Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
٦٨- باب الورع وترك الشبهات
قال الله تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: ١٥) وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ١٤) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين: باب الورع وترك الشبهات.
الورع والزهد يشتبه معناهما عند بعض الناس، لكن الفرق بينهما كما قال ابن القيم ﵀ في كتاب الروح: الورع ترك ما يضرُّ في الآخرة، والزهد ترك ما لا ينفع، فمقام الزهد أعلى من مقام الورع؛ لأن الورع أن يترك الإنسان ما يضره، والزهد أن يترك ما لا ينفع؛ لأن الأشياء ثلاثة أقسام: ضار، ونافع، وما ليس بضار ولا نافع يعني منها ضار، ومنها نافع، بضار ولا نافع.
فالزاهد يترك شيئين من هذا؛ يترك الضار، ويترك ما ليس بنافع ولا ضار، ويفعل ما هو نافع.
والورعُ يترك شيئاً واحداً منها وهو ما كان ضاراً، ويفعل النافع، ويفعل الشيء الذي ليس فيه نفع ولا ضرر.
وبهذا صارت منزلة الزاهد أرفع من منزلة الورع، وربما يطلق أحدهما على الآخر؛ فالورعَ ترك ما يضر، ومن ذلك ترك الأشياء المشتبهة؛ المشتبهة في حكمها، والمشتبهة في حقيقتها، فالأول اشتباه في الحكم
стр. 1682
والثاني اشتباه في الحال، فالإنسان الورع هو الذي إذا اشتبه الأمر عليه تركه إن كان اشتباهاً في تحريمه، وفعله إن كان اشتباهاً في وجوبه لئلا يأثم بالترك.
ثم إن المؤلف ﵀ ذكر آيتين في هذا الباب، قال ﵀: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ ٌ) (النور: ١٥)
(وَتَحْسَبُونَهُ) الضمير يعود على ما تلقَّاه الناس من حديث الإفك الكذب في حق أم المؤمنين عائشة ﵂، وذلك أن عائشة أم المؤمنين ﵂: كانت زوج النبي ﷺ ، وكان المنافقون يتربّصون بالنبي ﷺ أن يشوهوا سمعته، ويدنسوا عِرضه، فحصلت غزوة من الغزوات، فلما قفل النبي ﷺ راجعاً منها نام في أثناء الطريق، وكانت نساء النبي ﷺ لهن رجال يساعدون في ترحيلهن.
فلما كان في آخر الليل ذهبت عائشة ﵂ لقضاء حاجتها فجاء الذين يحملون الهودج الذي تركب فيه فحملوه على البعير وشدوه عليه، وظنوا أنها كانت فيه؛ لأنها كانت في ذلك الوقت صغيرة السن خفيفة الوزن.
ثم سار الركب، فلما رجعت عائشة ﵂ إلى المكان وجدت الناس قد رحلوا، فكان من ذكائها وثبات جأشها وطمأنينتها أن بقيت في المكان، فلم تذهب تتجول يميناً وشمالاً؛ لأنها لو ذهبت ربما ضاعت وضيعوها، لكنها بقيت في مكانها، وكان رجل من خيار الصحابة يُقال له: صفوان بن المعطل نائماً، وكان من قوم إذا ناموا لم يستيقظوا إلا إذا شبعوا
стр. 1683
من النوم.
فاستيقظ صفوان ﵁ فوجد الناس قد رحلوا، ورأى هذا الشبح؛ هذا السواد، فأقبل إليها، فإذا هي عائشة أم المؤمنين ﵂، وكان يعرفها قبل أن ينزل الحجاب، فماذا صنع هذا الرجل؟
هذا الرجل أناخ البعير، ولم يتكلم بأي كلمة احتراماً لفراش رسول الله ﷺ ، لا يريد أن يتكلم مع زوجته في مثل هذا المكان، أناخ البعير، ووضع رجله على ساق البعير وعضده، فركبت عائشة ﵂، فأخذ الزمام وجعل يقود البعير، ليجعل عائشة خلفه.
فلما أقبل على القوم تكلَّم المنافقون، ورأوا أن هذه فرصة، وقالوا في عائشة ما هم فيه كاذبون؛ امرأة في سفر مع رجل تتأخر عن القوم، فصاروا يتكلمون في عِرض عائشة، وهم لا يريدون عِرض عائشة، ولا تهمهم فتاة عند زوجها، الذي يهمهم تدنيس فراش رسول الله ﷺ (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة: ٣٠) .
فجعلوا يتكلمون، وكان من حكمة الله أن عائشة لما قدموا المدينة مرضت وبقيت في بيتها، وكان النبي ﷺ يدخل عليها، ولم تر منه ما كانت تراه في السابق، كان يمر ويقول: ((كيف تيكم)) ، يعني: كيف هذه؟ لا يسأل ويلح ويقول: كيف هي اليوم؟ عساها أحسن من أمس، وما أشبه ذلك، ولكنه يقول هذه الكلمة؛ لأن كلام المنافقين قد شاع في المدينة وصار عند بعض المؤمنين تردد، والرسول ﵊ كان لا يشك في أهله، ويرى أن الله يأبى بحكمته أن يدنِّس فراش
стр. 1684
نبيه ﷺ .
ولم يكن ليصدق بهذا أبداً، لكن مع كثرة الكلام وكثرة القرع وكثرة الإرجاف، تردد الرسول ﷺ في الأمر، وبعد أن مضى نحو شهر خرجت عائشة ﵂ وخالتها أم مسطح بن أثاثة، خرجت تقضي حاجتها، وكانوا في هذا الوقت ليس عندهم مراحيض في البيوت، إذا أراد الواحد أن يقضي حاجته خرج إلى الخلاء وبحث عن مكانٍ مطمئنٍ نازلٍ وقضى فيه حاجته.
فخرجت عائشة مع خالتها أم مسطح إلى مكان قضاء الحاجة، فعثرت أم مسطح، فقالت: تعس مسطح، تقول أم مسطح: تعس مسطح فاستغربت عائشة كيف تقول لرجل من المهاجرين شهد بدراً تقول فيه: تعس مسطح، فقالت: لم تقولين هذا الكلام؟ لأن معنى تعس خسر وهلك، فقالت: أما علمت بكذا وكذا وكذا، وأخبرتها بقصة الإفك، وإن مسطحاً كان ممن صدَّقوا تلك الفرية، فازدادت عائشة ﵂ مرضاً إلى مرضها، وصارت تبكي ليلاً ونهاراً لا يرقأ لها دمع، ولا تهنأ بعيش.
وبينما الأمر كذلك حتى انتهى نفاق المنافقين إلى الرأس، أنزل الله فيها هذه الآيات الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) (النور: ١١) يعني طائفة منكم (لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) سبحان الله!! هذا الإفك والرمي بالفاحشة لا نحسبه شراً؟ نعم لا نحسبه شراً، بل هو خير لكم؛ لأنه حصل به من تمحيص الذنوب ورفعة المقامات، والدفاع عن عرض الرسول عليه
стр. 1685
الصلاة والسلام وفراشه ما هو خير.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإثْمِ) كل واحد تكلم في هذا الأمر له ما اكتسب من الإثم (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: ١١) .
أعظمهم إثماً الذي قاد هذه الفتنة وأوقد نارها والعياذ بالله.
ثم ساق الله تعالى الآيات إلى قوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: ١٥) .
