Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
الله عنه، وكان ﵁ نحيفاً، فقام إلى شجرة أراك في ريح شديدة، فجعلت الريح تهزهزه هزاً فضحك الناس من ذلك، فقال النبي ﷺ : ((أتضحكون، أو قال ﷺ : أتعجبون من دقة ساقية، والذي نفس بيده إنهما في الميزان لأثقل من جبل أحد)) وهذا يدل على أن الذي يوزن هو العامل نفسه. والمهم أنه يوم القيامة توزن الأعمال أو صحائف الإعمال أو العمال، (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) (المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣)
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ثقلت موازينهم، ومن المفلحين الفائزين برضوان الله. والله الموفق.
* * *
وقوله : (فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) إنما قال خسروا أنفسهم؛ لأنهم أخرجوا إلى الدنيا وجاءتهم الرسل وبينت لهم الحق، ولكنهم والعياذ بالله عاندوا واستكبروا فخسروا أنفسهم ولم يستفيدوا من وجودهم في الدنيا شيئاً، قال الله تعالى (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: ٥) .
ثم قال تعالى مبيناً إنهم كما يعذبون بدنياً، فإنهم يعذبون قلبياً، فيقرعون ويوبخون فيُقال لهم (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا
стр. 1647
تُكَذِّبُونَ) (المؤمنون: ١٠٥) ، فقد تليت عليهم آيات الله، وبينت لهم، وجاءتهم الرسل بالحق، ولكنهم كفروا والعياذ بالله، وكذبوا بهذه الآيات.
قالوا في الجواب (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ) (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا) يعني: إن عدنا إلى التكذيب (فَإِنَّا ظَالِمُونَ) ، فيقرون والعياذ بالله بأن الشقاوة غلبت عليهم وأنهم ضلوا الضلال المبين الذي أوصلهم إلى هذه النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها.
قال الله تعالى: (اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) أي: ابقوا فيها أذلاء صاغرين، (ولا تلكمون) وهذا أشد ما يكون عليهم والعياذ بالله أن يوبخهم الله هذا التوبيخ فيقول: (اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) فإنهم لو كلموا الله لن يستجيب لهم؛ لأنه قضى عليهم بالخلود في النار.
ثم قال تعالى مبيناً حالهم مع أوليائه (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) ، وهؤلاء المؤمنون بالله ورسله يقولون (رَبَّنَا آمَنَّا) أي آمنا بك وبرسلك وبما جاءوا به من الحق (فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنا) اغفر لنا ذنوبنا حتى لا ندخل النار، وارحمنا بالقبول حتى ندخل الجنة.
(وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) فلا أحد أرحم بعباد الله من ربهم . قال النبي ﵊: ((الله بعبادة أرحم من الوالدة بولدها)) .
стр. 1648
(فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) يعني: أنكم تسخرون بهؤلاء المؤمنين الذين يؤمنون بالله ويسألونه المغفرة والرحمة، فكنتم تسخرون منهم وتستهزئون بهم، (حتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) أي حتى كانت سخريتكم بهم واستهزاؤكم بهم منسية لكم ذكري.
(وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُون) يعني: في الدنيا كانوا يضحكون بالمؤمنين ويستهزئون بهم.
ولكن الله قال في سورة المطففين: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) (المطففين: ٣٤) ، وهذا الضحك الذي لا بكاء بعده، أما ضحك الكفار من المسلمين في الدنيا؛ فإنه سيعقبه البكاء الدائم والعياذ بالله.
(إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) يعني: جزى الله تعالى المؤمنين بما صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصيته، وصبروا على أقداره (أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) الذين فازوا بهذا اليوم فأدركوا المطلوب ونجوا من المرهوب، وإنما ذكر الله هذا لهؤلاء المكذبين زيادة في حسرتهم وندامتهم، كأنه يقول : لو كنتم مثلهم لنلتم هذا الثواب، فيزدادون بذلك حسرة إلى حسرتهم والعياذ بالله.
كيف كان حال هؤلاء الذين كانوا يسخرون بهم في الدنيا ويضحكون منهم؟ وكيف كان حالهم وهم في نار جهنم؟
(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) انظر " جاءتهم الرسل وعمروا عمراً يتذكر فيه من تذكر، ولكنهم والعياذ بالله لم ينتفعوا بهذا، ورأوا أنهم كأنما لبثوا ساعة أو بعض ساعة
стр. 1649
(قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) أسأل العادين منا، فإننا لا نرى أننا لبثنا إلا يوماً أو بعض يوم.
قال الله تعالى: (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلا) يعني: ما لبثتم إلا قليلاً في الدنيا وآل بكم الأمر إلى الآخرة التي تبقون فيها أبدا الآبدين معذبين.
(قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) يعني: لو أنكم كنتم من ذوي العلم؛ لعلمتم مقدار تكذيبكم للرسل ومقدار أعمالكم التي خسرتموها.
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً) يعني: أتظنون أننا (خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) ، هم ظنوا كذلك، ظنوا هذا الظن، ولكن الله وبّخهم على هذا الظن، هل من حكمة الله أن ينشىء هذه الخليقة، ويرسل إليها الرسل، وينزل عليها الكتب ثم تكون النهاية الموت والفناء بدون بعث، بدون رجوع؟ هذا لا يمكن، لكن هذا ظن الذين كفروا (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (صّ: ٢٧) .
ثم قال تعالى (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) تعالى يعني ترفع عن كل نقص وعن كل سوء، وعلا بذاته فوق عرشه ، (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) الملك يعني ذو الملك والسلطان والعظمة، الحق: الذي كان ملكه وملكوته حقاً وليس بباطل.
(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أى لا معبود حق إلا الله (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) إلى آخر السورة.
стр. 1650
فهذه الآيات تبين أن الإنسان ينبغي له أن ينتهز فرصة العمر، وألا يخسر عمره كما خسره هؤلاء؛ وأنه سوف يبعث ويجازى ويحاسب على عمله فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن حسابه يسير، ومآله إلى دار القرار في جنات النعيم.
* * *
وقال رحمه الله تعالى في سياق الآيات باب ذكر الموت وقصر الأمل:
وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد: ١٦) والآيات في الباب كثيرة معلومة، وأما الآحاديث:
١/٥٧٤- فعن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل)) .
وكان ابنُ عمرَ ﵄ يقول: ((إذا أمسيت، فلا تنتظرِ الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظرِ المساءَ، وخذ من صحتك لمرضكَ، ومن حياتك لِموتك)) رواه البخاري. د
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين، الكتاب الموافق لاسمه، فإنه رياض، رياض لأهل الصلاح، فيه من الأحكام
стр. 1651
الشرعية والآداب المرعية ما يزيد به إيمان العبد، ويستقيم به سيرة إلى الله ، ومعاملته مع عباد الله، ولهذا كان بعض الناس يحفظه عن ظهر قلب لما فيه من المنفعة العظيمة. هذا الكتاب كان من جملة أبوابه، باب ذكر الموت وقصر الأمل، وذكر المؤلف فيه آيات متعددة، سبق الكلام عليها، وآخرها قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه......) ، يعني ألم يأت الوقت الذي تخشع فيه قلوب المؤمنين لذكر الله ؟
والخشوع معناه الخضوع والذل (لِذِكْرِ اللَّه) يعني عند ذكره، فإن المؤمنين (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: ٢)
وقوله: (لِذِكْرِ اللَّه) أي لتذكر الله وعظمته، (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) أي: ويخشعون لما نزل من الحق، وهو ما كان في كتاب الله ؛ فإن هذا الكتاب جاء بالحق، والنبي ﷺ الذي نزل عليه هذا الكتاب جاء بالحق، فيحق للمؤمن أن يخشع قلبه لذكر الله وما نزل من الحق.
