كان له فضل زاد مثلاً لئلا يخجل الرجل، بل قال: ((من كان له فضل ظهر)) ، والرجل لا يحتاج إلى الظهر، لأنه كان على راحلته، لكن هذا من حسن خطاب النبي ﷺ .
يقول الراوي: ((حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) يعني أن الإنسان يبذل كل ما عنده حتى لا يبقى معه فضل، يعني من الطعام والشراب والرحل وغير ذلك، وهذا كله من باب الإيثار.
وأما الحديث الرابع حديث سهل بن سعد، فإن امرأة جاءت وأهدت إلى النبي ﷺ بردة، وكان ﷺ لا يرد الهدية؛ بل يقبل الهدية ويثيب عليها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من كرمه وحسن خلقه، فتقدم رجل إليه، فقال: ما أحسن هذا، طلبها من النبي ﷺ ، ففعل الرسول عليه الصلاة
стр. 1621
والسلام، خلعها وطواها، وأعطاه إياها.
فقيل للرجل: كيف تطلبها من النبي ﷺ وأنت تعلم أنه لا يرد سائلاً؟ فقال: والله ما طلبتها لألبسها، ولكن لتكون كفني ﵁، فأبقاها عنده فصارت كفنه، ففي هذا إيثار النبي ﷺ على نفسه؛ لأنه آثر بها هذا الرجل مع أن الذي يظهر أنه في حاجة لها.
* * *
٥/٥٦٨- وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الأشعريين إذا أرملُوا في الغزوِ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموهُ بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم)) متفق عليه.
"ارملوا": فرغ زادهم، أو قارب الفراغ.
стр. 1622
٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستنكار مما يتبرك به
قال الله تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: ٢٦) .
١/٥٦٩- وعن سهل بن سعدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منهُ، وعن يمينه غُلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) فقال الغلامُ: والله يا رسول الله، لا أوثرُ بنصيبي منك أحداً، فتلهُ رسول الله ﷺ في يده. متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في آخر باب فضل الإيثار، حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وأصحابه الذين هم من الأشعريين من أهل اليمن، كانوا يتساعدون في أمورهم، فإذا أتاهم شيء من المال جمعوه ثم اقتسموه بينهم بالسوية. قال النبي ﷺ : ((فهم مني وأنا منهم)) قال ذلك تشجيعاً لما يفعلونه.
وهذا الحديث أصلُ في الجمعيات التعاونية التي يفعلها بعض الناس اليوم، تجتمع القبيلة على أن يضعوا صندوقاً يجمعون فيه ما يريد الله من المال؛ إما بالنسبة وإما بالاجتهاد والترشيح، فيكون مثلاً على
стр. 1623
كل واحد منهم أن يدفع اثنين في المائة من راتبه أو من كسبه أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا الصندوق معداً للحوائج والنكبات التي تحصل على واحد منهم.
فهذا أصله حديث أبي موسى ﵁ الذي سبق، فإذا جمع الناس صندوقاً على هذا النحو ليتساعدوا فيه على نكبات الزمان من الحوادث وغيرها، فإن لذلك أصلاً في السنة، وهو من الأمور المشروعة.
ولكن ينبغي أن نعمل أن هذا الصندوق قد يكون لمن يقع عليه الحادث، وقد يكون لمن يقع منه الحادث.
ِأما الأول: فأن يوضع الصندوق للناس لمساعدة الناس الذين يحصل عليهم جوائح؛ مثل جوائح تتلف زروعهم ومواشيهم، أو أمطار تهدم بيوتهم، أو ما أشبه ذلك، أو حوادث تحدث على سياراتهم من غيرهم، فيحتاجون إلى المساعدة؛ فهذا طيب ولا إشكال فيه.
أما الثاني: فهو للحوادث التي تقع من الشخص، فإذا فعل شخص حادثاً مثل دعس أحد أو ما أشبه ذلك يساعد، فهذا ينبغي أن ينظر في هذا الأمر؛ لأننا إذا وضعنا صندوقاً لهذا فإن السفهاء قد يتهورون، ولا يهمهم أن تقع الحوادث منهم، فإذا قدر أننا وضعنا صندوقاً لهذا الشيء فليكن ذلك بعد الدراسة؛ دراسة ما حدث من الشخص دراسة عميقة، وأنه لم يحدث منه تهورٌ ولم يحدث منه تفريطٌ، وإلا فلا ينبغي أن توضع الصناديق لمساعدة هؤلاء السفهاء الذين يوماً يدعسون شخصاً، ويوماً يصدمون سيارة وما أشبه ذلك، وربما يقع ذلك عن حال غير مرضية كسُكرٍ، أو عن
стр. 1624
حال يفرط فيها الإنسان كالنوم وما أشبه ذلك.
والحاصل أن هذه الصناديق تكون على وجهين:
الوجه الأول: مساعدة من يحصل عليه حادث، فهذا طيب ولا إشكال فيه.