وكان الورع والتقى ألا يتكلموا في هذا الأمر، وأن يسألوا أنفسهم: من أين مصدره؟ من المنافقين الذين هم أكذب عباد الله.
المنافقون أكذب الناس، ولهذا من علامات النفاق الكذب، استمعوا إلى قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) شهادة مؤكدة بإنَّ واللام. قال الله (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) حقاً إنك رسوله ومع ذلك: (واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون: ١) .
شهادة بشهادة أيهما أعظم؛ وقولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) ِ أم قول الله: (واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) ؟ لا شك أن قول الله أصدق، فهو يشهد : (ُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) في قولهم (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) .
هذه الفاحشة التي أشيعت مصدرها من المنافقين، وعلى رأسهم عبد الله بن أُبي بن سلول، لكنه الخبيث لا يتكلم صراحة، يأتي إلى الناس ويقول: أما سمعتم ما قيل في عائشة، قيل كذا وكذا.
وهناك أُناس من المؤمنين تكلَّموا بهذا صراحة، منهم مسطح بن
стр. 1686
أثاثه، وحسان بن ثابت ﵁، وحمنة بنت جحش، تكلموا لأنهم بشر، وأقسم أبو بكر ﵁ ألا ينفق على مسطح بن أثاثة وهو ابن خالته، لكنه أقسم ألا ينفق عليه؛ لا لأنه قال في ابنته؛ بل قال في رسول الله ﷺ ما لا يليق.
فماذا قال الله ؟ قال الله تعالى: (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (النور: ٢٢) .
(وَلا يَأْتَلِ) إي لا يحلف، والمراد بهذا من؟ أبو بكر (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّه) من يعني بأولي القربة واليتامى والمساكين والمهاجرين؟ يعني بذلك مسطحاً، فلا ينبغي لأهل الفضل أمثال أبي بكر ﵁ أن يمتنعوا عن الإنفاق على أولي القربى والمساكين والمهاجرين، وإن هم أخطئوا في بعض الأمور.
(أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: ٢٢) لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: بلى والله، نحب أن يغفر الله لنا، فرد النفقة على مسطح.
هذا الامتثال العظيم، وإلا فرجل يقول في ابنته ما يقول بل في رسول الله ما يقول، فامتثل أبو بكر هذا الامتثال العظيم، ثم أمر النبي ﷺ أن يجلد مسطح وحسان وحمنة، كل واحد منهم ثمانين جلدة حد القذف، ولكن لم يأمر بجلد عبد الله بن أبي؛ لأنه خبيث ما كان يصرح، وأن الحد تطهير للمحدود، وعبد الله بن أبي ليس أهلاً للطهارة؛ لأنه رجس نجس خبيث.
فالحاصل أن من الورع أن الإنسان لا يتكلم إلا بما يعلم، وهذا
стр. 1687
الاستشهاد الذي استشهد به المؤلف ينطبق تماماً على زماننا الآن، ما أكثر الذين يتكلمون في ولاة الأمور بغير علم، ما أكثر الذين يتكلمون في العلماء بغير علم، ما أكثر الذين يتكلمون في طلبة العلم بغير علم، ما أكثر الذين يتكلمون في المحسنين من ذوي الأموال بغير علم.
فليس عند أكثر الناس ورع، يتكلم الإنسان بما جاء على لسانه من غير أن يتحقق، وهذا من الظلم والعدوان على من تكلم فيه، أن يتكلم فيه بغير علم. لما قال الرسول ﵊ في الغيبة إنها ((ذكرك أخاك بما يكره)) قالوا: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)) .
نسأل الله أن يهدي ألسنتنا وألسنتكم من الكذب وقول الزور، وأن يعصمنا من الزلل ويعفو عنا إنه جواد كريم.
* * *
١/٥٨٨- وعن النُعمان بن بشيرٍ ﵄ قالَ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقُولُ: ((إن الحلالَ بينٌ، وإن الحرام بينٌ، وبينهما مُشتبِهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناسِ، فمن اتقى الشبُهاتِ؛ استبرا لدينه وعرضهِ، ومن وقع في الشبهاتِ؛ وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يُوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكلّ ملكٍ حمى، ألاَ وإنَّ حمى الله محارمهُ، الاَ وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت؛ صلح الجسدُ كلهُ، وإذا فسدت: فسد الجسد كلهُ: ألا وهيَ القلبُ)) متفق
стр. 1688
عليه. وروياهُ من طرقٍ بالفاظٍ مُتقاربة.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن النعمان بن بشير ﵁ وعن أبيه بشير بن سعد في كتابه رياض الصالحين، أن النبي ﷺ قال: ((إن الحلال بينٌ وإن الحرام بيّنٌ وبينهما متشبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس)) قسم النبي ﷺ الأمور إلى ثلاثة أقسام: حلال بيّن، ومشتبه.
الحلال البيّن؛ كحلَّ بهيمة الأنعام، والحرام البين؛ كتحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أشبه ذلك، وكلّ ما في القرآن من كلمة ((أحلَّ)) فهو حلال، ومن كلمة ((حرّم)) فهو حرام، فقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥) هذا حلال بيّن، وقوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبا) (البقرة: ٢٧٥) هذا حرامٌ بيّن.
هناك أمور مشتبهات تخفى على الناس، وأسباب الخفاء كثيرة، منها ألا يكون النصُّ ثابتاً عند الإنسان، يعني يتردد: هل يصح عن الرسول ﵊ أو لا يصح، ثم إذا صح قد تشتبه دلالته: هل يدل على كذا أو لا يدل؟ ثم إذا دلّ على شيء معين فقد يشتبه: هل له مخصص إن كان عاماًّ؟ هل له مقيد إن كان مطلقاً؟ ثم إذا تبين قد يشتبه: هل هو باقٍ أو منسوخ.
стр. 1689
المهم أن أسباب الاشتباه كثيرة، فما هو الطريق إلى حل هذا الاشتباه؟ والجواب: أن الطريق بينه النبي صلى ﵊ فقال: ((فمن اتقى الشبهات؛ استبرأ لدينه وعرضه)) من أتقاها يعني تجنبها إلى الشيء الواضح البيّن؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه.
استبرأ لدينه: حيث سلم من الوقوع في المحرم. ولعرضه: حيث سلم من كلام الناس فيه؛ لأنه إذا أخذ الأمور المشتبهة؛ صار عرضة للكلام فيه، كما إذا أتى الأمور البينة الواضح تحريمها.
ثم ضرب النبي ﷺ مثلاً لذلك بالراعي راعي غنم أو إبل أو بقر ((يرعى حول الحمى)) يعني حول الحمى الذي حماه أحد من الناس لا يرعى فيه أحد، ومعلوم أنه إذا حمي؛ ازدهر وكثُر عشبه أو كثر زرعه؛ لأن الناس لا ينتهكونه بالرعي، فالراعي الذي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه؛ لأن البهائم إذا رأت الخضرة في هذا المحمي، ورأت العشب، فإنها تنطلق إليه وتحتاج إلى ملاحظة ومراقبة كبيرة.
ومع ذلك لو لاحظ الإنسان وراقب، فإنه قد يغفل، وقد تغلبه هذه البهائم، فترتع في هذا الحمى ((كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه)) .
ثم قال ﵊: ((ألا وإن لكل ملك حمى)) وهذا يحتمل أن الرسول ﷺ قال ذلك إقراراً له، وأن الملك له أن يحمي مكاناً معيناً يُكثر فيه العشب لبهائم المسلمين؛ وهي البهائم التي تكون في بيت المال؛ كإبل الصدقة، وخيل الجهاد، وما أشبه ذلك.