قال (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) ، يعني ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل وهم اليهود والنصارى، فاليهود أوتوا التوراة، والنصارى أوتوا الإنجيل، ومع ذلك فإن اليهود كفروا بالإنجيل، والنصارى كفروا بالقرآن، فصار الكل كلّهم كفاراً، ولذلك كان اليهود قبل بعثة النبي ﷺ مغضوباً عليهم؛ لأنهم علموا
стр. 1652
الحق وهو ما جاء به عيسى، ولكنهم استكبروا عنه وأعرضوا عنه.
أما بعد بعثة الرسول ﵊ فكان اليهود والنصارى كلهم مغضوباً عليهم، وذلك لأن النصارى علموا الحقّ فهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك استكبروا عنه، فكانوا كلهم مغضوباً عليهم؛ لأن القاعدة في المغضوب عليهم أنهم الذين علموا الحق ولم يعموا به كاليهود والنصارى بعد بعثة الرسول ﵊.
هؤلاء الذين أوتوا الكتاب (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَد) ُ أي: الوقت (فَقَسَتْ قُلُوبُهُم) ْ؛ لأن النبي صلى الله بعث بعد عيسى بستمائة سنة، وهي فترة طويلة انحرف فيها من انحرف من أهل الكتاب، ولم يبق على الأرض من أهل الحق إى بقايا يسيرة من أهل الكتاب، ولهذا قال: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) ولم يقل أكثرهم فاسقون، ولم يقل كلهم فاسقون، فكثير منهم فاسقون خارجون عن الحق.
فحذر الله ونهى أن نكون كهؤلاء الذين أوتوا الكتاب (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَد فَقَسَتْ قُلُوبُهُم) .
وإذا نظرت إلى الأمة الإسلامية، وجدت أنها ارتكبت ما ارتكبه الذين أوتوا الكتاب من قبل. فإن الأمة الإسلامية في هذه العصور التي طال فيها الأمد من بعثة الرسول ﷺ ، قست قلوب كثير منهم وفسق كثير منهم، واستولى على المسلمين من ليس أهلاً للولاية لفسقه؛ بل ومروقه عن الإسلام، فإن الذين لا يحكمون بكتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، ويرون أن الحكم بالقوانين أفضل من حكم الله ورسوله كفار بلا شك ومرتدون عن
стр. 1653
الإسلام.
ولكن الله يبلو الناس بعضهم ببعض، وإذا صبر المؤمن واحتسب وانتظر الفرج من الله ، وعمل الأسباب التي توصل إلى المقصود؛ يسر الله له الأمور.
فالمهم أن الله نهانا أن نكون كالذين أوتوا الكتاب من قبل فقست قلوبهم، ولكن صار الكثير منا في الوقت الحاضر متشبهاً بهؤلاء الذين قست قلوبهم، وكثيرٌ من هؤلاء أيضاً فسقوا عن أمر الله وخرجوا عن طاعة الله.
ثم قال المؤلف: والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ معلومة.
وأما الأحاديث فمنها حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((أخذ النبي ﷺ بمنكبي)) . يعني أمسك به، والمنكب هو أعلى الكتف، أخذ به من أجل أن ينتبه ابن عمر لما سيلقي إليه الرسول صلى الله ﵊ من القول.
وهذا من حسن تعليم الرسول ﷺ ، فإنه ﵊ كان إذا تكلم؛ اتخذ الأسباب التي توجب انتباه المخاطب، إما بالفعل كما هنا، وإما بالقول كما في قوله: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)) قالوا: بلى يا رسول اللهله، فهذا يلقى إليهم لأجل أن ينبهوا.
стр. 1654
أخذ بمنكبي وقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) سبحان الله! أعطى الله نبيه جوامع الكلم، هاتان الكلمتان يمكن أن تكونا نبراساً يسير الإنسان عليه في حياته ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) .
والفرق بينهما أن عابر السبيل ماشٍ يمر بالقرية وهو ماشٍ منها. وأما الغريب فهو مقيم فيها حتى يرتحل عنها، يقيم فيها يومين أو ثلاثة أو عشرة أو شهراً، وكل منهما لا عابر السبيل ولا الغريب كل منهما لم يتخذ القرية التي هو فيها لم يتخذها وطناً وسكناً وقراراً.
فيقول الرسول ﵊: كن في الدنيا كهذا الرجل، إما غريب أو عابر سبيل.
والغريب وعابر السبيل لا يستوطن، يريد أن يذهب إلى أهله وإلى بلده، لو أن الإنسان عامل نفسه في هذه الدنيا بهذه المعاملة لكان دائماً مشمراً للآخرة، لا يريد إلا الآخرة، ولا يكون أمام عينيه إلا الآخرة حتى يسير إليها سيراً يصل به إلى مطلوبه. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح.
وكان ابن عمر يقول: " إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" المعنى لا تؤمل أنك إذا أصبحت أمسيت، وإذا أمسيت أصبحت، فكم من إنسان أصبح ولم يمس! وكم من إنسان أمسى ولم يصبح! وكم من إنسان لبس ثوبه ولم يخلعه إلا الغاسل! وكم من إنسان خرج من أهله قد هيأوا له غداءه أو عشاءه ولم يأكله! وكم من إنسان نام ولم يقم من فراشه! المهم أن الإنسان لا ينبغي له أن يطيل الأمل؛ بل يكون
стр. 1655
حذراً حاذقاً حازماً كيساً، هذا معنى قوله: ((إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)) .
قال: ((وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)) الإنسان الصحيح منشرح الصدر، منبسط النفس، واسع الفكر، عنده سعة في الوقت والصحة، لكن ما أكثر الذين يضيعون هذا؛ لأنه يؤمل أن هذه الصحة سوف تبقى وتدوم، وأنه سوف تطول به الدنيا، فتجده قد ضيع هذه الصحة.
فابن عمر ﵄ يقول: ((خذ من صحتك لمرضك)) . المرض تضيق به النفس، ويتعب به الجسم، وتضيق عليه الدنيا ولا يستطيع أن يعمل العمل الذي يعمله في حال الصحة، فليأخذ من صحته لمرضه، ومن حياته لموته، قس ما بين حياتك وموتك أيهما أطول؟ لا شك أن الحياة لا تنسب للموت، كم للرسول ﵊ ميتاً؟ كم لمن قبله؟ وحياتهم قليلة بالنسبة لموتهم، فكيف إلى الآخرة.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يأخذ من حياته- ما دام الله قد أحياه - لموته إذا عجز عن العمل؛ لأن النبي ﷺ قال: ((إذا ما ت الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) فخذ من حياتك لموتك.