والوجه الثاني: أن يكون ممن يحصل منه حادث، فهذا إن وضع- ولا أحبذ أن يوضع، لكن إن وضع - فإنه يجب التحرز والتثبت من كون هذا الرجل الذي حصل منه الحادث لم يحصل منه تفريط ولا تعدِّ.
ثم إن هذا المال الذي يوضع في الصندوق ليس فيه زكاة مهما بلغ من القدر، وذلك لأنه ليس له مالك، ومن شروط وجوب الزكاة أن يكون المال له مالك، وهذا الصندوق ليس له مالك؛ بل من حصل عليه حادث فإنه يساعد منه، وأصحابه الذين وضعوا هذه النقود في هذا الصندوق فإنهم لا يملكون أخذها؛ لأنهم قد أخرجوها من أموالهم لمال من؛ لا لأحدٍ وإنما هو للمساعدة، وعلى هذا فلا يكون فيها زكاة.
ثم هاهنا مسألة يسأل عنها الكثير من الناس، وهي أنه يجتمع أناس من الموظفين مثلاً، ويقولون: سنخصم من كل راتب من رواتب هؤلاء النفر ألف ريال على كل واحد، أو عشرة في المائة من راتبه، يعني إما بالنسبة أو بالتعيين، ونعطيها واحداً منا، وفي الشهر الثاني نعطيها الثاني، وفي الشهر الثالث نعطيها الثالث، وفي الشهر الرابع نعطيها الرابع، حتى تدور عليهم ثم ترجع للأول للمرة الثانية، فبعض الناس يسأل عنها.
والجواب على هذا أن نقول: إن هذا صحيحٌ ولا بأس به، وليس فيه
стр. 1625
حرج، ومن توهم أنه من باب القرض الذي جر نفعاً فقد وهم؛؛ لأني إذا سلفتُ أنا هؤلاء الإخوان الذين معي شيئاً فأنا لا آخذ أكثر مما أعطيت، وكونهم يقولون سوف يرجع إليه مال كثيرٌ نقول: نعم، ولكن لم يرجع عليه أكثر مما أعطى، فغاية ما فيه أنه سلف بشرط أن يوفى وليس في هذا شيء.
فهذا وهم من بعض الإخوان وهم بعض طلبة العلم الذين يظنون أن هذا من باب الربا؛ هذا ليس فيه ربا إطلاقاً، بل هو من باب التساعد والتعاون، وكثيراً ما يحتاج بعض الزملاء إلى أموال حاضرة تفك مشاكله، ويسلم من أن يذهب إلى أحد يتدين منه ويربي عليه، أو يذهب إلى بنك يأخذ منه بالربا أو ما أشبه ذلك، فهذه مصلحة وليس فيها مفسدة بأي وجه من الوجوه والله الموفق.
стр. 1626
ِ ٦٤- باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها
قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧)
وقال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٧-٢١) .
وقال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٧١)
وقال تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران: ٩٢)
والآيات في فضل الإنفاق في الطاعات كثيرى معلُومةٌ.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الغني الشاكر، وهو الذي يأخذ المال بحثه ويصرفه في حقه.
فالغني هو الذي أعطاه الله ما يستغني به عن غيره من مال أو علم أو جاه أو غير ذلك، وإن كان الأكثر استعمالاً أن الغني هو الذي أعطاه الله المال الذي يستغني به عن غيره.
والله يبتلي عباده بالمال يعني بالغنى وبالفقر، فمن
стр. 1627
الناس من لو أغناه الله لأفسده الغني، ومن الناس من لو أفقره الله لأفسده الفقر، والله يعطي كل أحد بحسب ما تقتضيه الحكمة (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الانبياء: ٣٥) .
وإذا أعطى الله الإنسان المال فإنه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: من يعطيه الله المال يكتسبه من طريق حرام؛ كالمرابي، والكذاب، والغشاش في البيع والشراء، ومن أكل أموال الناس بالباطل وما أشبه ذلك، فهذا غناه لا ينفعه؛ لأنه غني في الدنيا، ولكنه فقير والعياذ بالله في الدنيا والآخرة.
إذ أن هذا الشي الذي دخل عليه من هذا الوجه سوف يعاقب عليه يوم القيامة، وأعظمه الربا، فإن الله يقول في كتابه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢٧٥) ، ويقول الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩) .
القسم الثاني من الأغنياء: من أغناه الله بالمال لكن عن طريق الحلال، يبيع بالبيان والنصح والصدق، ويأخذ كذلك، ولا يكتسب إلا المال الحلال، فهذا هو الذي ينفعه غناه؛ لأن من كان كذلك؛ فالغالب أن الله
стр. 1628
يوفقه لصرفه فيما ينفع.
فهذا هو الغني الشاكر الذي يأخذ المال بحقه، ويصرفه في حقه على الوجه الذي شرعه الله له.