стр. 1690
وأما الذي يحمي لنفسه فإن ذلك حرامٌ عليه، لا يحل لأحد أن يحمي شيئاً من أرض الله يختص بها دون عباد الله، فإن ذلك حرامٌ عليه؛ لأن النبي ﵌ قال: " المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار".
فالكلأ لا يجوز لأحد أن يحميه فيضع عليه الشبك، أو يضع عنده جنوداً يمنعون الناس من أن يرعوا فيه، فهو غصب لهذا المكان، وإن لم يكن غصباً خاصاً؛ لأنه ليس ملكاً لأحد، لكنه منع لشيء يشترك فيه الناس جميعاً، فهذا لا يجوز، ولهذا قال أهل العلم: يجوز للإمام أن يتخذ حمى مرعى لدواب المسلمين بشرط ألا يضرهم أيضاً.
فقول الرسول ﷺ : " ألا وإن لكل ملك حمى" يحتمل إنه إقرار، فإن كان كذلك؛ فالمراد به ما يحميه الملك لدواب المسلمين؛ كخيول الجهاد، وإبل الصدقة، وما أشبه ذلك.
ويحتمل أنه إخبار بالواقع وإن لم يكن إقراراً له؛ لأن الرسول ﵊ قد يخبر بالشيء الواقع أو الذي سيقع من غير إقرار له، أخبر النبي ﵊ أننا سنركب سنن اليهود والنصارى. فقال: ((لتركبن سَنَن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا حجر ضبًّ لدخلتموه)) . قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟))
стр. 1691
فهل هذا إقرار؟ لا. لكنه تحذير
على كل حال الملك له حمى يُحمى سواء بحق أو بغير حق، فإذا جاء الناس يرعون حول الحمى؛ حول الأرض المعشبة المخضرة، فإنهم لا يملكون منع البهائم أن ترتع فيها.
ثم قال ﵊: ((ألا وإن حمى الله محارمه)) الله أحاط الشريعة بسياج محكم، حمى كل شيء محرم يضر الناس في دينهم ودنياهم حماه، وإذا كان الشيء مما تدعو النفوس إليه شدد السياج حوله إذا كان مما تدعو النفوس إليه؛ فإنه يشدد السياح حوله.
انظر مثلاً إلى الزنى والعياذ بالله، الزنى سببه قوة الشهوة وضعف الإيمان، لكن النفوس تدعوا إليه؛ لأنه جبلة وطبيعة، فجعل حوله سياجاً يبعد الناس عنه فقال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى) (الاسراء: ٣٢) ، لم يقل ولا تزنوا، قال (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى) يشمل كل ذريعة توصل إلى الزنى من النظر واللمس والمحادثة وغير ذلك.
كذلك الربا حرمه الله ، ولما كانت النفوس تطلبه لما فيه من الفائدة؛ حرم كل ذريعة إليه فحرم الحيل على الربا ومنعها، وهكذا جعل الله للمحارم حمى له تمنع الناس من الوقوع فيها.
ثم قال ﷺ : ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت؛ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) .
((مضغة)) يعني قطعة لحم صغيرة بقدر ما يمضغه الإنسان، صغيرة لكن شأنها عظيم، هي التي تدبر الجسد ((إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا
стр. 1692
فسدت فسد الجسد كله)) ليست العين، ولا الأنف، ولا اللسان، ولا اليد، ولا الرجل، ولا الكبد، ولا غيرها من الأعضاء، إنما هي القلب، ولهذا كان الرسول ﵊ يقول: ((اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم مصرف القلوب صرَّف قلوبنا إلى طاعتك)) .
فالإنسان مدار صلاحه وفساده على القلب. ولهذا ينبغي لك أيها المسلم أن تعتني بصلاح قلبك، فلاح الظواهر وأعمال الجوارح طيب، ولكن الشأن كل الشأن في صلاح القلب، يقول الله عن المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) (المنافقون: ٤) (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) من الهيئة الحسنة، وحسن عمل الجوارح، وإذا قالوا، قالوا قولاً تسمع له من حسنه وزخرفته، لكن قلوبهم خربة والعياذ بالله (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) (المنافقون: ٤) ليس فيها خير.
فأنت اعتنِ بصلاح القلب، انظر قلبك هل فيه شيء من الشرك؟ هل فيه شيء من كراهة ما أنزل الله؟ هل فيه شيء من كراهة عباد الله الصالحين؟ هل فيه شيء من الميل إلى الكفار؟ هل فيه شيء من موالاة الكفارة؟ هل فيه شيئاً من الحسد، هل فيه شيء من الغل؟ هل فيه شيء من الحقد؟ وما أشبه ذلك من الأمراض العظيمة الكثيرة في القلوب، فطهر قلبك من هذا وأصلحه، فإن المدار عليه.
(أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (إِنَّ رَبَّهُمْ
стр. 1693
بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) (العاديات: ٩-١١) ، هذا يوم القيامة، العلم على الباطن، في الدنيا العمل على الظاهر، مالنا إلا ظواهر الناس، لكن في الآخرة العمل على الباطن، أصلح الله قلوبنا وقلوبكم.
قال تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: ٩) (تُبْلَى) يعني تختبر السرائر فمن كان من المؤمنين؛ ظهر إيمانه، ومن كان من أهل النفاق؛ ظهر نفاقه والعياذ بالله.
لذلك أصلح قلبك يا أخي، لا تكره شريعة الله، لا تكره عباد الله الصالحين، لا تكره أي شيء مما نزَّل الله، فإن كراهتك لشيء مما نزَّل الله كفر بالله تعالى، نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق والصلاح.
* * *
٣/٥٩٠- وعنِ النواسِ بن سمعانَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((البرُّ حُسنُ الخلقِ، والإثمُ ما حاكَ في نفسكَ، وكرهتَ أن يطلع عليه الناسُ)) رواه مسلم.
٤/٥٩٠- وعن وابصة بن معبدٍ ﵁ قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقالَ: "جئت تسألُ عن البر؟ " قُلتُ نعم، قال: ((استفت قلبك، البرُّ: ما اطمأنت إليه النفسُ، واطمأن إليه القلبُ، والإثم ما حاك في النفسِ وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناسُ وأفتوكَ)) حديث حسن، رواهُ أحمدُ، والدارميُّ في مُسنديهما".
стр. 1694
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب الورع وترك الشبهات: عن النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)) .
فقوله ﵊: ((البر حسن الخلق)) يعني أن حسن الخلق من البر الداخل في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢) وحسن الخلق يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة عباد الله.
فحسن الخلق في عبادة الله: أن يتلقى الإنسان أوامر الله بصدر منشرح، ونفس مطمئنة، ويفعل ذلك بانقياد تام، بدون تردد، وبدون شك، وبدون تسخط، يؤدي الصلاة مع الجماعة منقاداً لذلك، يتوضأ في أيام البرد منقاداً لذلك، يتصدق بالزكاة من ماله منقاداً لذلك، يصوم رمضان منقاداً لذلك، يحج منقاداً لذلك.
وأما في معاملة الناس فإن يقوم ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والنصح بالمعاملة وغير هذا، وهو منشرح الصدر، واسع البال، لا يضق بذلك ذرعاً، ولا يتضجر منه، فإذا علمت من نفسك أنك في هذه الحال، فإنك من أهل البر.