стр. 1656
٢/٥٧٥- وعنه أن رسول الله ﷺ قال: ((ما حق امرئ مسلم، له شيء يُوصى فيه، يبيتُ ليلتين إلا ووصيتهُ مكتوبة عنده)) متفق عليه، هذا لفظ البخاري.
وفي رواية لمسلم: ((يبيتُ ثلاثَ ليالٍ)) .
قال ابن عمر: ما مرت على ليلةٌ منذُ سمعتُ رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي.
[الشَّرْحُ]
ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" يعني ما حقه أن يبيت ليلتين إلا وقد كتب وصيته التي يريد أن يوصي بها، وكان ابن عمر ﵁ منذ سمع هذا الكلام من رسول الله لا يبيت ليلة إلا وقد كتب وصيته.
والوصية: معناها العهد، وهي أن يعهد الإنسان بعد موته لشخص في تصريف شيء من ماله، أو يعهد لشخص بالنظر على أولاده الصغار، أو يعهد لشخص في أي شيء من الأعمال التي يملكها بعد موته فيوصي به
стр. 1657
هذه هي الوصية.
مثل أن يكتب الرجل: وصيتي إلى فلان بن فلان بالنظر على أولادي الصغار. ووصيتي إلى فلان بن فلان بتفريق ثلث مالي أو ربعه أو خمسه في سبيل الله. وصيتي إلى فلان في أن ينتفع بما خلفت من عقار أو غيره أو ما أشبه ذلك.
المهم أن هذه هي الوصية، عهد الإنسان بعد موته إلى شخص بشيء يملكه هذه هي الوصية.
والوصية أنواع: واجبة، ومحرمة، وجائزة.
أولاً: الوصية الواجبة: وهي أن يوصي الإنسان بما عليه من الحقوق الواجبة؛ لئلا يجحدها الورثة، لا سيما إذا لم يكن عليها بينة.
كأن يكون على الإنسان دين أو حق لغيره، فيجب أن يوصي به لا سيما إذا لم يكن فيه بينة؛ لأنه إذا لم يوص به فإن الورثة قد ينكرونه، والورثة لا يلزمون أن يصدّقوا كل من جاء من الناس وقال: إن لي على ميتكم كذا وكذا، لا يلزمهم أن يصدقوا، فإذا لم يوص الميت بذلك، فإنه ربما يكون ضائعاً، فمن عليه دين يعني حق في ذمته لأحد، فإنه يجب عليه أن يوصي به.
كذلك أيضاً أن يوصي لأقاربه غير الوارثين بما تيسّر لقول الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً) (البقرة: ١٨٠) ، يعني مالاً كثيراً (الْوَصِيَّة) ُ هذه نائب الفاعل (لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) فخرج من ذلك، من الوالدين والأقربين من كانوا ورثة، فإن الورثة لا يُوصى لهم،
стр. 1658
وبقيت الآية محكمة فيما عدا الوارثين.
هكذا دلالة الآية، وبها فسّرها ابن عباس ﵄، وذهب إليها كثيرٌ ن أهل العلم، أن الإنسان يجب أن يوصي إذا كان عنده مالٌ كثيرٌ بما تيسر لأقاربه غير الوارثين، أما الوارث فلا يجوز أن يوصى له؛ لأن حقه من الإرث يكفيه، فهذان أمران تجب فيهما الوصية.
الأول: إذا كان عليه دين يعني حقاً للناس.
والثاني: إذا ترك مالاً كثيراً، فإنه يلزمه أن يوصي لأقاربه من غير الوارثين.
ثانياً: الوصية المحرمة: وهي محرمة إذا أوصى لأحد من الورثة، فإنه حرام عليه، مثل أن يوصي لولده الكبير بشيء من بين سائر الورثة، أو يوصي لزوجته بشيء من بين سائر الورثة، فإن هذا حرام عليه، حتى ولو قدر أن المرأة أي الزوجة كانت تخدمه في حياته وتطيعه وتحترمه، وأراد أن يكافئها؛ فإنه لا يحل له أن يوصي لها بشيء، وكذلك لو كان أحد أولاده يبر به ويخدمه ويسعى في ماله، فأراد أن يوصي له بشيء؛ فإن ذلك حرام عليه.
وكذلك ما يفعله بعض الناس إذا كان له أولاد عدة وزوّج الكبير أوصى للصغار بمثل المال الذي زوج به الكبير، فإن هذا حرامٌ أيضاً؛ لأن التزويج دفع حاجة؛ كالأكل والشرب، فمن احتاج إليه من الأولاد وعند أبيهم قدرة وجب عليه أن يزوجه، ومن لم يحتج إليه فإنه لا يحل له أن يعطيه شيئاً مثل ما أعطى أخاه الذي احتاج للزواج.
стр. 1659
وهذه مسألة تخفى على كثيراٍ من الناس حتى على طلبة العلم، يظنون أنك إذا زوجت ولدك، فإنك يجب أن توصي لأولاد الصغار بمثل ما زوجته به، وهذا ليس بصحيح، فالوصية للوارث لا تجوز مطلقاً.
فإن قدر أن أحداً - كان جاهلاً وأوصى لأحد الورثة بشيء، فإنه يرجع إلى الورثة بعد موته، إن شاءوا نفذوا الوصية، وإن شاءوا ردوها.
ثالثاً: الوصية المباحة: فهي أن يوصي الإنسان بشيء من ماله لا يتجاوز الثلث؛ لأن تجاوز الثلث ممنوع، لكن ما دون الثلث أنت حرٌ فيه، ولك أن توصي فيه لمن شئت إلا الورثة هذه جائزة.
ولكن هل الآفضل الثلث أو الربع أو مادون ذلك؟ نقول أكثر شيء الثلث لا تزد عليه، وما دون الثلث فهو أفضل منه، ولهذا قال ابن عباس رضي اله عنهما: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن النبي ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص: ((الثلث والثلث كثير)) ، وكان أبو بكر ﵁ أوصى بخمس ماله. وقال: أرضى بما رضي الله لنفسه الخمس، فأوصى بخمس ماله. وهذا أحسن ما يكون.
وليت طلبة العلم والذين يكتبون الوصايا ينبهون الموصين على أن الأفضل: الوصية بالخمس لا بالثلث، وقد شاع عند الناس الثلث دائماً، وهذا الحد الأعلى الذي حدّه الرسول ﵊ وما دونه أفضل
стр. 1660
منه فالربع أفضل من الثلث، والخمس أفضل من الربع.
وإذا كان الورثة محتاجين فترك الوصية أولى؛ هم أحق من غيرهم قال النبي ﵊ ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) ، فإذا كان الورثة الذين يرثونك تعرف أن حالهم، وسط والمال شحيح عندهم، وأنهم إلى الفقر أقرب، فالأفضل ألا توصي.
ففي هذا الحديث الإشارة إلى أن الإنسان يوصي، ولكن الوصية تنقسم إلى أٌقسام كما أشرنا، منها واجبة، ومنها محرمة، ومنها مباحة.
فالواجبة: أن يوصي الإنسان بما عليه من الحقوق الواجبة؛ لئلا يجحدها الورثة، فيضيع حق من هي له، لا سيما إذا لم يكن بها بينة.