ثم ذكر المؤلف ﵀ آيات في هذا المعنى، فذكر قول الله : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧) يعني بذل المال في وجهه، واتقى الله في بذله وفي جمعه، فهذا ييسر لليسرى.
وقال سبحانه:: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل: ١٢، ٨) .
وقال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا) يعني النار (الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٧، ٢١) يعني سيجنب هذه النار (الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) يعني على وجه يتزكى به، وعلى وجه يقربه إلى الله .
(وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) يعني ليس يعطي المال من باب المكافأة، مكافأة نعمة يجزي عليها غيره، ولكنه يعطي المال لله، ولهذا قال:) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) لكن يعطي المال ابتغاء وجه ربه الأعلى (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) بما يجازيه الله به.
فعلى المؤمن إذا أغناه الله أن يكون شاكراً لله قائماً بما أوجب الله عليه من بذل المال في حقه على الوجه الذي يرضي الله .
* * *
стр. 1629
١/٥٧١- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) متفق عليه. وتقدم شرحه قريباً.
٢/٥٧٢- وعن ابنِ عُمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((لا حسد إلا في اثنين: رجلُ آتاهُ الله القُرآن. فهو يقومُ به آناء الليل وآناء النهارِ ورجلٌ آتاه الله مالاً، فهو ينفقهُ آناء الليل وآناء النهارِ)) متفق عليه.
٣/٥٧٣- وعن أبي هُريرة ﵁ أن فقراء المُهاجرين آتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم فقال: ((وما ذاك؟)) فقالوا يُصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصومُ ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتقُ، فقال رسول الله ﷺ : ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكونُ أحدٌ أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تُسبحون وتحمدون وتكبرون، دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)) فرجع فقراءُ المُهاجرين على رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا، ففعلُوا مثلهُ؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ذلِك فضلُ الله يؤتيه من يشاءُ)) متفق عليه، وهذا لفظ رواية مسلم.
" الدثُورُ": الأموال الكثيرةُ، والله أعلم.
стр. 1630
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ أحاديث في بيان الذين ينفقون أموالهم ويجودون بها في سبيل الله، ففي حديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ﵄ بيان أنه لا حسد إلا في اثنين، يعني: لا أحد يُغبط غبطة حقيقية إلا هذان الصنفان:
الأول: من آتاه الله العلم وهو الحكمة، فكان يعمل بها ويعلمها الناس، فهذا هو الذي يغبط؛ لأنك إذا قارنت بين حال هذا الرجل وحال الجاهل عرفت الفرق بينهما؛ الجاهل يعبد الله على جهل، ولا يعرف من شريعة الله إلا ما فعله الناس، فتجده يتبع الناس على الصواب والخطأ، وهذا نقص كبير في عبادة الرجل؛ لأن الإنسان إذا عبد الله على غير بصيرة؛ صارت عبادته ناقصة.
كذلك إذا قارنت بين رجل آتاه الله العلم ولكنه لم يعمل به، ورجل آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس، تجد الفرق العظيم بين هذا وهذا، فالذي يغبط حقيقة هو الذي آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس.
والثاني: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في سبيل الله، في كل ما يرضي الله ليلاً ونهاراً، فهذا هو الذي يغبط، أما من آتاه الله المال ولكنه لم ينفقه في مرضاة الله؛ فلا غبطة فيه، ولا يغبط على ما أوتي؛ لأن هذا المال إن انتفع به؛ انتفع به في الدنيا فقط؛ لأنه لا ينفقه لله ولا في سبيل الله.
والرجل الثالث: رجلٌ فقيرٌ لم يؤت مالاً فهو أيضاً لا يغبط، فلا يغبط من ذوي المال إلا من آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، فيما يرضي
стр. 1631
الله .
ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ حين جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: ((يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور)) جمع أجر ((بالدرجات العلى والنعيم المقيم)) . قال: ((وما ذاك؟)) قالوا: ((يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق)) يعني فهم أفضل منا؛ لأن الله منَّ عليهم بالمال فبذلوه في طاعة الله، وفيما يرضي الله.
فقال ﵊: ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) فقالوا: ((بلى يا رسول الله)) ، قال: ((تسبحون وتحمدون وتكبرون، دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)) يعني تقولون: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، فصاروا يفعلون ذلك، لكن الأغنياء سمعوا بهذا فصاروا يقولنه؛ يسبحون ويكبرون ويحمدون ثلاثاً وثلاثين دبر كل صلاة.
فرجع الفقراء مرة ثانية إلى النبي ﵊ وقالوا: " يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما صنعنا فصنعوا مثله"، فقال ﵊: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" يعني أن الله أغناهم وأعطاهم المال فبذلوه في طاعة الله، وهذا فضل الله.
وفي هذا دليلٌ على أن الصحابة ﵃ كانوا يتسابقون إلى
стр. 1632
الخير؛ فالأغنياء لما سمعوا بما أرشد إليه النبي ﵊ الفقراءَ بادروا إليه وفعلوه، والفقراء جاءوا يشكون أنهم كانوا متأخرين عن أهل الأموال فقال لهم ﵊: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)) .