أما الإثم فهو أن الإنسان يتردد في الشيء، ويشك فيه، ولا ترتاح له نفسه، وهذا فيمن نفسه مطمئنة راضية بشرع الله.
وأما أهل الفسوق والفجور فإنهم لا يترددون في الآثام، تجد الإنسان
стр. 1695
منهم يفعل المعصية منشرحاً بها صدره والعياذ بالله، لا يبالي بذلك، لكن صاحبَ الخير الذي وُفق للبر هو الذي يتردد الشيء في نفسه، ولا تطمئن إليه، ويحيك في صدره، فهذا هو الإثم.
وموقف الإنسان من هذا أن يدعه، وأن يتركه إلى شيء تطمئن إليه نفسه، ولا يكون في صدره حرج منه، وهذا هو الورع، ولهذا قال النبي صلى الله ﵊: ((وإن أفتاك الناس وأفتوك)) حتى لو أفتاك مفتٍ بأن هذا جائز، ولكن نفسك لم تطمئن ولم تنشرح إليه فدعه، فإن هذا من الخير والبر.
إلا إذا علمت أن في نفسك مرضاً من الوسواس والشك والتردد فيما أحل الله، فلا تلتفت لهذا، والنبي ﵊ إنما يخاطب الناس، أو يتكلم على الوجه الذي ليس فيه أمراض، أي ليس في قلب صاحبه مرض، فإن البر هو ما أطمأنت إليه نفسه، والإثم ما حاك في صدره وكره أن يطلع عليه الناس، والله الموفق.
* * *
٥/٥٩٢- وعن ابي سروعةَ - بكسر السين المهملة وفتحها- عُقبةَ بن الحارثِ ﵁ أنهُ تزوجَ ابنةً لأبي إهاب بن عزيز، فأتتهُ امرأةٌ فقالت: إني قد أرضعتُ عُقبة والتي قد تزوج بها، فقال لها عُقبةُ: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينةِ، فسألهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ، وقد قيلَ؟! " ففارقها عقبةُ ونكحت زوجا غيرهُ. رواهُ
стр. 1696
البخاري.
٦/٥٩٣- وعن الحسنِ بن عليّ رضي اله عنهما، قال: حفظتُ من رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[الشَّرْحُ]
هذان الحديثان ذكرهما المؤلف ﵀ في باب الورع وترك الشبهات من باب رياض الصالحين. فالأول في مسألة الرضاع: حديث عقبة، والثاني في ترك المتشابه: حديث الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄.
أما الأول: فإن عقبة تزوج امرأة ابن أبي إهاب، فلما تزوجها جاءت امرأة فقالت: إني أرضعته هو والمرأة التي تزوجها، يعني فيكون أخاً لها من الرضاع، وأخوها من الرضاع يحرم عليها كما يحرم عليها أخوها من النسب؛ لقول النبي ﵌: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) ولكن لا بد لهذا شروط.
الشرط الأول: أن يكون اللبن من آدمية، فلو اشترك طفلان في الرضاع من شاة أو من بقرة أو من بعير، فإنهما لا يصيران أخوين؛ لأنه لا بد
стр. 1697
أن يكون الرضاع من آدمية؛ لقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) (النساء: ٢٣) .
الشرط الثاني: لابد أن يكون الرضاع خمس رضعات فأكثر، فإن كان مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث مرات أو أربع مرات، فإنه ليس بشيء، ولا يؤثر، فلو أن امرأة أرضعت طفلاً أربع مرات في أربعة أيام كل مرة يشبع، فإنه لا يكون ابناً لها؛ لأنه لا بد من خمس، ولو أرضعته خمس مرات ولو لم يشبع فإنها تكون أماً له ويكون الرضاع محرماً.
الشرط الثالث: لابد أن يكون في زمن الإرضاع، وهو ما قبل الفطام في الحولين، فإن لم يكن في هذا الزمن بأن أرضعته وهو كبير، فإن ذلك لا يؤثر، فلو أن طفلاً له خمس سنوات رضع من امرأة خمس مرات أو عشر مرات، فإنه لا يكون ابناً لها من الرضاع؛ لأنها ليس في زمن الإرضاع.
فهذه الشروط ثلاثة: وإذا ثبت التحريم فإنه ينتشر إلى المرتضع وذريته فقط، ولا ينتشر إلى إخوانه وآبائه وأمهاته، وإنما ينتشر إليه وإلى فروعه فقط وهم ذريته وعلى هذا فيجوز لأخي الطفل الراضع أن يتزوج أخت أخيه من الرضاع، لأنه لا علاقة أو لا تأثير في الرضاع إلا على المرتضع وذريته يعني فروعه.
فأما أصوله وحواشيه: أصوله من آباء وأمهات، حواشيه من إخوة، وأعمام، وأبنائهم، وبناتهم، فإنه لا تأثير لهم في الرضاع، سواء كان أكبر منه أو أصغر منه، وما اشتهر عند العامة من أن أخوته الذين هم أصغر منه يلحقهم حكم الرضاع، فإنه لا صحة له.
стр. 1698
بعض العوام يقول: إذا رضع طفل من امرأة صار ابناً لها وصار اخوته الذين من بعده أبناءً لها، وهذا غير صحيح؛ بل جميع اخوته ليس لهم فيها تعلق بوجه من الوجوه.
وأما حديث الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ فإنه سمع النبي ﷺ وحفظ منه هذه الجملة المفيدة العظيمة التي تعتبر قاعدة في الورع وهي: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) يريبك: يعني يحصل لك به ريب وشك، فدعه ولا تأخذ إلا بما تيقنته أو غلب على ظنك، إن كان مما يفيد فيه غلبة الظن.
وأما ما شككت فيه فدعه، وهذا أصل من أصول الورع، ولهذا رأى النبي ﷺ تمرة، رآها في الطريق فلم يأكلها وقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) ، وهذا يدخل في هذا الحديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) .
ومن ذلك ما إذا كان بينك وبين شخص محاسبة، وحصل زيادة لك من أجل هذه المحاسبة، وشككت فيها فدعها، وإذا شك فيها صاحبك وتركها فتصدق بها، تصدق بها تخلصاً منها، أو تجعلها صدقة معلقة؛ بأن تقول: اللهم إن كانت لي فهي صدقة أتقرب بها إليك، وإن لم تكن لي فهو مالٌ أتخلص بالصدقة به من عذابه.
стр. 1699
والحاصل أن هذا الحديث حديثٌ عظيمٌ في باب الورع: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) . ما تشك فيه أتركه وخذ بالشيء الذي لا يلحقك به قلق ولا شك ولا اضطراب.
* * *
٧/٥٩٤- وعن عائشة ﵂، قالت: كان لأبي بكرٍ الصديق ﵁، غلام يخرجُ لهُ الخرج وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خراجه، فجاء يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال ابو بكرٍ؟ وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ في الجاهلية وما أحسنُ الكهانةَ إلا أني خدعتهُ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منهُ، فأدخل أبو بكرٍ يده فقاء كلَّ شيءٍ في بطنهِ. رواهُ البخاري.
[الشَّرْحُ]
نقل الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين، باب الورع وترك الشبهات عن عائشة ﵂ أن غلاماً كان لأبي بكر، وكان أبو بكر يخارجه يعني يدعه يشتغل ويضرب عليه خراجاً معيناً، يقول: أئتِ لي كل يوم بكذا وكذا، وما زاد فهو لك.