والثانية من الوصية الواجبة وصية من ترك مالاً كثيراً لأقاربه الذين لا يرثون بدون تقدير، لكن لا تزيد عن الثلث.
والوصية المحرمة: نوعان أيضاً: أن تكون لأحد من الورثة وأن تكون زائدة على الثلث.
والمباحة: ما سوى ذلك، ولكن الأفضل أن تكون المباحة من الخمس فأقل، وإن زاد الربع فلا بأس، وإلى الثلث فلا بأس، ولا يزيد على الثلث.
وفي حديث ابن عمر ﵄ العمل بالكتابة؛ لقوله ﷺ : ((إلا
стр. 1661
ووصيته مكتوبة عنده)) فدل هذا على جواز العمل، بل وجوب العمل بالكتابة.
وفي قوله: ((مكتوبة)) اسم مفعول، إشارة إلى أنه لا فرق بين أن يكون هو الكاتب أو غيره ممن تثبت الوصية بكتابته، فلابد أن تكون الكتابة معلومة؛ إما بخط الموصي نفسه، أو بخط شخص معتمد، وأما إذا كانت بخط مجهول؛ فلا عبرة بها ولا عمل عليها.
وفي قوله: ((عنده)) إشارة إلى أنه ينبغي أن يحتفظ الإنسان بالوثائق وألا يسلط عليها أحداً، بل تكون عنده في شيء محفوظ محرز كالصندوق وغيره؛ لأنه إذا أهملها فربما تضيع منه، أو يسلط عليها أحد يأخذها ويتلفها أو ما أشبه ذلك.
المهم في هذا الاعتناء بالوصية، وأن يحتفظ بها الإنسان حتى لا تضيع.
وفيه أيضاً سرعة امتثال الصحابة لأمر النبي ﷺ ؛ لذلك قال ابن عمر ﵄ بعد ما سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه ((ما مرت علي ليلة منذ سمعت النبي ﷺ يقول هذا إلا ووصيتي مكتوبة عندي)) . فالذي ينبغي للإنسان أن يهتم بالأمر حتى لا يفجأه الموت، وهو قد أضاع نفسه، وأضاع حق غيره.
* * *
стр. 1662
٥/٥٧٨- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقرا مُنسيا، أو غنى مُطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مُفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال؛ فشر غائب ينتظرُ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر؟!)) رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث ذكره المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب ذكر الموت وقصر الأمل، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((بادروا بالأعمال سبعاً)) يعني أعملوا قبل أن تصيبكم هذه السبع التي ذكرها النبي ﷺ ، فبادروا بها.
إما ((فقراً منسياً)) بأن يصاب الإنسان بفقر ينسيه ذكر ربه؛ لأن الفقر أعاذنا الله وإياكم منه شر درع يلبسه العبد
، فإنه إذا كان فقيراً يحتاج إلى أكل وشرب ولباس وسكن وزوجة، فلا يجد من ذلك شيئاً، فتضيق عليه الأرض بما رحبت، ويذهب يتطلب ليحصل على شيء من ذلك فينسى ذكر الله ، ولا يتمكن من أداء العبادة على وجهها.
وكذلك يفوته كثيرٌ من العبادات التي تستوجب أو التي تستلزم الغنى؛ كالزكاة، والصدقات، والعتق، والحج، والإنفاق في سبيل الله، وما أشبه
стр. 1663
ذلك.
((أو غنى مطغياً)) بأن يغني الله الإنسان ويفتح عليه من الدنيا فيطغى بذلك، ويرى أنه استغنى عن ربه ، فلا يقوم بما أوجب الله عليه، ولا ينتهي عما نهاه الله عنه. قال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى) (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٧، ٦) .
كذلك ((أو مرضاً مفسداً)) مرض يفسد على الإنسان حياته؛ لأن الإنسان مادام في صحة فهو في نشاط وانشراح صدر، والدنيا أمامه مفتوحة، فإذا مرض ضعف البدن، وضعفت النفس وضاقت، وصار الإنسان دائماً في همٍّ وغمٍّ فتفسد عليه حياته.
كذلك أيضاً الهرم المفند: ((أو هرماً مفنداً)) يعني كبراً يفند قهوة الإنسان ويحطمها، كما قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الروم: ٥٤)
فالإنسان ما دام نشيطاً شاباً يعمل العبادة بنشاط، يتوضأ بنشاط، يصلي بنشاط، يذهب إلى العلم بنشاط، لكن إذا كبر فهو كما قال الله عن زكريا: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) (مريم: ٤) ، أي ضعف العظم، والعظم هو الهيكل الذي ينبني عليه الجسم، فيضعف وتضعف القوة ولا يستطيع أن يفعل ما كان يفعله في حال الشباب، كما قال الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
стр. 1664
((أو موتاً مجهزاً)) هذا أيضاً ما يُنتظر الموت، وإذا مات الإنسان؛ انقطع عمله، ولم يتمكن من العمل.
" مجهزاً" سريعاً، وكم من إنسان مات من حيث لا يظن أنه لا يموت كم من إنسان مات وهو في شبابه وصحته في حوادث احتراق، أو انقلاب سيارة، أو سقوط جدار عليه، أو سكتة قلبية، أشياء كثيرة يموت الإنسان بسببها ولو كان شاباً.
فبادر هذا لأنك لا تدري ربما تموت وأنت تخاطب أهلك، أو تموت وأنت في فراشك، أو تموت وأنت على غدائك تخرج تقول لأهلك: ولّموا الغذاء أي: جهزوا، ثم لا ترجع تأكله، أو تموت وأنت في سيارتك، أو في سفرك، إذاً بادر.
ومن ذلك أيضاً قوله: ((أو الدجال؛ فشر غائب ينتظر)) يعني أو تنتظرون الدجال، وهو الرجل الخبيث الكذاب المموه الذي يبعث في آخر الزمان يدعو الناس إلى عبادته ويوهمهم، فيفتتن به الخلق إلا ما شاء الله.
ولهذا أُمرنا أن نستعيذ بالله منه في كل صلاة، قال النبي ﵊: ((إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليقل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) .
стр. 1665
والمسيح الدجال رجلٌ من بني آدم؛ لكنه أعور خبيث كافر متمرد، وقد كتب بين عينيه كافر، يقرءه المؤمن ولا يقرؤه الفاسق، الكافر لا يقرؤه، يقرؤه المؤمن ولا يقرؤه الكفار حتى ولو كان الكافر قارئاً؛ فإنه لا يقرؤه، والمؤمن يقرؤه ولو كان غير قارىء. وهذه آية من آيات الله .
وهذا الدجال يدعو الناس إلى عبادته فيقول: أنا ربكم، فإن أطاعوه أدخلهم الجنة، وإن عصوه أدخلهم النار، لكن ما هي جنته وناره؟ جنته نار، وناره جنة، لكنه يوهم الناس أن هذا الذي أدخله من أطاعه جنة وهي نار، وأنه إذا عصاه أحد أدخله في النار، النار هذه جنة، ماء عذب، طيب، جنة. قال النبي ﵊: ((إنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار)) .
لكنه يوهم الناس ويموه عليهم فيحسبون أن هذا الذي أطاعه أدخله الجنة، وأن هذا الذي عصاه أدخله النار، والحقيقة بخلاف ذلك.