والخلاصة أنه ينبغي للإنسان إذا آتاه الله المال أن يبذله فيما يرضي الله، فإن هذا هو الذي يحسد، يعني يغبط على ما آتاه الله من المال.
стр. 1633
٦٥- باب ذكر الموت وقصر الأمل
قال الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور) (آل عمران: ١٨٥) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في رياض الصالحين: باب ذكر الموت وقصر الأمل، هذا الباب يذكر فيه المؤلف ﵀ أنه ينبغي للعاقل أن يتذكر الموت وأن يقصر الأمل- يعني الأمل في الدنيا، وليس الأمل في ثواب الله وما عنده من الثواب الجزيل لمن عمل صالحاً.
لكن الدنيا لا تطيل الأمل فيها، فكم من إنسان أمل أملاً بعيداً فإذا الأجل يفجؤه؟! وكم من إنسان يٌقدر ويفكر سيفعل ويفعل ويفعل، فإذا به قد انتهى أجله وترك ما أمله، وانقطع حبل الأمل، وحضر الأجل؟!
فالذي ينبغي للإنسان العاقل أنه كلما رأى من نفسه طموحاً إلى الدنيا وانشغالاً بها واغتراراً بها أن يتذكر الموت، ويتذكر حال الآخرة؛ لأن هذا هو المآل المتيقن، وما يؤمله الإنسان في الدنيا فقد يحصل وقد لا يحصل (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) (الاسراء: ١٨) ، لا ما يشاء هو، بل ما يشاء الله : (ُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً) (الاسراء: ١٨) (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) (الاسراء: ١٩) .
стр. 1634
ثم ذكر الآيات ومنها قوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: ١٨٥) ، (كُلُّ نَفْسٍ) فكل نفس منفوسة من بني آدم وغير بني آدم ذائقة الموت، لابد أن تذوق الموت، وعبر بقوله: ذائقة؛ لأن الموت يكون له مذاق مر يكرهه كل إنسان.
لكن المؤمن إذا حضره أجله وبُشر بما عند الله أحبّ لقاء الله ولا يكره الموت حينئذٍ، قال تعالى (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: تعطونها وافية كاملة يوم القيامة.
وإن أوتي الإنسان أجره في الدنيا فإنه ليس هذا هو الأجر فقط؛ بل الأجر الوافي الكامل الذي به يستوفي الإنسان كل أجره يكون يوم القيامة، وإلا فإن المؤمن قد يُثاب على أعماله الصالحة في الدنيا، لكن ليس هو الأجر الكامل الذي وفى التوفية الكاملة تكون يوم القيامة (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) زحزح يعني أبعد عن النار (وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فاز) ؛ لأنه نجى من المكروه وحصل له المطلوب، نجى من المكروه وهو دخول النار، وحصل له المطلوب وهو دخول الجنة، وهذا هو الفوز العظيم الذي لا فوز مثله. (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: ١٨٥) صدق الله ؛ الدنيا متاع الغرور يعني متاع ليس دائماً؛ بل كما يكون للمسافر متاع يصل به إلى منتهى سفره، ومع ذلك فهي متاع غرور تغر الإنسان، تزدان له وتزدهر وتكتحل وتتحسن وتكون كأحسن شيء، ولكنها تغره.
стр. 1635
كلما كثرت الدنيا وتشبث الإنسان بها بعد من الآخرة، ولهذا قال النبي ﵊: ((والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)) .
ولهذا نجد الإنسان أحياناً يكون في حال الضيق أو الوسط خيراً منه في حال الغنى؛ لأنه يغره الغنى ويطغيه والعياذ بالله، ولهذا قال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران ١٨٥) يعنى فلا تغتروا بها، وعليكم بالآخرة التي إذا زحزح فيها الإنسان عن النار وأدخل الجنة، فإنه بذلك يفوز فوزاً لا فوز مثله نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاه الله عذاب النار.
* * *
قال رحمه الله تعالى في سياق الآيات في باب ذكر الموت وقصر الأمل:
وقال الله تعالى: (ِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت) (لقمان: ٣٤)
وقال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل: ٦١)
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب ذكر الموت وقصر الأمل فيما
стр. 1636
ساقه من آيات الله ، قال: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت) (لقمان: ٣٤) وهذه أحد مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله .
قال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (الأنعام: ٥٩) ومفاتح الغيب هي الخمس المذكورة في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (لقمان: ٣٤) .
فهذه الخمس لا يعلمها إلا الله ، فعلم الساعة لا يعلمه أحد، حتى إن جبريل وهو أشرف الملائكة سأل رسول الله ﷺ محمداً وهو أعلم البشر فقال: ((أخبرني عن الساعة. قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) فلا يعلمها إلا الله .
(وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) والمنزل للغيث يعلم متى ينزل، فهو هو الذي يعلم متى ينزل الغيث وهو الذي ينزله، والغيث هو المطر الذي يحصل به نبات الأرض وزوال الشدة.
وليس كل مطر يسمى غيثاً، فإن المطر أحياناً لا يجعل الله فيه بركة فلا تنبت به الأرض، كما قال النبي صلى الله ﵊: "ليس السنة ألا تمطروا" يعني ليس الجدب ألا تمطروا ((بل السنة أن تمطروا ولا تنبت
стр. 1637
الأرض شيئاً))
وهذا يقع أحياناً، فأحياناً تكثر الأمطار ولا يجعل الله تعالى فيها بركة، فلا تنبت الأرض ولا تحيا، وهذا الحديث الذي سقته في صحيح مسلم: " إنما السنة أن تمطروا فلا تنبت الأرض شيئاً".
فالذي ينزل الغيث هو الله، والمنزل له عالم متى ينزل، وأما ما نسمعه في الإذاعات من أنه يتوقع مطر في المكان الفلاني وما أشبه ذلك، فهو ظن بحسب ما يتبادر من احتمال المطر بمقياس الجو، وهي مقاييس دقيقة يعرفون بها هل الجو متهيئ للمطر أو لا، ومع ذلك فقد يخطئون كثيراً ولا يتوقعون أمطاراً تحدث بعد سنوات أو بعد أشهر. إن المدى قريب والمكان قريب فلا يعلم متى ينزل المطر إلا الله .
(وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، والأجنة التي في الأرحام لها أحوال، منها ما يعلم إذا وجد ولو كان الإنسان في بطن أمه، ومنها ما لا يعلم أبداً، فكونه ذكراً أو أنثى يعلم وهو في بطن أمه، ولكنه لا يعلم إلا إذا خلق الله تعالى فيه علامات الذكورة أو علامات الأنوثة.
وأما متى يولد، وهل يولد حياً ًّ أو ميتاً، وهل يبقى في الدنيا طويلاً أو لا يبقى إلا مدة قصيرة، وهل يكون عمله صالحاً، أو عمله سيئاً، وهل يختم له بالسعادة أو بالشقاوة، وهل يبسط له في الرزق أو يُقدر عليه رزقه، فكل هذا لا يعلمه إلا الله.
стр. 1638
(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً) يعني ماذا تكسب في المستقبل؟ فلا تدري نفس ماذا تكسب، هل تكسب خيراً أو تكسب شراً، أو تموت قبل غد، أو يأتي غد وفيه ما يمنع العمل، وما أشبه ذلك؟ فالإنسان يقدر يقول: غداً سأفعل كذا، سافعل كذا، لكنه قد لا يفعل، فهو لا يعلم ماذا يكسب غداً علماً يقينياً، ولكنه يقدر وقد تخلف الأمور.
(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت) ، ولا يدري الإنسان بأي أرض يموت؟، هل يموت بأرضه، أو بأرض بعيدة عنها، أو قريبة منها، أو يموت في البحر، أو يموت في الجو؟ لا يدري، ولا يعلم ذلك إلا الله.
فإذا كنت لا تدري بأي أرض تموت، وأنت يمكنك أن تذهب يميناً وشمالاً، فكذلك لا تعلم متى تموت، لا تدري في أي وقت تموت، هل ستموت في الصباح، في المساء، في الليل، في وسط النهار لا تدري، في الشهر القريب، في الشهر البعيد لا تدري، لا تدري متى تموت ولا بأي أرض تموت.
فإذا كنت كذلك؛ فاقصر الأمل، لا تمد الأمل طويلاً، لا تقل أنا شاب وسوف أبقى زماناً طويلاً، فكم من شابٍّ مات في شبابه، وكم من شيخ عُمِّر، ولا تقل إني صحيح البدن والموت بعيد، فكم من إنسان مرض بمرض يهلكه بسرعة، وكم من إنسان حصل عليه حادث، وكم من إنسان مات بغتة، لذلك لا ينبغي للإنسان أن يطيل الأمل؛ بل عليه أن يعمل، وللدنيا عملها، وللآخرة عملها، فيسعى للآخرة سعيها بإيمان بالله واتكال عليه.
стр. 1639
وقد قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) إذا جاء أجل الإنسان لا يمكن أن يتأخر ولا دقيقة واحدة ولا يمكن أن يتقدم؛ بل هو بأجل معدود محدود، لا يتقدم عليه ولا يتأخر، فلماذا تجعل الأمل طويلاً؟
فالإنسان لا يعلم متى يموت، ولا يعلم بأي أرض يموت، وقد حدثني أحد إخواني الثقات قال: إنهم كانوا في سفر الحج على الإبل، وكان معهم رجلٌ معه أمه يمرضها، فتأخر عن القوم في آخر الليل، فارتحل الناس ومشوا وبقي مع أمه يمرضها، ولما أصبح وسار خلف القوم لم يدركهم، ولم يدر إلى أين اتجهوا لأنهم في مكة.