وهذه المخارجة جائزة بالنسبة للعبيد، إذا كان الإنسان عنده عبيد وقال لهم: اذهبوا اشتغلوا وأتوني كل يوم بكذا وكذا من الدراهم وما زاد فهو لكم؛ فإن هذا جائز؛ لأن العبيد ملك للسيد، فما حصَّلوه فهو له سواء
стр. 1700
خارجهم على ذلك أم لم يخارجهم.
لكن فائدة المخارجة أن العبد إذا حصَّل ما اتفق عليه مع سيده فإن له أن يبقى من غير عمل، أن يبقى في طلب العلم، أن يبقى مستريحاً في بيته أو أن يشتغل ويأخذ ما زاد.
أما بالنسبة للعمال الذين يجلبهم الإنسان إلى البلاد ويقول: اذهبوا وعليكم كل شهر كذا وكذا من الدراهم، فإن هذا حرامٌ وظلم ومخالف لنظام الدولة، والعقد على هذا الوجه باطل، فليس لصاحب العمل شيء مما فرضه على هؤلاء العمال؛ لأن العامل ربما يكدح ويتعب ولا يحصل ما فرضه عليه كفيله، وربما لا يحصل شيئاً أبداً، فكان في هذا ظلم.
أما العبيد فهم عبيد الإنسان، مالهم وما في أيديهم فهو له.
هذا الغلام لأبي بكر، كان أبو بكر قد خارجه على شيء معين يأتي به إليه كل يوم، وفي يوم من الأيام قدّم هذا الغلام طعاماً لأبي بكر فأكله فقال: أتدري ما هذا؟ قال: وما هو؟ قال: هذا عوض عن أجرة كهانة تكهنت بها في الجاهلية وأنا لا أحسن الكهانة، لكنى خدعت الرجل فلقيني فأعطاني إياها.
وعوض الكهانة حرام، سواء كان الكاهن يحسن صنعة الكهانة أو لا يحسن؛ لأن النبي ﵊ نهى عن ((حُلوان الكاهن)) .
стр. 1701
فلما قال لأبي بكر هذه المقالة، أدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كلّ ما أكل، كل ما أكل قاءه وأخرجه من بطنه لماذا؟ لئلا يتغذى بطنه بحرام. وهذا مال حرام؛ لأنه عوض عن حرام، وقد قال النبي ﷺ : ((إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)) .
فالأجرة على فعل الحرام حرام، ومن ذلك تأجير بعض الناس دكاكينهم على الحلاقين الذين يحلقون اللحى، فإن هذه الأجرة حرام ولا تحل لصاحب الدكان؛ لأنه استؤجر منه لعمل محرم.
ومن ذلك أيضاً تأجير البنوك في المحلات، فإن تأجير البنوك حرام؛ لأن البنك معاملته كلها أو غالبها حرام، وإذا وجد فيه معاملة حلال؛ فهي خلاف الأصل الذي من أجله أنشىء هذا البنك، الأصل في إنشاء البنوك أنها للربا، فإذا أجرَّ الإنسان بيته أو دكانه للبنك فتعامل فيه بالربا فإن الأجرة حرامٌ ولا تحل لصاحب البيت أو صاحب الدكان.
وكذلك من أجَّر شخصاً يبيع المجلات الخليعة أو المفسدة في الأفكار الرديئة ومصادمة الشرع؛ فإنه لا يجوز تأجير المجلات لمن يبيع هذه المحلات؛ لأن الله تعالى قال (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢) ، وتأجير المحلات لهؤلاء معونة لهم، وقال النبي ﷺ : ((إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)) .
стр. 1702
وفي هذا الحديث دليلٌ على شدة ورع أبي بكر ﵁، فهو جدير بهذا؛ لأنه الخليفة الأول على هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، ولهذا كان قول أهل السنة والجماعة إن أبا بكر ﵁ أفضل هذه الأمة؛ لأنه الخليفة الأول.
ولأن الرسول ﵊ قد خطب الناس في مرضه وقال: ((إن من أمنّ الناس على في نفسه وماله أبو بكر)) ، ثم قال: ((ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن خلة الإسلام أفضل)) "
والنصوص في هذا كثيرة متواترة، حتى أمير المؤمنين على بن أبي طالب القائل بالصدق والقسط والعدل، كان يقول على منبر الكوفة وقد تواتر ذلك عنه: ((خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر)) .
هكذا يقول ﵁ وقال: " لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته- جلدة الفرية-" يعني جلد القذف والكذب، وهذا من تواضعه ﵁ في الحق وقول الصدق.
وفيه ردٌّ ظاهرٌ على الروافض الذين يفضلون عليّاً على أبي بكر وعمر ﵄؛ بل بعضهم يفضل علياً على رسول الله ﷺ ويقول: علي أفضل من محمد وأحق بالرسالة، ولكن جبريل خان الأمانة وانصرف بالرسالة عن على إلى محمد، ولا شك أنهم على ضلال بيّن والعياذ بالله، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
стр. 1703
والحاصل أن أبا بكر ﵁ فيه هذا الورع العظيم بعد أن أكل المحرم ذهب يخرجه من جوفه لئلا يتغذى به، والله الموفق.
* * *
٨/٥٩٥- وعن نافع أن عمرَ بن الخطاب ﵁، كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة الآف وفرضَ لأبنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصتهُ؟ فقال: إنما هاجر به أبوهُ يقولُ: ليس هو كمن هاجر بنفسه. رواه البخاري.
٩/٥٩٦- وعن عطية بن عُروة السعدي الصحابي ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المُتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأسٌ)) . رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب الورع وترك الشبهات فيما نقله عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فرض للناس أعطياتهم من بيت المال، فجعل للمهاجرين أربعة آلاف، وجعل لأبنه عبد الله ثلاثةَ آلاف وخمسمائة.
وابنه عبد الله مهاجر، فنقصه عن المهاجرين خمسمائة من أربعة
стр. 1704
آلاف، فقيل له: إنه من المهاجرين فلماذا نقصته؟ قال: إنما هاجر به أبوه ولم يهاجر هو بنفسه، وليس من هاجر به أبوه كمن هاجر بنفسه، وهذا يدل دلالة عظيمة على شدة ورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
وهكذا يجب على من تولى شيئاً من أمور المسلمين ألا يحابي قريباً لقربه، ولا غنياً لغناه، ولا فقيراً لفقره، بل ينزل كل أحد منزلته، فهذا من الورع والعدل، ولم يقل عبد الله بن عمر: يا أبت، أنا مهاجر ولو شئت لبقيت في مكة؛ بل وافق على ما فرضه له أبوه.
وأما الحديث الأخير في هذا الباب فهو أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس)) ، وهذا فيما أشتبه مباح بمحرم وتعذر التمييز، فإنه من تمام اليقين والتقوى أن تدع الحلال خوفاً من الوقوع في الحرام.
وهذا أمر واجب؟ ٌ كما قال أهل العلم: إنه إذا اشتبه مباح بمحرم وجب اجتناب الجميع؛ لأن اجتناب المحرم واجب، ولا يتم إلا باجتناب المباح، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
لكن لو اضطر إلى أحدهما فله أن يتحرى في هذه الحال ويأخذ بما غلب على ظنه، ولنفرض أنه اشتبه طعام غيره بطعام نفسه، ولكنه مضطر إلى الطعام، ففي هذه الحال يتحرى ويأكل ما يغلب على ظنه أنه طعامه، والله الموفق.