كذلك يأتي إلى القوم في البادية، يأتي إليهم ممحلين، ليس في ضروع مواشيهم لبن، ولا في أرضهم نبات، فيدعوهم، فيقول: أنا ربكم، فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، يقول للسماء: أمطري؛ فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت،
стр. 1666
يقول: يا أرض أنبتي أيتها الأرض؛ فتنبت، فيصبحون على أخصب ما يكون، ترجع إليهم مواشيهم أسبغ ما يكون ضروعاً؛ ضروعها مملوءة، وأطول ما يكون ذرى؛ أسنمتها رفيعة من الشبع والسمن، فيبقون على عبادته، لكنهم ربحوا في الدنيا وخسروا الدنيا والآخرة والعياذ بالله، هذا اتخذوه رباً من دون الله.
فالدجال يقول عنه الرسول ﷺ إنه ((شر غائب ينتظر)) . أعاذنا الله وإياكم من فتنته.
ثم قال: ((أو الساعة ")) وهي السابعة يعني أو تنتظرون الساعة، إي قيام الساعة، ((فالساعة أدهى وأمرّ")) يعني أشد داهية وأمر مذاقاً، قال الله ﵎: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر: ٤٦) .
والحاصل أن الإنسان لن يخرج عن هذه السبع. وهذه السبعة كلها تعيقه عن العمل، فعليه أن يبادر، ما دام في صحة، ونشاط، وشباب، وفراغ، وأمن، ولله الحمد، فليبادر الأعمال قبل أن يفوته ذلك كله فيندم حيث لا ينفع الندم أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يتسابقون إلى الخير.
стр. 1667
٦٦- بابُ استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر
١/٥٨١- عن بُريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كُنتُ نهيتكم عن زيارة القبُور فزُروها)) رواهُ مسلم.
٢/٥٨٢- وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ ، كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرُجُ من آخر الليل إلى البقيعِ فيقولُ: ((السلامُ عليكم دار قومٍ مؤمنينَ، وآتاكم ما تُوعدون، غداً مؤجلُون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقدِ)) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين: باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر.
زيارة القبور: يعني الخروج إليها امتثالاً؛ بل اتباعاً لرسول الله ﷺ ، والقبور هي دور الأموات، وذلك أن الإنسان له أربعة دور:
الأولى: في بطن أمه.
الثانية: الدنيا.
والثالثة: القبور.
стр. 1668
والرابعة: الآخرة وهي المقر وهي النهاية والغاية- جعلنا الله وإياكم من الفائزين فيها.
هذه الدار- أعني دار القبور- كان النبي ﷺ نهى عن زيارتها؛ خوفاً من الشرك بأهل القبور؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بجاهلية، فنهى عنها رسول الله ﷺ سداً لذرائع الشرك؛ لأن الشرك لما كان أمره عظيماً؛ سدّ النبي ﷺ كل ذريعة وكل باب يوصل إليه.
وكلما كانت المعصية عظيمة؛ كانت وسائلها أشد منعاً. الزنا مثلاً فاحشة، وسائله من النظر والخلوة وما أشبه ذلك محرمة.
وكذلك فإن الشرك أعظم الظلم، كما سئل النبي ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك)) .
فلما كان الناس يعظمون القبور؛ نهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فما استقر الإيمان في قلوبهم؛ أذن لهم فقال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكرُ الآخرة)) .
فرفع النبي ﷺ وأباح الزيارة، بل رغبَّ فيها لقوله: ((فإنها تذكر الآخرة)) . والذي يذكر الآخرة ينبغي للإنسان أن يعمل به؛ لأن القلب إذا نسي الآخرة؛ غفل واشتغل بالدنيا، وأضاع الدنيا والآخرة؛ لأن من أضاع
стр. 1669
الآخرة؛ فقد أضاع الدنيا والآخرة.
فينبغي أن نزور القبور؛ ولكن نزورها لنفعها أو للانتفاع بها؟ الأول: لنفعها، ليدعوا للأموات لا ليدعوهم، فيخرج الإنسان ويسلم على القبور، كما فعل النبي ﷺ . وقالت عائشة: إن النبي ﷺ إذا كان عندها، خرج من آخر الليل فسلّم على أهل البقيع وقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) .
ثم يقول: " اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" بقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة، وهذه الدعوة يرجى أن تشمل من كان من أهل بقيع الغرقد إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد بهم أهل بقيع الغرقد الذين كانوا أهله في عهد الرسول ﵊ فقط، فلا يشمل من يأتي بعدهم.
ولكن من كان من أهل الرحمة؛ فهو من أهل الرحمة، سواء حصلت له هذه الدعوة أم لم تحصل، ومن كان من أهل الشقاء؛ فإنه لا تشمله هذه الدعوة ولا ينتفع بها.
المهم أن الإنسان ينبغي له أن يزور القبور في كل وقت، في الليل، في النهار، في الصباح، في المساء، في يوم الجمعة، في غير يوم الجمعة، ليس لها وقت محدد، وكلما غفل قلبك واندمجت نفسك في الحياة الدنيا؛ فاخرج إلى القبور، وتفكر في هؤلاء القوم الذين كانوا بالأمس مثلك على الأرض يأكلون ويشربون ويتمتعون، والآن أين ذهبوا؟ صاروا الآن مرتهنين بأعمالهم، لم ينفعهم إلا عملهم كما أخبر بذلك النبي عليه
стр. 1670
الصلاة والسلام أنه قال: ((يتبع الميت ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى علمه)) .
ففكِّر في هؤلاء القوم، ثم سلِّم عليهم: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين)) والظاهر - والله أعلم- أنهم يردّون السلام؛ لأنه يسلم عليهم بصيغة الخطاب ((السلام عليكم)) ، ويحتمل أن يُراد بذلك السلام مجرد الدعاء فقط، سواء سمعوا أم لم يسمعوا، أجابوا أم لم يجيبوا.
فعلى كل حال على الإنسان أن يدعو لهم ويقول مقرراً المصير الحتمي: ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) إن شاء الله هذه تعود إلى وقت اللحوق وليس إلى اللحوق؛ لأن اللحوق متيقن، والمتيقن لا يقيد بالمشيئة لكن تعود إلى وقت اللحوق؛ لأن كل واحد منا لا يدري متى يلحق، فيكون معنى قوله: ((إنا إن شاء الله بكم لاحقون)) أي: وإنا متى شاء الله بكم لاحقون، كقوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) (عبس: ٢٣، ٢٢) . ثم يدعو لهم بالدعاء الذي جاءت به السنة، فإن لم يعرف شيئاً منه؛ دعا بما تيسر: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، ثم ينصرف. هكذا كان الرسول ﵊ يزور المقبرة.
стр. 1671
وأما ما يفعله بعض الجهال من البقاء هناك، والتمرغ على التراب، والطواف بالقبر، وما أشبه ذلك، فكله أمر منكر؛ وبدعة محظورة، فإن اعتقد أن هؤلاء الأموات ينفعون أو يضرون؛ كان مشركاً والعياذ بالله خارجاً عن الإسلام؛ لأن هؤلاء الأموات لا ينفعون ولا يضرّون، لا يستطيعون الدعاء لك، ولا يشفعون لك إلا بأذن الله.