يقول: فسلك طريقاً بين هذه الجبال، فإذا هو واقف على بيت من الشعر فيه عدد من الناس قليلين، فسألهم أين طريق نجد؟ قالوا: أنت بعيد عن الطريق، لكن نوخ البعير واجلس استرح ثم نحن نوصلك، يقول: فنزل نوخ البعير وأنزل أمه، يقول: فما هي إلا أن اضطجعت على هذه الأرض فقبض الله روحها، كيف جاءت من القصيم إلى مكة مع الحجاج، وأراد الله أن يتيه هذا الرجل حتى ينزل بهذا المكان، لا يعلم هذا إلا الله .
وكذلك أيضاً في الزمن، كم بلغنا من أناس تأخروا قليلاً فجاءهم حادث فماتوا به، ولو تقدموا قليلاً لسلموا منه، كل هذا لأن الله تعالى قد قدر كل شيء بأجل محدود، فالإنسان يجب عليه أن يحتاط لنفسه، وألا يطيل الأمل، وأن يعمل للآخرة، وكأنه يموت قريباً لآجل أن يستعد لها،
стр. 1640
فهذه الآيات كلها تدل على أن الإنسان يجب عليه أن يقصر الأمل وإن يستعد للآخرة.
جعلنا الله وإياكم من المستعدين لها بالعمل الصالح.
* * *
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: ٩-١١) .
وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ) (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) (قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ)
(إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ
стр. 1641
أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: ٩٩-١١٥)
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ محيي الدين النووي في كتابه رياض الصالحين في باب ذكر الموت وقصر الأمل قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: ١٠-١١) .
أمر الله بالإنفاق مما رزقنا، أي مما أعطانا، وحذرنا مما لابد منه: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) وحينئذٍ يندم الإنسان على عدم الإنفاق ويقول: (رب لولا أخرتني إلى أجل قريب) يتمنى أن الله يؤخره إلى أجل قريب (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) يعني: فبسبب تأخيرك إياي أتصدق وأكن من الصالحين.
قال الله : (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: ١١) إذا جاء الأجل لا يمكن أن يتأخر الإنسان ولا لحظة واحدة، بل لابد أن يموت في المدة التي عيّنها الله على حسب ما تقتضيه حكمته.
فمن الناس من يطول بقاؤه في الدنيا، ومن الناس من يقصر، كما أن من الناس من يكثر رزقه، ومنهم من يقل، ومنهم من يكثر علمه، ومنهم من يقل، ومنهم من يقوى فهمه، ومنهم من يضعف، ومنهم من
стр. 1642
يكون طويلاً، ومنهم من يكون قصيراً، فالله خلق عباده متفاوتين في كل شيء.
وقال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: ٩) فنهى الله تعالى أن تلهينا أموالنا وأولادنا عن ذكر الله، وبين أن من ألهته هذه الأشياء عن ذكر الله؛ فهو خاسر مهما ربح.. ولو ربح أموالاً كثيرة، وكان عنده بنون، وكان عنده أهل، ولكنه قد تلهى بهم عن ذكر الله فإنه خاسر.
إذاً من هو الرابح؟ الرابح من اشتغل بذكر الله . وذكر الله ليس هو قول: لا إله إلا الله فقط؛ بل كل قول يقرب إلى الله فهو ذكر له، وكل فعل يقرب إلى الله فهو ذكر له، كما قال الله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت: ٤٥)
ولأن الإنسان إذا قال قولاً يتقرب به إلى الله، أو فعل فعلاً يتقرب به إلى الله؛ فهو حين النية ذاكر لله ، فذكر الله يشمل كل قول أو فعل يقرّب إليه.
قال: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْت) (المؤمنون: ٩٩، ١٠٠) فقوله (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) أي إذا جاء أحد المكذبين للرسل إذا جاء أحدهم الموت َ (قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) ارجعوني إلى الدنيا (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْت) . ولم يقل لعلي أتمتع في قصورها وحبورها ونسائها وغير ذلك؛ بل
стр. 1643
قال (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ) ، أي: فيما تركت من المال الذي بخلت به حتى أنفقه في سبيل الله.
قال الله تعالى (كَلَّا) يعني: لا رجوع ولا يمكن الرجوع؛ لأنه إذا جاء الأجل (ْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس: ٤٩)
ثم قال (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) هذه الكلمة يؤكد الله أنه يقولها وهي قوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ) (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ) ، (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يعني: من أمام هؤلاء الذي حضرتهم الوفاة (بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) .
والبرزخ هو الفاصل بين الدنيا وبين قيام الساعة، وسواء كان الإنسان مدفوناً في الأرض أو على ظهر الأرض تأكله السباع وتتلفه الرياح، أو كان في قاع البحار؛ كل هذا يسمى برزخاً (بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يعني: يخرجون من القبور لله في يوم القيامة.