стр. 1705
٦٩- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقع في حرام وشبهات ونحوها
قال الله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات: ٥٠) .
١/٥٩٧- وعن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: ((إن الله يحب العبدَ التقيَّ الغنِيَّ الخفيَّ)) رواه مسلم.
والمراد بـ ((الغنيَّ)) غنيٌّ النفسِ، كما سبق في الحديث الصحيح.
٢/٥٩٨- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رجلٌ: أي الناس أفضلُ يا رسول الله؟ قال: ((مؤمنٌ مجاهدٌ بنفسه وماله في سبيل الله)) ، قال: ثمَّ من؟ قال: " ثم رجلٌ معتزلٌ في شعب من الشعابِ يعبد ربهُ" وفي رواية: " يتقي الله، ويدع الناس من شره" متفقٌ عليه.
٣/٥٩٩- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((يُوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبعُ بها شعفَ الجبال، ومواقع القطرِ، يفر بدينه من الفتنِ)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين، باب استحباب العزلة عند تغير الناس وفساد الزمان وخوف الفتنة، وما أشبه ذلك.
واعلم أن الأفضل هو المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم،
стр. 1706
هذا أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ولكن أحياناً تحدث أمور تكون العزلة فيها خيراً من الاختلاط بالناس؛ من ذلك إذا خاف الإنسان على نفسه فتنة، مثل أن يكون في بلد يطالب فيها بأن ينحرف عن دينه، أو يدعو إلى بدعة، أو يرى الفسوق الكثير فيها، أو يخشى على نفسه من الفواحش، وما أشبه ذلك، فهنا العزلة خير له.
ولهذا أمر الإنسان أن يهاجر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، ومن بلد الفسوق إلى بلد الاستقامة، فكذلك إذا تغير الناس والزمان؛ ولهذا صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)) . فهذا هو التقسيم؛ العزلة خير إن كان في الاختلاط شر وفتنة في الدين، وإلا فالأصل أن الاختلاط هو الخير، يختلط الإنسان مع الناس فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يدعو إلى حق، يبين السنة للناس، فهذا خير. لكن إذا عجز عن الصبر وكثرت الفتن؛ فالعزلة خير ولو أن يعبد الله على رأس جبل أو في قعر وادٍ.
وبيَّن النبي ﵊ فضل الرجل الذي يحبه الله فقال: ((إن الله يحبّ العبد التقي الغني الخفي)) .
التقي: الذي يتقي الله ، فيقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه؛ يقوم بأوامره من فعل الصلاة وأدائها في جماعة، يقوم بأوامره من أداء الزكاة وإعطائها مستحقيها، يصوم رمضان، ويحج البيت، يبر والديه، يصل أرحامه، يحسن إلى جيرانه، يحسن إلى اليتامى، إلى غير ذلك من أنواع التقى والبر وأبواب الخير.
стр. 1707
الغني: الذي استغنى بنفسه عن الناس، غني الله عمن سواه، لا يسأل الناس شيئاً، ولا يتعرض للناس بتذلل؛ بل هو غني عن الناس، عارف نفسه، مستغن بربه، لا يلتفت إلى غيره.
الخفي: هو الذي لا يظهر نفسه، ولا يهتم أن يظهر عند الناس، أو يشار إليه بالبنان، أو يتحدث الناس عنه، تجده من بيته إلى المسجد، ومن مسجده إلى بيته، ومن بيته إلى أقاربه وإخوانه خفي، يخفي نفسه.
ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان إذا أعطاه الله علماً أن يتقوقع في بيته ولا يُعلم الناس، هذا يعارض التقى، فتعليمه الناس خيرٌ من كونه يقبع في بيته ولا ينفع الناس بعلمه، أو يقعد في بيته ولا ينفع الناس بماله.
لكن إذا دار الأمر بين أن يلمَّع نفسه ويظهر نفسه ويبين نفسه، وبين أن يخفيها، فحينئذٍ يختار الخفاء، أما إذا كان لا بد من إظهار نفسه فلا بد أن يظهرها، هذا ممن يحبه الله ، وفيه الحث على أن الإنسان يكون خفياً، يكون غنياً عن غيره عن غير الله ، يكون تقياً لربه حتى يعبد الله في خير وعافية.
* * *
٤/٦٠٠- وعن أبي هُريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنمَ)) فقال أصحابهُ: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهلِ مكةَ)) رواه البخاري.
стр. 1708
٥/٦٠١- وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ أنهُ قالَ ((من خير معاش الناس لهم رجلٌ ممسكٌ عنانَ فرسه في سبيل الله، يطيرُ على متنهِ، كلما سمع هيعة أو فزعة، طار عليه يبتغي القتل، أو الموت مظانه، أو رجلٌ في غُنيمةٍ في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية، يُقيمُ الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيهُ اليقين، ليس من الناس إلا في خيرٍ)) رواه مسلم.
((يطير)) أي يُسرع. ((ومتنهُ)) : أي ظهرُهُ. ((والهيعةُ)) : الصوتُ للحرب.
[الشَّرْحُ]
هذان الحديثان في باب استحباب العزلة عن الناس عند خوف الفتنة: الأول حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم)) ، يعني ما من نبي من الأنبياء أرسله الله إلى عباده إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) ، حتى النبي ﵊ رعى الغنم.
قال العلماء: والحكمة من ذلك أن يتمرن الإنسان على رعاية الخلق وتوجيههم إلى ما فيه الصلاح، لأن الراعي للغنم تارة يوجهها إلى وادٍ مزهر مخضر، وتارة على وادٍ خلاف ذلك، وتارة إلى أرض ليس فيها هذا ولا هذا، وتارة لا يرعاها أبداً، وتارة يبقيها واقفة، فالنبي ﵊ سيرعى الأمة ويوجهها إلى الخير عن علم وهدى وبصيرة؛
стр. 1709
كالراعي الذي عنده علم بالمراعي الحسنة، وعنده نصح وتوجيه للغنم إلى ما فيه خيرها، وما فيه غذاءها وسقاءها.
واختيرت الغنم لأن الغنم صاحبها صاحب سكينة وهدوء والاطمئنان، بخلاف الإبل؛ الإبل أصحابها في الغالب عندهم شدة وغلظة؛ لأن الإبل كذلك فيها الشدة والغلظة، فلهذا اختار الله لرسله أن يرعوا الغنم، حتى يتعودوا ويتمرنوا على رعاية الخلق.
فرسول الله ﷺ رعاها على قراريط لأهل مكة، وموسى ﵊ رعاها مهراً لابنه صاحب مدين، فإنه قال: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) (القصص: ٢٧) .
وأما الحديث الثاني: ففيه أيضاً دليل على أن العزلة خيرٌ فيكون الإنسان ممسكاً بعنان فرسه، يطير عليه كلما سمع هيعة، يعني أنه بعيد عن الناس يحمي ثغور المسلمين، مهتم بأمور الجهاد منعزل عن الناس لكنه على أتم استعداد للنفور والجهاد كلما سمع هيعة ركب فرسه فطار به، أي مشى مشياً مسرعاً.
وكذلك من كان في مكان من الأودية والشعاب منعزلاً عن الناس، يعبد الله ، ليس من الناس إلا في خير، فهذا فيه خير.