وليس هذا وقت الشفاعة أيضاً، وقت الشفاعة يوم القيامة، فلا ينفعك شيء منهم إذا دعوتهم أو سألتهم الشفاعة أو ما أشبه ذلك.
والواجب على إخواننا الذين يوجد مثل هذا في بلادهم الواجب عليهم أن ينصحوا هؤلاء الجهال، وأن يبينوا لهم أن الأموال لا ينفعونهم، حتى الرسول ﵊ لا ينفع الناس وهو ميت، وكان الصحابة رضي اله عنهم إذا أصابهم الجدب في عهد الرسول ﷺ وفي حياته جاءوا إليه وقالوا: استسق الله لنا، فيستقي الله لهم.
لكن لما مات لم يأتِ الصحابة إلى قبره يقولون: ادعُ الله أن يسقينا، وقبره إلى جانب المسجد ليس بعيداً، لكن لما أجدبت الأرض في عهد عمر، وحصل القحط قال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، يعني أنهم كانوا يسألون الرسول أن يدعو له بالسقا فيسقون، وإنا نستسقي إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم يقوم العباس فيدعو الله.
стр. 1672
ولم يقل: يا رسول الله، ادعُ الله أن يسقينا، ادعُ الله أن يرفع عنا القحط؛ لأنه ﵁ يعلم أن ذلك غير ممكن، والإنسان إذا مات انقطع علمه، ولا يمكن أن يعمل إي عمل كما قال الرسول ﵊: ((إذا مات الإنسان أنقطع عمله إلا من ثلاث)) ، فلا يستطيع الميت أن يستغفر لك، ولا أن يدعو لك؛ لأنه انقطع عن العمل.
فالحاصل أن زيارة القبور لمنفعة أهل القبور لا لمنفعة الزائر، إلا فيما يناله من الأجر عند الله ، أما أن ينتفع بهم بزيارته إياهم فلا؛ لكن ينتفع بالأجر الذي يحصل له، وينتفع بالموعظة التي تحصل لقلبه إذا وفقه الله تعالى للاتعاظ، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يعلقون رجاءهم بالله.
стр. 1673
٦٧- باب كراهة تمني الموت بسبب ضُرّ نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين
١/٥٨٥- عن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يتمن أحدكم الموت إما مُحسناً، فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعلهُ يستعتب)) متفق عليه وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية لمسلم عن أبي هُريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((لاَ يتمن أحدُكم الموت، ولا يدعُ به من قبلِ أن يأتيهُ، أنهُ إذا مات انقطع عملهُ، وإنهُ لا يزيدُ المؤمنَ عمرهُ إلا خيراً))
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب كراهية تمني الموت لضُر نزل به. يعني من مرض أو نحوه، وأما إذا كان لخوف فتنة في الدين فلا بأس به، هكذا قال المؤلف ﵀، يعني إذا كان يخشى على نفسه فتنة في الدين؛ فلا بأس أن يتمنى الموت، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الأحاديث.
أما الأول فما قاله المؤلف صحيح أن الإنسان إذا نزل به الضُرّ فلا يتمنى الموت؛ فإن هذا خطأ وسفه في العقل، وضلال في الدين.
стр. 1674
أما كونه سفهاً في العقل؛ فلأن الإنسان إذا بقي في حياته، فإما محسناً فيزداد، وإما مسيئاً فيستعتب إلى الله ، وكونه يموت فإنه لا يدري، فلعله يموت على أسواً خاتمه والعياذ بالله، لهذا نقول: لا تفعل فإن هذا سفه في العقل.
أما كونه ضلالاً في الدين فلأنه ارتكاب لما نهى عنه النبي ﷺ ، ولهذا قال ﵊: ((لا يتمنَّ أحدكمُ الموتَ)) ، والنهي هنا للتحريم؛ لأن تمني الموت فيه شيء من عدم الرضا بقضاء الله، والمؤمن يجب عليه الصبر، إذا إصابته الضراء يصبر، فإذا صبر على الضراء نال شيئين مهمين:
الأول: تكفير الخطايا، فإن الإنسان لا يصيبه همٌّ ولا غمُّ ولا أذى ولا شيء إلا كفر عنه حتى الشوكة يشاكها؛ الشوكة إذا يشاكها الإنسان؛ فإنه يكفر بها عنه.
الثاني: إذا وفّق لاحتساب الأجر من الله وصبر يبتغي بذلك وجه الله؛ فإنه يُثاب، وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: ١٠) .
أما كونه يتمنى الموت فهذا يدل على أنه غير صابر على ما قضى الله ولا راضٍ به، وبين الرسول ﵊ أنه إما أن يكون من المحسنين، فيزداد في بقاء حياته يزداد عملاً صالحاً.
ومن المعلوم أن التسبيحة الواحدة في صحيفة الإنسان خيرٌ من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا وما فيها تذهب وتزول، والتسبيح والعمل الصالح يبقى، قال الله : (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ
стр. 1675
الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (الكهف: ٤٦)
فأنت إذا بقيت ولو على أذى ولو على ضرر؛ فإنك ربما تزداد حسنات.
وإما مسيئاً قد عمل عملاً سيئاً، فلعله يستعتب أي: يطلب من الله العتبى أي: الرضا والعذر، فيموت وقد تاب من سيئاته، فلا تتمنَّ الموت؛ لأن الأمر كله مقضي، وربما يكون في بقائك خيرٌ لك أو خيرٌ لك ولغيرك، فلا تتمن الموت؛ بل اصبر واحتسب، ودوام الحال من المحال، والله الموفق.
* * *
٢/٥٨٦- وعن انسٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((لا يتمنين أحدكم الموت لضرً أصابهُ، فإن كان لابد فاعلاً، فليقل: اللهم أحينى ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) متفق عليه.
٣/٥٨٧- وعن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب بن الأرت ﵁ نعودُهُ وقد أكتوى سبع كيات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا، ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا مَا لاَ نجدُ لهُ موضعاً إلا التُراب، ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعُو بالموت لدعوتُ به، ثم أتيناه مرةً أخرى وهو يبني حائطاً لهُ، فقال: إن المسلم ليُؤجرُ في كل شيءً ينفقهُ إلا في شيء يجعلهُ في هذا الترابٍ. متفق عليه، وهذا لفظ وراية البخاري.
стр. 1676
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين في كراهة تمني الموت لضرًّ نزل به إلا أن يكون لفتنة في الدين: قال أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضرًّ أصابه)) مثل أن يصاب الإنسان بمرض شديد، أو بفقر شديد، أو بدين متعب، أو ما أشبه ذلك فيقول: اللهم أمتني حتى أستريح من هذه الدنيا، فإن هذا حرام ولا يجوز؛ لأنه لو مات فإنه لن يستريح، ربما ينتقل من عذاب الدنيا إلى عذاب في الآخرة أشد وأشد.
ولهذا نهى النبي ﵊ أن تتمنى الموت للضر الذي ينزل بك، ولكن قابل هذه المصائب بالصبر، والاحتساب، وانتظار الفرج، واعلم أن دوام الحال من المحال، والله يقدَّر الليل والنهار، ويخلف الأمور على وجه لا يحتسبه الإنسان ولا يظنه؛ لأن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، فلا تتمن الموت لضرّ نزل بك.