(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّور) وذلك عند قيام الساعة (فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُون) والنفخ في الصور مرتان:
النفخة الأولى: يكون فيها الفزع والصعق يعني الموت، فينفخ إسرافيل في الصور نفخة يكون لها صوت عظيم مزعج جداً، فيفزع الناس ثم يموتون كلهم إلا ما شاء الله.
والنفخة الثانية: ينفخ في الصور فتخرج الأرواح من الصور وتعود إلى أجسادها، وهذه التي يكون بها الحياة الأبدية التي لا موت بعدها.
(فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُون) يعنى بعد أن يبعثوا من
стр. 1644
قبورهم لا تنفعهم الأنساب والقرابات (وَلا يَتَسَاءَلُون) لا يسأل بعضهم عن بعض؛ بل إن الله تعالى يقول: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) (وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) (وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: ٣٤-٣٧) .
فالأنساب في ذلك الوقت لا تنفع، والقرابات لا يتساءلون عن بعضهم، بينما في الدنيا يسأل بعضهم عن بعض، ما الذي حصل لهذا؟ ما الذي حصل لهذا؟ ماذا فعل فلان؟ أما في الآخرة فـ (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه) (عبس: ٣٧) .
قال تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المؤمنون: ١٠١، ١٠٢) فينقسم الناس في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم تثقل موازينه فهذا مفلح، فائز بما يحب، ناج مما يكره.
والموازين جمع ميزان، قد وردت في الكتاب والسنة مجموعة ومفردة، فقال الله تعالى هنا (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُه) (المؤمنون: ١٠٢) ، وقال النبي ﷺ : ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) ، فقال: في الميزان ولم يقل في الموازين، فجمعت مرة وأفردت أخرى، وذلك لكثرة ما يوزن، فلكثرة ما يوزن جمعت، ولكون الميزان واحداً ليس فيه ظلم ولا بخس أفردت.
стр. 1645
وأما الذي يوزن فقد قال بعض العلماء: إن الذي يوزن هو العمل، وقال بعض العلماء: الذي يوزن العامل نفسه، وذلك لأن كلاًّ منها جاءت به أحاديث.
أما الذين يقولون: إن الذي يوزن هو العمل، فاستدلوا بقوله تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧، ٨) ، فجعل الوزن للعمل، وبقول النبي ﵊ ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان)) . فجعل الثقل للكلمتين وهما العمل.
والذين قالوا: إن الذي يوزن صحائف العمل استدلوا بحديث صاحب البطاقة، الذي يأتي يوم القيامة فيمدّ له سجل يعني أوراقاً كثيرة مد البصر كلها سيئات، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله له: ((إن لك عندنا حسنة فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله)) قالها من قلبه فتوضع البطاقة في كفة، وتلك السجلات في كفة، فترجح البطاقة بها، فهذا يدل على أن الذي يوزن هو صحائف العمل.
وأما الذين قالوا: إن الذين يوزن هو العامل نفسه، فاستدلوا بقوله تعالى (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً) (الكهف: ١٠٥) .
وبأن النبي ﷺ قال حين ضحك الناس على عبد الله بن مسعود رضي
стр. 1646
الله عنه، وكان ﵁ نحيفاً، فقام إلى شجرة أراك في ريح شديدة، فجعلت الريح تهزهزه هزاً فضحك الناس من ذلك، فقال النبي ﷺ : ((أتضحكون، أو قال ﷺ : أتعجبون من دقة ساقية، والذي نفس بيده إنهما في الميزان لأثقل من جبل أحد)) وهذا يدل على أن الذي يوزن هو العامل نفسه. والمهم أنه يوم القيامة توزن الأعمال أو صحائف الإعمال أو العمال، (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) (المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣)
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ثقلت موازينهم، ومن المفلحين الفائزين برضوان الله. والله الموفق.
* * *
وقوله : (فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) إنما قال خسروا أنفسهم؛ لأنهم أخرجوا إلى الدنيا وجاءتهم الرسل وبينت لهم الحق، ولكنهم والعياذ بالله عاندوا واستكبروا فخسروا أنفسهم ولم يستفيدوا من وجودهم في الدنيا شيئاً، قال الله تعالى (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: ٥) .
ثم قال تعالى مبيناً إنهم كما يعذبون بدنياً، فإنهم يعذبون قلبياً، فيقرعون ويوبخون فيُقال لهم (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا
стр. 1647
تُكَذِّبُونَ) (المؤمنون: ١٠٥) ، فقد تليت عليهم آيات الله، وبينت لهم، وجاءتهم الرسل بالحق، ولكنهم كفروا والعياذ بالله، وكذبوا بهذه الآيات.
قالوا في الجواب (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ) (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا) يعني: إن عدنا إلى التكذيب (فَإِنَّا ظَالِمُونَ) ، فيقرون والعياذ بالله بأن الشقاوة غلبت عليهم وأنهم ضلوا الضلال المبين الذي أوصلهم إلى هذه النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها.