ولكننا سبق أن قلنا: إن هذه النصوص تُحمل على ما إذا كان في الاختلاط فتنة وشر، وأما إذا لم يكن فيه فتنة وشر؛ فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم، خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
стр. 1710
٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين
قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: ٥٤) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣) وقال تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: ٣٢)
وقال تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (الأعراف: ٤٩، ٤٨) .
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين: باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
التواضع: ضد التعالي يعني ألا يترفع الإنسان ولا يترفع على غيره، بعلم ولا نسب ولا مال ولا جاه ولا إمارة ولا وزارة ولا غير ذلك؛ بل الواجب على المرء أن يخفض جناحه للمؤمنين، أن يتواضع لهم كما كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة عند الله؛ رسول الله ﷺ يتواضع للمؤمنين، حتى إن الصبية لتمسك بيده لتأخذه إلى أي مكان تريد فيقضي حاجتها عليه
стр. 1711
الصلاة والسلام.
وقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) ، وفي آية أخرى: (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .
(وَاخْفِضْ جَنَاحَك) (الشعراء: ٢١٥) : أي تواضع؛ وذلك أن المتعالي والمترفع يرى نفسه أنه كالطير يسبح في جو السماء، فأمر أن يخفض جناحه وينزله للمؤمنين الذي أتبعوا النبي ﵌.
وعلم من هذا أن الكافر لا يخفض له الجناح وهو كذلك؛ بل الكافر تَرفَع عليه وتَعَالى عليه، واجعل نفسك في موضع أعلى منه؛ لأنك مستمسك بكلمة الله، وكلمة الله هي العليا.
ولهذا قال الله في وصف النبي ﷺ وأصحابه: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: الآية٢٩) ، يعني أنهم على الكفار أقوياء ذوو غلظة، أما فيما بينهم فهم رحماء.
ثم ساق المؤلف الآية الثانية وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ) (المائدة: ٥٤) ، أي من يرجع منكم عن دينه فيكون كافراً بعد أن كان مؤمناً.
وهذا قد يقع من الناس، أن يكون الإنسان داخلاً في الإسلام عاملاً به، ثم يزيغه الشيطان- والعياذ بالله- حتى يرتد عن دينه، فإذا ارتد عن دينه فإنه لا يكون ولياً للمؤمنين، ولا يكون معيناً للمؤمنين، ولذا قال (يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) ُ يعني بقوم مؤمنين، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) .
(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين يُجَاهِدُونَ) ، فهم في جانب المؤمنين
стр. 1712
أذلة لا يترفعون عليهم، ولا يأخذون بالعزة عليهم، ولكنه يذلون لهم، أما على الكفار فهم أعزة مترفعون، ولهذا قال النبي ﵊: ((لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)) إذلالاً لهم، وخذلاناً لهم؛ لأنهم أعدى أعداء لك، وأعداء لربك، وأعداء لرسولك، وأعداء لدينك، وأعداء لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
وفي هذه الآية دليلٌ على إثبات المحبة من الله ، وأن الله يحبُ ويُحب (فَسَوْفَ يأتي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) ، وهذا الحب حبٌّ عظيمٌ لا يماثله شيء، تجد المحب لله ترخص عنده الدنيا، والأهل، والأموال؛ بل والنفس، فيما يرضي الله ، ولهذا يبذل ويعرض رقبته لأعداء الله، محبة في نصرة الله ونصرة دينه، وهذا دليلٌ على أن الإنسان مقدم ما يحبه الله ورسوله على ما تهواه نفسه.
ومن علامات محبة الله: إن الإنسان يديم ذكر الله؛ يذكر ربه دائماً بقلبه ولسانه وجوارحه.
من علامات محبة الله: أن يحب من أحب الله من الأشخاص، فيحب الرسول ﷺ ويحب الخلفاء الراشدين، ويحب الأئمة، ويحب من كان في وقته من أهل العلم والصلاح.
من علامات محبة الله: أن يقوم الإنسان بطاعة الله، مقدماً ذلك على
стр. 1713
هواه، فإذا أذن المؤذن يقول: حي على الصلاة، ترك عمله وأقبل إلى الصلاة؛ لأنه يحب ما يرضي الله أكثر مما ما ترضي به نفسه.
ولمحبة الله علامات كثيرة، إذا أحب الإنسان ربه فالله أسرع إليه حباً؛ لأنه قال في الحديث القدسي: ((ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)) ، وإذا أحبه الله فهذا هو المقصود، وهذا هو الأعظم.
ولهذا قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: ٣١) ، ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا الله، بل قال: (يُحْبِبْكُمُ اللَّه) ُ؛ لأن هذه هي الثمرة أن يحب الربٌّ عبده، فإذا أحب عبده نال خيري الدنيا والآخرة. جعلني الله وإياكم من أحبابه.
وفي قوله: (وَيُحِبُّونَه) دليلٌ على إثبات محبة العبد لربه، وهذا أمر واضحٌ واقع مشاهد، يجد الإنسان من قلبه ميلاً إلى ما يرضي الله، وهذا يدل على أنه يحب الله .
والإنسان المؤمن الموفق لهذه الصفة العظيمة، تجده يحب الله أكثر من نفسه، أكثر من ولده، أكثر من أمه، أكثر من أبيه، يحب الله أكثر من كل شيء، ويحب المرء؛ لأنه يحب الله، ومعلوم أن المحب يحب أحباب حبيبه، فتجد هذا الرجل لمحبته لله يحب من يحبه الله من الأشخاص، وما يحبه من الأعمال، وما يحبه من الأقوال.
стр. 1714
ثم ذكر المؤلف الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين تحت عنوان باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين في سياق الآيات المتعلقة بهذا الموضوع وقال: وقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣) ، يخاطب الله الناس كلهم مبيناً أنه خلقهم من ذكر وأنثى أي من هذا الجنس أو من هذا الشخص.
يعني إما أن يكون المراد بالذكر والأنثى آدم وحواء.
أو أن المراد الجنس أي أن بني آدم خلقوا كلهم من ذكر وأنثى. وهذا هو الغالب، وهو الأكثر.
وإلا فإن الله خلق آدم من غير أم ولا أب، خلقه من تراب، من طين، من صلصال كالفخار، ثم نفخ فيه من روحه، خلق له روحاً فنفخها فيه فصار بشراً سوياً.
وخلق الله حواء من أب بلا أم.
وخلق الله عيسى من أم بلا أب.
وخلق الله سائر البشر من أم وأب.
والإنسان أيضاً كما أنه أربع أنواع من جهة مادة خلقه، كذلك هو أربعة أنواع من جهة جنس الخلق، يقول الله : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى: ٥٠، ٤٩) .
стр. 1715
هذه أيضاً أربعة أقسام:
(يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً) أي: بلا ذكور، يعني يوجد بعض الناس يولد له الإناث ولا يولد له ذكور أبداً، كل نسله إناث.
(وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُور) فيكون كل نسله ذكوراً بلا إناث.
(أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثا) ً يزوجهم يعني يصنفهم؛ لأن الزوج يعني الصنف، كما قال تعالى: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) (صّ: ٥٨) . يعني أصناف، وقال: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) (الصافات: ٢٢) ، أي أصنافهم وأشكالهم، يزوجهم يعني يصنفهم ذكراناً وإناثاً، هذه ثلاثة أقسام.