أما ما يتعلق بفتنة الدين، إذا افتتن الناس في دينهم وأصابتهم فتنة؛ إما في زخارف الدنيا أو غيرها من الفتن، أو أفكار فاسدة، أو ديانات منحرفة أو ما أشبه ذلك، فهذا أيضاً لا يتمنى بسببه الإنسان الموت، ولكن يقول اللهم اقبضني إليك غير مفتون، فيسأل الله أن يثبته وأن يقبضه إليه غير مفتون.
стр. 1677
وإلا فليصبر لأنه ربما يكون بقاءه مع هذه الفتن خيراً للمسلمين؛ يدافع عنهم ويناضل، ويساعد المسلمين، ويقوي ظهورهم، لكن يقول اللهم إن أردت بعبادك فتنة؛ فاقبضني إليك غير مفتون.
قال النبي ﵊ ((فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) ؛ فأنت لا تدري أيها الإنسان وجه الخير في ذلك، لكن اجعل الأمر إلى الله: ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي)) يعني إذا كانت. ((وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) .
فإذا دعوت الله بهذا الدعاء؛ فإن الله يستجيب دعاءك. وفي هذا الحديث دليلٌ على جواز الشرط في الدعاء، أن تشترط على الله في الدعاء، وقد جاء ذلك في نصوص أخرى؛ مثل آية اللعان فإن الزوج يقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وهي تقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فالشرط في الدعاء لا بأس به.
ثم ذكر المؤلف حديث قيس بن حازم حين دخلوا على خبَّاب بن الآرت ﵁ وهو من الصحابة الآجَّلاء، دخلوا يعودونه بعد أن فتحت الدنيا على المسلمين.
والمسلمون كانوا في العهد الأول فقراء، ولكن الله أغناهم بالغنائم الكثيرة التي غنموها من الكفار فإذن الله، كما قال تعالى: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) (الفتح: ٢٠) وقال: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا)
стр. 1678
(الفتح: ١٩) .
فلما فتح الله على المسلمين؛ كثرت الأموال عندهم، فزادت وتطوّرت، وحصل من بعضهم ترف، وصار بعضهم إذا قدم له الغداء أو العشاء يبكي على ما كان السَّلف عليه من ضحالة العيش وقلة ذات اليد.
دخلوا على خبَّاب بن الأرت ﵁ وهو مريضٌ وقد اكتوى سبع كيَّات.
والكَيُّ أحد الأدوية النافعة بإذن الله، ثلاثة أشياء نصَّ عليها الرسول ﵊ وبين أن بها الشفاء بإذن الله: ((والكي، والحجامة، والعسل)) ؛ هذه الثلاثة من أنفع ما يكون بإذن الله ، وهناك بعض العلل لا ينفع فيها إلا الكي، فمثلاً ذات الجنب، وهو داء يصيب الرئة فتتجلط وتلصق بالصدر ويموت الإنسان منها إلا أن يشفيه الله بأسباب.
هذا النوع من الأمراض لا ينفع فيه إلا الكي، كم من مريض يصاب بذات الجنب يذهب إلى الأطباء ويعطونه الإبر والأدوية وغيرها ولا ينفع؟! فإذا كوي برأ بإذن الله.
كذلك هناك أشياء تصيب الأمعاء تسمى عند أطباء العرب الطير؛ لأنها تتفرق في الجسد، هذه أيضاً لا ينفع فيها إلا الكي، مهما أعطيت المريض من الأدوية لا ينفع فيها إلا الكي.
стр. 1679
هناك أيضاً شيء ثالث يسمى عند الناس الحبة، ورم يظهر في الفم أو في الحلق، وإذا انفجر هلك الإنسان، هذا أيضاً لا ينفع فيه إلا الكي، وأشياء كثيرة لا ينفع فيها إلا الكي.
كوى خباب بن الأرت ﵁ سبع كيات، ثم جاءه أصحابه يعودونه فأخبرهم أن النبي ﷺ قال: ((إن الإنسان يؤجر على كل شيء أنفقه إلا في شيء يجعله في التراب)) يعني في البناء؛ لأن البناء إذا اقتصر الإنسان على ما يكفيه؛ فإنه لا يحتاج إلى كبير نفقة.
يبني له حجرة تكفيه هو وعائلته كما كان الرسول ﷺ وهو أشرف الخلق، كان بيوته حُجراً، حجرة واحدة له ولزوجته، وليس فيها أكثر من ذلك، وعند قضاء الحاجة يخرجون إلى الخلاء ويقضون حاجتهم فيه.
لكن تتطور الناس، ومن علامات الساعة: أن ترى الحفاة العراة العالة - يعني الفقراء- يتطاولون في البنيان؛ يتطاولون في البناء في علوَّه في السماء، أو في تذويقه وتحسينه، فهذا المال الذي يجعل في البناء لا يؤجر الإنسان عليه، اللهم إلا بناء يجعله للفقراء يسكنونه، أو يجعل غلته في سبيل الله، أو ما أشبه ذلك، فهذا يؤجر عليه، لكن بناء يسكنه، هذا ليس فيه أجرا؛ بل ربما إذا زاد الإنسان فيه حصل له وزر، مثل ما يفعل بعض الفقراء الآن.
الآن عندنا فقراء يتدين الإنسان منهم إلى عشر سنين أو خمسة عشر
стр. 1680
وإن طال الآجل إلى عشرين سنة، من أجل أن يرصّع بنيانه بالأحجار الجميلة، أو من أجل أن يضع له أقواساً أو شرفات، أو ما أشبه ذلك وهو مسكين يعمل هذا العمل المنهي عنه ويستدين على نفسه الديون الكثيرة.
وأما البنيان الذي يكون على حسب العادة، يعني لو أن الناس اعتادوا بنياناً معيناً، وأراد الإنسان أن يبني ما كان على العادة، وما كان ينبسط فيه أهله بدون إسراف، وبدون أن يستدين؛ فهذا لا بأس به وليس فيه إثم إن شاء الله.
стр. 1681
٦٨- باب الورع وترك الشبهات
قال الله تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: ١٥) وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ١٤) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب الورع وترك الشبهات.
الورع والزهد يشتبه معناهما عند بعض الناس، لكن الفرق بينهما كما قال ابن القيم ﵀ في كتاب الروح: الورع ترك ما يضرُّ في الآخرة، والزهد ترك ما لا ينفع، فمقام الزهد أعلى من مقام الورع؛ لأن الورع أن يترك الإنسان ما يضره، والزهد أن يترك ما لا ينفع؛ لأن الأشياء ثلاثة أقسام: ضار، ونافع، وما ليس بضار ولا نافع يعني منها ضار، ومنها نافع، بضار ولا نافع.
فالزاهد يترك شيئين من هذا؛ يترك الضار، ويترك ما ليس بنافع ولا ضار، ويفعل ما هو نافع.
والورعُ يترك شيئاً واحداً منها وهو ما كان ضاراً، ويفعل النافع، ويفعل الشيء الذي ليس فيه نفع ولا ضرر.