قال الله تعالى: (اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) أي: ابقوا فيها أذلاء صاغرين، (ولا تلكمون) وهذا أشد ما يكون عليهم والعياذ بالله أن يوبخهم الله هذا التوبيخ فيقول: (اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) فإنهم لو كلموا الله لن يستجيب لهم؛ لأنه قضى عليهم بالخلود في النار.
ثم قال تعالى مبيناً حالهم مع أوليائه (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) ، وهؤلاء المؤمنون بالله ورسله يقولون (رَبَّنَا آمَنَّا) أي آمنا بك وبرسلك وبما جاءوا به من الحق (فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنا) اغفر لنا ذنوبنا حتى لا ندخل النار، وارحمنا بالقبول حتى ندخل الجنة.
(وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) فلا أحد أرحم بعباد الله من ربهم . قال النبي ﵊: ((الله بعبادة أرحم من الوالدة بولدها)) .
стр. 1648
(فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) يعني: أنكم تسخرون بهؤلاء المؤمنين الذين يؤمنون بالله ويسألونه المغفرة والرحمة، فكنتم تسخرون منهم وتستهزئون بهم، (حتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) أي حتى كانت سخريتكم بهم واستهزاؤكم بهم منسية لكم ذكري.
(وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُون) يعني: في الدنيا كانوا يضحكون بالمؤمنين ويستهزئون بهم.
ولكن الله قال في سورة المطففين: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) (المطففين: ٣٤) ، وهذا الضحك الذي لا بكاء بعده، أما ضحك الكفار من المسلمين في الدنيا؛ فإنه سيعقبه البكاء الدائم والعياذ بالله.
(إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) يعني: جزى الله تعالى المؤمنين بما صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصيته، وصبروا على أقداره (أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) الذين فازوا بهذا اليوم فأدركوا المطلوب ونجوا من المرهوب، وإنما ذكر الله هذا لهؤلاء المكذبين زيادة في حسرتهم وندامتهم، كأنه يقول : لو كنتم مثلهم لنلتم هذا الثواب، فيزدادون بذلك حسرة إلى حسرتهم والعياذ بالله.
كيف كان حال هؤلاء الذين كانوا يسخرون بهم في الدنيا ويضحكون منهم؟ وكيف كان حالهم وهم في نار جهنم؟
(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) انظر " جاءتهم الرسل وعمروا عمراً يتذكر فيه من تذكر، ولكنهم والعياذ بالله لم ينتفعوا بهذا، ورأوا أنهم كأنما لبثوا ساعة أو بعض ساعة
стр. 1649
(قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) أسأل العادين منا، فإننا لا نرى أننا لبثنا إلا يوماً أو بعض يوم.
قال الله تعالى: (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلا) يعني: ما لبثتم إلا قليلاً في الدنيا وآل بكم الأمر إلى الآخرة التي تبقون فيها أبدا الآبدين معذبين.
(قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) يعني: لو أنكم كنتم من ذوي العلم؛ لعلمتم مقدار تكذيبكم للرسل ومقدار أعمالكم التي خسرتموها.
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً) يعني: أتظنون أننا (خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) ، هم ظنوا كذلك، ظنوا هذا الظن، ولكن الله وبّخهم على هذا الظن، هل من حكمة الله أن ينشىء هذه الخليقة، ويرسل إليها الرسل، وينزل عليها الكتب ثم تكون النهاية الموت والفناء بدون بعث، بدون رجوع؟ هذا لا يمكن، لكن هذا ظن الذين كفروا (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (صّ: ٢٧) .
ثم قال تعالى (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) تعالى يعني ترفع عن كل نقص وعن كل سوء، وعلا بذاته فوق عرشه ، (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) الملك يعني ذو الملك والسلطان والعظمة، الحق: الذي كان ملكه وملكوته حقاً وليس بباطل.
(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أى لا معبود حق إلا الله (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) إلى آخر السورة.
стр. 1650
فهذه الآيات تبين أن الإنسان ينبغي له أن ينتهز فرصة العمر، وألا يخسر عمره كما خسره هؤلاء؛ وأنه سوف يبعث ويجازى ويحاسب على عمله فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن حسابه يسير، ومآله إلى دار القرار في جنات النعيم.
* * *
وقال رحمه الله تعالى في سياق الآيات باب ذكر الموت وقصر الأمل:
وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد: ١٦) والآيات في الباب كثيرة معلومة، وأما الآحاديث:
١/٥٧٤- فعن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل)) .
وكان ابنُ عمرَ ﵄ يقول: ((إذا أمسيت، فلا تنتظرِ الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظرِ المساءَ، وخذ من صحتك لمرضكَ، ومن حياتك لِموتك)) رواه البخاري. د
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين، الكتاب الموافق لاسمه، فإنه رياض، رياض لأهل الصلاح، فيه من الأحكام
следующие страницы →