القسم الرابع: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً) لا يولد له لا ذكر ولا أنثى، لأن الله له ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء، لا معقب لحكمه وهو السميع العليم.
يقول جلّ ذكره: (وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ) ، الشعوب: الطوائف الكبيرة؛ كالعرب والعجم وما أشبه ذلك، والقبائل: ما دون ذلك، جمع قبيلة، فالناس بنو آدم شعوب وقبائل.
شعوب: أمم عظيمة كبيرة: كما تقول: العرب - بجميع أصنافهم، والعجم بجميع أصنافهم، كذلك القبائل دون ذلك، كما تقول: قريش، بنو تميم، وما أشبه ذلك، هؤلاء القبائل.
(لِتَعَارَفُوا) : هذه هي الحكمة من أن الله جعلنا شعوباً وقبائل من أجل أن يعرف بعضنا بعضاً، هذا عربي، وهذا عجمي، هذا من بني تميم
стр. 1716
هذا من قريش، هذا من خزاعة، وهكذا.
فالله جعل هذه القبائل من أجل أن يعرف بعضنا بعضاً، لأن من أجل أن يفخر بعضنا على بعض، فيقول: أنا عربي وأنت عجمي، أنا قبيلي وأنت خضيري، أنا غني وأنت فقير، هذا من دعوى الجاهلية والعياذ يالله، لم يجعل الله هؤلاء الأصناف إلا من أجل التعارف لا من أجل التفاخر، ولهذا قال النبي ﵊: ((إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب)) .
فالفضل في الإسلام بالتقوى، أكرمنا عند الله هو أتقانا لله ، فمن كان لله أتقى فهو عند الله أكرم.
ولكن يجب أن نعلم أن بعض القبائل أو بعض الشعوب أفضل من بعض، فالشعب الذي بعث فيه الرسول ﵊ هو أفضل الشعوب، شعب العرب أفضل الشعوب، لأن الله قال في كتابه: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: ١٢٤) .
وقال النبي ﷺ : ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) .
ولا يعني هذا إهدار الجنس البشري بالكلية، لكن التفاخر هو
стр. 1717
الممنوع، أما التفاضل فإن الله يفضل بعض الأجناس على بعض، فالعرب أفضل من غيرهم، جنس العرب أفضل ن جنس العجم، لكن إذا كان العربي غير متقٍ والعجمي متقياً، فالعجمي عند الله أكرم من العربي.
ثم ساق المؤلف الآيات الأخرى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) لا تزكوها: أي لا تصفوها بالزكاة افتخاراً، وأما التحدث بنعمة الله على العبد مثل أن يقول القائل: كان مسرفاً على نفسه، كان منحرفاً، فهداه الله ووفقه ولزم الإستقامة؛ تحدثاً بنعمة الله لا تزكيه لنفسه؛ فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه أن يذكر الإنسان نعمة الله عليه في الهداية والتوفيق، كما أنه لا حرج أن يذكر نعمة الله عليه بالغنى بعد الفقر.
وقوله: (هوََ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) هو أي: الرب ، (أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) وكم ممن شخصين يقومان بعلم أو يدعان عملاً وبينهما في التقى مثل ما بين السماء والآرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) ؛ تجد الشخصين يصليان كل واحد جنب الآخر، لكن بين ما في قلوبهما من التقوى مثل ما بين السماء والأرض، شخصان يتجنبان الفاحشة لكن بينهما في التقوى مثل ما بين السماء والأرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) .
ثم ذكر المؤلف آية أخرى وهي قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأعراف: ٤٨) ، أصحاب الأعراف: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا يدخلون الجنة ولا يدخلون النار، يحشر أهل النار في إلى النار، ويساق المتقون إلى الرحمن
стр. 1718
وفداً إلى الجنة زمراً، فيدخل أهل النار النار، وأهل الجنة والجنة، وأصحاب الاعراف في مكان مرتفع.
فالأعراف جمع عرف، وهو المكان المرتفع، لكن ليسوا في الجنة وليسوا في النار، وهم يطلعون إلى هؤلاء وإلى هؤلاء، وفي النهاية يدخلون الجنة؛ لأنه ليس هناك إلا جنة أو نار، هما الباقيتان أبداً، وأما ما سواهما فيزول.
يقول الله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) أي: بعلاماتهم معرفة تامة، (قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني جمعكم المال والأولاد والأهل، ما أغني عنكم هؤلاء، وما أغنى جمعكم من الناس الذين هم جنودكم، تجمعونهم إليكم وتستنصرون بهم، ما أغنوا عنكم شيئاً، (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني وما أغنى عنكم استكباركم على الحق.
(أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) يعني الضعفاء، وكان الملأ المكذبون للرسل يسخرون من المؤمنين ويقولون (أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) (الأنعام: ٥٣) ، يقولون أهؤلاء أصحاب الرحمة؟ أهؤلاء أهل الجنة؟ يسخرون منهم (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) (المطففين: ٢٩-٣١) . فيقولون لهم: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) يعني قد قيل لهم: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (لأعراف: ٤٩) .
стр. 1719
إذاً صار تواضعهم للحق واتباعهم الرسل هو الذي بلغهم هذه المنازل العالية، أما هؤلاء المستكبرون الذين فخروا بما أغناهم الله به من الجمع والمال؛ فإن ذلك لم يغن عنهم شيئاً، فدلَّ ذلك على فضل التواضع للحق، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتواضعين له وللحق الذي جاءت به رسله إنه على كل شيء قدير.
* * *
١/٢٠٢- وعن عياضِ بن حمارٍ ﵁ قال: قال رسول الله لصلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ)) رواه مسلم.
٢/٦٠٣- وعن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما نقصت صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحداً إلا رفعةُ الله)) رواه مسلم.
٤/٦٠٤- وعنه قال: إن كانت الأمةُ من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيثُ شاءت. رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين
стр. 1720
في باب التواضع؛ فمنها حديث عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا)) يعني أن يتواضع كل واحد للآخر ولا يترفع عليه؛ بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان من عادة السلف- ﵏ إن الإنسان منهم يجعل من هو أصغر منه مثل ابنه، ومن هو أكبر مثل أبيه، ومن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى من هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال، وإلى من هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى من هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحد على أحد، وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتصف بها، أي بالتواضع لله ولإخوانه من المسلمين.
وأما الكافر فقد أمر الله تعالى بمجاهدته والغلظة عليه وإغاظته وإهانته بقدر المستطاع، لكن من كان له عهد وذمة فإنه يجب على المسلمين أن يفوا له بعهده وذمته، وألا يخفروا ذمته، وألا يؤذوه ما دام له عهد.
ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: ((ما نقصت صدقة من مال)) يعني أن الصدقات لا تنقص الأموال كما يتوهمه الإنسان، وكما يعد به الشيطان، فإن الشيطان كما قال الله : (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) (البقرة: ٢٦٨)
الفحشاء: كل ما يستفحش من بخل أو غيره، فهو يعد الإنسان الفقر، إذا أراد الإنسان أن يتصدق قال: لا تتصدق هذا ينقص مالك، هذا يجعلك فقيراً، لا تتصدق، أمسك، ولكن النبي ﷺ أخبرنا بأن الصدقة لا تنقص المال، فإن قال قائل: كيف لا تنقص المال، والإنسان إذا كان عنده مائة فتصدق بعشرة صار عنده تسعون، فيقال: هذا نقص كمًّ، ولكنها تزيد في
следующие страницы →