وبهذا صارت منزلة الزاهد أرفع من منزلة الورع، وربما يطلق أحدهما على الآخر؛ فالورعَ ترك ما يضر، ومن ذلك ترك الأشياء المشتبهة؛ المشتبهة في حكمها، والمشتبهة في حقيقتها، فالأول اشتباه في الحكم
стр. 1682
والثاني اشتباه في الحال، فالإنسان الورع هو الذي إذا اشتبه الأمر عليه تركه إن كان اشتباهاً في تحريمه، وفعله إن كان اشتباهاً في وجوبه لئلا يأثم بالترك.
ثم إن المؤلف ﵀ ذكر آيتين في هذا الباب، قال ﵀: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ ٌ) (النور: ١٥)
(وَتَحْسَبُونَهُ) الضمير يعود على ما تلقَّاه الناس من حديث الإفك الكذب في حق أم المؤمنين عائشة ﵂، وذلك أن عائشة أم المؤمنين ﵂: كانت زوج النبي ﷺ ، وكان المنافقون يتربّصون بالنبي ﷺ أن يشوهوا سمعته، ويدنسوا عِرضه، فحصلت غزوة من الغزوات، فلما قفل النبي ﷺ راجعاً منها نام في أثناء الطريق، وكانت نساء النبي ﷺ لهن رجال يساعدون في ترحيلهن.
فلما كان في آخر الليل ذهبت عائشة ﵂ لقضاء حاجتها فجاء الذين يحملون الهودج الذي تركب فيه فحملوه على البعير وشدوه عليه، وظنوا أنها كانت فيه؛ لأنها كانت في ذلك الوقت صغيرة السن خفيفة الوزن.
ثم سار الركب، فلما رجعت عائشة ﵂ إلى المكان وجدت الناس قد رحلوا، فكان من ذكائها وثبات جأشها وطمأنينتها أن بقيت في المكان، فلم تذهب تتجول يميناً وشمالاً؛ لأنها لو ذهبت ربما ضاعت وضيعوها، لكنها بقيت في مكانها، وكان رجل من خيار الصحابة يُقال له: صفوان بن المعطل نائماً، وكان من قوم إذا ناموا لم يستيقظوا إلا إذا شبعوا
стр. 1683
من النوم.
فاستيقظ صفوان ﵁ فوجد الناس قد رحلوا، ورأى هذا الشبح؛ هذا السواد، فأقبل إليها، فإذا هي عائشة أم المؤمنين ﵂، وكان يعرفها قبل أن ينزل الحجاب، فماذا صنع هذا الرجل؟
هذا الرجل أناخ البعير، ولم يتكلم بأي كلمة احتراماً لفراش رسول الله ﷺ ، لا يريد أن يتكلم مع زوجته في مثل هذا المكان، أناخ البعير، ووضع رجله على ساق البعير وعضده، فركبت عائشة ﵂، فأخذ الزمام وجعل يقود البعير، ليجعل عائشة خلفه.
فلما أقبل على القوم تكلَّم المنافقون، ورأوا أن هذه فرصة، وقالوا في عائشة ما هم فيه كاذبون؛ امرأة في سفر مع رجل تتأخر عن القوم، فصاروا يتكلمون في عِرض عائشة، وهم لا يريدون عِرض عائشة، ولا تهمهم فتاة عند زوجها، الذي يهمهم تدنيس فراش رسول الله ﷺ (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة: ٣٠) .
فجعلوا يتكلمون، وكان من حكمة الله أن عائشة لما قدموا المدينة مرضت وبقيت في بيتها، وكان النبي ﷺ يدخل عليها، ولم تر منه ما كانت تراه في السابق، كان يمر ويقول: ((كيف تيكم)) ، يعني: كيف هذه؟ لا يسأل ويلح ويقول: كيف هي اليوم؟ عساها أحسن من أمس، وما أشبه ذلك، ولكنه يقول هذه الكلمة؛ لأن كلام المنافقين قد شاع في المدينة وصار عند بعض المؤمنين تردد، والرسول ﵊ كان لا يشك في أهله، ويرى أن الله يأبى بحكمته أن يدنِّس فراش
стр. 1684
نبيه ﷺ .
ولم يكن ليصدق بهذا أبداً، لكن مع كثرة الكلام وكثرة القرع وكثرة الإرجاف، تردد الرسول ﷺ في الأمر، وبعد أن مضى نحو شهر خرجت عائشة ﵂ وخالتها أم مسطح بن أثاثة، خرجت تقضي حاجتها، وكانوا في هذا الوقت ليس عندهم مراحيض في البيوت، إذا أراد الواحد أن يقضي حاجته خرج إلى الخلاء وبحث عن مكانٍ مطمئنٍ نازلٍ وقضى فيه حاجته.
فخرجت عائشة مع خالتها أم مسطح إلى مكان قضاء الحاجة، فعثرت أم مسطح، فقالت: تعس مسطح، تقول أم مسطح: تعس مسطح فاستغربت عائشة كيف تقول لرجل من المهاجرين شهد بدراً تقول فيه: تعس مسطح، فقالت: لم تقولين هذا الكلام؟ لأن معنى تعس خسر وهلك، فقالت: أما علمت بكذا وكذا وكذا، وأخبرتها بقصة الإفك، وإن مسطحاً كان ممن صدَّقوا تلك الفرية، فازدادت عائشة ﵂ مرضاً إلى مرضها، وصارت تبكي ليلاً ونهاراً لا يرقأ لها دمع، ولا تهنأ بعيش.
وبينما الأمر كذلك حتى انتهى نفاق المنافقين إلى الرأس، أنزل الله فيها هذه الآيات الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) (النور: ١١) يعني طائفة منكم (لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) سبحان الله!! هذا الإفك والرمي بالفاحشة لا نحسبه شراً؟ نعم لا نحسبه شراً، بل هو خير لكم؛ لأنه حصل به من تمحيص الذنوب ورفعة المقامات، والدفاع عن عرض الرسول عليه
стр. 1685
الصلاة والسلام وفراشه ما هو خير.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإثْمِ) كل واحد تكلم في هذا الأمر له ما اكتسب من الإثم (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: ١١) .
أعظمهم إثماً الذي قاد هذه الفتنة وأوقد نارها والعياذ بالله.
ثم ساق الله تعالى الآيات إلى قوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: ١٥) .
وكان الورع والتقى ألا يتكلموا في هذا الأمر، وأن يسألوا أنفسهم: من أين مصدره؟ من المنافقين الذين هم أكذب عباد الله.
المنافقون أكذب الناس، ولهذا من علامات النفاق الكذب، استمعوا إلى قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) شهادة مؤكدة بإنَّ واللام. قال الله (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) حقاً إنك رسوله ومع ذلك: (واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون: ١) .
شهادة بشهادة أيهما أعظم؛ وقولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) ِ أم قول الله: (واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) ؟ لا شك أن قول الله أصدق، فهو يشهد : (ُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) في قولهم (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) .
هذه الفاحشة التي أشيعت مصدرها من المنافقين، وعلى رأسهم عبد الله بن أُبي بن سلول، لكنه الخبيث لا يتكلم صراحة، يأتي إلى الناس ويقول: أما سمعتم ما قيل في عائشة، قيل كذا وكذا.
وهناك أُناس من المؤمنين تكلَّموا بهذا صراحة، منهم مسطح بن
следующие страницы →